تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

السلطان صلاح الدين (٣)

وكتب الخادم هذا وقد أظفر الله بالعدو الذي تشظت قناته شققا، وطارت

فرقه فرقاً، وفل سيفه فصار عصا، وصدعت حصاته وكان الأكثر عدداً وحصى، وكلت حملاته وكان قدراً يضرب فيه العنان بالعنان، وعقوبة من الله ليس لصاحب يديها يدان، وعثرت قدمه وكانت الأرض لها حليفة، وغضت عينه وكانت عيون السيوف دونها كثيفة، ونام جفن سيفه وكانت يقظته تريق نطف الكرى من الجفون، وجدعت أنوف رماحه وطالما كانت شامخة بالمنى أو راعفة بالمنون، وأصبحت الأرض المقدسة الطاهرة وكانت الطامث، والرب الفرد الواحد وكان عندهم الثالث، وبيوت الكفر مهدومة، ونيوب الشرك مهتومة، وطوائفه المحامية، مجمعة على تسليم القلاع الحامية، وشجعانه المتوافية، مذعنة لبذل القطائع الوافية، لا يرون في ماء الحديد لهم عصرة، ولا في نار الأنفة لهم نصرة، قد ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وبدل الله مكان السيئة الحسنة، ونقل بيت عبادته من أيدي أصحاب المشأمة إلى أيدي أصحاب الميمنة.

وقد كان الخادم لقيهم اللقاة الأولى فأمده الله بمداركته، وأنجده بملائكته، فكسرهم كسرة ما بعدها جبر، وصرعهم صرعة لا ينتعش بعدها بمشيئة الله كفر، وأسر منهم من أسرت به السلاسل، وقتل منهم من قتلت به المناصل، وأجلت المعركة عن صرعى من الخيل والسلاح والكفار، وعن أصناف يخيل بأنه قتلهم بالسيوف الأفلاق والرماح الأكسار، فنيلوا بثار من السلاح ونالوه أيضاً بثار، فكم أهلة سيوف تقارضن الضراب بها حتى عادت كالعراجين، وكم أنجم قنا تبادلت الطعان حتى صارت كالمطاعين، وكم فارسية ركض عليها فارسها الشهم إلى أجل فاختلسه، وفغرت تلك القوس فاها فإذا فوها قد نهش القرن على بعد المسافة وافترسه، فكان اليوم مشهوداً وكانت الملائكة شهوداً، وكان الضلال صارخاً وكان الإسلام

مولوداً، وكانت ضلوع الكفار لنار جهنم وقوداً، وأسر الملك وبيده أوثق وثائقه، وآكد وصله بالدين وعلائقه، وهو صليب الصلبوت، وقائد أهل الجبروت، ما دهموا قط بأمر إلا وقام بين دهمائهم يبسط لهم باعه، وكان مد اليدين في هذه الدفعة وداعه، لا جرم أنهم يتهافت على ناره فراشهم، ويجتمع في ظل ضلاله خشاشهم، ويقاتلون تحت ذلك الصليب أصلب قتال وأصدقه، ويرونه ميثاقاً يبنون عليه أشد عهد وأوثقه، ويعدونه سوراً تحفر حوافر الخيل خندقه، وفي هذا اليوم أسرت سراتهم، ودهيت دهاتهم، ولم يفلت منهم معروف إلا القومص، وكان لعنه الله ملياً يوم الظفر بالقتال، وملياً يوم الخذلان بالاحتيال، فنجا ولكن كيف، وطار خوفاً من أن يلحقه منسر الرمح أو جناح السيف، ثم أخذه الله تعالى بعد أيام بيده، وأهلكه لموعده، فكان لعدتهم فذلك، وانتقل من ملك الموت إلى مالك.

وبعد الكسرة مر الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية العباسية السوداء صبغاً، والبيضاء صنعاً، الخافقة هي وقلوب أعدائها، الغالبة هي وعزائم أوليائها، المستضاء بأنوارها إذا فتح عينها النشر، وأشارت بأنامل العذبات إلى وجه النصر، فافتتح بلاد كذا وكذا، وهذه كلها أمصار ومدن، وقد تسمى البلاد بلاداً وهي مزارع وفدن، كل هذه ذوات معاقل ومعاقر، وبحار وجزائر، وجوامع ومنابر، وجموع وعساكر، يتجاوزها الخادم بعد أن يحرزها، ويتركها وراءه بعد أن ينتهزها، ويحصد منها كفراً ويزرع إيماناً. ويحط من جوامعها صلباً ويرفع أذاناً، ويبدل المذابح منابر والكنائس مساجد، ويبوىء أهل القرآن بعد أهل الصلبان للقتال عن دين الله مقاعد، ويقر عينه وعيون أهل الإسلام أن يعلق النصر منه ومن عسكره بجار ومجرور، وأن يظفر بكل سور، ما كان يخاف زلزاله ولا زياله إلى يوم النفخ في الصور.

ولما يبق إلا القدس وقد اجتمع إليه كل طريد منهم وشريد، واعتصم

بمنعتها كل قريب منهم وبعيد، وظنوا أنها من الله مانعتهم، وان كنيستها إلى الله شافعتهم، فلما نزلها الخادم رأى بلداً كبلاد، وجمعاً كيوم التناد، وعزائم قد تألبت وتألفت على الموت فنزلت بعرصته، وهان عليها مورد السيف وأن تموت بغصته، فزاول البلد من كل جانب، فإذا أودية عميقة، ولجج وعر غريقة، وسور قد انعطف عطف السوار، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقر الدار، فعدل إلى جهة أخرى كان للطالع عليها معرج، وللخيل فيها متولج، فنزل عليها وأحاط بها وقرب منها، وضرب خيمته بحيث يناله السلاح بأطرافه، ويزاحمه السور بأكتافه، وقابلها ثم قاتلها، ونزلها ثم نازلها [وبرز إليها ثم بارزها]، وحاجزها ثم ناجزها، وضمها ضمة ارتقب بعدها الفتح، وصدع جمعها فإذا هم لا يصبرون على عبودية الحد عن عنق الصفح، فراسلوه ببذل قطيعة إلى مدة، وقصدوا نظرة من شدة وانتظاراً لنجدة، فعرفهم الخادم في لحن القول، وأجابهم بلسان الطول، وقدم المنجنيقات التي تتولى عقوبات الحصون عصيها وحبالها، وأوتر لهم قسيها التي ترمي ولا تفارقها سهامها ولكن تفارق سهامها نصالها، فصافحت السور فإذا سهمها في ثنايا شرفاتها سواك، وقدم النصر نسراً من المنجنيق يخلد اخلاده إلى الأرض ويعلو علوه إلى السماك، فشج مرادع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها صم اعلاجها، ورفع منار عجاجها، فأخلى السور من السيارة، والحرب من النظارة، وأمكن النقاب، أن يسفر للحرب النقاب، وان يعيد الحجر إلى سيرته الأولى من التراب، فتقدم إلى الصخر فمضغ سرده بأنياب معوله، وحل عقده بضربه الأخرق الدال على لطافة أنمله، وأسمع الصخرة الشريفة أنينه واستغاثته إلى أن كادت ترق لمقتله، وتبرأ بعض الحجارة من بعض، وأخذ الخراب عليها موثقاً فلن تبرح الأرض، وفتح من السور باباً سد من نجاتهم أبواباً،

وأخذ ينقب في حجره فقال عنده الكافر: يا ليتني كنت تراباً، فحينئذ يئس الكفار من أصحاب الدور، كما يئس الكفار من أصحاب القبور، وجاء أمر الله وغرهم بالله الغرور، وفي الحال خرج طاغية كفرهم، وزمام أمرهم، ابن بارزان سائلاً أن يؤخذ البلد بالسلم لا بالعنوة، وبالأمان لا بالسطوة، وألقى بيده إلى التهلكة، وعلاه ذل الهلكة بعد عز المملكة، وطرح جنبه على التراب وكان جنباً لا يتعاطاه طارح، وبذل مبلغاً من القطيعة لا يطمح إليها أمل طامح، وقال: ها هنا أسارى مسلمون يتجاوزون الألوف، وقد تعاقد الفرنج على أنهم إن هجمت عليهم الدار، وحملت الحرب على ظهورهم الأوزار، بدىء بهم فعجلوا، وثني بنساء الفرنج وأطفالهم فقتلوا، ثم استقتلوا بعد ذلك، فلا يقتل خصم إلا بعد أن ينتصف، ولا يفل سيف من يد إلا بعد أن تقطع أو ينقصف، فأشار الأمراء بأخذ الميسور، من البلد المأسور، فإنه لو أخذ حرباً فلا بد أن يتقحم الرجال الأنجاد، ويقال كفوا عنها في آخر أمر قد نيل من أوله المراد، وكانت الجراح في العساكر قد تقدم منها ما اعتقل الفتكات، وأثقل الحركات، فقبل منهم المبذول عن يد وهم صاغرون، وانصرف أهل الحرب عن قدرة وهم ظاهرون، وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكان، فخدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان، لا جرم أن الله تعالى أخرجهم منها وأهبطهم، وأرضى أهل الحق وأسخطهم، فإنهم، خذلهم الله، حموها بالأسل والصفاح، وبنوها بالعمد والصفاح، وأودعوا الكنائس بها وبيوت الديوية والاستبارية فيها بكل غريبة من الرخام الذي يطرد ماؤه، ولا ينطرد لألاؤه، وقد لطف الحديد في تجزيعه، وتفنن في توشيعه، إلى أن صار الحديد الذي في بأس شديد، كالذهب الذي فيه نعيم عتيد، فما ترى إلا مقاعد كالرياض لها من بياض الترخيم رقراق، وعمداً كالأشجار لها من التنبيت أوراق.

وأوعز الخادم برد الأقصى إلى عهده المعهود، وأقام له من الأئمة من

يوفيه ورده المورود، وأقيمت الخطبة يوم الجمعة رابع شعبان فكادت السموات يتفطرن للسجود لا للوجوم، والكواكب منها تنتثر للطرب لا للرجوم، ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكانت طريقها مسدودة، وطهرت قبور الأنبياء وكانت النجاسات مكدودة، وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها، وجهرت الألسنة بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها، وجهر اسم أمير المؤمنين في وطنه الأشرف من المنبر، فرحب به ترحيب من بر بمن بر، وخفق علماه في حفافيه، فلو طار سروراً لطار بجناحيه.

وكتاب الخادم وهو مجد في استفتاح بقية الثغور، واستشراح ما ضاق بتمادي الحرب من الصدور، فإن قوى العساكر قد استنفدت مواردها، وأيام الشقاء قد مردت مواردها، والبلاد المأخوذة المشار إليها قد جاست العساكر خلالها، ونهبت ذخائرها وأكلت غلالها، فهي بلاد ترفد ولا تسترفد، وتجم ولا تستنفد، ينفق عليها ولا ينفق منها، وتجهز الأساطيل لبحرها، وتقام المرابط بساحلها، وبدأب في عمارة أسوارها ومرمات معاقلها، وكل مشقة بالإضافة إلى نعمة الفتح محتملة، وأطماع الفرنج بعد ذلك غير مرجئة ولا معتزلة، فإن يدعوا دعوة يرجو الخادم من الله أنها لا تسمع، ولن يكفوا أيديهم من أطراف البلاد حتى تقطع، وهذه البشائر لها تفاصيل لا تكاد من غير الألسنة تتشخص، ولا بما سوى المشافهة تتخلص، فلذلك نفذ الخادم لساناً شارحاً، ومبشراً صادحاً، يطالع الخبر على سياقته، ويعرض جيش المسرة من طليعته إلى ساقته، وهو فلان، والله الموفق.

هذا آخر الرسالة الفاضلية، وكان في عزمي اختصارها والاقتصار على محاسنها فلما شرعت فيها قلت في نفسي: عسى أن يقف عليها من يؤثر الوقوف على جميعها فأكملتها ورجعت عن الرأي الأول، وهي قليلة الوجود

في أيدي الناس، وكانت النسخة التي نقلتها منها سقيمة، ولقد اجتهدت في تحريرها حتى صحت عل هذه الصورة حسب الإمكان.

وقد عمل عماد الدين الأصبهاني الكاتب رسالة في فتح القدس أيضاً فلم أر التطويل بكتابتها فتركتها، وجمع كتاباً سماه " الفتح القسي في الفتح القدسي " وهو في مجلدين ذكر فيه جميع ما جرى في هذه الواقعة. ورأيت منذ زمان رسالة مليحة أنشأها ضياء الدين أبو الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الجزري رحمه الله تعالى - المقدم ذكره في حرف النون - تتضمن فتح القدس أيضاً، وكل واحد من أرباب صناعة الإنشاء كان يريد يمتحن خاطره بما يعمل في ذلك، والقاضي الفاضل رئيس هذا الفن، وإذا شرع في شيء من هذا الباب لا يستطيع أحد أن يجاريه ولا يباريه، فلهذا أثبت رسالته ورفضت غيرها خوف الإطالة.

وكان قد حضر الرشيد أبو محمد عبد الرحمن بن بدر بن الحسن بن مفرج النبلسي الشاعر المشهور، هذا الفتح، فأنشد السلطان صلاح الدين قصيدته التي أولها:

هذا الذي كانت الآمال تنتظر ... فليوف لله أقوام بما نذروا وهي طويلة تزيد على مائة بيت، يمدحه ويهنيه بالفتح.

وإذ قد نجز المطلوب من هذا الامر فلنرجع إلى تتمة ما ذكره شيخنا بهاء الدين بن شداد في " السيرة الصلاحية " قال:] ونكس الصليب الذي كان على قبة الصخرة، وكان شكلاً عظيماً، ونصر الله الإسلام على يده نصراً عزيزاً.

قلت: وقد تقدم في ترجة أرتق طرف من أخبار القدس وأن الأفضل أمير الجيوش بمصر أخذه من ولديه سقمان وإيل غازي، ثم إن الفرنج استولوا عليه يوم الجمعة الثالث والعشرين من شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وقيل في ثاني شعبان، وقيل يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر رمضان من السنة؛ ولم يزل بأيديهم حتى استنقذه منهم صلاح الدين في التاريخ المذكور.

نعود إلى كلام ابن شداد: وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على نفسهم عن كل رجل عشرين ديناراً، وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية، عن كل صغير ذكر أو انثى ديناراً واحداً، فمن أحضر قطيعته نجا بنفسه، وإلا أخذ أسيراً، وأفرج عمن كان بالقدس من أسارى المسلمين، وكانوا خلقاً عظيماً، وأقام به يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والرجال، ويحبو بها الفقهاء والعلماء والزهاد والوافدين عليه، وتقدم بإيصال من قام بقطيعته إلى مأمنه، وهي مدينة صور، ولم يرحل عنه ومعه من المال الذي جبي له شيء، وكان يقارب مائتي ألف دينار وعشرين ألفاً، وكان رحيله عنه يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان من السنة.

ولما فتح القدس حُسن عنده قصد صور، وعلم أنه إن أخر أمرها ربما عسر عليه، فسار نحوها حتى أتى عكا فنزل عليها ونظر في أمورها، ثم رحل عنها متوجهاً إلى صور في يوم الجمعة خامس شهر رمضان من السنة، فنزل قريباً منها، وسير لإحضار آلات القتال، ولما تكاملت عنده نزل عليها في ثاني عشر الشهر المذكور، وقاتلها وضايقها قتالاً عظيماً، واستدعى أصطول مصر، فكان يقاتلها في البر والبحر، ثم سير من حاصر هونين فسلمت في الثالث والعشرين من شوال من السنة.

ثم خرج أصطول صور في الليل، فكبس أصطول المسلمين، وأخذوا

المقدم والريس وخمس قطع للمسلمين، وقتلوا خلقاً كثيراً من رجال المسلمين، وذلك في السابع والعشرين من الشهر المذكور، وعظم ذلك على السلطان وضاق صدره، وكان الشتاء قد هجم وتراكمت الأمطار وامتنع الناس من القتال لكثرة الأمطار، فجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه بالرحيل لتستريح الرجال ويجتمعوا للقتال، فرحل عنها. وحملوا من آلات الحصار ما أمكن وأحرقوا الباقي الذي عجزوا عن حمله لكثرة الوحل والمطر، وكان رحيله يوم الأحد ثاني ذي القعدة من السنة، وتفرقت العساكر، أعطى كل طائفة منها دستوراً، وسار كل قوم إلى بلادهم وأقام هو مع جماعة من خواصه بمدينة عكا إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة.

ثم نزل على كوكب في أوائل المحرم من السنة، ولم يبق معه من العسكر إلا القليل، وكان حصناً حصيناً وفيه الرجال والأقوات، فعلم أنه لا يؤخذ إلا بقتال شديد، فرجع إلى دمشق ودخلها في سادس عشر شهر ربيع الأول من السنة. قال ابن شداد: ولما كان على كوكب وصلت إلى خدمته، ثم فارقته ومضيت لزيارة القدس والخليل عليه أفضل الصلاة والسلام، ودخلت دمشق يوم دخول السلطان إليها - قلت: وقد ذكرت هذا في ترجمته.

قال: وأقام بدمشق خمسة أيام، ثم بلغه أن الفرنج قصدوا جبيل واغتالوها، فخرج مسرعاً، وكان قد سير يستدعي العساكر من جميع المواضع وسار يطلب جبيل، فلما عرف الفرنج بخروجه كفوا عن ذلك.

وكان بلغه وصول عماد الدين صاحب سنجار ومظفر الدين بن زين الدين وعسكر الموصل إلى حلب قاصدين خدمته والغزاة معه، فسار نحو حصن الأكراد.

قال ابن شداد في السيرة: إنه اتصل بخدمة السلطان في مستهل جمادى الأولى من سنة أربع وثمانين، وجميع ما ذكرته فهو بروايتي عمن أثق به، ومن ها هنا ما أسطر إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق إليه خبراً يقارب العيان.

قال: لما كان يوم الجمعة رابع جمادى الأولى دخل السلطان بلاد العدو على تعبية حسنة ورتب الأطلاب، وسارت الميمنة أولاً ومقدمها عماد الدين زنكي والقلب في الوسط، والميسرة في الأخير ومقدمها مظفر الدين ابن زين الدين، فوصل إلى انطرسوس ضاحي نهار الأحد سادس جمادى الأولى، فوقف قبالتها ينظر إليها لأن قصده كان جبلة، فاستهان بأمرها وعزم على قتالها، فسير من رد الميمنة وأمرها بالنزول على جانب البحر، والميسرة على الجانب الآخر، ونزل هو موضعه، والعساكر محدقة بها من البحر إلى البحر، وهي مدينة راكبة على البحر ولها برجان كالقلعتين، فركبوا وقاربوا البلد وزحفوا واشتد القتال وباغتوها، فما استتم نصب الخيام حتى صعد المسلمون سورها، وأخذوها بالسيف، وغنم المسلمون جميع من بها وما بها، وأحرق البلد، وأقام عليها إلى رابع عشر جمادى الأولى، وسلم أحد البرجين إلى مظفر الدين، فما زال يحاربه حتى أخربه، واجتمع به ولده الملك الظاهر لأنه كان قد طلبه، فجاءه في عسكر عظيم.

ثم سار يريد جبلة، وكان وصوله إليها في ثاني عشر جمادى الأولى، وما استتم نزول العسكر عليها حتى أخذ البلد، وكان فيه مسلمون مقيمون وقاض يحكم بينهم، وقوتلت القلعة قتالاً شديداً، ثم سلمت بالأمان في يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى من السنة، وأقام عليها إلى الثالث والعشرين منه.

ثم سار عنها إلى اللاذقية، وكان نزوله عليها يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الأولى، وهو بلد مليح خفيف على القلب، غير مسور، وله ميناء مشهور، وله قلعتان متصلتان على تل يشرف على البلد. واشتد القتال إلى

آخر النهار، فأخذ البلد دون القلعتين، وغنم الناس منه غنيمة عظيمة لأنه كان بلد التجار، وجدوا في أمر القلعتين بالقتال والنقوب حتى بلغ طول النقب ستين ذراعاً وعرضه أربعة أذرع، فلما رأى أهل القلعتين الغلبة لاذوا بطلب الأمان، وذلك في عشية يوم الجمعة الخامس والعشرين من الشهر، والتمسوا الصلح على سلامة نفوسهم وذراريهم ونسائهم وأموالهم، ما خلا الغلال والذخائر والسلاح وآلات الحرب، فأجابهم إلى ذلك، ورفع العلم الإسلامي عليها يوم السبت، وأقام عليها إلى يوم الأحد السابع والعشربن من الشهر.

فرحل عنها إلى صهيون، فنزل عليها يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من الشهر واجتهد في القتال، فأخذ البلد يوم الجمعة ثاني جمادة الآخرة، ثم تقدموا إلى القلعة، وصدقوا القتال، فلما عاينوا الهلاك طلبوا الأمان، فأجابهم إليه بحيث يؤخذ من الرجل عشرة دنانير ومن المرأة خمسة دنانير ومن كل صغير ديناران، الذكر والأنثى سواء. وأقام السلطان بهذه الجهة حتى أخذ عدة قلاع منها بلاطنس وغيرها من الحصون المنيعة المتعلقة بصهيون.

ثم رحل عنها وأتى بكاس وهي قلعة حصينة على العاصي ولها نهر يخرج من تحتها، وكان النزول عليها يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة، وقاتلوها قتالاً شديداً إلى يوم الجمعة تاسع الشهر، ثم يسر الله فتحها عنوة، فقتل أكثر من بها وأسر الباقون، وغنم المسلمون جميع ما كان فيها، ولها قليعة تسمى الشغر، وهي في غاية المنعة يعبر إليها منها بجسر وليس عليها طريق، فسلطت المجانيق عليها من جميع الجوانب، ورأوا أنهم لا ناصر لهم فطلبوا الأمان، وذلك يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر، ثم سألوا المهلة ثلاثة أيام فأمهلوا، وكان تمام فتحها وصعود العلم السلطاني على قلتها يوم الجمعة سادس عشر الشهر.

ثم سار إلى برزيه، وهي من الحصون المنيعة في غاية القوة يضرب بها

المثل في بلاد الفرنج تحيط بها أودية من جميع جوانبها، وعلوها خمسمائة ونيف وسبعون ذراعاً، وكان نزوله عليها يوم السبت الرابع والعشرين من الشهر، ثم أخذها عنوة يوم الثلاثاء السابع والعشرين منه.

ثم سار إلى دربساك فنزل عليها يوم الجمعة ثامن رجب، وهي قلعة منيعة، وقاتلها قتالاً شديداً، ورقي العلم الإسلامي عليها يوم الجمعة الثاني والعشرين من رجب، وأعطاها الأمير علم الدين سليمان بن جندر، وسار عنها بكرة يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر.

ونزل على بغراس، وهي قلعة حصينة بالقرب من أنطاكية، وقاتلها مقاتلة شديدة، وصعد العلم الإسلامي عليها في ثاني شعبان. وراسله أهل أنطاكية في طلب الصلح، فصالحهم لشدة ضجر العسكر من البيكار، وكان الصلح معهم لا غير، على أن يطلقوا كل أسير عندهم، والصلح إلى سبعة أشهر، فإن جاءهم من ينصرهم، وإلا سلموا البلد.

ثم رحل السلطان، فسأله ولده الملك الظاهر صاحب حلب أن يجتاز به، فأجابه إلى ذلك، فوصل حلب في حادي عشر شعبان وأقام بالقلعة ثلاثة أيام، وولده يقوم بالضيافة حق القيام.

وسار من حلب، فاعترضه تقي الدين عمر ابن أخيه وأصعده إلى قلعة حماة وصنع له طعاماً، وأحضر له سماعاً من جنس ما تعمل الصوفية، وبات فيها ليلة واحدة، وأعطاه جبلة واللاذقية.

وسار على طريق بعلبك ودخل دمشق قبل شهر رمضان بأيام يسيرة.

ثم سار في أوائل شهر رمضان يريد صفد فنزل عليها، ولم يزل القتال حتى تسلمها بالأمان في رابع عشر شوال.

وفي شهر رمضان المذكور سلمت الكرك، سلمها نواب صاحبها، وخلصوه بذلك، لأنه كان في الأسر من نوبة حطين.

قلت: هكذا ذكره، وهذا لا ينتظم مع ما قبله، فقد تقدم قبل هذا أن البرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك أسر في وقعة حطين، ثم قتله السلطان بيده، فيكشف عن ذلك في مكان آخر ليحقق.

[قال]: ثم سار إلى كوكب وضايقوها وقاتلوها مقاتلة شديدة، والأمطار متواترة والوحول متضاعفة والرياح عاصفة، والعدو متسلط بعلو مكانه، فلما تيقنوا أنهم مأخوذون طلبوا الأمان فأجابهم إليه، وتسلمها منهم في منتصف ذي القعدة من السنة.

ثم نزل إلى الغور، وأقام بالمخيم بقية الشهر وأعطى الجماعة دستوراً، وسار مع أخيه العادل يريد زيارة القدس ووداع أخيه لأنه كان متوجهاً إلى مصر، ودخل القدس في ثامن ذي الحجة وصلى بها العيد.

وتوجه في حادي عشر ذي الحجة إلى عسقلان لينظر في أمورها، وأخذها من أخيه العادل، وعوضه عنها الكرك.

ثم مر على بلاد الساحل يتفقد أحوالها، ثم دخل عكا فأقام بها معظم المحرم من سنة خمس وثمانين يصلح أمورها، ورتب بها الأمير بهاء الدين قراقوش والياً وأمره بعمارة سورها.

وسار إلى دمشق فدخلها في مستهل صفر من السنة، واقام بها إلى شهر ربيع الأول من السنة.

ثم خرج إلى شقيف أرنون، وهو موضع حصين فخيك في مرج عيون بالقرب من الشقيف، في سابع عشر شهر ربيع الأول، وأقام أياماً يباشر قتاله كل يوم، والعساكر تتواصل إليه، فلما تحقق صاحب الشقيف أنه لا طاقة له به نزل إليه بنفسه، فلم يشعر به إلا وهو قائم على باب خيمته، فأذن له

في دخوله إليه وأكرمه واحترمه، وكان من أكبر الفرنج وعقلائهم، وكان يعرف بالعربية وعنده اطلاع على شيء من التواريخ والاحاديث، وكان حسن التأتي لما حضر بين يدي السلطان وأكل معه الطعام، ثم خلا به وذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب، واشترط أن يعطى موضعاً يسكنه بدمشق فإنه بعد ذلك لا يقدر على مساكنة الفرنج، وإقطاعاً يقوم به وبأهله، وشروطاً غير ذلك، فأجابه إلى ذلك.

وفي أثناء شهر ربيع الاول وصله الخبر بتسليم الشوبك، وكان السلطان قد أقام عليه جمعاً يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى أن نفذ زاد من كان فيه، فسلموه بالأمان.

ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب الشقيف كان خديعة، فرسم عليه.

ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا، ونزلوا عليها يوم الإثنين ثالث عشر رجب سنة خمس وثمانين. وفي ذلك اليوم سير صاحب الشقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة.

وأتى عكا، ودخلها بغتة لتقوى قلوب من بها، وسير استدعى العساكر من كل ناحية فجاءته، وكان العدو بمقدار ألفي فارس وثلاثين ألف راجل، ثم تكاثر الفرنج واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج، وذلك يوم الخميس سلخ رجب، فضاق صدر السلطان لذلك، ثم اجتهد في فتح الطريق إليها لتستمر السابلة بالميرة والنجدة، وشاور الامراء فاتفقوا على مضايقة العدو لينفتح الطريق، ففعلوا ذلك، وانفتح الطريق وسلكه المسلمون، ودخل السلطان عكا فأشرف على أمورها، ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام، وتأخر الناس إلى تل العياضية، وهو مشرف على عكا. وهي هذه المنزلة توفي الأمير حسام الدين طمان - المقدم ذكره في هذه الترجمة - وذلك في ليلة نصف شعبان من سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وكان من الشجعان.

ثم إن شيخنا ابن شداد ذكر بعد هذا وقعات ليس لنا غرض في ذكرها، وتطول هذه الترجمة باستيفاء الكلام فيها، إذ ليس الغرض سوى المقاصد لا غير، وإنما ذكرت فتوحات هذه الحصون لأن الحاجة قد تدعو إلى الوقوف على تواريخها، مع أني لم أذكر إلا ما يكثر التطلع إلى الوقوف عليه وأضربت إن الباقي.

قال ابن شداد: سمعت السلطان ينشد وقد قيل له: أن الوخم قد عظم بمرج عكا وإن الموت قد فشا في الطائفتين:

اقتلاني ومالكا ... واقتلا مالكا معي يريد بذلك أن قد رضي أن يتلف إذا أتلف الله أعداءه.

قلت: وهذا البيت له سبب يحتاج إلى شرح، وذلك أن مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي، كان من الشجعان والأبطال المشهورين، وهو من خواص أصحاب علي بن أبي طالب ﵁، تماسك في يوم وقعة الجمل المشهورة وهو وعبد الله بن الزبير بن العوام، وكان أيضاً من الأبطال، وابن الزبير يومئذ مع خالته عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير ﵃ أجمعين، وكانوا يحاربون علياً ﵁، فلما تماسكا صار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه جعله تحته وركب صدره، وفعلا ذلك مراراً، وابن الزبير ينشد:

اقتلاني ومالكا ... واقتلا مالكا معي يريد الأشتر النخعي، هذه خلاصة القول في ذلك وإن كانت القصة طويلة، وهي في التواريخ مبسوطة.

وقال عبد الله بن الزبير: لاقيت الأشتر النخعي يوم الجمل. فما ضربته ضربة حتى ضربني ستاً أو سبعاً، ثم أخذ برجلي فألقاني في الخندق وقال:

والله لولا قرابتك من رسول الله ﷺ ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبداً.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أعطت عائشة ﵂ الذي بشرها بسلامة ابن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم.

وقيل أيضاً إن الأشتر دخل على عائشة ﵂ بعد وقعة الجمل، فقالت له: يا أشتر أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الوقعة، فأنشدها:

أعائش، لولا أنني كنت طاوياثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا
للشاعر مالك الأشتر، من قصيدة «أعائش لولا إنني كنت طاويا»
غداة ينادي والرماح تنوشهبآخر صوتٍ اقتلوني ومالكا

فنجاه مني أكله وشبابه ... وخلوة جوف لم يكن متماسكا وقال زجر بن قيس: دخلت مع عبد الله بن الزبير الحمام، فإذا في رأسه ضربة لو صب فيها قارورة دهن لاستقر، فقال لي: أتدري من ضربني هذه الضربة قلت: لا، قال: ابن عمك الأشتر النخعي.

رجعنا إلى ما كنا عليه:

قال ابن شداد: ثم إن الفرنج جاءهم الأمداد من داخل البحر واستظهروا على الحماعة الإسلامية بعكا، وكان فيهم الأمير سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب الهكاري، والأمير بهاء الدين قراقوش الخادم الصلاحي، وضايقوهم أشد مضايقة إلى أن غلبوا عن حفظ البلد. فلما كان يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من سنة سبع وثمانين وخمسمائة خرج من عكا رجل عوام، ومعه كتب من المسلمين يذكرون حالهم وما هم فيه، وأنهم قد تيقنوا الهلاك، ومتى أخذوا البلد عنوةً ضربت رقابهم، وأنهم صالحوا على أن يسلموا البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدة والأسلحة والمراكب ومائتي ألف دينار، وخمسمائة أسير مجاهيل ومائة أسير معينين من جهتهم

وصليب الصلبوت، على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين، وما معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونسائهم، وضمنوا للمركيس - لأنه كان الواسطة في هذا الأمر - أربعة آلاف دينار، ولما وقف السلطان على الكتب المشار إليها انكر ذلك إنكاراً عظيماً وعظم عليه الأمر، وجمع أهل الرأي من أكابر دولته وشاورهم فيما يصنع، واضطربت آراؤه وتقسم فكره وتشوش حاله، وعزم على أن يكتب في تلك الليلة مع العوام وينكر عليهم المصالحة على هذا الوجه، وهو يتردد في هذا، فلم يشعر إلا وقد ارتفعت اعلام العدو وصلبانه وناره وشعاره على سور البلد، وذلك في ظهيرة يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من السنة، وصاح الفرنج صيحة عظيمة واحدة، وعظمت المصيبة على المسلمين واشتد حزنهم، ووقع فيهم الصياح والعويل والبكاء والنحيب.

ثم ذكر ابن شداد بعد هذا أن الفرنج خرجوا من عكا قاصدين عسقلان ليأخذوها، وساروا على الساحل، والسلطان وعساكره في قبالتهم، إلى أن وصلوا إلى أرسوف، فكان بينهما قتال عظيم، ونال المسلمين منه وهن شديد، ثم ساروا على تلك الهيئة تتمة عشر منازل من مسيرهم من عكا، فأتى السلطان الرملة، وأتاه من اخبره بأن القوم على عزم عمارة يافا وتقويتها بالرجال والعدد والآلات، فأحضر السلطان أرباب مشورته وشاورهم في أمر عسقلان وهل الصواب خرابها ام بقاؤها فاتفقت آراؤهم أن يبقى الملك العادل في قبالة العدو، ويتوجه هو بنفسه ويخربها خوفاً من أن يصل العدو إليها ويستولي عليها وهي عامرة، ويأخذ بها القدس وتنقطع بها طريق مصر. وامتنع العسكر من الدخول وخافوا مما جرى على المسلمين بعكا، ورأوا أن حفظ القدس أولى، فتعين خرابها من عدة جهات، وكان هذا الاجتماع يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فسار إليها سحرة الأربعاء ثامن عشر الشهر. قال ابن شداد: وتحدث معي في معنى خرابها بعد أن تحدث

مع ولده الملك الأفضل في أمرها أيضاً ثم قال: لأن أفقد ولدي جميعهم أحب إلي من أن أهدم منها حجراً، ولكن إذا قضى الله تعالى ذلك وكان فيه مصلحة للمسلمين فما الحيلة في ذلك قال: ولما اتفق الرأي على إخرابها أوقع الله تعالى في نفسه ذلك، وان المصلحة فيه، لعجز المسلمين عن حفظها. وشرع في إخرابها سحرة يوم الخميس التاسع عشر من شعبان من السنة، وقسم السور على الناس، وجعل لكل أمير وطائفة من العسكر بدنةً معلومة وبرجاً معيناً يخربونه، ودخل الناس البلد ووقع فيهم الضجيج والبكاء، وكان بلداً خفيفاً على القلب محكم الأسوار عظيم البناء، مرغوباً في سكنه، فلحق الناس على خرابه حزن عظيم، وعظم عويل أهل البلد عليه لفراق أوطانهم، وشرعوا في بيع ما لا يقدرون على حمله، فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد وباعوا اثني عشر طير دجاج بدرهم واحد، واختبط البلد، وخرج الناس بأهلهم وأولادهم إلى المخيم وتشتتوا، فذهب قوم منهم إلى مصر وقوم إلى الشام، وجرت عليهم أمور عظيمة، واجتهد السلطان وأولاده في خراب البلد كي لا يسمع العدو فيسرع إليه ولا يمكن من إخرابه، وبات الناس على أصعب حال وأشد تعب مما قاسوه في خرابها. وفي تلك الليلة وصل من جانب الملك العادل من أخبر أن الفرنج تحدثوا معه في الصلح وطلبوا جميع البلاد الساحلية، فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما علم من نفس الناس من الضجر من القتال وكثرة ما عليهم من الديون، وكتب إليه يأذن له في ذلك، وفوض الأمر إلى رأيه، وأصبح يوم الجمعة العشرين من شعبان وهو مصرٌّ على الخراب، واستعمل الناس عليه وحثهم على العجلة فيه، وأباحهم ما في الهري الذي كان مدخراً للميرة خوفاً من هجوم الفرنج والعجز عن نقله. وأمر بإحراق البلد فأضرمت النيران في بيوته. وكان سورها عظيماً، ولم يزل الخراب يعمل في البلد إلى سلخ شعبان من السنة، وأصبح يوم الإثنين مستهل شهر رمضان أمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه، ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه لأجل الإحراق.

وفي يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان أتى الرملة ثم خرج إلى لد، وأشرف عليها وأمر بإخرابها وإخراب قلعة الرملة، ففعل ذلك، وفي يوم السبت ثالث عشر شهر رمضان تأخر السلطان بالعسكر إلى جهة الجبل ليتمكن الناس من تسيير دوابهم لإحضار ما يحتاجون إليه، ودار السلطان حول النطرون، وهي قلعة منيعة، فأمر بإخرابها، وشرع الناس في ذلك.

ثم ذكر ابن شداد بعد هذا أن الانكتار، وهو من أكابر ملوك الفرنج، سير رسوله إلى الملك العادل يطلب الاجتماع به، فأجابه إلى ذلك واجتمعا يوم الجمعة ثامن عشر شوال من السنة وتحادثا معظم ذلك النهار، وانفصلا عن مودة اكيدة، والتمس الانكتار من العادل أن يسأل السلطان أن يجتمع به، فذكر العادل ذلك للسلطان، فاستشار أكابر دولته في ذلك، ووقع الاتفاق على انه جرى الصلح بيننا يكون الاجتماع بعد ذلك، ثم وصل رسول الانكتار، وقال: إن الملك يقول: إني أحب صداقتك ومودتك، وأنت تذكر أنك أعطيت هذه البلاد الساحلية لأخيك، فأريد أن تكون حكماً بيني وبينه وتقسم البلاد بيني وبينه ولا بد أن يكون لنا علقة بالقدس، وأطال الحديث في ذلك، فأجابه السلطان بوعد جميل، وأذن له في العود في الحال وتأثر لذلك تأثراً عظيماً.

قال ابن شداد: وبعد انفصال الرسول قال لي السلطان: متى صالحناهم لم تؤمن غائلتهم، ولو حدث بي حادث الموت ما كانت تجتمع هذه العساكر، وتقوى الفرنج، والمصلحة أن لا نزول عن الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو يأتينا الموت، هذا كان رأيه وإنما غلب على الصلح.

قال ابن شداد: ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح، وأطال القول في ذلك فتركته إذ لا حاجة إليه، وجرت بعد ذلك وقعات أضربت عن ذكرها لطول الكلام فيها، وحاصل الأمر أنه تم الصلح بينهم، وكانت الأيمان يوم

الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ونادى المنادي بانتظام الصلح، وان البلاد الإسلامية والنصرانية واحدة في الأمن والمسالمة، فمن شاء من كل طائفة يتردد إلى بلاد الطائفة الأخرى من غير خوف ولا محذور، وكان يوماً مشهوداً نال الطائفتين فيه من المسرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وقد علم الله تعالى أن الصلح لم يكن عن مرضاته وإيثاره، ولكنه رأى المصلحة في الصلح لسآمة العسكر ومظاهرتهم بالمخالفة، وكان مصلحةً في علم الله تعالى، فإنه اتفقت وفاته بعد الصلح، فلو اتفق ذلك في أثناء وقعاته كان الإسلام على خطر.

ثم أعطى للعساكر الواردة عليه من البلاد البعيدة برسم النجدة دستوراً فساروا عليه، وعزم على الحج لما فرغ باله من هذه الجهة. وتردد المسلمون إلى بلادهم، وجاءوا هم إلى بلاد المسلمين، وحملت البضائع والمتاجر إلى البلاد، وحضر منهم خلق كثير لزيارة القدس.

وتوجه السلطان إلى القدس ليتفقد احوالها، واخوه الملك العادل إلى الكرك، وابنه الملك الظاهر إلى حلب، وابنه الأفضل إلى دمشق. وأقام السلطان بالقدس يقطع الناس ويعطيهم دستوراً، ويتأهب للمسير إلى الديار المصرية، وانقطع شوقه عن الحج، ولم يزل كذلك إلى أن صح عنده مسير مركب الانكتار متوجها إلى بلاده في مستهل شوال، فعند ذلك قوي عزمه أن يدخل الساحل جريدة يتفقد القلاع البحرية إلى بانياس، ويدخل دمشق ويقيم بها أياماً قلائل، ويعود إلى القدس ومنه إلى الديار المصرية.

قال شيخنا ابن شداد: وأمرني بالمقام في القدس إلى حين عوده لعمارة مارستان أنشأه به، وتكميل المدرسة التي أنشأها فيه. وسار منه ضاحي نهار الخميس السادس من شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. ولما فرغ من افتقاد أحوال القلاع وإزاحة خللها دخل دمشق بكرة

الأربعاء سادس عشر شوال، وفيها أولاده: الملك الأفضل، والملك الظاهر، والملك الظافر مظفر الدين الخضر المعروف بالمشمر، وأولاده الصغار. وكان يحب البلد ويؤثر الإقامة فيه على سائر البلاد. وجلس للناس في بكرة يوم الخميس السابع والعشرين منه، وحضروا عندهم وبلوا شوقهم منه، وأنشده الشعراء، ولم يتخلف أحد عنه من الخاص والعام، وأقام ينشر جناح عدله ويهطل سحاب إنعامه وفضله، ويكشف مظالم الرعايا. فلما كان يوم الاثنين مستهل ذي القعدة عمل الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر، لانه لما وصل إلى دمشق وبلغه حركة السلطان أقام بها ليتملى بالنظر إليه ثانياً، وكأن نفسه كانت قد أحست بدنو أجله، فودعه في تلك الدفعة مراراً متعددة. ولما عمل الملك الأفضل الدعوة أظهر فيها من الهمم العالية ما يليق بهمته، وكأنه أراد بذلك مجازاته عما خدمه به حين وصل إلى بلده، وحضر الدعوة المذكورة أرباب الدنيا والآخرة، وسأل السلطان الحضور فحضر جبراً لقلبه، وكان يوماً مشهوداً على ما بلغني.

ولما تصفح الملك العادل أحوال الكرك وأصلح ما قصد إصلاحه فيه، سار قاصداً إلى البلاد الفراتية، فوصل إلى دمشق في يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة وخرج السلطان إلى لقائه، وأقام يتصيد حوالي غباغب إلى الكسوة حتى لقيه، وسارا جميعاً يتصيدان. وكان دخولهما إلى دمشق آخر نهار يوم الأحد حادي عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين، وأقام السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه وأولاده، ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الصبا، وكأنه وجد راحة مما كان به من ملازمة التعب والنصب وسهر الليل، وكان ذلك كالوداع لأولاده ومراتع نزهه، ونسي عزمه إلى مصر، وعرضت له أمور أخرى وعزمات غير ما تقدم.

قال ابن شداد: ووصلني كتابه إلى القدس يستدعيني لخدمته، وكان شتاء شديداً ووحلاً عظيماً، فخرجت من القدس في يوم الجمعة الثالث والعشرين

من المحرم سنة تسع وثمانين، وكان الوصول إلى دمشق في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر من السنة. وركب السلطان لملتقى الحاج يوم الجمعة خامس عشر صفر، وكان ذلك آخر ركوبه.

ولما كان ليلة السبت وجد كسلاً عظيماً، وما تنصف الليل حتى غشيته حمى صفراوية، وكانت في باطنه أكثر منها في ظاهره، وأصبح يوم السبت متكسلاً عليه أثر الحمى، ولم يظهر ذلك للناس، لكن حضرت عنده أنا والقاضي الفاضل، ودخل ولده الملك الأقضل وطال جلوسنا عنده، وأخذ يشكو قلقه في الليل، وطاب له الحديث إلى قريب الظهر، ثم انصرفنا وقلوبنا عنده، فتقدم إلينا بالحضور على الطعام في خدمة ولده الملك الأفضل ولم تكن للقاضي الفاضل في ذلك عادة فانصرف، ودخلت إلى الإيوان القبلي وقد مد السماط، وابنه الملك الأفضل قد جلس في موضعه، فانصرفت. وما كانت لي قوة في الجلوس استيحاشاً له، وبكى في ذلك اليوم جماعة تفاؤلاً لجلوس ولده في موضعه. ثم أخذ المرض يتزيد من حينئذ ونحن نلازم التردد طرفي النهار، وندخل إليه أنا والقاضي الفاضل في النهار مراراً، وكان مرضه في رأسه، وكان من أمارات انتهاء العمر غيبة طبيبه الذي كان قد عرف مزاجه سفراً وحضرا، ورأى الأطباء فصده ففصدوه في الرابع فاشتد مرضه وقلت رطوبات بدنه، وكان يغلب عليه اليبس، ولم يزل المرض يتزايد حتى انتهى إلى غاية الضعف. واشتد مرضه في السادس والسابع والثامن، ولم يزل يتزايد ويغيب ذهنه. ولما كان التاسع حدثت له غشية وامتنع من تناول المشروب واشتد الخوف في البلد، وخاف الناس ونقلوا أقمشتهم من الأسواق، وعلا الناس من الكآبة والحزن ما لا تمكن حكايته. ولما كان العاشر من مرضه حقن دفعتين، وحصل من الحقن بعض الراحة وفرح الناس بذلك، ثم اشتد مرضه وأيس منه الأطباء، ثم شرع الملك الأفضل في تحليف الناس.

ثم إنه توفي بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر

سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وكان يوم موته يوماً لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدون ﵃، وغشي القلعة والملك والدنيا وحشة لا يعلمها إلا الله تعالى. وبالله لقد كنت أسمع من الناس أنهم يتمنون فداء من يعز عليهم بنفوسهم، وكنت أتوهم أن هذا الحديث على ضرب من التجوز والترخص، إلى ذلك اليوم فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدي بالأنفس.

ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء، وغسله الدولعي.

قلت: الدولعي المذكور، هو ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين بن زيد بن قائد بن جميل التغلبي الأرقمي الدولعي الشافعي، خطيب جامع دمشق. توفي في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وسئل عن مولده فقال: في سنة سبع وخمسمائة، ثم ذكر غير هذا، والله أعلم؛ ودفن بمقابر الشهداء بباب الصغير.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرفُ اليَاء (٢)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.