من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
أبو زيد المروزي
أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، المرزوي الفاشاني الفقيه الشافعي، كان من الأئمة الأجلاء، حسن النظر مشهورا بالزهد حافظا للمذهب، وله فيه وجوه غريبة. أخذ الفقه عن أبي إسحاق المرزوي، وأخذ عنه أبو بكر القفال المرزوي، ودخل بغداد وحدث بها، وسمع منه الحافظ أبو الحسن الدارقطني ومحمد بن أحمد بن القاسم المحاملي، ثم خرج إلى مكة فجاور بها سبع سنين، وحدث هناك بصحيح البخاري عن محمد بن يوسف الفربري، قال الخطيب: وأبو زيد أجل من روى هذا الكتاب. وقال أبو بكر البزار: عادلت الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه، يعني خطيئة. وقال أحمد بن محمد الحاتمي الفقيه: سمعت أبا زيد المروزي يقول: رأيت رسول الله ﷺ في المنام وأنا بمكة، وكأنه يقول لجبريل ﵇: يا روح الله اصحبه إلى وطنه.
وكان في أول أمره فقيرا لا يقدر على شيء فكان يعبر الشتاء بلا جبة مع شدة البرد في تلك البلاد، فإذا قيل له في ذلك يقول: بي علة تمنعني من لبس المحشو، يعني به الفقر. وكان لا يشتهي أن يطلع أحدا على باطن حاله، ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره وقد أسن وتساقطت أسنانه فكان لا يتمكن
من المضغ وبطلت منه حاسة الجماع فكان يقول مخاطبا للنعمة: لا بارك الله فيك! أقبلت حين لا ناب ولا نصاب.
وقد أذكرتني هذه الحكاية أبياتا لبعض الفضلاء وقد أثرى وصارت له نعمة وهو في عشر الثمانين، وهي:
ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشريناملكته بعد أن جاوزت سبعينا
تطيف بي من بني الأتراك أغزلةمثل الغصون على كثبان يبرينا
وخرد من بنات الروم رائعةيحكين بالحسن حور الجنة العينا
يغمزنني بأساريع منعمةتكاد تنقض من أطرافها لينا
يردن إحياء ميت لا حراك بهفكيف يحيين ميتا صار مدفونا
قالوا أنينك طول الليل يقلقنا ... فما الذي تشتكي قلت الثمانينا وتوفي يوم الخميس ثالث عشر رجب سنة إحدى وسبعين وثلثمائة بمرو، رحمه الله تعالى، وقد تقدم الكلام على نسبة المرزوي والفاشاني فلا حاجة إلى الإعادة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع