من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن مناذر مولى بني صبير بن يربوع بن حنظلة
بن مالك بن زيد مناة بن تميم أبو جعفر، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو ذريح، وذريح ابن له مات صغيرا. وهو شاعر فصيح متقدم في العلم باللغة إمام فيها، أخذ عنه كثير من اللغويين، وكان في أول أمره ناسكا يتأله، ثم ترك ذلك وهجا الناس وتهتك، فوعظته المعتزلة فلم يتّعظ
فزجروه فهجاهم وقذفهم حتى نفي عن البصرة الى الحجاز فمات هناك سنة ثمان وتسعين ومائة. وكان قارئا تروى عنه حروف يقرأ بها، وصحب الخليل بن أحمد وأبا عبيدة وأخذ عنهما الأدب واللغة، وله معرفة بالحديث. روى عن سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وشعبة وجماعة. وذكر ليحيى بن معين فقال: لا يروي عنه من فيه خير، وذكر له مرة فقال: أعرفه كان يرسل العقارب في المسجد بالبصرة حتى تلسع الناس وكان يصبّ المداد بالليل في أماكن الوضوء حتى يسوّد وجوههم.
وقال أبو العتاهية يوما لابن مناذر: كيف أنت في الشعر؟ فقال: أقول في الليلة عشرة أبيات إلى خمسة عشر، فقال أبو العتاهية: لو شئت أن أقول في الليلة ألف بيت لقلت، فقال: أجل والله، لأنك تقول:
ألا يا عتبة الساعهأموت الساعة الساعه
وتقول:
يا عتب مالي ولكيا ليتني لم أرك
وأنا أقول:
ستظلم بغداد ويجلو لنا الدجىبمكة ما عشنا ثلاثة أبحر
إذا وردوا بطحاء مكة أشرقتبيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلا لجود أكفّهموأرجلهم إلا لأعواد منبر
ولو أردت مثله لتعذر عليك الدهر، واني لا أعوّد نفسي مثل كلامك الساقط، فخجل أبو العتاهية.
وقال يوما ليونس النحوي، يعرض به: أينصرف جبّل أم لا؟ فقال له: قد عرفت ما أردت يا ابن الزانية، فانصرف وأعدّ شهودا ثم جاءه وأعاد السؤال، وعرف يونس ما أراد فقال: الجواب ما سمعته أمس.
قال الجاحظ: كان ابن مناذر مولى سليمان القهرمان وسليمان مولى
عبيد الله بن أبي بكرة، وعبيد الله مولى رسول الله ﷺ، فهو مولى مولى مولى، ادعى أبو بكرة أنه ثقفي، وادعى سليمان أنه تميمي، وادعى ابن مناذر أنه من بني صبير بن يربوع فهو دعي مولى دعي مولى دعي، وهذا مما لم يجتمع في غيره.
وعن محمد بن يزيد النحوي أن ابن مناذر كان إذا قيل له ابن مناذر- بفتح الميم- يغضب ثم يقول: أمناذر الصغرى أم مناذر الكبرى، وهما كورتان من كور لأهواز، إنما هو مناذر على وزن مفاعل من ناذر فهو مناذر.
ومما هدد به المعتزلة حين توعدوه ومنعوه من دخول المسجد قوله:
أبلغ لديك بني تميم مألكاعني وعرّج في بني يربوع
أني أخ لكم بدار مضيعةبوم وغربان عليه وقوع
يا للقبائل من تميم ما لكمروبى ولحم أخيكم بمضيع
وإذا تحزبت القبائل صلتمبفتى لكلّ ملمة وفظيع
هبّوا له فلقد أراه بنصركميأوي الى جبل أشمّ منيع
إن أنتم لم توتروا لأخيكمحتى يباء بوتره المتبوع
فخذوا المغازل بالأكفّ وأيقنواما عشتم بمذلة وخضوع
إن كنتم حدبا على أحسابكمسمعا فقد أسمعت كلّ سميع
أين الرياحيون لم أر مثلهمفي النائبات وأين رهط وكيع
وروى المبرد عن أبي واثلة قال: كان أبان اللاحقي يولع بابن مناذر ويقول له:
إنما أنت شاعر في المراثي فإذا متّ فلا ترثني، وكثر ذلك من أبان عليه حتى أغضبه فقال يهجوه:
غنج أبان ولين منطقهيخبّر الناس أنه حلقي
داء به تعرفون كلكميا آل عبد الحميد في الأفق
حتى إذا ما المساء جللهكان أطباؤه على الطرق
ففرّجوا عنه بعض كربتهبمستطير مطوّق العنق
وقال يرثي سفيان بن عيينة:
يجني من الحكمة سفيانناما تشتهي الأنفس ألوانا
يا واحد الأمة في علمهلقّيت من ذي العرش غفرانا
راحوا بسفيان على عرشهوالعلم مكسوّين أكفانا
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع