من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
القاضي أبو الحسن الجرجاني
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن القاضي أبو الحسن الجرجاني؟
القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني الفقيه الشافعي؛ كان فقيهاً أديباً شاعراً، ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب " طبقات الفقهاء " وقال: له ديوان شعر وهو القائل:
يقولون لي فيك انقباض وإنمارأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
وهي أبيات طويلة ومشهورة، فلا حاجة إلى ذكرها. وذكره الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر " فقال: " هو فرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، وقبة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، يجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري، وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع الأرض وتدويخ بلاد العراق والشام وغيرها، واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار به في العلوم علماً، وفي الكمال عالماً " وأورد له مقاطيع كثيرة من الشعر، فمن ذلك قوله:
قد برح الحب بمشتاقكفأوله أحسن أخلاقك
ولا تجفه وارع له حقه ... فإنه آخر عشاقك وأنشدني صاحبنا الحسام عيسى بن سنجر بن بهرام المعروف بالحاجري - الآتي ذكره - لنفسه دوبيت في هذا المعنى وهو:
يا عارضه فديت بالأحداقلم يبق على العهود غيري باقي
ناشدتك إلا ما عسى ترفق بيفي الحب فإني آخر العشاق وله من أبيات:
وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنىوما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال شيئان حرماعلي الغنى: نفسي الأبية والدهر
إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونهمواقف خيرٌ من وقوفي بها العسر وله أيضاً:
وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسعفقلت ولكن موضع الرزق ضيق
إذا لم يكن في الأرض حر يعيننيولم يك لي كسبٌ فمن أين أرزق
وله أيضاً في الصاحب بن عباد:
ولا ذنب للأفكار أنت تركتهاإذا احتشدت لم تنتفع باحتشادها
سبقت لأفراد المعاني وألفتخواطرك الألفاظ بعد شرادها
فأن نحن حاولنا اختراع بديعةحصلنا على مسروقها ومعادها وله فيه يهنيه بالعافية من جملة أبيات:
أفي كل يوم للمكارم روعةٌلها في قلوب المكرمات وجيب
تقسمت العلياء جسمك كلهفمن أين للأسقام فيه نصيب
إذا ألمت نفس الوزير تألمتلها أنفسٌ تحيا بها وقلوب
ووالله لاحظت وجهاً أحبهحياتي، وفي وجه الوزير شحوب
وليس شحوباً ما أراه بوجههولكنه في المكرمات ندوب
فلا تجزعن تلك السماء تغيمتوعما قليل تبتدي فتصوب وله:
ما تطعمت لذة العيش حتىصرت للبيت والكتاب جليسا
ليس شيء أعز عندي من العلم فما أبتغي سواه أنيسا
إنما الذل في مخالطة الناس فدعهم وعش عزيزاً رئيسا وله:
ما لي وما لك يا فراقأبداً رحيلٌ وانطلاق
يا نفس موتي بعدهم ... فكذا يكون الاشتياق وشعره كثير وطريقه فيه سهل، وله كتاب " الوساطة بين المتنبي وخصومه "
أبان فيه عن فضل غزير واطلاع كثير ومادة متوفرة.
وذكر الحاكم أبو عبد الله ابن البيع في " تاريخ النيسابوريين " أنه توفي في سلخ صفر سنة ست وستين وثلثمائة بنيسابور وعمره ست وسبعون سنة، رحمه الله تعالى، وقال غيره: إنه كان حسن السيرة في قضائه صدوقاً، ورد به أخوه محمد نيسابور في سنة سبع وثلاثين وثلثمائة وهو صغير غير بالغ، وسمعا من سائر الشيوخ، ومات بالري وهو قاضي القضاة في سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة، وحمل تابوته إلى جرجان ودفن بها، ونقل الحاكم أثبت وأصح.
وجرجان: بضم الجيم وسكون الراء وفتح الجيم الثانية وبعد الألف نون، وهي مدينة عظيمة من ناحية خراسان.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع