تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

الملك العادل ابن أيوب

أبو بكر محمد بن أبي الشكر أيوب بن شاذي بن مروان، الملقب بالملك العادل سيف الدين، أخوه السلطان صلاح الدين، رحمهما الله تعالى - وقد تقدم ذكر والده في حرف الهمزة، وسيأتي ذكر أخيه صلاح الدين في حرف الياء إن شاء الله تعالى؛ وكان الملك العادل قد وصل إلى الديار المصرية صحبة أخيه وعمه أسد الدين شيركوه - المقدم ذكره - وكان يقول: لما عزمنا على المسير إلى مصر احتجب إلى حرمدان، فطلبته من والدي فأعطاني وقال: يا أبا بكر إذا ملكتم مصر أعطني ملئه ذهباً، فلما جاء إلى مصر قال: يا أبا بكر أين الحرمدان فرحت وملأته من الدراهم السود وجعلت أعلاها شيئاً من الذهب وأحضرته إليه، فلما رآه اعتقده ذهباً، فقلبه فظهرت الفضة السوداء، فقال: يا أبا بكر تعلمت من زغل المصريين.

ولما ملك صلاح الدين الديار المصرية كان ينوب عنه في حال غيبته في الشام ويستدعي منه الأموال للإنفاق في الجند وغيرهم، ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الحمول تأخرت مدة، فتقدم السلطان إلى العماد الأصبهاني أن يكتب إلى أخيه الملك العادل يستحثه على إنفاذها حتى قال: يسير لنا الحمل من مالنا أو من ماله؛ فلما وصل الكتاب إليه ووقف على هذا الفصل شق عليه،

وكتب إلى القاضي الفاضل يشكو من السلطان لأجل ذلك، فكتب القاضي الفاضل جوابه، وفي جملته: " وأما ما ذكره المولى من قوله يسير لنا الحمل من مالنا أو من ماله، فتلك لفظة فظة ما المقصود بها من المالك النجعة، وإنما المقصود بها من الكاتب السجعة، وكم من لفظة فظة، وكلمة فيها غلظة، جبرت عي الأقلام، وسدت خلل الكلام، وعلى المملوك الضمان في هذه النكتة، وقد فات لسان القلم منها أي سكنة، وكان المملوك حاضراً وقد خرجت قوارع الاستحثاث، وصرصر البازي وقوة نفس العماد قوة نفس البغاث، والسلام ".

ولما ملك السلطان مدينة حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة - كما تقدم في ترجمة عماد الدين زنكي - أعطاها لولده الملك الظاهري غازي - المقدم ذكره - ثم أخذها منه أعطاها للملك العادل، فانتقل إليها وقصد قلعتها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة، ثم نزل عنها للملك الظاهري غازي ابن السلطان - المقدم ذكره - لمصلحة وقع الاتفاق عليها بينه وبين أخيه صلاح الدين، وخرج منها في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، ثم أعطاها السلطان قلعة الكرك، وتنقل في المماليك في حياة السلطان وبعد وفاته؛ وقضاياه مشهورة مع الملك الفضل والملك العزيز والملك الظاهر، فلا حاجة إلى الإطالة بشرحها؛ وآخر الأمر أنه استقل بمملكة الديار المصرية، وكان دخوله القاهرة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة، واستقرت له القواعد.

وقال أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " في ترجمة ضياء الدين أي الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الوزير الجزري ما مثاله: وجدت بخطه " خطب للملك العادل أبي بكر ابن أيوب بالقاهرة ومصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة، وخطب له بحلب يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وملك معها البلاد الشامية والشرقية وصفت له الدنيا، ثم ملك بلاد اليمن في سنة اثنتي عشرة وستمائة، وسير إليها

ولد ولده المسعود صلاح الدين أبا المظفر يوسف المعروف بأطسيس ابن الملك الكامل - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى -.

وكان ولده الملك الأوحد نجم الدين أيوب ينوب عنه في ميافارقين وتلك النواحي، فاستولى على مدينة خلاط وبلاد أرمينية واتسعت مملكته، وذلك في سنة أربع وستمائة.

ولما تمهدت له البلاد قسمها بين أولاده، فأعطى الملك الكامل الديار المصرية والملك المعظم البلاد الشامية، والملك الأشرف البلاد الشرقية، والأوحد في المواضع التي ذكرناها.

وكان ملكاً عظيماً ذا رأي ومعرفة تامة قد حنكته التجارب، حسن السيرة جميل الطوية، وافر العقل، حازماً في الأمور صالحاً محافظاً على الصلوات في أوقاتها، متبعاً لأرباب السنة مائلاً إلى العلماء، حتى صنف له فخر الدين الرازي كتاب " تأسيس التقديس " وذكر اسمه في خطبته وسيره إليه من بلاد خراسان وبالجملة فإنه كان رجلاً مسعوداً، ومن سعادته أنه خلف أولاداً لم يخلف أحد من الملوك امثالهم في نجابتهم وبسالتهم ومعرفتهم وعلة همتهم، ودانت لهم العباد وملكوا خيار البلاد، ولما مدح ابن عنين - المقدم ذكره - الملك العادل بقصيدته الرائية المذكور بعضها في ترجمته جاء منها في مديح أولاده المذكورين قوله:

وله البنون بكل أرض منهمملكٌ يقود إلى الأعادي عسكرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
من كل وضاح الجبين تخارهبدراً، وإن شهد الوغى فغضنفرا
متقدمٌ حتى إذا النقع انجلىبالبيض عن سبي الحريم تأخرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
قوم زكوا أصلاً وطابوا محتداوتدفقوا جوداً وراقوا منظرا
وتعاف خيلهم الورود بمنهلٍما لم يكن بدم الوقائع أحمرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»

يعشو إلى نار الوغى شغفاً بها ... ويجل أن يعشو إلى نار القرى وكم للشعراء فيهم من القصائد المختارة، لكن ذكرت هذه لكونها جامعة لجمعهم، ومن جملة هذه القصيدة في مدح الملك العادل قوله ولقد أحسن فيه:

العادل الملك الذي أسماؤهفي كل ناحية تشرف منبرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
وبكل أرض جنة من عدله الصافي أسأل نداه فيها كوثرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
عدل ببيت الذئب منه على الطوىغرتان وهو يرى الغزال الأعقرا
ما في أبي بكر لمعتقد الهدىشك يريب بأنه خير الورى
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
سيف صقال المجد أخلص متنهوأبان طيب الأصل منه الجوهرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
ما مدحه بالمستعار له ولاآيات سؤدده حديث يفترى
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
بين الملوك الغابرين وبينهفي الفضل ما بين الثريا والثرى
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
نسخت خلائقه الحميدة ما أتىفي الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا
ملك إذا خفت حلوم ذوي النهىفي الروع زاد رصانة وتوقرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
ثبت الجنان تراع من وثابتهوثباته يوم الوغى أسد الشرى
لفظٌ يكاد يقول عما في غدببديهة أغنته أن يتفكرا
حلم تخف له الحلوم وراءهرأي وعزم يحقر الإسكندرا
يعفو عن الذنب العظيم تكرماًويصد عن قول الخنا متكبرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
لا تسعمن حديث ملك غيرهيروى، فكل الصيد في جوف الفرا وبالجملة فإنها من القصائد المختارة

ولما قسم البلاد بين أولاده كان يتردد بينهم، وينتقل إليهم من مملكة إلى

أخرى. وكان في الغالب يضيف بالشام لأجل الفواكه والثلج والمياه الباردة، ويشتي في الديار المصرية لاعتدال الوقت فيها وقلة البرد، وعاش في أرغد عيش، وكان يأكل كثيراً خارجاً عن المعتاد، حتى يقال إنه يأكل وحده خروفاً لطيفاً مشوياً، وكان له في النكاح نصيب وافر، وحاصل الأمر انه كان ممتعاً في دنياه.

وكانت ولادته بدمشق في المحرم سنة أربعين، وقيل ثمان وثلاثين وخمسمائة. وتوفي في سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة بعالقين، ونقل إلى دمشق ودفن بالعلقة ثاني يوم وفاته، ثم نقل إلى مدرسته المعروفة به ودفن في التربة التي بها، وقبره على الطريق يراه المجتاز من الشباك المركب هناك، رحمه الله تعالى.

وعالقين: بفتح العين المهملة وبعد الألف لام مكسورة وقاف مكسورة أيضاً وياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها نون، وهي قرية بظاهر دمشق من الجيدور وكان ذلك عند وصول الفرنح إلى ساحل الشام، وقصدوا أولاً لقاء الملك العادل، فتوجه قدامهم إلى جهة دمشق ليتجهز ويتأهب للقائهم، فلما وصل إلى الموضع المذكور توفي به، فحينئذ أعرض جميع الفرنج عن دمشق، وقصدوا الديار المصرية فكانت وقعة دمياط المشهورة في ذلك التاريخ، وتاريخها مضبوط في ترجمة يحيى بن منصور المعروف بابن جراح في حرف الياء.

وأطسيس: بفتح الهمزة وسكون الطاء المهملة وكسر السين المهملة وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم سين ثانية، وهي كلمة تركية معناها بالعربية ما له اسم، ويقال: إنما سمي بذلك لأن الملك الكامل ما كان يعيش له ولد، فلما ولد هذا المسعود المذكور قال بعض الحاضرين في مجلسه من الأتراك: في بلادنا إذا كان الإنسان لا يعيش له ولد سماه أطسيس، فسماه أطسيس، والناس يقولون

أقسيس بالقاف، وصوبه بالطاء، كذا قوالو والله أعلم.

ثم ظفرت بتاريخ تسلم حلب محرراً، وهو أن عماد الدين زنكي نزل من قلعتها يوم الخميس الثاني والعشرين من صفر، وصعد صلاح الدين إليها يوم الاثنين السادس والعشرين من صفر المذكور، والله أعلم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.