من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما إنما
- فتارة تجىء للحصر بمعنى أنّ هذا الحكم لا يوجد فى غير المذكور وهى بمنزلة ليس إلا، كقوله تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ
وقوله:
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ
وقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها.
وتارة تجىء لبيان أن هذا الأمر ظاهر عند كلّ حدّ، سواء كان كذلك أم فى زعم المتكلّم، ومنه قول الشاعر:
إنما مصعب شهاب من اللهتجلّت عن وجهه الظّلماء
مدّعيا أن ذلك مما لا ينكره أحد من الناس. قال: واعلم أنه يستعمل للتخصيص ثلاث عبارات:
الأولى: إنما جاء زيد؛ الثانية: جاءنى زيد لا عمرو، والفرق أنّ فى الأولى يفهم إيجاب الفعل من زيد ونفيه عن غيره دفعة واحدة، ومن الثانية دفعتين، ثم إنهما كلتيهما يستعملان لإثبات التخصيص لا لنفى التشريك؛ وفيه نظر.
الثالثة: ما جاءنى إلا زيد، وهى بأصل الوضع تفيد نفى التشريك، ولهذا لا يصحّ ما زيد إلّا قائم لا قاعد، لأنك بقولك: إلا قائم نفيت عنه كلّ صفة تنافى القيام، فيندرج فيه نفى القعود، فاذا قلت بعده: لا قاعد كان تكرارا لأن لفظة «لا» موضوعة لأن ينفى بها ما أوجب الأوّل لا لأن يعاد بها نفى ما نفى أوّلا، ويصح إنما زيد قاعد لا قائم، لأن صيغة «إنما» بأصل وضعها تدلّ على تخصيص الحكم بالمذكور،
وأما نفى الشّركة فهو لازم من لوازمها، فليس له من القوّة ما لما يدلّ عليه بوضعه، ولهذا يصحّ: زيد هو الجائى لا عمرو، فثبت أنّ دلالة الأوّليّين على التخصيص أقوى، ودلالة الثالثة على نفى التشريك [أقوى]، لكن الثالثة قد تقام مقام الأوّليّين فى إفادة التخصيص، كما اذا ادعى واحد أنك قلت قولا ثم قلت بخلافه، فقلت له:
ما قلت الآن إلا ما قلته قبل، وعليه قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇:
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
ليس المعنى أنى لم أزد على ما أمرتنى به شيئا، ولكن المعنى أنّى لم أدع مما أمرتنى به [أن] أقوله شيئا.
قال: وحكم «غير» حكم «إلّا» فاذا قلت: ما جاءنى غير زيد احتمل أن يكون المراد نفى أن يكون جاء معه إنسان آخر، وأن يكون المراد تخصيص الحكم بالمذكور لا نفيه عما عداه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع