تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر مبعث شعيب- ﵇

-

قال: فأتاه جبريل فى الحال، وأخبره أنّ الله قد بعثه رسولا إلى أهل مدين وأصحاب الأيكة وغيرهم ممّن يعبدون الأصنام، وأمره أن يدعوهم إلى عبادة الله وطاعته، وألّا يبخسوا الناس أشياءهم.

قال: وأقبل شعيب إلى أهل مدين وقال لهم ما أخبر الله تعالى به فى كتابه:

وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ.

فلما سمعوا ذلك منه أجابوه بما أخبر الله به عنهم: قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ.

ثم انصرف عنهم، وعاد إليهم من الغد وقد اجتمعوا مع ملكهم أبى جاد؛ فوقف عليهم ونهاهم عن عبادة الأصنام وبخس المكيال والميزان؛ فقالوا له:

يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ.

فاستهزأ القوم به، فقال: ويا قوم اعملوا على مكانتكم إنّى عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إنّى معكم رقيب.

فكذّبه سفهاء قومه، كما أخبر الله عنهم: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ.

ثم قال له الملك: قد بلّغت رسالتك بزعمك، وقد سمعناها وأبينا، فلا تعد إلينا فترى ما لا طاقة لك به. فقال: أنا رسول الله إليكم، وإنى أعود أدعوكم حتّى ترجعوا إلى طاعة الله. فغضب الملك، وانصرف عنهم شعيب؛ وآمن به رجل من وزراء الملك، واستكتمه إيمانه، فكتمه شعيب؛ ثم عاد من الغد وقد خرج الملك

ومن معه إلى سوقهم، وأخرجوا أصنامهم ونصبوها؛ وأمر الملك فى أهل مدين والأيكة: من سجد لأصنامنا فهو منّا، ومن أبى عذّبناه عذابا شديدا. فسجد القوم بأجمعهم للأصنام؛ فناداهم شعيب: إنّ هذه الأصنام لا تضرّ ولا تنفع، فاتركوا عبادتها. وحذرهم عذاب الله. فقالوا: إنك تدعونا بغير حجة، فهل لك حجة على دعواك النبوة؟ قال لهم شعيب: إن نطقت هذه الأصنام بصدق مقالتى أتؤمنون؟

قالوا: نعم. ورضى الملك بذلك؛ فتقدّم شعيب إلى الأصنام وقال لها: أيتها الأصنام، من ربّك؟ ومن أنا؟ تكلّمى بإذن الله. فنطقت بإذن الله وقالت: ربّنا الله وخالقنا وخالق كلّ شىء، وأنت رسول الله ونبيّه. وتنكّست عن كراسيّها ولم يبق منها صنم صحيح؛ وأرسل الله على قوم شعيب ريحا كادت تنسفهم نسفا فأسرع الملك ومن معه إلى منازلهم، وآمن بشعيب خلق كثير؛ ثم أصبح الملك ومن معه فخرجوا إلى سوقهم، ونصبوا ما كان قد بقى عندهم من الأصنام، وأمرهم بالسجود لها؛ فأتاهم شعيب ونهاهم وحذرهم فلم يرجعوا إليه، وأمر الملك أصحابه أن يقعدوا لشعيب ولمن معه كلّ مرصد، ويؤذوهم أشدّ الأذى؛ ثم قال الملك وقومه: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا

إلى قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ.

قال: وإذا بريح قد هاجت عليهم فيها من الحرّ والكرب ما لا طاقة لهم به حتى رموا أنفسهم فى الآبار والسراديب، واشتدّ الحرّ ودام عليهم مدّة وهم لا يزدادون إلا عتوّا وتمرّدا، وشعيب يدعوهم ويحذّرهم العذاب؛ فيقولون: لسنا نرى من عذاب ربّك إلا هذا الحرّ، ونحن نصبر عليه.

وأقاموا كذلك أعواما كثيرة وهم لا يؤمنون؛ فأرسل الله عليهم الذباب الأزرق، فكان يلدغهم كالعقارب، وربما قتل أولادهم؛ ثم تضاعف الحرّ عليهم

فتحوّلوا من مدين إلى الأيكة، فتضاعف الحرّ عليهم، وتنقّلوا من الأودية إلى الغياض والحرّ يشتدّ عليهم، حتى اسودّت وجوههم، فأقبل إليهم شعيب ودعاهم إلى الإيمان؛ فنادوه: يا شعيب، إن كان ما نلقاه لكفرنا بك وبربك فزدنا منه فإنا لا نؤمن. فأوحى الله إليه أنّه مهلكهم، فتحوّل عنهم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.