من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
السلطان صلاح الدين (٢)
لا تبخلي فالبخل يذ ... هب بهجة الوجه الحسن ولرب ليل بت فيه صريع باطية ودن ... أختال من مرح وأسحب فضل ذيلي والردن ...
مع مخطف لدن القوام إذا انثنى رخص البدن لكنني كفرت ليلة زرته عني وعن
بمدائحي للمستضيء أبي محمد الحسن
المستقر من الخلافة في الشواهق والقنن ومنها:
يا جارياً في العدل منسنن النبي على سنن
يا جامعاً خلق النبوة والخلافة في قرن
دانت لهيبتك الممالك والمعاقل والمدن
بالمشرفيات الصوارم والمثقفة اللدن
وأتتك أسلاب الملو ... ك من الصعيد إلى عدن سلب الدعي بأرض مصر والمضلل في اليمن ... مما اقتناه ذو رعين في القديم وذو يزن ...
وشفيت منهم بالظباتلك الضغائن والاحن لم تغن عنهم حين رعتهم الحصون ولا الجنن
أمست سباياهم تقاد أذلة قود البدن
غادرت عرض بلادهمغرض النوائب والمحن
في كل يوم من جيوشك غارة فيها تشن
وأعدت سر الأولياء المؤمنين بها علن
ورحضت ما أبقته آثار الخوارج من درن
فكأن دعوتهم على ... تلك المنابر لم تكن وهي طويلة فنقتصر منها على هذا القدر ففيه كفاية. ومدحه أيضاً بقصيدة أخرى أشار فيها إلى هذا المعنى، وليس على خاطري من هذه القصيدة سوى غزلها فأحببت ذكره لكونه في غاية الحسن واللطافة، وهو:
أهلا بطلعة زائرفضح الدجى بضيائها
سمح الزمان بوصلهافدنت على عدوائها
باتت تعاطيني المدام وكنت من أكفائها
فسكرت من ألحاظهاوغنيت عن صهبائها
بيضاء قتلي دأبهافي نأيها وثوائها
فإذا دنت بجفونهاوإذا نأت بجفائها
لا تلتقي أبداً مواعدها بيوم وفائها
الشمس من ضراتهاوالبدر من رقبائها
والصبح فوق لثامهاوالليل تحت ردائها مضرية تنمى إذا انتسبت إلى حمرائها
باتت وأطراف الرماح تجول حول خبائها
فالموت دون فراقهاوالموت دون لقائها
ولقد مررت بربعهابعد النوى وفنائها
والعين في الأطلال ساكنة على أطلائها
فوقفت أنشد في مطالعها بدور سمائها وبكيت حتى كدت أعطف بانتي جرعائها
يا موحش العين التيأنست بطول بكائها
غادرت بين جوانحينفساً تموت بدائها
تشتاق عيني أن تراك وأنت في سودائها
فإذا بخلت بنظرة ... سمحت بجمة مائها فكأنها كف الخليفة أسبلت بعطائها ... وبعد هذا شرع في المديح وأبدع فيها جميعها. وسأذكر بعد هذا عند أواخر هذه الترجمة شيئاً من مدائحه في صلاح الدين إن شاء الله تعالى، فقد كان يسير قصائده إليه من بغداد فتصل أولاً إلى القاضي الفاضل، ومعها مديح للفاضل، وهو الذي يعرض قصائده على صلاح الدين، رحمه الله تعالى.
ثم ذكر شيخنا ابن الأثير بعد هذا فصلاً يتضمن حصول الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطناً فقال: " وفي سنة سبع وستين أيضاً حدث
ما أوجب نفرة نور الدين عن صلاح الدين، وكان الحادث أن نور الدين أرسل إلى صلاح الدين يأمره بجمع العساكر المصرية والمسير بها إلى بلد الفرنج والنزول على الكرك ومحاصرته ليجمع هو أيضاً عساكره ويسير إليه، ويجتمعا هناك على حرب الفرنج والاستيلاء على بلادهم؛ فبرز صلاح الدين من القاهرة في العشرين من المحرم، وكتب إلى نور الدين يعرفه أن رحيله لا يتأخر. وكان نور الدين قد جمع عساكره وتجهز، وأقام ينتظر ورود الخبر من صلاح الدين برحيله ليرحل هو، فلما أتاه الخبر بذلك رحل من دمشق عازماً على قصد الكرك، فوصل إليه وأقام ينتظر وصول صلاح الدين إليه، فأرسل كتابه يعتذر فيه عن الوصول باختلال البلاد [المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعة العلويين، وأنهم عازمون على الوثوب بها] وأنه يخاف عليها مع البعد عنها فعاد إليها، فلم يقبل نور الدين عذره. وكان سبب تقاعده أن أصحابه وخواصه خوفوه من الاجتماع بنور الدين. فحيث لم يمتثل فحيث لم يمتثل أمر نور الدين شق ذلك عليه وعظم عنده، وعزم على الدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها، فبلغ الخبر إلى صلاح الدين، فجمع أهله، وفيهم والده نجم الدين أيوب وخاله شهاب الدين الحارمي، ومعهم سائر الأمراء، وأعلمهم ما بلغه عن عزم نور الدين على قصده وأخذ مصر منه، واستشارهم فلم يجبه أحد منهم بشيء، فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين - قلت: وقد تقدم ذكره في ترجمة مستقلة - قال: وقال: إذا جاء قاتلناه وصددناه عن البلاد، ووافقه غيره من أهله، فشتمهم نجم الدين أيوب وأنكر ذلك واستعظمه، وكان ذا رأي ومكر وعقل، وقال لتقي الدين: اقعد، وسبه، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك، أتظن أن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا فقال: لا، فقال: والله لو رأيت أنا وهذا خالك شهاب الدين نور الدين لم يمكنا إلا أن نترجل له ونقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقك
بالسيف لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا كيف يكون غيرنا وكل من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسر على الثبات على سرجه، ولا وسعه إلا النزول وتقبيل الأرض بين يديه. وهذه البلاد له وقد أقامك فيها، وإن أراد عزلك فأي حاجة له إلى المجيء يأمرك بكتاب مع نجاب حتى تقصد خدمته ويولي بلاده من يريد، وقال للجماعة كلهم: قوموا عنا، ونحن مماليك نور الدين وعبيده يفعل بنا ما يريد، فتفرقوا على هذا. وكتب أكثرهم إلى نور الدين بالخبر ".
" ولما خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له: أنت جاهل قليل المعرفة، تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على ما في نفسك، فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه عن البلاد جعلك أهم الأمور إليه، وأولاها بالقصد، ولو قصدك لم تر معك أحداً من هذا العسكر وكانوا أسلموك إليه، وأما الآن بعد هذا المجلس فسيكتبون إليه ويعرفونه قولي، وتكتب أنت إليه وترسل في المعنى، وتقول: أي حاجة إلى قصدي يجيء نجاب يأخذني بحبل يضعه في عنقي، فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك واستعمل ما هو أهم عنده، والأيام تندرج، والله في كل وقت في شان [والله لو أراد نور الدين قصبة من قصب سكرنا لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل] ففعل صلاح الدين ما أشار به والده. فلما رأى نور الدين الأمر هكذا عدل عن قصده، وكان الأمر كما قال نجم الدين أيوب. وتوفي نور الدين ولم يقصده، وهذا كان من أحسن الآراء وأجودها "؛ انتهى ما ذكره ابن الأثير.
وقال شيخنا ابن شداد في " السيرة ": لم يزل صلاح الدين على قدم بسط العدل ونشر الإحسان، وإفاضة الإنعام على الناس إلى سنة ثمان وستين وخمسمائة، فعند ذلك خرج بالعسكر يريد بلاد الكرك والشوبك، وإنما بدأ بها لأنها كانت أقرب إليه، وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية، وكان لا يمكن أن تعبر قافلة حتى يخرج هو بنفسه يعبرها، فأراد
توسيع الطريق وتسهيلها، فحاصرها في هذه السنة، وجرى بينه وبين الفرنج وقعات، وعاد ولم يظفر منها بشيء، ولما عاد بلغه خبر وفاة والده نجم الدين أيوب قبل وصوله إليه " - قلت: وقد ذكرت تاريخ وفاته في ترجمته - قال: " ولما كانت سنة تسع وستين رأى قوة عسكره وكثرة عدده، وكان بلغه أن باليمن إنساناً استولى عليها وملك حصونها، يسمى عبد النبي بن مهدي، فسير أخاه توران شاه، فقتله وأخذ البلاد منه " - وقد بسطت القول في ذلك في ترجمته - ثم توفي نور الدين في سنة تسع وستين حسبما شرحته في ترجمته فلا حاجة إلى الإعادة.
وبلغ صلاح الدين أن إنساناً يقال له " الكنز " جمع بأسوان خلقاً عظيماً من السودان، وزعم أنه يعيد الدولة المصرية، وكان أهل مصر يؤثرون عودهم، فانضافوا إلى الكنز المذكور، فجهز صلاح الدين إليه جيشاً كثيفاً وجعل مقدمه أخاه الملك العادل، وساروا فالتقوا وكسروهم، وذلك في السابع من صفر سنة سبعين وخمسمائة، واستقرت له قواعد الملك.
وكان نور الدين ﵀ قد خلف والده الملك الصالح إسماعيل - المذكور في ترجمة أبيه - وكان بدمشق عند وفاة أبيه، وكان بقلعة حلب شمس الدين علي بن الداية وشاذبخت، وكان ابن الداية قد حدث نفسه بأمور، فسار الملك الصالح من دمشق إلى حلب، فوصل إلى ظاهرها في المحرم من سنة سبعين، ومعه سابق الدين، فخرج بدر الدين حسن بن الداية فقبض على سابق الدين، ولما دخل الملك الصالح القلعة قبض على شمس الدين وأخيه حسن المذكور وأودع الثلاثة السجن، وفي ذلك اليوم قتل أبو الفضل بن الخشاب لفتنة جرت بحلب، وقيل بل قتل قبل قبض أولاد الداية بيوم، لأنهم تولوا تدبير ذلك.
ثم إن صلاح الدين بعد وفاة نور الدين علم أن والده الملك الصالح صبي
لا يستقل بالأمر ولا ينهض بأعباء الملك، واختلفت الأحوال بالشام، وكاتب شمس الدين بن المقدم صلاح الدين، فتجهز من مصر في جيش كثيف، وترك بها من يحفظها، وقصد دمشق مظهراً أنه يتولى مصالح الملك الصالح، فدخلها بالتسليم في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الآخر سنة سبعين وخمسمائة وتسلم قلعتها، وكان أول دخوله دار أبيه - قلت: وهي الدار المعروفة بالشريف العقيقي، وهي اليوم في قبالة المدرسة العادلية مشهورة هناك بالعقيقي - قال: واجتمع الناس إليه وفرحوا به، وأنفق في ذلك اليوم مالاً جليلاً وأظهر السرور بالدمشقيين، وصعد القلعة، وسار إلى حلب فنازل حمص وأخذ مدينتها في جمادى الأولى من السنة ولم يشتغل بقلعتها، وتوجه إلى حلب ونازلها في يوم الجمعة سلخ جمادى الأولى من السنة، وهي الوقعة الأولى.
ثم إن سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي صاحب الموصل لما أحس بما جرى علم أن الرجل قد استفحل أمره وعظم شأنه، وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقرت قدمه في الملك وتعدى الأمر إليه، فأنفذ عسكراً وافراً وجيشاً عظيماً وقدم عليه أخاه عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود، وساروا يريدون لقاءه ليردوه عن البلاد، فلما بلغ صلاح الدين ذلك رحل عن حلب في مستهل رجب من السنة عائداً إلى حماة، ورجع إلى حمص فأخذ قلعتها، ووصل عز الدين مسعود إلى حلب وأخذ عسكر معه ابن عمه الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب يومئذ، وخرجوا في جمع عظيم، فلما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة، وراسلهم وراسلوه واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه، ورأوا أن ضرب المصاف معه ربما نالوا به غرضهم، والقضاء يجر إلى أمور وهم بها لا يشعرون، فتلاقوا فقضى الله تعالى أن انكسروا بين يديه، وأسر جماعة منهم فمن عليهم، وذلك في تاسع شهر رمضان من
السنة عند قرون حماة. ثم سار عقيب كسرتهم ونزل على حلب، وهي الدفعة الثانية، فصالحوه على أخذ المعرة وكفر طاب وبارين، ولما جرت هذه الوقعة كان سيف الدين غازي يحاصر أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار، وعزم على أخذها منه، لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين، وكان قد قارب أخذها، فلما بلغه الخبر وأن عسكره انكسر خاف أن يبلغ أخاه عماد الدين الخبر فيشتد أمره ويقوى جأشه، فراسله وصالحه. ثم سار من وقته إلى نصيبين واهتم بجمع العساكر والإنفاق فيها، وسار إلى البيرة وعبر الفرات، وخيم على الجانب الشامي، وراسل ابن عمه الصالح بن نور الدين صاحب حلب حتى تستقر له قاعدة يصل عليها، ثم إنه وصل إلى حلب وخرج الملك الصالح إلى لقائه، وأقام على حلب مدة وصعد قلعتها جريدة، ثم نزل وسار إلى تل السلطان - قلت: وهي منزلة بين حماة وحلب - قال: ومعه جمع كبير، وأرسل صلاح الدين إلى مصر طلب عسكرها، فوصل إليه، وسار به حتى نزل على قرون حماة، ثم تصافوا بكرة نهار الخميس العاشر من شوال سنة إحدى وسبعين، وجرى قتال عظيم وانكسرت مسيرة صلاح الدين بمظفر الدين بن زين الدين - قلت: هو صاحب إربل المقدم ذكره - قال: فإنه كان على ميمنة سيف الدين، فحمل صلاح الدين بنفسه فانكسر القوم، وأسر منهم جمعاً من كبار الأمراء فمن عليهم وأطلقهم، وعاد سيف الدين إلى حلب فأخذ منها خزائنه وسار حتى عبر الفرات وعاد إلى بلاده. ومنع صلاح الدين من تتبع القوم، ونزل في بقية ذلك اليوم في خيامهم، فإنهم تركوا أثقالهم وانهزموا، ففرق صلاح الدين الاصطبلات ووهب الخزائن وأعطى خيمة سيف الدين لابن أخيه عز الدين فرخشاه - قلت: هو ابن شاهان شاه بن أيوب، وهو أخو تقي الدين عمر صاحب حماة وفرخشاه صاحب بعلبك وهو والد الملك الأمجد بهرام شاه، صاحب بعلبك -.
قال: وسار إلى منبج فتسلمها، ثم سار إلى قلعة عزاز يحاصرها، وذلك
في رابع ذي القعدة من سنة إحدى وسبعين، وعليها وثب جماعة من الإسماعيلية على صلاح الدين فنجاه الله سبحانه منهم وظفره بهم، وأقام عليها حتى أخذها في رابع عشر ذي الحجة من السنة، ثم سار فنزل على حلب في سادس عشر الشهر المذكور، وأقام عليها مدة ثم رحل عنها، وكانوا قد اخرجوا له ابنة صغيرة لنور الدين سألته عزاز فوهبها لها، ثم عاد صلاح الدين إلى مصر ليتفقد أحوالها، وكان مسيره إليها في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وسبعين، وكان أخوه شمس الدولة توران شاه قد وصل إليه من اليمن فاستخلفه بدمشق. ثم تأهب للغزاة وخرج يطلب الساحل حتى وافى الفرنج على الرملة، وذلك في أوائل جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكانت الكسرة على المسلمين في ذلك اليوم - قلت: وذلك لأمر يطول شرحه - قال: فلما انهزموا لم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه، فطلبوا جهة الديار المصرية وضلوا في الطريق، وتبددوا وأسر منهم جماعة منهم الفقيه عيسى الهكاري وكان ذلك وهناً عظيماً جبره الله تعالى بوقعة حطين المشهورة.
وأما الملك الصالح صاحب حلب فإنه تخبط أمره، وقبض على كمشتكين صاحب دولته، وطلب منه تسليم حارم إليه فلم يفعل، فقتله، فلما سمع الفرنج بقتله نزلوا على حارم طمعاً فيها، وذلك في جمادى الآخرة من السنة، فلما رأى أهل قلعتها الخطر من جهة الفرنج سلموها إلى الملك الصالح في العشر الأواخر من شهر رمضان من السنة، فرحل الفرنج عنها.
وأقام صلاح الدين بمصر حتى لم شعثه وشعث أصحابه من أثر كسرة الرملة، ثم بلغه تخبط الشام فعزم على العود إليه، واهتم بالغزاة فوصله رسول قليج أرسلان صاحب الروم يلتمس الصلح ويتضرر من الأرمن، فعزم على قصد بلاد ابن لاون - قلت: وهي بلاد سيس الفاضلة بين حلب والروم من جهة الساحل - قال: لينصر قليج أرسلان عليه، فتوجه إليه واستدعى عسكر حلب لأنه كان في الصلح أنه متى استدعاه حضر إليه، ودخل بلد ابن لاون، وأخذ في طريقه حصناً وأخربه، ورغبوا إليه في الصلح فصالحهم ورجع عنهم. ثم سأله قليج أرسلان في صلح الشرقيين بأسرهم فأجاب إلى
ذلك، وحلف صلاح الدين في عاشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين وخمسمائة، ودخل في الصلح قليج أرسلان والمواصلة وعاد بعد تمام الصلح إلى دمشق ثم منها إلى مصر.
ثم توفي الملك الصالح بن نور الدين في التاريخ المذكور في ترجمة والده، وكان قد استحلف أمراء حلب وأجنادها لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل - قلت: وقد تقدم ذكره، وهو ابن قطب الدين مودود - فلما مات سيف الدين في التاريخ المذكور في ترجمته قام مقامه أخوه عز الدين مسعود المذكور - قال: فلما بلغ عز الدين خبر موت الملك الصالح وأنه أوصى له بحلب بادر إلى التوجه إليها خوفاً أن يسبقه صلاح الدين فيأخذها، فكان أول قادم إليها مظفر الدين بن زين الدين - قلت: هو صاحب إربل، وكان إذ ذاك صاحب حران، وهو مضاف إلى المواصلة لأن تلك البلاد كانت لهم - قال: فوصلها مظفر الدين في ثالث شعبان سنة سبع وسبعين، وفي العشرين منه وصلها عز الدين مسعود وصعد إلى القلعة فاستولى على ما فيها من الحواصل، وتزوج أم الملك الصالح في خامس شوال من السنة.
قلت: ثم إن شيخنا ابن شداد ذكر بعد هذا أموراً ذكرتها في ترجمة عز الدين مسعود بن مودود وترجمة أخيه عماد الدين زنكي وترجمة تاج الملوك بوري أخي صلاح الدين، فلا حاجة إلى إعادتها ها هنا، فمن أراد الوقوف عليها يكشفها في هذه التراجم.
قلت: وحاصل الأمر أن عز الدين مسعوداً قايض أخاه عماد الدين زنكي
صاحب سنجار عن حلب بسنجار، وخرج عز الدين عن حلب ودخلها عماد الدين زنكي فجاءه صلاح الدين وحاصره، فلم يقدر عماد الدين على حفظ حلب، وكان نزول صلاح الدين على حلب في السادس والعشرين من المحرم سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وقال ابن شداد: نزل عليها في سادس عشر المحرم، والله أعلم. فتحدث عماد الدين زنكي مع الأمير حسام الدين طمان بن غازي بن يلمي بن تنجول من جبل سلور بحلب في السر بما يفعله، فأشار عليه بأن يطلب منه بلاداً وينزل له عن حلب، بشرط أن يكون له جميع ما في القلعة من الأموال، فقال له عماد الدين: وهذا كان في نفسي. ثم اجتمع حسام الدين طمان بصلاح الدين في السر على تقرير القاعدة في ذلك، فأجابه صلاح الدين إلى ما طلب، ودفع له سنجار والخابور ونصيبين وسروج، ودفع لطمان الرقة لسفارته بينهما، وحلف صلاح الدين على ذلك في سابع عشر صفر من السنة. وكان صلاح الدين قد نزل على سنجار وأخذها في ثامن شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وأعطاها لابن أخيه تقي الدين عمر، فلما جرى الصلح على هذه الصورة أعطاها عماد الدين، وتسلم صلاح الدين قلعة حلب وصعد إليها يوم الاثنين السابع والعشرين من صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وأقام بها حتى رتب أمورها ثم رحل عنها في الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة، وجعل فيها ولده الملك الظاهر - المقدم ذكره في ترجمة مستقلة - وكان صبياً، وولى القلعة سيف الدين يازكوج الأسدي وجعله يرتب مصالح ولده.
ثم سار صلاح الدين إلى دمشق في التاريخ المذكور؛ قال ابن شداد: وتوجه من دمشق لقصد محاصرة الكرك في الثالث من رجب من السنة، وسير إلى أخيه الملك العادل وهو بمصر يستدعيه ليجتمع به على الكرك، فسار إليه بجمع كثير وجيش عظيم، واجتمع به على الكرك في رابع شعبان من السنة، فلما بلغ الفرنج الخبر حشدوا خلقاً كثيراً، وجاءوا إلى الكرك ليكونوا في
قبالة عسكر المسلمين، فخاف صلاح الدين على الديار المصرية، فسير إليها ابن أخيه تقي الدين عمر. ورحل عن الكرك في سادس عشر شعبان من السنة، واستصحب أخاه الملك العادل معه، ودخل دمشق في الرابع والعشرين من شعبان من السنة، وأعطاه حلب، ودخلها في يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان من السنة، وخرج الملك الظاهر ويازكوج ودخلا دمشق في يوم الإثنين الثامن والعشرين من شوال من السنة. وكان الملك الظاهر أحب أولاده إليه لما فيه من الخلال الحميدة، ولم يأخذ منه حلب إلا لمصلحة رآها في ذلك الوقت، وقيل إن العادل أعطاه على أخذ حلب ثلثمائة ألف دينار يستعين بها على الجهاد، والله أعلم.
ثم إن صلاح الدين رأى أن عود الملك العادل إلى مصر وعود الملك الظاهر إلى حلب أصلح؛ قيل كان سبب ذلك أن الأمير علم الدين سليمان بن جندر قال لصلاح الدين - وكان بينهما مؤانسة قبل أن يتملك البلاد، وقد سايره يوماً، وكان من أمراء حلب، والملك العادل لا ينصفه ويقدم عليه غيره، وكان صلاح الدين قد مرض على حصار الموصل وحمل إلى حران وأشفى على الهلاك، فلما عوفي رجع إلى الشام، واجتمعا على المسير، قال له وكان صلاح الدين، قد أوصى لكل واحد من أولاده بشيء من البلاد -: بأي رأي كنت تظن أن وصيتك تمضى، كأنك كنت خارجاً إلى الصيد وتعود فلا يخالفونك أما تستحي أن يكون الطائر أهدى منك إلى المصلحة قال: وكيف ذاك وهو يضحك، قال: إذا أراد الطائر أن يعمل عشاً لفراخه قصد أعالي الشجر ليحمي فراخه، وأنت سلمت الحصون إلى أهلك، وجعلت أولادك على الأرض: هذه حلب، وهي أم البلاد، بيد أخيك، وحماة بيد ابن أخيك تقي الدين، وحمص بيد ابن أسد الدين، وابنك الأفضل مع تقي الدين بمصر يخرجه متى شاء، وابنك الآخر مع أخيك في خيمة يفعل به ما أراد، فقال له: صدقت، واكتم هذا الأمر، ثم أخذ حلب من أخيه وأعطاها ابنه الملك الظاهر، وأعطى الملك العادل بعد ذلك حران والرها
وميافارقين ليخرجه من الشام ويتوفر الشام على أولاده، فكان ما كان.
قلت: وقد تقدم في ترجمة عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود صاحب الموصل فصل يتعلق بنزول صلاح الدين على الموصل وحصارها ثلاث مرار، ولم يقدر عليها. قال شيخنا ابن الاثير في تاريخه: إنه نزل عليها في الدفعة الثالثة وكان زمن الشتاء، وعزم على المقام وإقطاع جميع بلاد الموصل، وكان نزوله في شعبان من سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، فأقام شعبان وشهر رمضان، وترددت الرسل بينه وبين صاحبها. فبينما هو كذلك مرض صلاح الدين فعاد إلى حران. ولحقته الرسل بالإجابة إلى ما طلب. وتم الصلح على أن يسلم إليه صاحب الموصل شهرزور وأعمالها وولاية القرابلي وما وراء الزاب من الأعمال، وأن يخطب له على المنابر وينقش اسمه على السكة، فلما حلف أرسل صلاح الدين نوابه وتسلم البلاد التي استقرت القاعدة على تسليمها. وطال المرض على صلاح الدين بحران. واشتد به. حتى أيسوا منه، فحلف الناس لأولاده، وكان عنده منهم الملك العزيز عماد الدين عثمان، وأخوه العادل جاءه من حلب وهو ملكها يومئذ. وجعل لكل واحد شيئاً من البلاد، وجعل الملك العادل وصياً على الجميع. ثم إنه عوفي وعاد إلى دمشق في المحرم من سنة اثنتين وثمانين، ولما كان مريضاً بحران، كان عنده ناصر الدين محمد ابن عمه [شيركوه] وله من الإقطاع حمص والرحبة، فسار من عنده إلى حمص واجتاز بحلب. وأحضر جماعة من الأحداث ووعدهم وأعطاهم مالاً. ولما وصل إلى حمص راسل جماعة من أهل دمشق ووعدهم على تسليم دمشق إليه إذا مات صلاح الدين. فعوفي ولم يمض قليل حتى مات ناصر الدين ليلة عيد النحر من السنة، فإنه شرب
الخمر فأكثر منه فأصبح ميتاً، وقيل إن صلاح الدين وضع عليه إنساناً فحضر عنده، ونادمه وسقاه سماً، فلما أصبحوا من الغد لم يروا ذلك الشخص، وكان يقال له الناصح بن العميد، فسألوا عنه، فقالوا إنه سار من ليلته، وكان هذا مما قوى الظن، والله أعلم. فلما توفي أعطى إقطاعه لولده شيركوه وعمره اثنتا عشرة سنة، وخلف من الأموال والدواب والأثاث شيئاً كثيراً، فحضر صلاح الدين إلى حمص واستعرض تركته وأخذ أكثرها، ولم يترك إلا ما لا خير فيه. ثم قال شيخنا بعد هذا كله: وبلغني أن شيركوه حضر عند صلاح الدين بعد موت أبيه بسنة فقال له: إلى أين بلغت في القرآن فقال له: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً " النساء: " فعجب الجماعة وصلاح الدين من ذكائه، والله اعلم بصحة ذلك.
قال ابن شداد: ولما وصل صلاح الدين إلى دمشق عقيب مرضه وإبلاله سير طلب أخاه الملك العادل، فخرج من حلب جريدة ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثمانين، ومضى إلى دمشق فأقام في خدمة السلطان صلاح الدين، وجرت بينهما أحاديث ومراجعات وقواعد تتقرر إلى جمادى الآخرة من السنة، فاستقر الأمر على عود الملك العادل إلى مصر، وأخذت حلب منه وسار الملك الظاهر إليها فدخل قلعتها يوم السبت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة؛ وقد ذكرت في ترجمة الملك الظاهر أنه دخل حلب مالكاً لها في مثل يوم وفاته، وعينت هناك التاريخ واسم اليوم، وهكذا وجدته، وما أدري من أين نقلته.
وسلم السلطان ولده الملك العزيز إلى العادل وجعله أتابكه، وقال ابن شداد قال لي الملك العادل: لما استقرت هذه القاعدة اجتمعت بخدمة
الملك العزيز والملك الظاهر وجلست بينهما، وقلت للملك العزيز: اعلم يا مولاي أن السلطان أمرني أن أسير في خدمتك إلى مصر، وأنا أعلم أن المقدمين كثير، وما يخلو أن يقال عني ما لا يجوز، ويخوفوك مني، فإن كان لك عزم أن تسمع منهم فقل لي حتى لا أجيء، فقال: كيف يتهيأ لي أن أسمع منهم أو أرجع إلى رأيهم ثم التفت إلى الملك الظاهر وقلت له: أنا أعرف أن أخاك ربما سمع في أقوال المقدمين، وأنا فما لي إلا أنت، وقد قنعت منك بمنبج متى ضاق صدري من جانبه، فقال: مبارك، وذكر لي كل خير.
وزوج السلطان ولده الملك الظاهر غازية خاتون ابنة أخيه الملك العادل، ودخل بها يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رمضان من السنة.
ثم كانت وقعة حطين المباركة على المسلمين، قال: وكانت في يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة في وسط نهار الجمعة، وكان كثيراً ما يقصد لقاء العدو في يوم الجمعة عند الصلاة تبركاً بدعاء المسلمين والخطباء على المنابر، فسار في ذلك الوقت بمن اجتمع له من العساكر الإسلامية، وكانت تجوز العد والحصر، على تعبية حسنة وهيئة جميلة، وكان قد بلغه عن العدو أنه اجتمع في عدة كثيرة بمرج صفورية بأرض عكا عندما بلغهم اجتماع العساكر الإسلامية، فسار ونزل على بحيرة طبرية ثم رحل ونزل على طبرية على سطح الجبل ينتظر قصد الفرنج له، إذا بلغهم نزوله بالموضع المذكور، فلم يتحركوا ولا خرجوا من منزلتهم، وكان نزولهم بالموضع المذكور يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر، فلما رآهم لا يتحركون نزل جريدة على طبرية، وترك الأطلاب على حالها قبالة العدو، ونازل طبرية وهجمها وأخذها في ساعة واحدة، وانتهب الناس ما بها وأخذوا في القتل والسبي والحريق، وبقيت القلعة محتمية بمن فيها.
ولما بلغ العدو ما جرى على طبرية قلقوا لذلك ورحلوا نحوها، فبلغ السلطان ذلك فترك على طبرية من يحاصر قلعتها ولحق بالعسكر، فالتقى بالعدو على سطح جبل طبرية الغربي منها، وذلك في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر، وحال الليل بين العسكرين قياماً على مصاف إلى بكرة يوم الجمعة الثالث والعشرين منه، فركب العسكران وتصادما، والتحم القتال واشتد الأمر، وذلك بأرض قرية تعرف بلوبيا، وضاق الخناق بالعدو وهم سائرون كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون، وقد أيقنوا بالويل والثبور، وأحسن نفوسهم أنهم في غد يومهم ذلك من زوار القبور، ولم تزل الحرب تضطرم، والفارس مع قرنه يصطدم، ولم يبق إلا الظفر، ووقع الوبال على من كفر، فحال بينهم الليل بظلامه، وبات كل واحد من الفريقين في سلاحه إلى صبيحة يوم السبت، فطلب كل من الفريقين مقامه، وتحقق المسلمون أن ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد العدو، وأنهم لا ينجيهم إلا الاجتهاد في الجهاد، فحملت أطلاب المسلمين من جميع الجوانب، وحمل القلب، وصاحوا صيحة رجل واحد، فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين، وكان حقاً عليه نصر المؤمنين، ولما أحس القومص بالخذلان هرب منهم في أوائل الأمر وقصد جهة صور، وتبعه جماعة من المسلمين، فنجا منهم وكفى الله شره، وأحاط المسلمون بالكافرين من كل جانب، وأطلقوا عليهم السهام، وحكموا فيهم السيوف وسقوهم كأس الحمام، وانهزمت طائفة منهم فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها أحد، واعتصمت طائفة منهم بتل يقال له تل حطين، وهي قرية عندها قبر النبي شعيب ﵇، فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النيران، واشتد بهم العطش وضاق بهم الأمر، حتى كانوا يستسلمون للأسر خوفاً من القتل، لما مر بهم، فأسر
مقدموهم وقتل الباقون، وكان ممن سلم من مقدميهم الملك جفري، وأخوه، والبرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك، وابن الهنفري وابن صاحبة طبرية، ومقدم الديوية، وصاحب جبيل، ومقدم الاسبتار، قال ابن شداد: ولقد حكى لي من أثق به أنه رأى بحوران شخصاً واحداً معه نيف وثلاثون أسيراً قد ربطهم بطنب خيمة لما وقع عليهم من الخذلان.
ثم إن القومص الذي هرب في أول الأمر وصل إلى طرابلس، فأصابه ذات الجنب فهلك منها، وأما مقدما الاسبتار والديوية فإن السلطان قتلهما وقتل من بقي من صنفهما حياً، وأما البرنس أرناط فإن السلطان كان قد نذر أنه إن ظفر به قتله، وذلك لأنه كان قد به عبر عند الشوبك قوم من الديار المصرية في حال الصلح فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الصلح الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي ﷺ، وبلغ السلطان فحملته حميته ودينه على أن يهدر دمه.
ولما فتح الله تعالى عليه بنصره جلس في دهليز الخيمة لأنها لم تكن نصبت بعد، وعرضت عليه الأسارى، وسار الناس يتقربون إليه بمن في أيديهم منهم، وهو فرح بما فتح الله تعالى على يده للمسلمين، ونصبت له الخيمة فجلس فيها شاكراً لله تعالى على ما أنعم به عليه. واستحضر الملك جفري وأخاه البرنس أرناط، وناول السلطان جفري شربة من جلاب وثلج فشرب منها، وكان على أشد حال من العطش، ثم ناولها البرنس؛ وقال السلطان للترجمان: قل للملك أنت الذي سقيته، وإلا أنا فما سقيته. وكان من جميل عادة العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أمن، فقصد السلطان بقوله ذلك، ثم أمر بمسيرهم إلى موضع عينه لهم، فمضوا بهم إليه فأكلوا شيئاً، ثم عادوا بهم، ولم يبق عنده سوى بعض الخدم فاستحضرهم،
وأقعد الملك في دهليز الخيمة، واستحضر البرنس أرناط وأوقفه بين يديه وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد منك، ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل، فسل النيمجاه فضربه بها فحل كتفه وتمم قتله من حضر، وأخرجت جثته ورميت على باب الخيمة. فلما رآه الملك على تلك الحال لم يشك في أنه يلحقه به، فاستحضره وطيب قلبه وقال له: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك. وأما هذا فإنه تجاوز الحد وتجرأ على الأنبياء صلوات الله عليهم، وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور، ترتفع أصواتهم بحمد الله وشكره وتهليله وتكبيره، حتى طلع الفجر. ثم نزل السلطان على طبرية يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، وتسلم قلعتها في ذلك النهار وأقام عليها إلى يوم الثلاثاء.
ثم رحل طالباً عكا فكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ شهر ربيع الآخر، وقاتلها بكرة يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين فأخذها، واستنقذ من كان بها من أسارى المسلمين وكانوا أكثر من أربعة آلاف نفس، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع لأنها كانت مظنة التجار، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة، فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة، وكان ذلك لخلوها من الرجال لأن القتل والأسر أفنى كثيراً منهم. ولما استقرت قواعد عكا وقسم أموالها وأساراها، سار يطلب تبنين، فنزل عليها يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى، وهي قلعة منيعة، فنصب عليها المناجيق وضيق بالزحف خناق من فيها، وكان فيها أبطال معدودون وفي دينهم متشددون، فقاتلوا قتالاً شديداً، ونصره الله سبحانه عليهم، فتسلمها منهم يوم الأحد ثامن عشره عنوة، وأسر من بقي فيها بعد القتل. ثم رحل عنها إلى صيدا فنزل عليها، وتسلمها في غد يوم نزوله عليها، وهو يوم الأربعاء العشرون من جمادى الأولى، وأقام عليها ريثما قرر قواعدها. وسار حتى أتى بيروت فنازلها ليلة الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى وركب عليها المجانيق، وداوم الزحف والقتال حتى أخذها في يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر المذكور
وتسلم أصحابه جبيل، وهو على بيروت.
ولما فرغ باله من هذا الجانب رأى قصد عسقلان، ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها. ثم رأى ابن العسكر قد تفرق في الساحل وذهب كل واحد يحصل لنفسه، وكانوا قد ضرسوا من القتال وملازمة الحرب والنزال، وكان قد اجتمع في صور من بقي في الساحل من الفرنج، فرأى أن قصده عسقلان أولى لأنها أيسر من صور، فأتى عسقلان ونزل عليها يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة من السنة، وتسلم في طريقه إليها مواضع كثيرة كالرملة والداروم، وأقام في عسقلان المناجيق وقاتلها قتالاً شديداً، وتسلمها في يوم السبت سلخ جمادى الآخرة من السنة، وأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبريل والنطرون بغير قتال، وكان بين فتح عسقلان وأخذ الفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة، فإنهم كانوا أخذوها من المسلمين في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، هكذا ذكره شيخنا ابن شداد في " السيرة "، وذكر الشهاب ياقوت الحموي في كتابه الذي سماه " المشترك وضعا المختلف صقعا " أنهم أخذوها من المسلمين في رابع عشر جمادى الآخرة من السنة.
قال ابن شداد: لما تسلم عسقلان والاماكن المحيطة بالقدس شمر عن ساق الجد والاجتهاد في قصد القدس المبارك. واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل، فسار نحوه معتمداً على الله تعالى مفوضاً أمره إليه، منتهزاً الفرصة في فتح باب الخير الذي حث على انتهازه بقوله ﷺ " من فتح له باب خير فلينتهزه فإنه لا يعلم متى يغلق دونه "؛ وكان نزوله عليه في يوم الأحد الخامس عشر من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وكان نزوله بالجانب الغربي، وكان مشحوناً بالمقاتلة من الخيالة والرجالة، وحزر أهل الخبرة ممن كان معه من كان فيه من المقاتلة فكانوا يزيدون على ستين ألفاً خارجاً عن النساء والصبيان، ثم انتقل
لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي في يوم الجمعة العشرين من رجب ونصب المناجيق، وضايق البلد بالزحف والقتال حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم. ولما رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع له عنهم، وظهرت لهم أمارات فتح المدينة وظهور المسلمين عليهم، وكان قد اشتد روعهم لما جرى على أبطالهم وحماتهم من القتل والأسر وعلى حصونهم من التخريب والهدم، وتحققوا أنهم صائرون إلى ما صار أولئك إليه، فاستكانوا واخلدوا إلى طلب الأمان، واستقرت القاعدة بالمراسلة من الطائفتين، وكان تسلمه في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب، وليلته كانت ليلة المعراج المنصوص عليها في القرآن الكريم، فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب. كيف يسر الله تعالى عوده إلى المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم ﷺ، وهذه علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى. وكان فتحه عظيماً شهده من أهل العلم خلق، ومن أرباب الخرق والزهد عالم، وذلك أن الناس لما بلغهم ما يسره الله تعالى على يده من فتوح الساحل وقصده القدس، قصده العلماء من مصر والشام، بحيث لم يتخلف أحد منهم، وارتفعت الأصوات بالضجيج بالدعاء والتهليل والتكبير، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه وخطب الخطيب - قلت: وقد تقدم في ترجمة القاضي محيي الدين محمد بن علي المعروف بابن الزكي ذكر الخطبة التي خطب بها ذلك اليوم، فيكشف منه. ورأيت في رسالة القاضي الفاضل المعروفة بالقدسية أن الخطبة أقيمت يوم الجمعة رابع شعبان، والله أعلم.
[وإذ قد ذكرنا فتوح القدس، وقد تقدم ذكر الخطبة التي خطب يوم الجمعة بها، يليق أن نذكر الرسالة التي كتبها القاضي الفاضل إلى الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ابن الإمام المستضىء بأمر الله، تتضمن الفتوح فإنها بديعة بليغة في بابها، ولم اذكرها بكمالها بل اخترت منها أحسنها، وتركت الباقي لأنها طويلة، وهي:
أدام الله تعالى أيام الديوان العزيز النبوي، ولا زال مظفر الجد بكل جاحد، غنياً بالتوفيق عن رأي كل رائد، موقوف المساعي على اقتناء مطلقات المحامد، مستيقظ النصر والنصل في جفنه راقد، وارد الجود والسحاب على الأرض غير وارد، متعدد مساعي الفضل وإن كان لا يلقى إلا بشكر واحد، ماضي حكم العدل بعزم لا يمضي إلا بنبل غوي وريش راشد، لا زالت غيوث فضله إلى الأولياء أنواء إلى المراتع وأنواراً إلى المساجد، وبعوث رعبه إلى الأعداء خيلاً إلى المراقب وخيالاً إلى المراقد.
كتب الخادم هذه الخدمة، تلو ما صدر عنه مما كان يجري التباشير لصبح هذه العزمة، والعنوان لكتاب وصف النعمة، فإنها بحر للأقلام فيه سبح طويل، ولطف لحمل الشكر فيه عبء ثقيل، وبشرى للخواطر في شرحها مآرب، ويسرى للأسرار في إظهارها مسارب، ولله تعالى في إعادة شكره رضا، وللنعمة الراهنة به دوام لا يقال معه: هذا مضى. ولقد صارت أمور الإسلام إلى أحسن مصايرها، وقد استتبت عقائد أهله على أبين بصائرها، وتقلص ظل رجاء الكافر المبسوط، وصدق الله أهل دينه فلما وقع الشرط وقع المشروط، وكان الدين غريباً فهو الآن في وطنه، والفوز معروضاً فقد بذلت الأنفس في ثمنه، وأمر أمرٌ الحق وكان مستضعفاً، وأهل ربعه وكان قد عيف حين عفا، وجاء أمر الله وأنوف أهل الشرك راغمة، وأدلجت السيوف إلى الآجال وهي نائمة، وصدق وعد الله في إظهار دينه على كل دين، واستطارت له أنوار أبانت أن الصباح عندها جنان الجنين، واسترد المسلمون تراثاً كان عنهم آبقاً، وظفروا يقظة بما لم يصدقوا أنهم يظفرون به طيفاً على النأي طارقاً، واستقرت على الأعلى أقدامهم، وخفقت على الأقصى أعلامهم، وتلاقت على الصخرة قبلهم، وشفيت بها وإن كانت صخرة كما تشفى بالماء غللهم، ولما قدم الدين عليها عرف منها سويداء قلبه، وهنأ كفؤها الحجر الأسود بيت عصمتها من الكافر بحربه.
وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا لهذه العظمى، ولا يقاسي تلك البؤسى إلا رجاء هذه النعمى، ولا يناجز من يستمطله في حربه، ولا يعاتب بأطراف القنا من يتعادى في عتبه، إلا لتكون الكلمة مجموعة فتكون كلمة الله هي العليا، وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا، وكانت الألسن ربما سلقته فأنضج قلوبها بالاحتقار، وكانت الخواطر ربما غلت عليه مراجلها فأطفأها بالاحتمال والاصطبار، ومن طلب خطيراً خاطر، ومن رام صفقة رابحة جاسر، ومن سما لأن يجلي غمرة غامر، وإلا فإن القعود يلين تحت نيوب الأعداء المعاجم فيعضها، ويضعف في أيديها مهز القوائم فيفضها، هذا إلى كون القعود لا يقضى به فرض الله في الجهاد، ولا يرعى به حقه في العباد، ولا يوفى به واجب التقليد الذي يطوقه الخادم من أئمة قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وخلفاء كانوا في مثل هذا اليوم يسألون، لا جرم أنهم أورثوا سرهم وسريرهم خلفهم الأطهر، ونجلهم الأكبر، وبقيتهم الشريفة، وطليعتهم المنيفة، وعنوان صحيفة فضلهم لا عدم سواد القلم وبياض الصحيفة. فما غابوا لما حضر، ولا غضوا لما نظر، بل وصلهم الأجر لما كان به موصولاً. وشاطروه العمل لما كان عنه منقولاً، ومنه مقبولاً، وخلص إليهم إلى المضاجع فاطمأنت به جنوبها، وإلى الصحائف ما عبقت به جيوبها، وفاز منها بذكر لا يزال الليل به سميراً، والنهار به بصيراً، والشرق يهتدي بأنواره، بل إن بدا نور من ذاته هتف به الغرب بأن واره، فإنه نور لا تكنه أغساق السدف، وذكر لا توازيه أوراق الصحف.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع