من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر معجزة لإبراهيم- ﵊
-
قال: وبينما إبراهيم قاعدا إذ جاءته امرأة عجوز، فقالت: بعنى أحد هذين الصنمين، واختر لى أجودهما. فقال: هذا أكثر حطبا من هذا. قالت: لست أريده للوقود، وإنّما أريد أن أعبده، فقد كان لى إله سرق فى جملة ثياب كثيرة
لى، وأنا أريد أن أشترى هذا الصنم فأعبده حتى يردّ علىّ رحلى. قال لها إبراهيم:
إنّ الإله الّذى يسرق لو كان إلها لحفظ الثياب وحفظ نفسه، فكم لك تعبدينه؟
قالت: كنت أعبده ونمروذ منذ كذا وكذا سنة. قال: بئس ما صنعت، هلا عبدت ربّ السموات والأرض حتى يردّ عليك ما سرق منك، فإن عاد ما لك تؤمنين؟ قالت: نعم.
فدعا إبراهيم ربّه فإذا بالمسروق بين يديه قد جاء به جبريل؛ فقال لها إبراهيم:
هذا رحلك. فأخذته العجوز وكسرت الصنم، وقالت تبّا لك ولمن عبدك دون الله. وآمنت، وجعلت تطوف فى المدينة وتقول: يأيّها الناس اعبدوا الله الّذى خلقكم ورزقكم، وذروا ما كنتم عليه من عبادة الأصنام.
فبلغ خبرها نمروذ، فأحضرها وأمر بقطع يديها ورجليها وفقء عينيها؛ فاجتمع إبراهيم والناس لينظروا إليها- وهو إذ ذاك لم يبلغ الحلم- فدعا لها بالصبر وقال: إلهى إنّك قد هديتها، أسألك أن تجعلها آية. فردّ الله عينيها ويديها ورجليها وارتفعت فى الهواء وهى تنادى: ويلك يا نمروذ، أنا الّذى قد فعلت بى ما فعلت هأنا أرقى إلى الجنان.
وكان لنمروذ خازن يقال له: بهرام، فقام وقال: آمنت أيّتها المرأة بالذى خصّك بهذه الكرامة، وآمن فى ذلك اليوم خلق كثير من وجوه القوم؛ فأمر نمروذ فنشروا بالمناشير وألقوا للأسود فلم تأكلهم؛ وارتجت المدينة بزلزلة عظيمة وترادفت معجزات إبراهيم- ﵇-
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع