من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما كان بعد الإسراء من إنكار قريش لذلك وما أخبرهم رسول الله ﷺ، من وصفه لهم البيت المقدّس، وإخباره لهم بخبر عيرهم، وارتداد من ارتدّ
روى الشيخ الإمام أبو بكر أحمد البيهقى بسنده عن شدّاد بن أوس رضى الله عنه، قال: قلنا يا رسول الله كيف أسرى بك؟ فذكر نحو ما تقدّم من خبر الإسراء، وفيه زيادة ونقص، قال: وفيه أن جبريل ﵇ أنزله فصلى بيثرب، ثم صلى
بمدين عند شجرة موسى ﵇، ثم صلى ببيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم ﵇، ثم صلى فى المسجد الأقصى، وأنه ﷺ مرّ بعير لقريش بمكان كذا وكذا، قد أضلوا بعيرا قد جمعه فلان، قال: «فسلمت عليهم فقال بعضهم هذا صوت محمد». قال: «ثم أتيت أصحابى قبل الصبح بمكة، فأتانى أبو بكر فقال:
يا رسول الله، أين كنت الليلة فقد التمستك فى مظانّك؟ فقلت: علمت أنّى أتيت بيت المقدس الليلة؟. فقال: يا رسول الله، مسيرة شهر! فصفه لى، قال: «ففتح لى صراط كأنى أنظر إليه، لا يسألنى عن شىء إلا أنبأته عنه». فقال: أشهد أنك رسول الله حقا، فقال المشركون: انظروا إلى ابن أبى كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة، فقال: «إن من آية ما أقول لكم أنى مررت بعير لكم بمكان كذا وكذا، ينزلون بكذا وكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا، يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود، وغرارتان سوداوان» وإنهم أشرفوا ينظرون. فأقبلت العير نصف النهار على ما وصف لهم ﷺ.
وفى رواية يونس بن بكير فى زيادة المغازى: أنه ﷺ لما أخبر قومه بالرفقة والعلامة التى فى العير، قالوا: متى يجىء؟ قال: «يوم الأربعاء». فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون، وقد ولى النهار ولم تجئ، فدعا رسول الله ﷺ، فزيد له فى النهار ساعة، وحبست عليه الشمس.
وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: «لقد رأيتنى فى الحجر وقريش تسألنى عن مسراى، فسألونى عن أشياء
من بيت المقدس، لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قطّ، فرفعه الله لى أنظر إليه ما يسألونى عن شىء إلا أنبأتهم به».
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: لما أسرى برسول الله ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح الناس يتحدّثون بذلك، فارتد ناس ممن آمنوا به وصدّقوه، وسعوا إلى أبى بكر فقالوا: هل لك فى صاحبك؟ يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل الصبح! قال: نعم، إنى لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أصدقه بخبر السماء فى غدوة أو روحة، فلذلك سمى أبو بكر رضى الله عنه الصدّيق.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع