من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه يحيى
يحيى بن أحمد بن موسى، أبو زكريا الضرير المقرئ،
الموصلىٌّ الدار والسكنى.
وكان من قرية من قرى العراق تدعى برفطا.
هاجر إلى الموصل واستقرَّ مقامه بها إلى حين وفاته فى شهر رمضان سنة ثمانى عشرة
وستمائة. ورأيته بها شيخاً طويلاً أسهر اللون ساكناً بالمدرسة العتيقة. وكان شاعراً
قارئاً للقرآن العزيز فاضلاً.
وحدَّثنى الصاحب الوزير أبو البركات المستوفى الإربلى بها - رضى الله عنه - قال:
اخبرت عنه انَّه كان يضرب بالعود، وينادم الأكابر، ويشرب الخمر. ورد إربل غير مرَّة،
ولم أستنشده من أشعاره إلى أن ورد فى سلخ ذى الحجة سنة عشر وستمائة، فأنشدنى لنفسه
من قصيدة يمدح بها أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود - صاحب
الموصل -:
/ ب/ دين الصَّوارم والعسَّالة الذبلعز تدين له الأعناق فى القلل
إركب على صافنات العزم متَّخذاًمواطناً فى ذرى العلياء للنق
ومنها فى المديح:
كل الملوك اكتست من فخركم حللاًكما اكتسى آدم من سيِّد الرُّسل
اتى اخيراً وحاز السَّبق قاطبةًكذلك القيل نور الدِّين فى المثل
وقال من قصيدة أولها:
منح القضيب رشاقة وتأودُّارشا بوجنته الضَّلالة والهدى
آلت محاسنه إليَّة قادرلتتيِّمن مفوَّها ومبلَّدا
رحلت إليه من الصدور قلوبنافكأنَّها بدن تحث بها الحدا
لمَّا رات انوار كنه جلالهخرَّت إليه مع الجوارح سجَّدا
وقال يمدح أتابك نور الدين أرسلان شاه صاحب الوصل:
اتعلم ما يلقاه فى كلِّ معلممحب يروِّى ساحة الربع بالدَّم
يثير له التَّذكار نار صبابةتزيد على حرِّ الجحيم المضرَّم
/ أ/ سرى طائر عن سانح عن يمينهيبشَّره بعد الفراق بمقدم
الا يا ابنة الرومىِّ هل لك موعدفبعض الأمانى راحة للمتَّيم
إذا كان فيك الغدر طبعاً تكلَّفىوصالاً وإن لم تعلمى فتعلَّمى
فباتت ولى إخلاص نيَّة مؤمنوبانت ولى فيها عقيدة مسلم
فلا همَّتى فيها تهم بريبةولا ناظرى فيها يبوء بماثم
واحلم عنها عفَّة بعد قدرةكحلمك نور الدِّين عن كلِّ مجرم
مليك تخاف الأرض سطوة باسهويفتك باللَّيث الهصور الغشمشم
اجار فما فوق البسيطة خائفواغنى فما فى الأرض خلق بمعدم
راينا عياناً منه بعد سماعنا الأحاديث ما لم توضح العين للفم
جرئ كموسى صامت مثل صالحتقى كيحيى ناطق كابن مريم
ايا معطى الخيرات فى كلّ لزبة... ... ومخمد انفاس الجواد المطهَّم
وصلت فما الغيث الرَّوى بممطروصلت فما اللَّيث الكمىٌّ بمقدم
خلقت لعزم واقتدار وهَّمةوعقل وذى رأى وًبأس مصمَّم
فانسيتنا قساًوعمراً وحاجباًوكعباً وقيس الرأى وابن مكدَّم
/ ب/ايا خير من يرجى لكشف ملمةواكرم مسؤول وافضل منعم
تهنَّ بعيد الفطر ما ناح طائرعلى فنن يشدو بطيب التَّرنم
ولازلت فى عزٍّ مقيم ونعمةمدى الدَّهر ما لاحت طوالع انجم
فدونكها عذراء كالمسكً نشرهاثنى دونها الطلَّاب سوم المقوَّم
وعش فى نعيم دائم وسعادةمحدَّدة اركانها لم تهدم
وقال أيضاً يمدحه:
احيا الصَّبابة باخل بوصالهوامات صبر الصَّبِّ يوم زياله
قمر يجود على الورى بصدودهطبعاً ويبخل عامداً بوصاله
يهتزٌّ من مرح الشَّبيبة عطفهفالبان يخجل منه من تمياله
ما سلَّ سيف لحاظه فى جحفلإلَّا اغتنى عن سيفه ونباله
لبس العيون من الملاحة حلَّةًما خاطها إلَّا بديع جماله
لو كان يعدى خلقه من خلقهلمحت محاسنه قبيح فعاله
قمر بدا من تحت ليلٍ مظلمٍ... من فوق غصن فى كثيب وماله
اهوى استماع البحر خيفة هجرهواراه حلواً إذ خطرت بباله
/ أ/ ويزيدنى كلفًا به إعراضهوصدوده بوصاله ومطاله
يا فتنة العشَّاق رفقا بامرئلم يبق منه سوى خيال خياله
هى صبوة عذريٍّة لا يرتجىلسليمها الإبلال من بلباله
ولقد قتلت الدَّهر خبراً والورى... وبلغت مجداً جلَّ عن اشكاله
حتَّى حللت بربع ملك ماجداسمى نجوم المجد دون مناله
فى ربع نور الدِّين والملك الَّذىفاق الملوك ببأسه ونواله
ملك نرى صيد الملوك ببابهحزباً لما ترجوه من إفضاله
التارًك الابطال فى يوم الوغى... صرعى إذا اشتبك الوغى بمحاله
حبر يحير الحبر حسن جدالهبحر ينيل النَّيل قبل سؤاله
[ما امَّه ذو عسرة إلَّا انثنىعنه ينول من كرائم ماله]
كرم يبخِّل حاتماً وشجاعةتلهى ابا الأشبال عن اشباله
وتريه اعقاب الأمور بصيرة... شهد الورى بجلالها وجلاله
مولاى نور الدِّين يا من ربعهحرم يفوز مخيِّم بظلاله
حزت الصِّفات من الشَّجاعة والنَّدىوالعدل حتَّى فقت عند كماله
امن الغنىُّ بك انتقاص غنائهواجرت ذا الأقدار من إقلاله
/ ب/ وغدا الرَّعايا فى حماك بغبطةلا يرهبون الدَّهر مع اهواله
يا ايُّها الملك الَّذى فاق الورىوالدَّهر طوع يمينه وشماله
وفتي تنقَّل في العلا حتِّي غدتوحش الفلا والطير بعض عياله
وغذا الوري أضيافه فيمرهمفي سلمه أولاك يوم نزاله
أنت الذي أغنيتني وحميتنيمن صرف دهر كنت من اقتاله
فلشكرنك عبدك القنُّ الِّذيإفضال طولكً مخبر عن حاله
فتهنَّ بالعيد الَّذي وافاك ياخير الوري بالسَّعد من إقباله
واسلم ودم في نعمة وسعادةما ناح قمري بأعلى ضاله
يحي بن أحمد، بن يوسف بن أحمد، أبو زكريا الواعظ الحسني.
من أهل غرناطة.
ذكر الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي في تاريخه - رحمة الله تعالى - وقال: ورد إربل وعقد بها مجالس الوعظ. وكان له من العامة قبول عظيم. وكان يجيء الناس أكثر مجالسة ويتكفَّفهم.
وصلة الفقير إلى رحمة الله تعالى أبو سعيد كوكبوري أ/ بن علي [بن] بكتكين بصلة، وأراد السفر فأمر العامة أن يطلبوا من السلطان أن يقيم عندهم فأجابهم إلى ذلك في خامس جمادى الآخرة من سنة تسع عشرة وستمائة.
ثم قال: أنشدني لنفسه من قصيدة طويلة التزم في أثناثها الإتيان بكلمات منثورة ذكرها لي، تبين إنها كتبت بلون غير المداد، يقول فيها:
يا دوحة البان من شرقيِّ كاظمةسقاك من عبوات السحب هتَّان
لساكنيك علينا خدمة ولناًعليهم بالوفا عهد وأيمان
كم أعذل القلب في تذكاره لهمدنوا فلمًّا دنا وملي بهم بانوا
هم علَّموني الهوي ما كنت أعرفهحتَّي إذا ولجوا باب الهوي خانوا
هم الَّذين بسخر اللَّحظ قد سفكوادم الهمام وشرع الحب إذ عان
فإن وضعت يدي بالصدر اكتم مابالقلب غادره صبر وكتمان
يحيى بن إبراهيم بن محمد، أبو تراب بن أبي إسحاق البراز البغدادي.
من أهل الكرخ.
ذكره الشيخ ب/ أبو عبد الله محمد بن سعيد الدبيثي، وقال: سكن اللَّوزيّة من محال الجانب الشرقي، وتفقه على مذهب الشافعي ﵁ على أبي الحس بن الخلّ، وسمع منه ومن أبي الفرج عبد الخالق بن أحمد بن يوسف، وأبي الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، وأبي بكر محمد بن عبيد الزاغوني، وأبي الوقت السجزي وغيرهم، وروى عنهم.
وسافر إلى الشام، وأقام بدمشق مدَّة، وحدّث بها وعاد إلى بغداد وأقام بها إلى أن توفي يوم الأربعاء ثالث عشر شعبان سنة أربع عشرة وستمائة. كتبنا عنه بعد عوده من الشام. وكان سماعة صحيحاً، ويفهم ما يقرأ عليه.
قال وسألته عن مولد، فقال: في السادس والعشرين من شعبان سنة ستٍّ وعشرين وخمسمائة؛ هذا آخر كلامه.
أنشدني أبو الفتح محمد بن بدل بن أبي المعمر التبريزي بإربل، رحمة الله
تعالي -في سنة خمس وعشرين وستمائة، قال: أنشدني أبو تراب لنفسه:.
/ أ/ أحنُّ إليك من فرط اشتياقيلكي القاك من قبل التلافي
عدوُّك هالك يهوي سريعاًإلي النَّيران لم ينفعه راقي
ومن يهواك يكف ولا يباليومن يشناك يهلك وهو باقي
إذا جئنا عطا شي يوم نشرٍلتسقينا فأنت هناك ساقي
يحيي بن إسحاق، الأمير، أبو زكريا الميورقيُّ.
صاحب ميورقة وودَّان.
كان مشهوراً بالبأس والشجاعة بطلاً من الأبطال، مقداماً في الحروب جواداً سخياً أدبياً بليغاً شاعراً فضيحاً. لم يقع إلى من شعره غير بيت مفرد من قصيدة وهو:
يحيى بن أسعد بن يحي بن موسى، أبو المفضل - المذكور أبوه فى أوّل الكتاب في حرف الهمزة – السنجاري الأصل، الفارقيُّ المولد، الدنيسرىُّ الدار.
ذكره أبو حفص عمر بن الخضر بن اللَّمش التركي فى كتابه "حلية السريين من
خواص الدنيسريين". وقال: من أهل القرآن، قرأه بالقرآت على أبي سعد سعد الله بن غنائم النحوي الحموي بها، وقرأ على شيخنا أبي الحسن النيلي بدنيسر جملةً من كتب القراءات، وله عناية بالتجويد، وحسن الأداء في القراءة.
وهو سامي الهمة في التشاغل بعلومٍ منها: الفقه والنحو والطلب وغيرها.
وله في النظم والنثر والترتيب والإنشاء تصرُّف.
ثم قال: أنشدني لنفسه إملاءً بدنيسر موعظةً:
واخجلتي يوم الحساب وقولهما كنت تصنع والزمان موسَّع
أو لم نعمِّرك الطَّويل ونستر السِّــتر الجميل ألم يكن لك مرجع
/ أ/ لو لم تكن لك في القرون من الألىعبر أما في ذكرهم ما يقنع
أو لم تكن [لك] اعين فترى بهاأو لم يكن لك للمواعظ مسمع
ماذا أقول ولي ذنوب نكَّسترأسي حياء فهو لا يترفَّع
واحسرتا لو كان يغني حسرةواويلتا لو أنَّ ويلاً ينفع
ضَّيعت أيَّامي لغير إفادةترجى فقلبي بالهموم مروَّع
وجوانحي من حرِّ شوقي في لظىًوجد به تحني عليه الأضلع
ما لي سوي الظَّنِّ الجميل وسيلةفهو الجواد وجوده لا يمنع
قال: وأنشدني لنفسه متغزلاً:
يخفي الهوي ودموعه تبديهصبٌّ صبابه وجده تصبيه
وتميته أشواقه فإذا بدامن نحو رامه بارق يحييه
وإذا النَّسيم سري إليه بنشركمنشر الَّذي من حبكّم يطويه
فتردّه زفراته من خرِّهاعنه وباعث شوقه يدنيه
يغريه عاذله وأين سلُّوهمنه وطوع غرامه ناهيه
/ ب/ فهو السَّليم بوجده فلذا إذاهبَّ النَّسيم كأنَّه راقيه
رقَّ العدول لحاله من سقمهوبكي وحسبك عاذل يبكيه
آس إذا هبَّ النَّسيم من الحميهيهات عزَّ من الأسي آسيه
ومهفهف عبث الصَّبا بقوامهما فيه من عيب لمستجليه
سكرت لواحظه بخمر السَّحر منفتراتها ودلاله ساقيه
سلًّت سيوف التَّيه من إعراضهلحظاته فمحبُّة في التَّيه
يا بدر إن طال المطال فعد عليبعد البعاد تحيَّة تحييه
أين المفر ولا مفر لعاشقحكمت عليه يد السَّقام وفيه
قال: وأنشدني لنفسه إملاء:
أيُّ شيء أحلي من الحبِّ جهراًلذَّة العشق أن تهتَّك ستراً
رحم الله من وش بي فإنِّياستلذُّ الهوي وإن كان مرَّاً
ليت شعري ماذا تقول وشاتيأنا مغري بحبِّهم أنا مغري
وإذا ما الحبيب كان علي الحــبِّ معيناً لم تخش زيداً وعمراً
/ أ/ وحياة الهوي وحقِّ زمان الــوصل والجاريات يسراً وعسراً
لو اطقت المزيد في الحبِّ لازددت ولكنني تحمَّلت وقراً
يا مني النَّفس يا نهاية آمالي بمن قد كسا جفونك سحراً
بالَّذي صان ذا الجمال عن الرَّيــبه بالطَّائفين شعثاً وغبراً
لا تدع مهجتي تذوب من الشوق غراماً فأنت بالحال أدري
ففؤادي من التهاجر مفؤودو عيناي بعد بعدك سهري
لست من يستطيع صبراً علي البــين من ذا يطيق للبين صبراً
قال: وأنشدني أيضاً لنفسه:
الذُّ الهوي ما ذلَّ فيه عزيزهواقتله للعاشقين غريزه
وافتكه طرف كحيل إذا رناتبلبل الباب البرايا رموزه
قال: وأنشدني لنفسه إرتجالاً:
فديتك كفَّ عن ظلميففي الأيَّام معتبر
جني طرفي علي قلبيفكان جزاءه السَّهر
/ ب/ يحيي بن إسماعيل بن موسى بن إبراهيم بن منصور بن العاص، أبو زكريا الموصلي.
المذكور والده في الجزء الأول من الكتاب.
أخبرني أنه ولد في الليلة المسفرة عن صباح يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة سنة ستمائة بالموصل؛ وهو شاب ذو نوادر ومضحاكات ومفكاهةٍ ومداعباتٍ وأزجالٍ وموشحات، وأشعار في الزكالش هزليات.
غلب عله نوع المداعبة والهزل فشهر به، واستمر ني نهجه وله معرفة بأحوال الساسانيَّة، وكلام أهل التلاَّريَّة، ومقالات المنجمين والطرقيّة. وعنده قحة في مخاطباته وقلة حياء ومصادفة وجرأة في الكلام الرديء الفاحش؛ إلاَّ إن فيه ذكاءً وله طبع في الشعر.
ومما أنشدني لنفسه يمدح بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله - صاحب الموصل - ويذكر الخلعة التى جاءته من أمير المؤمنين الإمام المستنصر بالله أبي جعفر المنصور بن محمد، أ/ والسيف والسِّنجق، وأن يخطب له على المنبر ويضرب الدينار باسمة ومؤازرته ومعاضدته له:
الحمد لله نال السُّول طالبهوقام في المنبر البدريِّ خاطبه
وأشرقت غرَّة الدُّنيا وابتهج الــملك المؤَّبد واهتزَّت مناكبه
وشرِّف السِّنجق الميمون حين غذاتلوي علي ملك الدُّنيا عصائبه
أبي الفضائل سلطان الرَّعَّية بدر الدِّين ذي الشرف العالي مناقبه
سمعاً دعوت أمير المؤمنين إليحق تجلَّت لرائيه كواكبه
واخترت أروع صفَّي الله جوهرهيسمو به الدَّهر حقاً فهو صاحبه
البسته حلُّةً جاءت من الملأ الأعلي تهادي فزفتها سحائبه
وصارماً أبداً تغنو الرِّقاب لهكأنما القدر الجاري مضاربه
قلَّدت أمر عباد الله خيرهمفأصبح الملك قد عزت مطالبه
فالآن قرَّت عيون العالمين بماأوتو اوأمَّ سبيل الحق راكبه
يا معشر النَّاي أوفوا بالنذور فذا الــوفت الَّذي خطه في اللوح كاتبه
هذا الّذي ظهرت بالله آيتههذا الَّذي تفتح الدُّنيا كتائبه
/ ب/ ملك له علم الإقبال منتشروالسعد رافعه والله ناصبه
ينبئك عن أصله أفعاله وكذا الافعال تهدي إلي من ظل ناسبه
بيض مناقبه صفر مواهبهخضر مواطئه حمر قواضبه
هذا الَّذي يختم الملك العقيم فمامن بعده ملك إلاَّ عواقبه
هذي البداية فانظر كيف تخطبه الــبلاد طرَّاً وأطواراً تجاذبه
فلا فتي الفلك الدَّوَّار يخدمهما ذرَّ شارقه وانحطَّ غاربه
وأنشدني لنفسه:
ومتي شئت أن تنال من النموصل حظّاً فقل بغير مخافة
إنَّني شاعر أتيت من الشام وقصدي مقرُّ دار الخلافة
وأظهر النَّصب ترتفع وتجرُّ الــمال من جمعهم بحرف الإضافة
وأنشدني مشوَّه الخلق ضعيف العينين:
/ ب/ قالوا: نري الكوذين دون الوريفرداً بلاصيت ولا صوت
فقلت: كفوا ليته لم يزلبشخصه عندي إلي الفوت
أقل ما في وجهه أنَّهيفزع منه
وأنشدني أيضاً فيه يهجوه:
تتقلَّب الدَّهر تقليباً عجبت لهحتَّي لقد صار في الآته عبر
وكان عهدي بالكوذين من خشبنقي وجه يدقُّ الثَّوب ينقصر
وقد إذا يوسف الكوذين هامتهتدقُّ الوجه منه أسود حجر
وأنشدني لنفسه يخاطب بدر الدين لؤلؤ ين قرب الشيطان الشاعر الإربلي؛ ويحي هذا كان ينعت بالنجم:
قل للمليك الَّذي مازال معتصماًيجب بالرُّحب والإكرام داعيه
حاشاً مقرَّك والأملاك تحرسهأن تبعد النَّجم والشَّيطان تدنيه
/ ب/ وأنشدني لنفسه في حسين بن عمر بن العصار الشيرجي. وكان كبير الأنف جداً:
قل للحسين الشَّيرجيِّ عدمتهقاضي الفسوق وحجَّة المتمرِّد
شبَّهت أنفك كر دكوه بعينهاوالفرق بينهما جليُّ المقصد
إنَّ الملاحد أصبحوا في قلعةٍورأيت أنفك قلعة في ملحد
وأنشدني لنفسه يخاطب بدر الدين لؤلؤ:
أمولاي بدر الدِّين نعماك لم تكلإلي رحلة وسط الشِّتاء ولا الصَّيف
ملكت وملء الأرض جدب وروعةفاطعمت من جوع وآمنت من خوف
وأنشدني قوله:
/ أ/ يا من يخاف العسر أويخشي من المكاره
اقصد ابا الفتح ودرتفز بباب داره
فالأمن في يمينهواليسر في يساره
وأنشدني لنفسه:
وصائم جاءني والكأس مترعةوسط النهار تحاكي جذوة النَّار
فقال لمَّا رآها في فمي: غربت:الله أكبر هذا وقت إفطاري
وأنشدني لنفسه يهجو:
وقالوا: يري مسعود شخصك منكراًفأوضح لنا ما قاله ببيان
فقلت: صحيح ذاك مازال ظهرهإلي فيا لله كيف يراني
يحي بن أبي بكر بن مكي، أبو زكريا الكاتب التميميُّ
من أهل بجَّانة من بلاد المغرب.
كان يكتب لبعض بني عبد المؤمن المستولين يومئذ على البلاد المغربية. وكان من الأفاضل في زمانه أدباً وكتابةً وقولاً للشعر، وحفظة للأشعار؛ ذا حظٍّ جزيل من علم اللغة والعربية.
حدثني ب/ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن يوسف الفرَّياني بحلب، قال: اتفق أن اجتمع جماعة من غلمان صاحب المغرب وخواصه يرمون بالنُّشاب فبينما هم في ذلك إذ أقبل الأمير حينئذ، ثم قصد القرطاس فأزاله من مكانة، ووضع يده عوضه، وقال للرماة: أيّكم أصاب يدي دفعت إليه ألف دينار فأشار إليه بعض الحاضرين، وقال: أعيذك أيها الأمير من السوء، هذا لا يمكن وإنما نجعل موضع يد الأمير الهدف ويرمى فأزال يده من ذلك فابتدر أحد الغلمان ورمى فأصاب الهدف الذي وضع، فدفع إليه الأمير ألف دينار، فقال أبو زكريا بديهاً في ذلك الوقت وكان حاضراً ذلك كلّه، وأنشدناه:
يا خامس الخلفاء الرَّاشدين عسىشكواك تقبض في الأيدي وتفترض
علمتها البسط للجدوى لسائلهاحتى من السَّهم يصمي ليس ينقبض
لم يقصد السَّهم إلاَّ كي يعرفناهذا الإمام الذي في كفِّه الغرض
/ أ/ وأنشدني، قال: أنشدني أبو زكريا أيضاً من شعره:.
بكيت فما أغنى البكاء ولا أجديفكيف وقد أهدي لي البين ما اهدي
وما فرقة الأحباب إلاَّ زريَّةتبيد الفتى سقماً وتقتله رجدا
هم أورثوا قلبي الصَّبابة والجوىوهم أورثوا عيني المدامع والسُّهداً
أيا هند لا كان الفراق ويومهفقد طال ما شقَّ القلوب وما هدَّا
نسير وما ندري لفرقتنا مدًىسوى أنَّ هذا البين ما بيننا جدَّا
أيا هند إنِّي غير راض بسلوةولا نافض ودّا ولا ناقضٍ عهداً
ولو كان لي بدٌّ عن البعًد والنَّوىأقمت ولكن لم أجد عنهما بدّا
أيا هند لو أبصرت شوقي ولوعتيلجدَّدت لي حبّاً واسقعت لي ودَّا
أعندك أنِّي في بحور من الأسىغريق ولم أبلغ لغايتها حدَّا
فهاتيك حالي والدِّيار قريبةإذا ما أزددت عن داركم بعداَ
يحيي بن الحسن بن الحسين بن عليِّ بن محمد – ويلَّقب البطريق – ابن نصر بن حمدون بن ثابت بن ب/ مالك بن ليت بن عامر بن غنم بن فهر بن دلجة بن بشر بن معاوية بن بدر بن ثعلبةً بن حبال بن نصر بن سواة بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دوادن بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو الحسين، وأبو زكريا الأسدُّي.
كانت ولادته ومنشأه بالحلّة المزيديّة.
كان عالماً فقيهاً قدوةً في مذهب الشيعة إماماً من أئمتهم، سمع الحديث الكثير، وسافر [إلي] البُلدان، وسمع عليه أهلها عدَّة كتب من تصنيفه وتصنيف غيره؛ ثم عاد إلى الحلة المزيدية فكانت وفاته بها في سنة إحدى وستمائة.
وقد ذكره الشريف أبو عبد الحميد فخار بن معد بن أحمد بن محمد الحلي الموسوي في مشايخه، وقال: لقي أبو زكريا يس بن الحسن بن الحسين بن علي بن البطريق الأسدي الحلي الفقيه العماد الطبري تلميذ أبي علي بن الطوسي، وقرأ عليه ولقي غيره.
وعلة سنُّه حتى بلغ ثمانين سنةً، وصنَّف كتباً حسنةً، ومضى أ/ إلى واسط، وأقام عشرين سنة، ثم عاد إلى الحلة فمكث بها قليلاً، ثم فارقها وقدم إلى الموصل، ثم إلى حلب واستوطنها مدّةً ثم رحل عنها. وكان حسن المذهب، طيب المعاشرة، هذا آخر كلامه.
صار إليّ من تصنيفه كتاب كبير لقبه بـ "العمدة من صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار علي بن أبي طالب وصيّ المختار وعلى الأئمة من ذريته الأطهار"، وصنف كتاباً آخر وسمة بـ"مستدرك المختار في مناقب المختار" استخرجه من المسانيد الصحاح المؤلَّفة. تكلم على الأحاديث ومعاني الآيات، وفصَّله فضولاً، وأضاف إلى ذلك مقطعاتٍ حساناً من شعره في مدح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - صلوات الله عليه وسلامة.
وكان شاعراً أديباً؛ وهو والد أبي الحسن علي بن يحي بن الحسن بن البطريق الذي مرَّ شعره متقدّماً في مكانه.
ومن شعره ما أنشد ني الشريف النقيب الأجل العالم السيد الأطهر ب/ جمال آل رسول اللص صلي الله عليه وسلم فخر الدين أبو الوفا عبيد الله بن علي بن زيد بن محمد بن عبيد الله الحسيني الموصليُّ بها ﵁ قال: قرئ على يحيى بن الحسن الأسدي
لنفسه، وأنة أسمع في مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهة: -
إذا حرفوا نصّا عليك نحبَّراًفهل حرَّفوا ما في الكتاب المنزَّل
وأني سأبدي فيك ما نبذا العدابظهر من الوحي العزيز المرتَّل
ومن مسند الآثار عن سيد الورىنبي الهدى المنعوت بالمتزمِّل
أبا حسن إنَّي إليك ممسَّكوبعد إله العرش أنت معوَّلي
وأنشدني أيضاً، قال: أخبرنا لنفسه قراءة عليه يمدحه - صلوات الله عليه: -
وإذا المدائح زينَّت فخر امرئكان المديح بفخرك الممدوحا
وإذا المناقب زينَّت بمدائحجعلت مناقبك المديح مديحاً
/ أ/ أنت الَّذي ردَّ الإله بقولهشاطي الفرات على البريَّة يوحى
أنت الَّذي مذ لم نزل في فضلةبرسالة الرُّوح المؤيِّد يوحى
وأنشدني عنه قوله يمدحه - كرم الله وجهة –
إمام للمعاند والوليَّومولى للموافق والقليِّ
له فرض الولاء بيوم خمبوحي الله في النص الجليِّ
فحسبك من مفاخرة قديماًغدا نوراً على العرش العليِّ
وحسبك من مناقبه حديثاًوصيُّ للنبيِّ الأبطحيِّ
وأنشدني عنه أيضاً فيه ﵇:
جاهدت فيك بقولي واللِّسان لهفضل على السيف والعسَّالة الذبل
لولا اللِّسان لما سلَّ الحسام ولا الــتقت جموع الوغى في معرك حفل
فالقول تخدمه الأسياف إن سعدتأربابها وبهم شوق إلى العمل
به عرفنا مقادير السَّعيد من الشَّــقيِّ لا بالظباة البيض والأسل
/ ب/ وأنشدني عنه فيه - كرم الله وجهة: -
تثني مقاصده الرَّدى عن قصدهومقاصد الرَّحمان غاية قصده
أبداً رضا الجبَّار في سطواتهوكذا رضا المختار في إفرنده
نهضت به رتب الكمال بسؤددأعيا على من رام فيه بجهده
وأنشدني عنه أيضاً - صلوات الله عليه وسلامة -:
مناقب في دين عليها طلاوةومنها لجيد المكرمات تمائم
قلائد في بيت الدِّيانة والهدىومنها لفخر المكرمات مكارم
يحي بن الحس بن أحمد بن مراون بن عليَّ بن سلامة بن مروان، أبو زكريا الطنزي – بالنون والزاي -
من طنزة، بلدة فوق الجزيرة العمرية من ديار بكر.
وقد أوردت من شعر جدّ أبية مروان بن علي في كتابي المتقدّم الملقب بـ "تحفة الكبراء المذيل محلى معجم الشعراء".
وكانت أ/ ولادة أبي زكريا - هذا - في سنة ثلاث وسبعين وخمسائة بطنزة. ونشأ بها وانحدر إلى الموصل، وتفقه بها على الشيخ أبي المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الموصلي الفقيه الشافعيّ مدَّة بالمدرسة الأتابكية العتيقة. وحفظ كتاب التنبيه للامام أبي إسحاق الشيرازي على ظهر قلبه. وقرأ شيئاً من مسائل الخلاف والفرائض على الإمام أبي المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصلي، ولازمة مدَّة، وتميزَّ فيما قرأ عليه.
وانحدر إلى بغداد وأقام بالمدرسة النظاميَّة يسمع درس الشيخ أبي علي يحيي بن الربيع بن سليمان بن حرَّاز ألعدوي الواسطي مدّرس النظامية. ثم انتقل بعد مديدة إلى دار الذهب وسمع بها الدرس من أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن فضلان، وكان المدرس بها يومئذ. واستدلَّ بين يديه ولازم الاشتغال وتمهَّر في المسائل الخلافية وعلم المذهب والفرائض.
ثم أصعد من بغداد في سنة خمس وستمائة، ب/ وأقام بالموصل مديدةً يسرة، ثم توجَّه إلى بلده فولي القضاء والتدريس بها. فكان يقضي ويدّرس ويفتي وبقي على ذلك مدَّة. ثم صرف عن القضاء بسبب تغير وزير كان بديار بكر؛ ثم أعيد عن قريب.
وكان قد فقهت نفسه، ورقَّ طبعه، ينظم الشعر الرقيق. وكان اجتماعي بالقاضي أبي زكريا بحلب في شهر ربع الآخر سنة أربع وأربعين وستمائة بالمدرسة النوريّة المعروفة بالنفَّرية.
وأنشدني لنفسه:
من لي بطيفك أن يكون مسامرييا غائباً لم يخل منه خاطري
لهفي على ذاك الزَّمان وطيبةأيَّام كنت مصاحبي ومعاشري
تالله لو يرجى له من عودةأو يفتدى لفديته بالنَّاظر
هل أنت يا أملي على طول المدىأنسيتني أم هل فديتك ذاكري
أقسمت بالبيت العتيق ومن دعابفنائه من محرم ومجاور
إن عاد شملي جامعاً بأحبَّتيمن بعد طول قطيعة وتهاجر
/ أ/ قضيت عمري للأحبَّة شاكراًوغفرت زلاَّت الزَّمان الغادر
أنشدني أيضا لنفسه إملاءً:.
إن كان صدُّك عن قلًى وملالأو كان عن تيه وفرط دلال
فلقد علمت بأنَّني راض بماترضاه لي يا منتهى أمالي
قسماً بوجهك إنَّه لي كعبةحجِّي لها متتابع متوالي
لولاك لم أخضع لواش كاشحٍكلاَّ ولا أغضبت فيك رجالي
لكن حبَّك قد تملَّك مهجتيكرهاً فلا الوي إلى عذَّالي
يا قامة الغصن الرَّطيب وفرحة الصّـبِّ الكئيب أما مللت مطالي
هب أننَّي راض بصدِّك والقليلم لا تجود تكرُّماً بوصالي
مولاي أنت جعلتني غرضاً لماأرمى الغداة به من الأقوال
وتركتني بين الرَّجال يسومنيمن كنت لا أرضى لحمل نعالي
يحيي بن حميد بن ظافر بن عليَّ بن الحسين بن عليَّ بن القائد أبي عليٍّ يعرف بمؤيَّد الحقَّ بن صالح بن عليَّ بن سعد بن كريم بن محمد بن الحسن بن الحارث بن عليَّ ب/ بن سعد ين مسعود بن اليعقوب بن حارثه بن الأعصم بن غنم بن أسد بن سالم بن سعد بن الحارث بن صخر بن الحارث بن صخر بن الحارث بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن الأزد عامر بن حارثة بن أمرئ القيس بن ثعلبة – وهو غسان – بن الغوث بن مالك بم زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قطحان، أبو زكريا بن أبي طي الأزدي.
من أهل حلب، هكذا كتب نسبه من خط يده.
كانت ولادته في آخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
وتوفي بها يوم الأحد الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وستمائة.
وكان أبوه نجاراً - وكذلك جدُّه - واشتغل أبو زكريا بصنعة النجارة مع أبية برهةً من الزمان ثم تركها وحفظ القرآن العزيز، وتعلَّم الكتابة، ومال إلى طلب العلم والأدب، ولقي العلماء ومجالس الفضلاء؛ فقرأ فقه الإمامية على أبي جعفر محمد بن علي بن شهر اشوب السروي المازندراني.
/ أ/ وقرأ الخلاف علي أبي الثناء محمود بن طارق الحلبي الفقيه الخفي.
ثم انتقل إلى تعليم الصبيان وإقراء القرآن الكريم، فلزم ذلك إلى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ثم جذبه الوزير نظام الدين أبو المؤيد محمد بن الحين الطغرائي وزير الدولة الظاهرية يومئذ إلى تعليم ولده، فلزمه إلي سنة ستمائة.
ثم ترغ عن ذلك، ولزم بيتة وطلب مشايخ الأدب، فقرأ على أبي محمد القاسم بن القاسم الواسطي، وأبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي الحلبي، وأبي القاسم أحمد بن هبة الله بن الجبراني الحلبي، وأبي الحرم مكي بن رياَّن الحري الحاكي وغيرهم.
ثم عمل الشعر وصار أحد شعراء دولة الملك الطاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب، وارتفعت منزلته عنده، وولاّه نقابة الفتيان في سنة تع وستمائة؛ فكان نقيب حضرته.
ثم أحبَّ التصنيف، وصنَّف كتباً في التواريخ وتغير القرآن الكريم والآداب والفقه ب/ والأصول كثيرة منها: التاريخ الكبير الذي وسمة بـ "معادن الذهب في تاريخ حلب" وهو كتاب جمع فيه أخبار الملوك والعلماء، واحتوى علي أخبار الشام التي لا يوجد مجموعة في كتاب قديم ولا حديث، وابتدأ به من أول الفتوح إلى سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وأوصل فيه الدول وأخبارها القديمة في الإسلام والحديثة؛ وهو كتاب نافع ومفيد، وكتاب "التنبيه على محاسن التشبيه" أتى فيه بجميع فنونه وما قال العلماء فيه؛ وهو كتاب حسن في بابه، وكتاب في "محاسن الغلمان" يحتوي على ألف وتسعمائة غلام. جمع فيه من جيد الأشعار اللطيفة المعاني ما لا يوجد مجموعاً في كتاب، وقدَّمه للملك الظاهر فأعجب به وأثابه عليه أحسن ثواب، وكتاب "لمح البرهان في تفسير القرآن"، وكتاب "البيان في أسباب نزول القرآن" وكتاب "غريب القرآن".
/ أ/ مختصر، وكتاب "المجالس الأربعين في فضائل الأئمة الطاهرين"، وكتاب "خلاصة الخلاص في آداب الخواص"، وكتاب "حوادث الزمان" تاريخ علي حروف المعجم، وكتاب "تاريخ العلماء"، وكتاب "أسماء الشعراء"، وكتاب "شفاء الغليل في
ذم الصاحب والخليل"، وكتاب "الحاوي" ذكر فيه رجال الشيعة وعلماءهم وفقهاءهم وشعراءهم وأئمتهم المصنفين في مذاهبهم، وهو مرتب علي حروف الهجاء. وغير ذلك من التصانيف الكثيرة، وبلغت مصفاته أكثر من خمسين صنفّاً.
وكان هذا الرجل يأخذ نفسه بالتصنيف والجمع والتأليف ويختلق أسماءً وألقاباً لكتب فيضعها ويضيفها إلى نفسه وينتحلها. ولم يكن إلاّ صاحب دعاوى ومخاريق وأباطيل ويوهم أنه قد صنَّف وليس عنده ممّا ب/ ذكر علم ما، ولا وجدت شيئاً من مصنَّفاته إلاَّ اليسير.
وحدثني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الخفي بحلب - أيّده الله تعالى - قال: كان إبن أبي طيّ كذاباً كثير الكذب والتحريف؛ وانَّ هذه الكتب التي عدّدها وادعاها، وعمل لها فهرستاً، تمويهاً وتوهيماً لم أقف منها على شيء؛ إلا أنَّه كان يقول قد صنفت الكتاب الفلاني في العلم الفلاني فنسأله إحضاره فيحتج بحجة ما ويغالطنا ويوهم أنه فرغ. وكلّ ما يتلفظ به ويدعيه زور وكذب فإذا صح له ذلك وصدًق في تصنيفه فيكون قد أغار على بعض الكتب، فيقدم فيه أو يؤخر، أو يزيد قليلاً أو يختصر، ويختلق له اسماً غريباً وينتحله. هكذا كانت شيمته. وكان قد جعل التصنيف بضاعته، ورأس ماله وصناعته.
ومن شعره ما أنشدي أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب الصفَّار الشيباني الدمشقي بها في المحرم سنة/ أ/ أربعين وستمائة، قال: أنشدني يحيي بن أبي طي الحلبي بها، لنفسه ما كتبة إلى الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف ني أوّل قصَّة:
غياث الدِّين يا مولى المواليوغيث ذوي المفاقر والعيال
ومن أصبحت من نعمي يديهسعيد الجدِّ ذا جاه ومال
أتى شهر الصِّيام ولي عليهحقوق من عطائك والنوال
فخذ يا موجدي بيدي يديهبما عودت من كرم الخلال
فلم أذكرك شكّاً في اهتماميقصِّر منك عن نظرٍ لحالي
ولكن خفت أن تعطي ابتداءًفتحرم منطقي شرف السُّؤال
وأنشدي أيضاً قال: أنشدني أبو زكريا لنفسه:
كم ليلة بتُّ بها وحديملازماً بالهمِّ والوجد
أقلِّب الطَّرف بأرجائهاومدمعي يجري على الخدِّ
كأنَّها في طولها إذ بدتشعرك يا من زاد في الصَّدِّ
/ أ/ وأنشدني، قال: أنشدني يحيي بن أبي طيّ لنفسه:
صمت الأراك ولم يبح بسريرةفطفي ببرد الثَّغر منه أوارا
والعود باح بسرهَّ لوشاتهًفرقاً فأورده الكلام النَّارا
وأنشدني، قال: أنشدني يحيي بن حميد لنفسه:
تذَّكرت أيَّامنا بالحمىوطيب زمان لنا قد مضى
وندماننا رشأيُّ اللِّحاظكالبدر وجهاً إذا ما أضا
إذا عبَّ في كأسه خلتههلال الشُّعاع إذا أومضا
وأنشدني، قال: أنشدني قوله:
يا قمراً زاد غرامي بهلمَّا بدا ليل عذاريه
قلت لعذَّالي عليه انظرواورداً وريحاناً بخدَّيه
يحميهما أن يقطفها صارمقد سلَّه من غنج عينية
وأنشدني أبو العباس أ/ أحمد بن يوسف بن عبد الله المؤدّب الحلبي، قال: أنشدني أبو زكريا بن أبي طيّ من شعره في الشقق:.
وكأنَّما شفق السَّماء وقد بدافي صحن خدِّ الشَّرق للمتأمِّل
خجل بدا في خدِّ روميٍّ وقدمنح العتاب على لسان المرسل
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في المعنى بديهة:
كأنَّما الشقق الشرقي حين بداخد لأغيد روميٍّ به خجل
أو صفحة من لجين موِّهت ذهباًأو درِّة مسَّها في سحرة بلل
وحدَّثني الصاحب الإمام أبو القاسم بن أبي جرادة، قال: استعار مني يحيي بن أبي طيّ النجار كتاب "الأخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة" الذي ب/ ألفتة
وجمعته في نسب أجدادي وأخبارهم - رحمهم الله تعالى - فبقي عنده مدَّة يطالعه، ثم سيره بعد ذلك إليّ فتصفحته فوجدت في أثنائه ورقةً بخطّ يده متضمنةً هذه الأبيات من شعره.
قال الفقير إلى رحمة الله تعالى، الراجي رحمة رّبه؛ المبارك بن أبي بكر بن حمدان بن أحمد الموصلي مؤلف هذا المجموع: أعارني هذا الكتاب المذكور الصاحب الإمام أبو القاسم - فح الله في أجله - فكتبت منه فوائد خطيرةً، ونكتاً جليلة، أودعتها كتابي الذي ذيلته على معجم الشعراء لأبي عبيد الله المرزباني، ونقلة الأبيات المذكور من خطّ أ/ ناظمها وقد صدَّرها بهذه الألفاظ المسجوعة وهي: "ولما وقفت على هذا النسب الأصيل، والحسب النبيل، والفخر الجليل، قلت:
نسب عليه من الغزالة بهجةتعشي ومن فلق الصَّباح بهاء
لا يحتوي إلاَّ على متوطِّدشرفاً تخر لفضله العظماء
أو أروع وسم الزَّمان بنانهبفضائلٍ تعنو لها الجوزاء
رب اللَّواء أبو جرادة عامرلهم به بين الأنام لواء
ولهم بخاتم مجدهم وكمالهمعمر الكمال على الأنام علاء
بحر العلوم وأين عذب مذاق ذامن طعم ذاك إذا تمطِّق ماء
قسماً أقول وان تقدَّمة الألىمن قومه واتى به الأجزاء
فلقد سما وعلا بكلِّ فضيلةلا يستطيع لحاقها القدماء
فالسَّيف من نفس الحديد نجاروله على جنس الحديد سناء
/ ب/ ومحمد من نسل آدم قد أتىوله عليه الفخر والعلياء
ومن شعره أيضاً في أهل البيت - صلوات الله عليهم وسلامة أجمعين: -
أنا في إسار غدائر ونواظرمن كل أبيض ذي قوامٍ ناضر
ريَّان من مرح الصِّبا فكأنَّمارويت معاطفه بغيثٍ باكر
خمري ريقٍ لؤلؤيَّ ضواحكمسكيِّ صدغ صارميِّ محاجر
لله ليلتنا بكاظمةٍ وقدسمحت به الأيَّام بعد تهاجر
وقد اضطعجنا والنُّجوم كأنَّهافي الأفق لؤلؤ ثغره في ناظري
والبدر سار في السَّماء كأنَّهمن وجهة باد بنور باهر
والشِّعريانً كأنَّما أحداقهاأحداق عاذل حبِّه المتكاشر
وسهيل الوقَّاد يخفق دائباًخفقان أحشائي عليه وخاطري
والليل يرفل في فضول غلائلٍرقَّت كشوقي أو كدمعي القاطر
والريِّح تنشر عرفها بنسيمهانشري مديح أخي النَّبي الطاهر
/ أ/ خير الأنام ومن يذّل مهابةًمن بأسه قلب الهزبر الخادر
صنو النَّبي وصهره ووزيرهوظهيره في كل يوم تشاجر
ومبير عتبة والوليد وشبيةوالعامريِّ وذي الخمار الكافر
ومزعزع الباب المشيد وقالع الًــحجر الشَّديد عن القليب الدَّاثر
ومغيض تيَّار الفرات وقد طماورمى البلاد بكلِّ موجٍ زاخر
سل عنه إن أنكرت سورة مريموالصف والشورى وسورة غافر
وأسأل حديث الشمس عنه فإن تجدرشداً والاَّ سل حديث الطَّائر
والسَّطل والمنديل فيه معجزوالجان أبين للَّبيب الخابر
وحديث يوم الدَّوح أعظم موقعاًعند اللَّبيب وكلِّ لحب خابر
إذ قام في يوم الغدير محمَّدوبكفِّه كفُّ الإمام الطًّاهر
من كنت مولاه فذا مولًى لهفي كلِّ أمرٍ باطن أو ظاهر
يا ربِّ وال من الأنأم وليَّةواخذل لخاذله الأذلِّ الصاغر
وخرج يوماً إلى بستان السلطان الملك الظاهر غياث / ب/ الدين غازي بن يوسف بن أيوب بحلب - رحمة الله تعالى - وتنوَّق في إحسان عمارته، وغرس فيه أنوار الغروس. وكان بَّوابة رجلاً اسمه مالك، فمنعه من دخوله، فكتب على بابه:
قل لغياث الدِّين يا مالكاراح لأرواح الورى مالكاً
بنيت فردوساً فلم أنت قدصيرت فيها خازناً مالكا
وقال في هذا البستان أيضاً:
إن كنت ترغب في النَّعيــم وفي معاقرة السُّرور
فعليك بالقصر الغباثيَّ الأغر المستنير
قصر علا عن أن يحيــط بوصفه فكر الخبير
فاق الخورنق حسنهوعلا علي حسن السَّدير
/ أ/ فكأنَّه في الدَّوح في الــميدان في الرَّوض البهير
كسري لدي الغلمان في الإيوان في بسط الحرير
وقال في قبة الورد في البستان المذكور، وهي قبة بين يديها سطران من شجر الجوز الطَّوال، وبين ذينك السطرين نهر تحفّ به روضتان ومن غربيها نهر:
كقبَّة الورد الَّتي حسنهاتقصر عنه
كأنَّها والدَّوح من حولهاتميس في أعصانها الملد
مملَّك من فوق كرسيِّهخفَّت به طائفة الجند
والنَّهر من غربيِّها سائحاًكصارم جرِّد من غمد
وقال يمدح الإمام علي بن أبي طالب – صلوات الله عليه وسلامه: -
/ ب/ حبُّ عليٍّ شرفلمن به يلتحف
وبغضه النِّفاق والــكفر الَّذي يقترف
ميِّز محبيه فهمإذا الأنأم انكشفوا
جواهر خالصةومن سواهم خزف
وقال أيضاً:
يا أبا جعفر تجاف قليلاًكم تسامي بمنخر مبخوس
أنت من معشر كرام ولكنأنت فيهم قوائم الطاووس
وله يصف فوارة:
لله ليلتناوالبركة الـ .... ـفيحاء والشطُّ
والماء فيها مرسلاً غدقاًجعداً كأنَّ متونه الشمط
وكأنَّما الفوَّار فيها راقصقد جلَّلته ذوائب شمط
وقوله فيها أيضاً:
وترى الفوَّار يحكيفي علوٍّ وانحدار
غادةً قامت تثنَّيلك من تحت الإزار
[وقال في راجح الحلي الشاعر:
قيل لي راجح هجاك فلم لا تجيبه
قلت من كلُّه عيوب بماذا أعيبه]
يحيي بن خالد بن محمد نصر بن صغير بن خالد بن داغر، أبو جعفر بن أبى البقاء بن القيسرانيِّ، الكاتب المنشئ.
من أهل حلب.
كانت ولادته بها في ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
من بيت مشهور بالرئاسة والجلالة والفضل والكتابة والأدب والشعر، فإن والده كان كاتباً؛ له الخطّ الرائق المليح يضرب بجودته المثل، واستوزره الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر سلطان الشام ﵁ وارتفعت منزلته لديه، وتقدَّم في دولته.
وأبي جعفر من أعيان أهل حلب في الفضل وأماثلهم وصدورهم المقدَّمين، وأفاضلهم وصاحب ديوان الإنشاء، ورأس كتاب الرسائل، وكاتب السّر والمعتمد عليه
في دولة السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف – خلَّد الله ملكه - وقبله لأبيه الملك العزيز، وجدِّه الملك الظاهر / ب/ - رحمهما الله تعالى -
وذكر لي أنَّه حفظ القران العزيز، وسمع شيئاً من الحديث على أبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد البغدادي، وأخذ طرفاً من علم العربية على الشيخ أبي الحرم مكي بن ريان الماكسي النحوي حين ورد حلب، وقال شعراً سهلاً كتابياً، وترسل ترسلاً فاق به على كتاب زمانه، واستظهر كثيراً من الأشعار؛ وله يد في حلّ التراجع والغوص على معانيها وكشف مشكلاتها، والبديهة الحاضرة في إنشاء الرسائل. وربّما أنشأ الرسالة في المعنى المقترح عليه إرتجالاً من غير روية كأنه يحفظها من قبل وذلك لذكائه المفرط، وفطرته السليمة.
ثم إنَّه من المتمولين وذوي اليسار وأرباب النعم وعنده تواضع وحسن محاضرةٍ وفكاهة.
ومما أنشدني لنفسه من حفظة يهنئ السلطان الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي - رحمة الله تعالى -بالصوم:.
/ أ/ إسعد بأيَّام الصَّيام وشهرهوأبشر بأنفس مغنم من أجره
يا مالكاً شرفت بنا أقدارنالما أستكانت بالخضوع لقدره
لازلت فيه حائزاً ما رمتهمن صنع الطاف الإله وبره
تنمى لك الحسنات مثل هلالهوترى محاق السَّيَّئات كبدره
ويزيد قدرك رفعة تسمو على الأقدار فينا مثل ليلة قدره
وختمته بسعادة توفي بشائرها على البشرى بموسم فطره
وأنشدني لنفسه ما كتبة إلى بعض من أهدى إليه تفاحا، ثم أنقذ له بعد ذلك رماناً:
أيا ماجداً فاق الورى كلَّهم مجداًوأهدى إلى عافية أنفس ما يهدى
أراك توخَّاني ببرَّك عامداًوتبعث لي ما يبعث الشُّكر والحمدا
منحت خدوداً ثم أرسلت بعدهانهوداً فواها لو بعثت لها قدَّا
إذا كنت لا ابغي لرقِّي مالكاًسواك ولا ألوك في طاعةٍ جهدا
وأنشدني لنفسه متغزلاً:
/ ب/ يا قمراً يختال في حلَّةوقيت من عيني بعين الله
سيف بألحاظك لم سلَّهعلى دم العشَّاق من سلَّه
وورد خدَّيك علي فتنتيأظنُّه دلُّك قد دلَّه
بعثت خطّاً منك مضمونةيضرم من نار الهوى شعلة
تلثم لي الأرض وأنِّي إلىلثم ثناياك لذو غلَّه
قبِّل فمي تحيي بها مهجتيفالأرض ما تصنع بالقبله
فالشوق بي نحوك لو بعضهحلَّ برضوى لم يطق حملة
ووصلة الوحشة بي لم تدعبين جفوني والكرى وصلة
فهل مزار منك يدنو لنايا ليت شعري والمنى ضلَّه
واهاً ليوم فيه يقضى لنا اجــتماع شمل بك واهاً له
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع