من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر انصراف رسول الله ﷺ عن خيبر إلى وادى القرى، ونومهم عن صلاة الصبح
قالوا: ولما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف إلى وادى القرى، فنزل به مع غروب الشمس، ومعه غلام له يقال له: مدعم؛ أهداه إليه رفاعة بن زيد الجذامىّ، فبينا هو يضع رحل رسول الله ﷺ أتاه سهم غرب فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة؛ فقال رسول الله ﷺ:
«كلا والذى نفس محمد بيده إن شملته لتحترق عليه فى النار». كان غلّها
من فىء المسلمين يوم خيبر، فسمعها رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أصبت شراكين لنعلين لى؛ فقال: «يقدّ لك مثلهما من النار».
قال أبو بكر أحمد البيهقىّ ﵀ بسند يرفعه إلى أبى هريرة رضى الله عنه، وساق نحو الحديث فى قتل مدعم، ثم قال: وكانت يهود قد ثوى إليها ناس من العرب، فاستقبلونا بالرّمى حيث نزلنا، ولم نكن على تعبئة، وهم يصيحون من آطامهم، فعبأ رسول الله ﷺ أصحابه وصفّهم للقتال، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عبّاد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله. فبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير ابن العوام فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه على بن أبى طالب رضى الله عنه فقتله ثم برز آخر، فبرز إليه أبو دجانة الأنصارىّ رضى الله عنه فقتله، حتى قتل منهم اثنا عشر رجلا، كلما قتل رجل منهم دعى من بقى إلى الإسلام. قال: ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلى بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله، فقاتلهم ﷺ حتى أمسى، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنم أموالهم، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا، فأقام رسول الله ﷺ بوادى القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه، وترك الأرض والنخل بأيدى يهود، وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تيماء ما كان من أمر خيبر وفدك ووادى القرى صالحوا رسول الله ﷺ على الجزية،
وأقاموا بأيديهم أموالهم، ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة؛ فلما كان ببعض الطريق قال من آخر الليل: «من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام» ؟ وجاء فى الحديث: «من رجل يكلأ لنا الليل» ؟. فقال بلال:
أنا يا رسول الله. فنزل رسول الله ﷺ ونزل الناس فناموا، وقام بلال يصلى، فصلى ما شاء الله أن يصلى، ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عينه فنام، فلم يوقظهم إلا مسّ الشمس، وكان رسول الله ﷺ أول أصحابه استيقاظا، فقال: «ماذا صنعت بنا يا بلال» ؟ فقال: يا رسول الله أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك. قال: «صدقت». ثم اقتاد رسول الله ﷺ [بعيره] غير كثير ثم أناخ، فتوضأ وتوضأ الناس، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى رسول الله ﷺ بالناس، فلما سلّم أقبل على الناس فقال: «إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن الله ﷿ يقول: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)
».
وفى الحديث: أن رسول الله ﷺ حين استيقظ واستيقظ أصحابه أمرهم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادى، وقال: «إن هذا واد به شيطان» فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادى، ثم أمرهم أن ينزلوا وأن يتوضئوا ... الحديث بنحو ما تقدم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع