من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
فصل فيمن لقب بشعر قاله
فممن لقب من الشعراء ببيت قاله مدرج الريح لقوله:
أعرفتَ رسماً من سميةَ باللوىدرجتْ عليهِ الريحُ بعدكَ فاستوى
ويروى عنه أنه لما عمل نصف هذا البيت ارتج عليه، وأقام يكره مدة سنة، ولا يقدر يعمل له عجزاً. وكان قد دفن في نفس المنازل التي كان ينزلها دفينة، فذكرها وقال لجاريته أن تمضي وتخرج الخبيئة من تلك البرية والموضع الذي أعطاها علامته. فمضت الجارية، وقد اختلفت الرياح على تلك الأراضي، وعفت آثارها. فعادت ولم تجد شيئاً. فسألها عن الحال، فقالت:
درجتْ عليهِ الريحُ، بعدكَ، فاستوى
فتمم بيته بهذا، وسمي مدرج الريح.
ومنهم المرقش، واسمه عمرو بن سفيان، وهو مرقش الأصغر.
وسمي مرقشاً لأن وجهه كان منقطاً. وقال:
كما رقش في ظهرِ الأديمِ قلمْ
ومنهم الممزق لقوله:
وإنْ كنتُ مأكولاً، فكنْ أنتَ آكليوإلاّ فأدركني ولما أمزقِ
ويروى أن عثمان كتب بهذا لبيت إلى علي، وهو محصور.
ومنهم المخرق، نسب نفسه إلى الممزق، وقال:
أنا المخرقُ أعراضَ اللئامِ، كماكانَ الممزقُ أعراضَ اللئامِ أبي
ومنهم المثقب، واسمه عائذ بن الأحمر بن وائلة. وإنما سمي مثقباًَ لقوله:
أرينَ محاسناً، وكننَّ أخرىوثقبنَ الوصاوصَ للعيونِ
الوصاوص: البراقع. ولقوله:
ظعائنٌ لا شوقي بهنَّ ظعائنٌولا الثاقباتُ من لؤي بنِ غالبِ
الثاقبات: يريد المصيبات.
ومنهم النابغة الذبياني، واسمه زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن ذبيان. قيل: إنما سمي النابغة لقوله:
وحلتْ في بني قينِ بنِ جسرٍوقد نبغتْ لا منهمْ شؤونُ
وقل آخر: إنما سمي النابغة لأنه نبغ بالشعر. والنوابغ أربعة: نابغة بني ذبيان، ونابغة بني جعدة، وهو قيس بن عبد الله، ونابغة بني الحارث، وهو يزيد بن إبان، ونابغة بني شيبان، وهو عبد الله بن المخارق. سموا لأتهم نبغوا بالشعر بعدما كبروا.
ومنهم الخلج، واسمه ناجية بن مالك. وسمي الخلج بقوله:
كأنَّ تخالجَ الأشطانِ فيهاشآبيبٌ تجودُ مع الغوادي
ومنهم شقرة، واسمه معاوية بن الحارث. سمي شقرة لقوله:
وقد أحملُ الرمحَ الأصمَّ كعوبهُبهِ من دماءِ القومِ كالشقراتِ
والشقرات: الشقائق. وإنما سميت بذلك لأن النعمان بنى مجلساً، وسماه الضاحك، وزرع فيه الشقرات، فسمي شقائق النعمان.
ومنهم المفضل، واسمع عامر بن معشر بن أسحم بن عدي بن شيبان. وإنما سمي المفضل بقوله في قصيدته المنصفة:
فأبكينا نساءهم، وأبكوانساءً ما يسوغُ لهنَّ ريقُ
ومنهم المقرض، واسمه زهدم بن معد بن عبد الحارث. وإنما سمي مقرضاً لقوله:
وأنا المقرضُ في جنوبِ الغادرينَ بكلِّ جارِ
تقريضَ زندةِ قادحٍفي كلها يورى بنارِ
ومنهم المكواة، واسمه عبد الله بن خالد بن حجبة بن عمرو. وإنما سمي المكواة لكثرة ذكره الكي في شعره، ولقوله:
ومثلكَ قد عللتُ بكأسِ غيظٍوأصيدَ قد كويتُ على الجبينِ
ولقوله:
لجيمٌ وتيم الله عزي وناصريوقيسٌ بها أكوي النواظرَ من صدِّ
ومنهم الحتات، واسمه بشر بن رديح بن الحارث بن ربيعة. وإنما سمي الحتات لقوله:
ومشهدِ أبطالٍ شهدتُ كأنماأحتهمُ بالمشرفيِّ المهندِ
الحت: أقل من النحت.
ومنهم الهجف، واسمه كعب بن كريم بن معاوية. وإنما سمي الهجف لقوله:
يرجي ابنُ معطٍ درها وانتحالهاهجف جفتْ عندَ الموالي فأصعدا
الهجف: الظليم المسن.
ومنهم البعيث، واسمه خداش بن لبيد. وإنما سمي البعيث لقوله:
تبعثَ مني ما تبعثَ بعدماأمرتْ قواي، واستمرَّ عزيمي
أي: أبصرت عزمي، فمضيت على ما أعزم عليه. لأنه إنما قال الشعر وقد أسن.
ومنهم ذو الخرق، واسمه بن شريح. وإنما سمي ذا الخرق لقوله:
لا يألفُ الدرهمُ المصرورُ خرقتنالكنْ يمرُّ عليها، ثمَّ ينطلقُ
ومنهم أعمر، واسمه منبه. وإنما سمي أعمر لقوله:
قالتْ عميرةُ ما لرأسكَ بعدماطالَ الزمانُ أتى بلونٍ منكرِ
أعميرَ إنَّ أباكَ شيبَ رأسهُمرُّ الليالي، واختلافُ الأعصرِ
والأعمر: الدخان. وقيل: إنه دخن على قوم في غار، فماتوا.
ومنهم قاتل الجوع، واسمه أمرؤ القيس بن كعب بن عمرو. وإنما سمي قاتل الجوع لقوله:
قتلتُ الجوعَ في الشتواتِ حتىتركتُ الجوعَ ليس له نكيرُ
ومنهم مزرد، واسمه يزيد بن ضرار الكلبي. وسمي مزرداً لقوله:
ظللنا نصادي أمنا عن حميتهاكأهل شموسٍ، كلنا يتوددُ
فجاءتْ بها صفراءَ ذاتَ أسرةٍتكادُ عليها ربة النحي تكمدُ
فقلت: تزردها عبيدُ، فأننيلدردِ الموالي، في السنين، مزردُ
الحميت: النحي المربوب. فإذا لم يرب فهو نحي. وإنما سمي حميتاً لأنهم يعملونه بالرب. والحميت: المتين.
ومنهم ذو الرمة، واسمه غيلان بن عقبة. وإنما سمي ذا الرمة لقوله:
لم يبقَ غيرُ مثلٍ ركودِغيرُ ثلاثٍ باقياتٍ، سودِ
وبعدَ مرضوخ ِالقفا، موتودِأشعثَ باقي رمةِ التقليدِ
الرمة: بقية حبل خلق. ورمت العظام: بليت.
ومنهم القطامي، واسمه عمرو، ويقال: عمرة. وإنما سمي القطامي بقوله:
يحطهنَّ جانباً فجانباحطَّ القطاميِّ القطا الهوازبا
والقطامي: الصقر. ويقال القطامى.
ومنهم الحطيم، واسمه نعمان بن مالك. وسمي الحطيم لقوله:
سلِ الحطيمَ، اليومَ، عن غمامهْخالمها، فرضيتْ خلامهْ
غمامة: امرأة من دارم. وخالمها: صادقها. والخلم: الصديق.
ومنهم الغريب، وهو نعيم بن سليم. وإنما سمي الغريب لقوله:
إسمي نعيمٌ، وأنا الغريبُإسما كريمٍ بهما أحببُ
ومنهم عائد الكلب، وهو عبد الله بن مصعب بن عبد الله بن الزبير. وإنما سمي عائد الكلب لقوله:
مالي مرضتُ فلم يعدني عائدٌمنكمْ، ويمرضُ كلبكمْ فأعودُ
ومنهم الأسعر، وكان قديماً من الشعراء، واسمه مرثد بن أبي حمران. وإنما سمي الأسعر لقوله:
فلا يدعني قومي لسعدِ بن مالكٍلئن أنا لم أسعرْ عليهم، وأثقبِ
أي: أوقد. والسعر: وقود النار والحرب. وقيل: سمي الأسعر لدقة ساقيه.
ومنهم الصامت، واسمه عمرو بن الغوث من طيء. وسمي الصامت بقوله:
رأتني صامتاً لا قولَ عنديألا إنَّ الغريبَ هو الصموتُ
ومنهم عارق، واسمه قيس بن جروة بن سيف وائلة. وإنما سمي عارقاً لقوله:
لئنْ لم نغيرْ بعضَ ما قد فعلتمُلأنتهشَ العظمَ الذي أنا عارقهْ
ومنهم العجاج. وإنما سمي العجاج لقوله:
حتى يعجَّ ثخناً من عجعجا
العج: رفع الصوت. والثخن: الغلبة.
ومنهم الخطفي، واسمه حذيفة بن بدر بن سلامة بن عوف. وإنما سمي الخطفي بقوله:
يرفعنَ لليلِ إذا ما أسدفاأعناقَ حياتٍ، وهاماً رجفا
وعنقاً بعدَ الكلالِ خيطفا
الخيطف: السريع.
ومن الشعراء المحدثين المرعث، وهو بشار بن برد، واسمه المرعث مولى عقيل، وكان أعمى. وقيل له المرعث لقوله:
منْ لظبيٍ مرعثٍساحرِ الطرفِ والنظرْ
قال لي: لستَ بنائليقلتُ: أو يغلبُ القدرْ
وقيل: سمي بالمرعث لأنه ولد وهو مشقوق طرف الأذن، فقالوا: ولد مرعثاً، أي لم يحتج إلى أن تثقب أذنه.
ومنهم شهوات، واسمه موسى. وإنما سمي شهوات لقوله في يزيد بن معاوية:
لست منا، وليس خالدُ مناما نضيعُ الصلاةَ للشهواتِ
ومنهم عويف القوافي، وهو عويف بن عيينة بن حصن. وسمي بذلك لأنه قال:
سأكذبُ منْ قد كان يزعمُ أننيإذا قلتُ قولاً لا أجيدُ القوافيا
ومنهم الفرار، الذي قال رسول الله ﷺ لنبي سليم: إلى من أرفع لواءكم؟ قالوا: إلى الفرار. فكره صلى الله عليه ذلك. فقالوا: إنما اسمه حيان بن الحكم، وغنما سمي الفرار لقوله:
وكتيبةٍ ألبستها بكتيبةٍحتى إذا ألتبستْ نفحتُ بها يدي
ويروى: نفضت بها يدي.
هل ينفعني أنْ تقولَ نساؤكمْوكلت خلفَ شريدهم: لا تبعدِ
ومنهم طرفة، واسمه عمرو بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك. وإنما سمي طرفة لقوله:
لا تعجلا بالبكاءِ اليوم مطرفاًولا أميركما، بالدارِ، إذْ وقفا
قوله: مطرف، أي مجلوب، فهو ينزع إلى وطنه. قال ذو الرمة:
كأنني من هوى خرقاءَ مطرفٌ
ومنهم صريع الغواني، وهو مسلم بن الوليد الأنصاري. وإنما سمي بذلك لأن الرشيد، ﵁، إستنشده قصيدته:
أديرا عليَّ الكأسَ لا تشربا قبلي
فأنشده، فلما بلغ حيث يقول:
هلِ العيشَ إلا أنْ تروحَ مع الصباوتغدو صريعَ الكأسِ والأعينِ النجلِ
فقال الرشيد: سموه صريع الغواني. فهجاه بعضهم فقال:
فما ريحُ السذابِ أشدُّ بغضاًإلى الحياتِ منكَ إلى الغواني
ومنهم مجتني المروءة، وهو عبد الله بن أحمد الحنفي، وكان صديقاً لعبد الله بن المقفع. وإنما لقب بذلك لكثرة ذكر المروءة في شعره وقوله:
لا تحسبنْ أنَّ المروءةَ مطعمٌ، أو شربُ كاس
أوْ في الولايةِ والمواكبِ، والمراكبِ، واللباس
لكنها كرمُ الفروعِ، زكتْ على كرمِ الأساس
وقوله أيضاً:
ليسَ المروءةُ بالدراهمْبل المروءة بالمكارمُ
كم من غنيٍّ سفلةٌومقلِّ قومٍ ذي معالمُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع