من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر حمل آمنة برسول الله ﷺ وما رأته، وما قيل لها
حملت به ﷺ أيام التّشريق فى شعب أبى طالب عند الجمرة الوسطى، رواه أبو عمر بن عبد البرّ عن الزبير بن بكّار، وحكاه غيره أيضا.
وقيل حملت به فى دار وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب.
وروى محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى علىّ بن يزيد، بن عبد الله، بن وهب بن زمعة عن أبيه، عن عمته قالت: كنا نسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
لمّا حملت به آمنة بنت وهب كانت تقول: ما شعرت أنى حملت به، ولا وجدت له ثقلة كما تجد النساء، إلا أنى قد أنكرت رفع حيضتى، فربما كانت ترفعنى وتعود؛ وأتانى آت، وأنا بين النائم واليقظان فقال: هل شعرت أنّك حملت؟ فكأنى أقول ما أدرى، فقال: إنك قد حملت بسيّد هذه الأمّة ونبيّها، وذلك يوم الإثنين، قالت: فكان ذلك مما يقّن عندى الحمل، ثم أمهلنى حتى إذا دنت ولادتى أتانى ذلك الآتى فقال: قولى: «أعيذه بالواحد الصّمد، من شرّ كلّ حاسد». قالت:
فكنت أقول ذلك.
وفى رواية محمد بن إسحاق أنه قيل لها: إنك قد حملت بسيّد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولى: «أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا».
وفى رواية أخرى: امرت أمّه وهى حامل برسول الله ﷺ أن تسمّيه أحمد. قالت أمه: فذكرت ذلك لنسائى، فقلن لى: تعلّقى حديدا فى عضديك وفى عنقك، قالت: ففعلت، فلم يكن يترك علىّ إلا أياما، فأجده قد قطع، فكنت لا أتعلقه.
وعن الزّهرىّ قال: قالت آمنة: لقد علقت به، فما وجدت له مشقّة حتى وضعته.
قال ابن إسحاق: ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام. قد تواترت الأخبار الصحيحة بذلك.
وحكى الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبى فى كتاب «الأعلام» له عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: وكان من دلائل حمل آمنة برسول الله ﷺ أن كلّ دابّة كانت لقريش نطقت تلك الليلة وقالت: حمل بمحمد وربّ الكعبة، وهو إمام الدنيا وسراج أهلها؛ ولم تبق كاهنة فى قريش ولا فى قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبها؛ وانتزع علم الكهنة منهم ولم يبق سرير لملك من ملوك الدّنيا إلا أصبح منكوسا.
قال: وقال كعب الأخبار: وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا كلّها منكوسة مضغوطة فيها شياطينها، وأصبح عرش إبليس عدوّ الله منكوسا.
قال: وقال ابن عباس رضى الله عنهما: وأصبح كلّ ملك أخرس لا ينطق يومه ذلك، وفرّت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار [صار] يبشّر بعضهم بعضا، وله فى كلّ شهر من شهوره نداء فى الأرض، ونداء فى السماء: أن أبشروا، فقد آن لأبى القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا.
والله الموفّق الفعّال.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع