تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

يموت بن المزرّع

ديوان يموت بن المزرع

ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن يموت بن المزرع؟

أبو بكر يموت بن المزرع بن يموت بن عيسى بن موسى بن سيّار بن حكيم بن جبلة بن حصن بن أسود بن كعب بن عامر بن عدي بن الحارث بن الديل بن عمرو بن غنم بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، العبدي البصري.

قلت: وجدت في كتاب " جمهرة النسب " تأليف ابن الكلبي عند ذكره حكيم بن جبلة المذكور، وقد ساق نسبه على هذه الصورة، وفي الحاشية مكتوب ما مثاله: من ولد حكيم بن جبلة المذكور يموت بن المزرع ابن يموت، وقد ساق نسبه على هذه الصورة حتى ألحقه بحكيم بن جبلة المذكور، والعهدة عليه في ذلك. ورأيت بخطي في مسوداتي: يموت بن المزرع بن يموت بن عدس بن سيار بن المزرع بن الحارث بن ثعلبة بن

عمرو بن ضمرة بن دلهاث بن وديعة بن بكر بن وديعة بن لكيز بن أفصى المذكور، والله أعلم بالصواب في ذلك

وكان يموت قد سمى نفسه محمداً، وذكره الخطيب البغدادي في تاريخه الكبير في المحمدين، ثم ذكره في حرف الياء وقال، هو يموت وهو ابن أخت أبي عثمان الجاحظ، وقد وتقدم ذكره.

قدم يموت بن المزرع بغداد في سنة إحدى وثلثمائة وهو شيخ كبير، وحدث بها عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي ونصر بن علي الجهضمي، وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، ومحمد بن يحيى الأزدي وأبي إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي وغيرهم؛ روى عنه أبو بكر الخرائطي وأبو الميمون ابن راشد، وأبو الفضل العباس بن محمد الرقي، وأبو بكر ابن مجاهد المقرئ وأبو بكر ابن الأنباري وغيرهم.

وكان أديباً أخبارياً، وله ملح ونوادر، وكان لا يعود مريضاً خوفاً أن يتطير من اسمه، وكان يقول: بليت بالاسم الذي سماني أبي به، فإني إذا عدت مريضاً فاستأذنت عليه، فقيل من هذا قلت أنا ابن المزرع، وأسقطت اسمي.

ومدحه منصور الفقيه الضرير الشاعر المشهور بقوله:

أنت تحيا والذي يكره أن تحيا يموتأنت صنو النفس أنت لروح النفس قوت

أنت للحكمة بيت ... لا خلت منك البيوت فمن أخباره أنه قال، أخبرني أبو الفضل الرياشي قال، سمعت الأصمعي يقول: كان سخط هارون الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁، في سنة ثمان وثمانين ومائة،

ولقد كنت عند الرشيد وقد أتي بعبد الملك يرفل في قيوده، فلما نظر الرشيد إليه قال له: هيه يا عبد الملك، كأني والله أنظر إلى شؤبوبها قد همع، وإلى عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، مهلا مهلا بني هاشم، فبي والله سهل لكم الوعر وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها، فخذوا حذاركم مني قبل حلول داهية خبوطٍ باليد والرجل، فقال له عبد الملك: أفذاً أتكلم أم وتوأما، فقال: بل توأما، فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك، وراقبه في رعاياك التي استرعاك، فقد سهلت والله لك الوعور، وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وكنت كما قال أخو بني جعفر بن كلاب:

ومقامٍ ضيقٍ فرجتهبلسانٍ وبيانٍ وجدل

لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل قال: فأراد يحيى بن خالد البرمكي أن يضع من مقدار عبد الملك عند الرشيد، فقال له: يا عبد الملك بلغني أنك حقود، فقال له: أصلح الله الوزير، إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي فإنهما لباقيان في قلبي.

قال الأصمعي: فالتفت الرشيد إليّ وقال: يا أصمعي حررها، فوالله ما احتج أحد للحقد بمثل ما احتج به عبد الملك، ثم أمر به فرد إلى محبسه.

قال الأصمعي: ثم التفت الرشيد إلي وقال: يا أصمعي والله لقد نظرت إلى موضع السيف من عنقه مراراً، ويمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله.

قلت: وعبد الله بن صالح قد ذكرته في ترجمة أبي عبادة الوليد البحتري الشاعر المشهور ونبهت على تاريخ وفاته.

وروى يموت بن المزرع أيضاً أن أحمد بن محمد بن عبيد الله أبا الحسن

الكاتب المعروف بابن المدبرّ الضبي الرستيساني، كان إذا مدحه شاعر فلم يرض شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد الجامع ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة ثم أطلقه، فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدين، فجاءه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد فقال له: قد عرفت الشرط قال: نعم، ثم أنشده:

أردنا في أبي حسنٍ مديحاًكما بالمدح تنتجع الولاة
للشاعر الحسين بن عبد السلام ( الجمل )، من قصيدة «أردنا في أبي حسنٍ مديحاً»
وقلنا أكرم الثقلين طراومن كفاه دجلة والفرات
فقالوا يقبل المدحات لكنجوائزه عليهن الصلاة
فقلت لهم وما تغني صلاتيعيالي، إنما الشأن الزكاة

فيأمر لي بكسر الصاد منها ... فتصبح لي الصلاة هي الصلات فضحك ابن المدير واستظرفه، وقال: من أين أخذت هذا فقال: من قول أبي تمام الطائي:

هن الحمام فإن كسرت عيافةًمن حائهن فإنهن حمام فاستحسن ذلك وأحسن صلته

وكان أحمد بن المدبر يتولى الخراج بمصر، فحبسه أحمد بن طولون في سنة خمس وستين ومائتين، ومات في حبسه في صفر سنة سبعين ومائتين، وقيل بل قتله ابن طولون، والله أعلم، والمدبر: بكسر الباء الموحدة المشدة.

وحدث ابن المزرع أيضاً عن خاله أبي عثمان الجاحظ أنه قال: طلب المعتصم جاريةً كانت لمحمود بن الحسن الشاعر المشهور المعروف بالوراق، وكانت تسمى نشوى وكان شديد الغرام بها، وبذل في ثمنها سبعة آلاف

دينار، فامتنع محمود من بيعها لأنه كان يهواها أيضاً، فلما مات محمود اشتريت الجارية للمعتصم من تركته بسبعمائة دينار، فلما دخلت عليه قال لها: كيف رأيت تركتك حتى اشتريتك من سبعة آلاف بسبعمائة، قالت: أجل إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته المواريث، فإن سبعين ديناراً لكثيرة في ثمني فضلاً عن سبعمائة، فخجل المعتصم من كلامها.

وقال ابن المزرع: حدثني من رأى قبراً بالشام عليه مكتوب: لا يغترن أحد بالدنيا فإني ابن من كان يطلق الريح إذا شاء ويحبسها إذا شاء، وبحذائه قبر عليه مكتوب: كذب الماص بظر أمه، لا يظن أحد أنه ابن سليمان بن داود ﵉، إنما هو ابن حداد يجمع الريح في الزق ثم ينفخ بها الجمر، قال: فما رأيت قبلها قبرين يتشاتمان، والله أعلم.

لابن المزروع أخبار وحكايات ونوادر، ولسنا نقصد الإطالة بل الإيجاز حسب الإمكان إلا أن ينتشر الكلام.

وكان له ولد، يدعى أبا نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع، وكان شاعراً مجيداً، ذكره المسعودي في كتاب - مروج الذهب ومعادن الجوهر - فقال في حقه: هو من شعراء هذا الزمان، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وفيه يقول أبوه مخاطباً له:

مهلهل قد حلبت شطور دهريوكافحني بها الزمن العنوت
للشاعر يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
وحاربت الرجال بكل ريعفأذعن لي الحثالة والرتوت
فأوجع ما أُجنّ عليه فلبيكريمٌ غنته زمن غتوت
كفى حزناً بضيعة ذي قديموأبناء العبيد لها البخوت
وقد أسهرت عيني بعد غمضمخافة أن تضيع إذا فنيت
للشاعر يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
وفي لطف المهيمن لي عزاءبمثلك إن فنيت وإن بقيت
للشاعر يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
فجب في الأرض وابغ بها علوماًولا تقطعك جائحة سبوت
وإن بخل العليم عليك يوماًفذل له وديدنك السكوت
للشاعر يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
وقل بالعلم كان أبي جواداًيقال ومن أبوك فقل يموت
للشاعر يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة

يقرّ لك الأباعد والأداني ... بعلمٍ ليس يجحده البهوت وكان يموت قد قدم مصر مراراً، وآخر قدومه إليها في سنة ثلاث وثلثمائة، وخرج في سنة أربع وثلثمائة. قال أبو سعيد ابن يونس الصدفي المصري في تاريخه المختص بالغرباء: مات يموت بن المزرع سنة أربع وثلثمائة بدمشق؛ وقال أبو سليمان بن زبر في تاريخه: إنه مات في سنة ثلاث وثلثمائة بطبرية الشام، والله أعلم.

وأما ولده مهلهل فإن الخطيب ذكره في " تاريخ بغداد " وقال: هو شاعر مليح الشعر في الغزل وغيره، وسكن بغداد وسمع منه، وكتب عنه شعره أبو بعضة إبراهيم بن محمد المعروف بتوزون. ثم قال الخطيب: أخبرني التنوخي قال، قتا لنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن العباس الأخباري: حضرت في سنة ست وعشرين وثلثمائة مجلس تحفة القوّالة جارية أبي عبد الله ابن عمر البازيار، وإلى جانبي عن يسرتي أبو نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع، وعن يميني أبو القاسم بن أبي الحسن البغدادي، فغنت تحفة من وراء الستارة بهذه الأبيات:

بي شغلٌ به عن الشغل عنهبهواه وإن تشاغل عني
للشاعر مهلهل بن يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
ظن بي جفوةً فأعرض عنيوبدا منه ما تخوف مني
للشاعر مهلهل بن يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة

سره أن أكون فيه حزيناً ... فسروري إذا تضاعف حزني فقال لي أبو نضلة: هذا الشعر لي، فسمعه أبو القاسم، وكان ينحرف

عن أبي نضلة فقال: قل له: إن كان هذا الشعر له يزيد فيه بيتاً، فقلت له ذلك على وجه جميل فقال:

هو في الحسن فتنةٌ قد أصارتفتنتي في هواه من كل فن ومن المنسوب إلى مهلهل أيضاً:
جلت محاسنه عن كل تشبيهوجل عن واصفٍ في الناس يحكيه
للشاعر مهلهل بن يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
انظر إلى حسنه واستغن عن صفتيسبحان خالقه، سبحان باريه
للشاعر مهلهل بن يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
النرجس الغض والورد الجني لهوالأقحوان النضير النضر في فيه
للشاعر مهلهل بن يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
دعا بألحاظه قلبي إلى عطبيفجاءه مسرعاً طوعاً يلبيه
للشاعر مهلهل بن يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة

مثل الفراشة تأتي إذ ترى لهبا ... إلى السراج فتلقي نفسها فيه وذكر له الخطيب شعراً غير هذا فأضربت عن ذكره.

والمزرع: بضم الميم وفتح الزاي وبعدها راء مشددة مفتوحة ثم عين مهملة، هكذا قاله لي الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، رحمه الله تعالى.

وأما حكيم بن جبلة المذكور في عمود هذا النسب فإنه بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف، ويقال أيضاً بضم الحاء وفتح الكاف، ويقال جبلة وجبل، وكان من أعوان علي بن أبي طالب ﵁، ولما بويع علي الخلافة بايعه طلحة بن عبيد الله التيمي والزبير بن العوام الأسدي ﵄، فعزم علي ﵁ على تولية الزبير البصرة وتولية طلحة اليمن، فخرجت مولاة لعلي فسمعتهما يقولان: ما بايعناه إلا بألسنتنا وما بايعناه بقلوبنا، فأخبرت مولاها بذلك، فقال: أبعدهما الله تعالى، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وبعث إلى البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري، وإلى اليمن

عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵁، فاستعمل ابن حنيف حكيم بن جبلة المذكور على شرطة البصرة.

ثم إن طلحة والزبير لحقا بمكة وفيها عائشة رضي الله تعالى عنها، فاتفقوا وقصدوا البصرة، وفيها ابن حنيف المذكور، فأتى حكيم بن جبلة إلى ابن حنيف، وأشار عليه بمنعهم من دخول البصرة، فأبى وقال: ما أدري ما رأي أمير المؤمنين في ذلك، فدخلوها وتلقاهم الناس، فوقفوا في مربد البصرة وتكلموا في قتل عثمان بن عفان ﵁ وبيعة علي رضي الله تعالى عنه، فرد عليهم رجل من عبد القيس، فنالوا منه ونتفوا لحيته، وترامى الناس بالحجارة واضطربوا، فجاء حكيم بن جبلة إلى ابن حنيف ودعاه إلى قتالهم فأبى، ثم أتى عبد الله بن الزبير إلى مدينة الرزق ليرزق أصحابه من الطعام الذي فيها، وغدا حكيم بن جبلة في سبعمائة من عبد القيس فقاتله فقتل حكيم وسبعون رجلاً من أصحابه.

وروي أن ابن جبلة قال لامرأته وكانت من الأزد: لأعملنّ بقومك اليوم عملاً يكونون به حديثاً للناس، فقالت له: أظن قومي سيضربونك اليوم ضربة تكون حديثاً للناس، فلقيه رجل يقال له سُحيم فضرب عنقه، فبقي معلقاً بجلدةٍ، فاستدار رأسه، فبقي مقبلاً بوجهه على دبره، وكان ذلك قبل وصول علي ﵁ بجيوشه إليهم، ثم قدم عليهم وتقابل الجيشان يوم الخميس النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين للهجرة عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، ثم كانت الوقعة العظمى المشهورة بوقعة الجمل يوم الخميس لعشر بقين من الشهر المذكور، وكان أول قدومهم، وقتل حكيم بن جبلة قبل ذلك بأيام في هذا الشهر أيضاً، وقتل بين الفريقين مقدار عشرة آلاف، وقتل طلحة والزبير ﵄ في ذلك اليوم، لكنه بغير قتال، ولولا خوف الإطالة لشرحته.

وقال المأموني في تاريخه: وقيل إن أهل المدينة علموا بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس، وفيه كان القتال، وذلك أن نسراً مر بما

حول المدينة ومعه شيء معلق، فتأمله الناس فوقع فإذا كف فيها خاتم نقشه: عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد. ثم إن كل من بين مكة والمدينة ممن قرب من البصرة أو بعد علموا بالوقعة مما نقلت النسور إليهم من الأيدي والأقدام. قلت: وذكر كشاجم في كتاب " المصايد والمطارد " أن العقاب ألقت كف عبد الرحمن بمكة، وكذلك ذكره في كتاب " المهذب " في الفقه في باب الصلاة على الميت، وذكر ابن الكلبي وأبو اليقظان في كتابيهما أن العُقاب ألقتها باليمامة، والله أعلم بالصواب.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرفُ اليَاء (٢)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.