من «المحمدون من الشعراء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
محمد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان الكاتب، أبو علي
من أهل الكَرَخ؛ شيخ كبير فاضل، عالم مسنّ، من ذوي الهيئات؛ سمع الكثير؛ وينسب إلى التشيع، كذا ذكره ابن ماجه.
ولد في يوم الاثنين الثامن عشر من شهر رمضان سنة خمس عشرة وأربعمئة، وقيل ولد في سنة إحدى عشرة وبلغ مائة سنة، فإنه مات سنة إحدى عشرة وخمسمئة.
كتب إليّ أبو الضياء الهروي، حدثنا عبد الكريم بن محمد بن منصور المررزي، أنشدنا أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن عليّ الحافظ أنشدنا الرئيس أبو علي بن نبهان الكاتب لنفسه في داره بالكرخ: سريع: أسعدُنا من وفّق الله لكلِّ فعل منه يرضاه
ومن رضي من رزقه بالذيقدَّره الله وأعطاه
واطَّرَحَ الحِرْصَ وأطماعهفي نيلِ ما لم يُعطِ مولاهُ
طُوبى لمن فكَّرَ في بعثِهمن تبل أن يدعوْ به الله
واستدركَ الفارطَ فيما مضىومما نسي فالله أحصاهُ
فالموت حتم في جميعِ الورَىطُوبى لمن تُحمَدُ عُقباه
وكلُّ من عاش إلى غايةٍفي العمرِ فالموتُ قُصاراه
يَعلمه حقّاً يقيناً بلاشكٍّ ولكن يتناساه
كأنما خُصَّ به غيرناأوْ هُوَ خَطْبٌ نتوقَّاه
وإن جَرَى ذكرٌ له بينَناقُلنا جميعاً: قد عَلِمناهُ
وليسَ فينا واحدٌ عاملٌلغير ما يصلحُ، دنياهُ
كم آمِن في سِرْبهِ غافلفي أعظمِ العزِّ وأوفاهُ
أموالُهُ لا تنحصي كثرَةًوالخلقُ ترجوه وتخشاهُ
ومن عظيم الذكر في نعمةٍيُرْجى ويُخشى، وله جاه
قد باتَ في خفضٍ وفي غِبطةٍفي أطيبِ العيش وأهناهُ
أصبحَ قد فارق ذا كُلَّهُقهراً، وصار القبرُ مثواهُ
فزالتِ النِّعمةُ في لحظةٍواسترجع الدهرُ عطاياهُ
سِيق إلى دار البِلي مُكرَهاًلم يُغْنِ عنه المالُ والجاهُ
وكلُّ من كان ودُوداً لهتحت تُرابِ الأرضِ واراهُ
حتى إذا ما غاب عن عينِهٍعادَ إلى الدُّنيا وخلاَّهُ
مُقاطعاً مُطَّرَحاً مُهمَلاًمن غير ذنبٍ يَتجافاهُ
كأنه لم يَرَهُ ساعَةًولم يَكنْ في الدّهرِ لاقاهُ
لِي أَجلٌ قدَّرهُ خالِقينَعَمْ، ورِزْقٌ أتوقَّاهُ
حتى إذا آستوفيتُ منه الذيقُدِّرَ لي لا أتعَدَّاهُ
قال كِرامٌ كُنتُ ألقاهُمُفي مجلسٍ قد كنتُ أغشاهُ:
صارَ ابنُ نَبهانَ إلى ربِّهيرحمُنا الله وإيَّاهُ!!
توفي الرئيس أبو علي محمد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان ﵀ ليلة الأحد، ودفن يوم الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة وخمسمئة. محمد بن سليمان بن قتلمش بن تُركانشاه السمرقندي الأصل، البغدادي المولد والدار، أبو منصور
من أولاد الأمراء؛ له معرفة حسنة بالأدب، وشيء من العلوم الرياضية. وشعره جيّد، وتولى حجابة الحُجّاب بالديوان العزيز - مجَّده الله - في ذي الحجة سنة خمس عشرة وستمئة. كتب إليّ محمد بن يحيى الدُّبيثي: أنشدني أبو منصور محمد بن سليمان الأمير لنفسه، وكتب لي بخطه: بسيط:
لي في هواكَ وإنْ عذَّبتني أرَبٌينفي السُّلوَّ قُطِّعتُ آرابَا
لا أطلبُ الروحَ من كربِ الغرام ولوصابت عليَّ سماءُ الحبِّ أوصابَا ولست أبغي ثوابَ الصبر عنك، ولوْألبَستَني من سَقام الجسمِ أثوابا
وشقوتي بك لا أرضى النعيمَ بهاوساعةٌ منك تسوى النار أحقابا
وأنشدني أيضاً لنفسه: كامل:
ومهفهفٍ غَضِّ الشبابِ أنيقِهِكالبدرِ غصّني القوام وريقِهِ
نازعتُه مشمولةً فأدارَهامن مُقلتيهِ ووجنتيهِ ورِيقِهِ
قلت: ورأيت له مصنّفاً في الأدب، سمّاه " التبر المسبوك "، من حسان المجاميع، وانتقل إليَّ - والله المحمود - وهو في ملكي، وفيه فوائد جميلة من فن الأدب؛ صنفه لابن صديقه أبي غالب عبد الواحد بن مسعود بن الحصين المسمّى بالشريف أبي منصور، وسيره إليه إلى حلب مع ولد له متخلف، وكافاه أبو منصور المذكور عن التصنيف بما وصلت همّته إليه على صغرها ونزارتها، وأخذ الولد ذلك القدر، واجتاز في طريقه إلى بغداد بدُنَيْسَر، فوجد فيها المومسات متيسرات، فأنفق عليهن ذلك القدر، على نزارته، ثم مات فيما بلغني. وقد كان أبوه محمد في ذلك الوقت في عسر من أمره، وذلك قبل أن يتولى حجابة الديوان في الأيام الناصرية؛ ثم لطف الله به وتولى، وقد كان له ولد مات شاباً وقد قارب العشرين. وكان الله قد فتح عليه علم الهندسة، فبلغ فيه مبلغاً قصر عنه المشايخ، واستخرج غوامض من المسائل، مرّت الدهور عليها وهي معلّقة؛ وسمعت أنه استخرج ضلع المسبّع في الدائرة، وأقام عليه البرهان، وهو مما عجز عنه بُطلَيْموس ومن قبله ومن بعده. ولقد بلغني أن أحد القائمين بهذا النوع قال في ضلع المسبّع: وقد أعيانا استخراجه بالبرهان، ولعلّ الله أخّر علمَ ذلك إلى أن يأتي من يختص به في أثناء الزمان المستقبل، فكان - والله أعلم - ولد محمد بن قتلمش.
قال القيلوي: كتب ابن قتلمش على يدي إلى نظام الدين، وزير حلب: خفيف:
ذُو عِيالٍ ومقترٍ وعَلى النسْخِ، فوا طول حيلتي لي
ولو أني كالكاتب ابنِ هِلالٍلحِقَتْه أخلاقُ هذا الجيلِ
توفي محمد بن سليمان ﵀ يوم الاثنين سادس عشرين ربيع الآخر سنة عشرين وستمائة، ودفن يوم الثلاثاء بمقبرة.
النص من طبعة دار اليمامة (١٣٩٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع