من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
يزيد بن المهلب (٢)
مخلد بن يزيد على عمر، وجرى بينهما ما سبق ذكره، فلما خرج مخلد بن يزيد على قال عمر: هذا عندي خير من أبيه، فلم يلبث مخلد إلا قليلاً حتى مات. ولما أبى يزيد أن يؤدي المال إلى عمر ألبسه جبة صوف وحمله على جمل، ثم قال: سيروا به إلى دهلك - قلت: وهي جزيرة في بحر عيذاب بالقرب من سواكن كان الخلفاء يحبسون بها من نقموا عليه - قال: فلما أخرج يزيد مروا به على الناس، فجعل يزيد يقول: ما لي عشيرة يذهب بي إلى دهلك إنما يذهب إلى دهلك بالفاسق المريب، سبحان الله، أما لي عشيرة فدخل على عمر سلامة بن نعيم الخولاني، وقال يا أمير المؤمنين، أردد يزيد إلى محبسه، فإني أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه، فإني رأيت قومه قد غضبوا له، فرده إلى محبسه ولم يزل في محبسه حتى بلغه مرض عمر.
وقيل إن عدي بن أرطأة سلمه إلى وكيع بن حسان بن أبي حسان بن أبي سود التميمي مغلولاً مقيداً في سفينة ليوصله إلى عين التمر حتى يحمل إلى عمر، فعرض لوكيع ناس من الأزد لينتزعوه منه، فوثب وكيع وانتضى سيفه وقطع قلس السفينة، وأخذ سيف يزيد بن المهلب، وحلف بطلاق امرأته ليضربن عنقه إن لم يتفرقوا عنه، فناداهم يزيد وأعلمهم بيمين وكيع، فتفرقوا، ومضى به حتى سلمه إلى الجند بعي التمر، وحمله الجند إلى عمر فحبسه.
ولما كان يزيد في حبس عمر دخل عليه الفرزدق، فرآه مقيداً فأنشده:
أصبح في قيدك السماحة والجود وحمل الدايات والحسب
لا بطر إن ترادفت نعم ... وصابر في البلاء محتسب فقال له يزيد: ويحك ماذا صنعت أسأت إلي، قال: ولم ذاك قال: تمدحني وأنا على هذه الحالة فقال له الفرزدق: رأيتك رخيصاً فأحببت أن أسلف فيك بضاعتي، فرمى يزيد إليه بخاتمه وقال: شراؤه ألف دينار، وهو ربحك إلى أن يأتيك رأس المال.
واستمر في حبسه إلى أن مرض عمر في سنة إحدى ومائة، فخاف
يزيد بن المهلب من يزيد بن عبد الملك بن مروان أن يلي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن المهلب لما ولي العراق قد عذب آل أبي عقيل، - وهم رهط الحجاج كما سبق ذكره - وكانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل عند يزيد بن عبد الملك، وهي أم الوليد بن يزيد فاسق بني أمية، وهي بنت أخي الحجاج، وكان يزيد بن عبد الملك قد عاهدها لئن أمكنه الله من يزيد بن المهلب ليقطعن منه طابقاً، فكان يخشى ذلك، فأخذ يعمل في المهرب، فبعث إلى مواليه فأعدوا له إبلاً، وكان مرض عمر في دير سمعان، فلما اشتد مرض عمر نزل يزيد من محبسه وخرج حتى أتى المكان الذي فيه إبله، وقد واعدهم إليه، فاحتمل وخرج، فلما جاز كتب إلى عمر: إني والله لو علمت أنك تبقى ما خرجت من محبسي، ولكني لم آمن يزيد بن عبد الملك، فقال عمر: اللهم إن كان يريد بهذه الأمة شراً فاكفهم شره واردد كيده في نحره.
ومضى يزيد بن المهلب، وزعم الواقدي أن يزيد بن المهلب: إنما هرب من سجن عمر بعد موت عمر - قلت: وجدت في مسودة تاريخ القاضي كمال الدين بن العديم الحلبي، أن عمر حبس يزيد بن المهلب وابنه معاوية بحلب وهربا منها، والله أعلم.
ثم توفي عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة، وقيل الأربعاء، لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، رحمه الله تعالى، بدير سمعان، وقل أنه مات لعشر بقين من رجب من السنة، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وقيل أنه مات بخناصرة. وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ﵁، وكان يقال له " أشج بني أمية "، وذلك أن دابة
من دواب أبيه كانت شجته. قال نافع مولى ابن عمر: كنت أسمع ابن عمر كثيراً يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلاً، قال سال الأفطس: إن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة وهو غلام بدمشق، فأتى أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ﵁، فضمته إليها وجعلت تمسح الدم عن وجهه، ودخل أبوه عليها على تلك الحال، فأقبلت عليه تعذله وتلومه وتقول: ضيعت ابني، ولم تضم إليه خادماً ولا حاضناً يحفظه من مثل هذا، فقال لها: اسكتي يا أم عاصم، فطوبى لك إن كان أشج بني أمية.
وقال حماد بن زيد: إن عمر بن الخطاب ﵁ مر بعجوز تبيع لبناً معها في سوق اللبن، فقال لها: يا عجوز لا تغشي المسلمين وزوار بيت الله تعالى ولا تشوبي اللبن بالماء، فقالت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم مر بها بعد ذلك، فقال لها: يا عجوز، ألم أتقدم إليك أن لا تشوبي اللبن بالماء فقالت: والله ما فعلت، فقالت ابنة لها من داخل الخباء: أغشاً وكذباً جمعت على نفسك فسمعها عمر ﵁ فهم بمعاقبة العجوز، فتركها لكلام ابنتها، ثم التفت إلى بنيه فقال: أيكم يتزوج هذه، فلعل الله ﷿ يخرج منها نسمة طيبة مثلها فقال عاصم بن عمر: أنا أتزوجها، فزوجها إياه، فولدت له أم عاصم، فتزوج أم عاصم عبد العزيز بن مروان، فولدت، فولدت له عمر بن عبد العزيز. ثم تزوج بعدها حفصة وفيها قيل: ليست حفصة من نساء أم عاصم.
[وذكر الشيخ شمس الدين أبو المظفر بن قزغلي بن عبد الله، سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي في كتاب " جوهرة الزمان في تذكرة السلطان " عن ابن عمر ﵄ قال: بينما أبي يعس بالمدينة إذ سمع امرأة وهي تقول لابنتها: يا بنية، قومي فشوبي اللبن بالماء، فقالت: يا أماه أما سمعت منادي أمير المؤمنين أنه نادى: أن لا يشاب اللبن بالماء فقالت: وأين أنت من مناديه الساعة فقالت: إذا لم يرني مناديه ألم يرني رب مناديه - وفي رواية أخرى، قالت: والله ما كنت لأطيعه في الملا وأعصيه في الخلا، قال: فبكى عمر ﵁. فلما أصبح دعا بالمرأة وبابنتها وسأل: هل لها زوج فقالت: ليس لها زوج، فقال: يا عبد الله، تزوج هذه، فلو كانت
بي حاجة إلى النساء لتزوجتها، فقلت: أنا في غنى عنها، فقال: يا عاصم تزوجها فتزوجها، فجاءت بابنة فحملت بعمر بن عبد العزيز].
ولما مات عمر بن عبد العزيز، ﵁، ولي مكانه يزيد بن عبد الملك بن مروان. ثم إن يزيد بن المهلب لحق بالبصرة فغلب عليها، وأخذ عامل يزيد بن عبد الملك وهو عدي بن أرطأة الفزاري فحبسه، وخلع يزيد بن عبد الملك ورام الخلافة لنفسه، فجاءته إحدى حظاياه وقبلت الأرض بين يديه وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فأنشدها:
رويدك حتى تنظري عم تنجلي ... عماية هذا العارض المتألق قلت: وهذا البيت من جملة أبيات لبشر بن قطية الأسدي.
قلت: ولا حاجة إلى تفصيل الحال فيه فإن شرحه يطول، وهذه خلاصته، ثم إن يزيد بن عبد الملك جهز لقتاله أخاه مسلمة بن عبد الملك، وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، ومعهما الجيش، وخرج يزيد بن المهلب للقائهم، واستخلف على البصرة ولده معاوية بن يزيد وعنده الرجال والأموال والأسرى، وقدم بين يديه أخاه عبد الملك بن المهلب وسار حتى نزل العقر - قلت: هي عقر بابل، وهي عند الكوفة بالقرب من كربلاء، الموضع الذي قتل فيه الحسين، ﵁، والعقر: بفتح العين المهملة وسكون القاف وبعدها راء، وهو في الأصل اسم القصر، والمواضع المسماة بالعقر أربعة: أحدها هذا ولا حاجة إلى ذكر الباقي، وقد ذكرها ياقوت الحموي في كتابه الذي سماه " المشترك وضعاً " -.
قال الطبري: ثم أقبل مسلمة بن عبد الملك حتى نزل على يزيد بن المهلب فاصطفوا، ثم اقتتل القوم، فشد أهل البصرة على أهل الشام فكشفوهم، ثم إن أهل الشام كروا عليهم فكشفوهم، وكان على مقدمة جيش بن يزيد أخوه
عبد الملك، فلما انكشف حاء إلى أخيه يزيد، وكان الناس يبايعون يزيد بن المهلب، وكانت مبايعته على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وأن لا تطأ الجنود بلادهم ولا بيضتهم، ولا تعاد عليهم سيرة الفاسق الحجاج، وكان مروان بن الملهب بالبصرة يحرض الناس على حرب أهل الشام ويسرح الناس إلى أخيه يزيد.
وكان الحسن البصري، ﵁ يثبط الناس عن يزيد بن المهلب، فقال يوماً في مجلسه: يا عجباً لفاسق من الفاسقين ومارق من المارقين غير برهة من دهره، يهتك الله في هؤلاء القوم كل حرمة، ويركب له فيهم كل معصية ويأكل ما أكلوا ويقتل ما قتلوا، حتى إذا منعوه لماظةً كان يتلمظها قال: أنا لله غضبان فاغضبوا، ونصب قصباً عليها خرق، وتبعه رجراجة رعاع هباء ما لهم أفئدة وقال: أدعوكم إلى سنة عمر بن عبد العزيز، ألا وإن من سنة عمر أن توضع رجلاه في قيد ثم يوضع حيث وضعه عمر، فقال له رجل: أتعذر أهل الشام يا أبا سعيد يعني بني أمية، فقال: أنا أعذرهم لا عذرهم الله! والله لقد حدث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم إني حرمت المدينة بما حرمت به بلدك مكة " فدخلها أهل الشام ثلاثاً لا يغلق لها باب إلا أحرق بما فيه، حتى إن الأقباط والأنباط ليدخلون على نساء قريش فينتزعون خمرهن من رؤوسهن وخلاخلهن من أرجلهن، سيوفهم على عواتقهم، وكتاب الله تحت أرجلهم، أنا أقتل نفسي لفاسقين تنازعا هذا الأمر والله لوددت أن الأرض أخذتهما خسفاً جميعاً.
فبلغ ذلك يزيد بن المهلب فأتى الحسن، هو وبعض بني عمه إلى حلقته في المسجد متنكرين، فسلما عليه ثم خلوا به، فاشرأب الناس ينظرون إليهم، فلاحاه يزيد، فدخل في ملاحاتهما ابن عم يزيد، فقال له الحسن: وما أنت وذاك يا ابن اللخناء فاخترط سيفه ليضربه به، فقال يزيد: ما تصنع قال: أقتله، فقال له يزيد: اغمد سيفك فوالله لو فعلت لانقلب من معنا علينا.
قلت: ويزيد بن المهلب المذكور، هو الذي عناه بن دريد في مقصورته
المعروفة بالدريدية بقوله:
وقد سما قبلي يزيد طالباً ... شأو العلا فما وهى ولا وّنى وكل من شرح الدريدية تكلم على هذا البيت وشرح قصته.
وكانت إقامة يزيد بن المهلب منذ اجتمع هو ومسلمة بن عبد الملك ثمانية أيام، حتى إذا كان يوم الجمعة لأربع عشرة مضت من صفر سنة اثنتين ومائة أمر مسلمة أن تحرق السف فأحرقت، والتقى الجمعان وشبت الحرب، فلما رأى الناس الدخان قيل لهم: أحرق الجسر، انهزموا، فقيل ليزيد: قد انهزم الناس، فقال: مم انهزموا فقيل له: أحرق الجسر فلم يلبث أحد، فقال: قبحهم الله بقٌّ دخِّن عليه فطار. وكان يزيد لا يحدث نفسه بالفرار، وجاءه من أخبره أن أخيه حبيباً قد قتل فقال: لا خير في العيش بعد حبيب، قد كنت والله أبغض الحياة بعد الهزيمة فوالله ما ازددت لها إلا بغضاً، امضوا قدماً، قال: أصحابه: فعلمنا أن الرجل قد استقتل. وأخذ من يكره القتال ينكص، وأخذوا يتسالون، وبقيت معه جماعة حسنة، وهو يزدلف، فكلما مر بخيل كشفها أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه وعن سنن أصحابه، فجاء أبو رؤبة المرجئ وقال: ذهب الناس، فهل لك أن تنصرف إلى واسط فإنها حصن تنزلها ويأتيك أهل البصرة ويأتيك أهل عمان والبحرين في السفن وتضرب خندقاً فقال له: قبح الله رأيك، ألي تقول ذا الموت أيسر علي من ذلك، فقال له: فغني أتخوف عليك، أما ترى ما حولك من جبال الحديد فقال له: فأنا أباليها أجبال حديد كانت أم جبال نار اذهب عنا إن كنت لا تريد قتالاً معنا.
وأقبل على مسلمة لا يريد غيره، حتى إذا دنا منه دعا مسلمة بفرسه ليركبه، فعطفت عليه خيول أهل الشام وعلى أصحابه، فقتل يزيد بن المهلب، وقتل معه أخوه محمد وجماعة من أصحابه، وقال القحل - بفتح القاف وسكون الحاء
المهملة وآخره لام - ابن عياش الكلبي، لما نظر إلى يزيد: يا أهل الشام هذا والله يزيد، لأقتلنه أو ليقتلني، إن دونه ناساً، فمن يحمل معي يكفيني أصحابه حتى أصل إليه فقال له ناس من أصحابه: نحن نكمل معط، فحملوا بأجمعهم، فاضطربوا ساعة وسطع الغبار وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلاً، وعن القحل بن عياش بآخر رمق، فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد، وجاء برأس يزيد مولى لبني مرة، فقيل له: أنت قتلته فقال: لا. وفي أثناء الوقعة نظر الحواري بن زياد إلى برذون عائر فقال: الله أكبر، هذا برذون الفاسق ابن المهلب، قد قتله الله إن شاء الله، فطلبوه، فأتي مسلمة برأسه، فلم يعرف الرأس، فقال حسان النبطي: مهما ظننتم فلا تظنوا أن الرجل هرب، ولقد قتل، فقال مسلمة وما علامة ذلك فقال: إني سمعته أيام ابن الأشعث يقول: قبح الله ابن الأشعث، هبوه غلب على أمره أكان يغلب على الموت ألا مات كريماً
قلت: ذكر الأمير أبو نصر ابن ماكولا في باب " الفحل والقحل والعجل " ما مثاله: وأما القحل فمثل الفحل إلا أن أوله قاف فهو القحل بن عياش بن حسان بن عثمير بن شراحيل بن عزيز، قتل يزيد بن المهلب وقتله يزيد، ضرب كل واحدٍ منهما صاحبه فقتله. فلما أتي به إلى مسلمة لم يعرف ولم ينكر، فقيل له: مر برأسه فليغسل ثم ليعمم، ففعل ذلك به فعرفه، فبعث به إلى أخيه يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
وقال خليفة بن خياط: ولد يزيد بن المهلب سنة ثلاث وخمسين وتوفي مقتولاً يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة اثنتين ومائة، والله أعلم بالصواب.
ولما جاءت هزيمة يزيد واسط أخرج معاوية بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيراً كانوا في يديه فضربوا أعناقهم، منهم عدي بن أرطأة، ثم خرج
وقد قال له القوم: ويحك، إنا لا نراك تقتلنا إلا أن أباك قد قتل، ثم أقبل حتى أتى البصرة معه المال والخزائن، وجاء المفضل بن المهلب، واجتمع جميع أهل المهلب بالبصرة وقد كانوا يتخوفون الذي كان، فأعدوا السفن البحرية وتجهزوا بكل الجهاز. وأراد معاوية بن يزيد أن يتأمر على آل المهلب، فاجتمعوا وأمروا عليهم المفضل بن المهلب. وقالوا: المفضل أكبرنا سناً، وإنما أنت غلام حدث السن كبعض فتيان أهلك، فلم يزل المفضل عليهم حتى خرجوا إلى كرمان، وبكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث مسلمة بن عبد الملك في طلب آل المهلب وطلب الفلول، فأدركوهم في عقبة بفارس، فاشتد قتالهم، فقتل المفضل وجماعة من خواصه، ثم قتل آل المهلب من عند آخرهم، إلا أبا عيينة وعثمان بن المفضل فإنهما نجوا ولحقا بخاقان ورتبيل، وبعث مسلمة برؤوسهم إلى أخيه يزيد وهو على حلب، فلما نصبوا خرج لينظر إليهم، فقال لأصحابه: هذا رأس عبد الملك، هذا رأس المفضل، والله لكأنه جالس معي يحدثني.
وقال غير الطبري: لما حمل رأس يزيد بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك نال منه بعض جلسائه، فقال له: مه إن يزيد طلب جسيماً، وركب عظيماً، ومات كريماً.
ولما فرغ مسلمة من حرب آل المهلب جمع له أخوه يزيد ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة.
ولما قتل يزيد بن المهلب رثاه شاعره ثابت قطنة بمراثٍ كثيرة حسنة، منها قوله:
كل القبائل بايعوك على الذيتدعو إليه وتابعوك وساروا
حتى إذا اشتجر القنا وتركتهموهن الأسنة أسلموك وطاروا
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عاراً عليك، ورب قتلٍ عار قلت: وهذا ثابت قطنة من شعراء خراسان وفرسانهم، وذهبت عينه فكان يحشوها قطنة، وقد كان يزيد بن المهلب استعمله على بعض كور خراسان فلما علا المنبر أرتج عليه، فلم ينطق حتى نزل فدخل عليه الناس فقال:
فإن لا أقم فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب فقالوا: لو كنت قلت هذا على المنبر لكنت أخطب الناس، ذكره ابن قتيبة في كتاب " طبقات الشعراء " وقال ابن الكلبي في " جمهرة النسب ": هو ثابت بن كعب بن جابر بن كعب بن كزمان بن طرفة بن وهب بن مازن بن يم بن الأسد بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء [وفيه يقول صاحب الفيل الحنفي، وكانا يتهاجيان:
أبا العلاء لقد لاقيت معضلةًيوم العروبة من كرب وتخنيق
تلوي اللسان إذا رمت الكلام بهكما هوى زلق من شاهق النيق
لما رمتك عيون الناس ضاحيةً ... أنشأت تجرض لما قمت بالريق] وقال غير الطبري: إن الذي قتل يزيد بن المهلب هو الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي.
وقال الكلبي: نشأت والناس يقولون: ضحى بنو أمية بالدين يوم كربلاء وبالكرم يوم العقر، وقال محمد بن واسع لما جاء نعي يزيد: أشتهي باكية عمانية تندب لي قتلى آل المهلب، وقال عباد بن عباد: مكثنا نيفاً وعشرين سنة بعد قتلى آل المهلب لا تولد فينا جارية ولا يموت منا غلام.
وقال خليفة بن خياط، سنة اثنتين ومائة: فيها قتل يزيد بن المهلب يوم
الجمعة لاثنّتي عشرة ليلة خلت من صفر، وهو ابن تسع وأربعين سنة، رحمه الله تعالى، فلقد كان من النجباء الكرماء العظماء الفرسان.
وروي أن مسلمة بن عبد الملك دخل على أخيه يزيد بن عبد الملك حين خلعه يزيد، فرآه في ثوب مصبوغ فقال له: أتلبس مثل هذا وأنت ممن قال فيه:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار فقال مسلمة: ذاك ونحن نحارب أكفاءنا من قريش، فأما إن نعق ناعق فلا ولا كرامة.
قلت: وهذا البيت للأخطل التغلبي النصراني الشاعر المشهور.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع