من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
والخامس العبّاس بن عبد المطّلب
كان يكنى أبا الفضل بابنه الفضل بن العبّاس، وكان العباس أسنّ من رسول الله ﷺ بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وأمّه نتلة، ويقال:
نتيلة بنة جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو
الضّحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النّمر بن قاسط. وهى أوّل عربية كست البيت الحرام الحرير والدّيباج وأصناف الكسوة. وذلك أن العباس ضلّ وهو صبىّ، فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام، فوجدته ففعلت.
وقد تقدّم من خبر العباس فى غزوة بدر عند أسره، وقوله لرسول الله ﷺ: إنّى كنت مسلما، وإن القوم استكرهونى على الخروج.
وقال أبو عمر بن عبد البر: أسلم العباس قبل خيبر وكان يكتم إسلامه.
قال: ويقال إنه أسلم قبل بدر، وكان يكتب إلى رسول الله ﷺ بأخبار المشركين، وكان يحبّ أن يقدم على رسول الله ﷺ، فكتب إليه رسول الله ﷺ: «إن مقامك بمكة خير» فلذلك قال رسول الله ﷺ يوم بدر: «من لقى منكم العباس فلا يقتله فإنه أخرج كرها».
وكان العباس أنصر الناس لرسول الله ﷺ بعد أبى طالب، وولى السّقاية بعد أبى طالب وقام بها، وكان رسول الله ﷺ يكرم العباس بعد إسلامه ويعظّمه ويجلّه، ويقول: «هذا عمى وصنو أبى». وكان العباس جواد مطعما، وصولا للرّحم، ذا رأى حسن، ودعوة مرجوّة.
وروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه استسقى بالعباس فى سنة سبع عشرة وذلك عام الرّمادة، وكانت الأرض أجدبت إجدابا شديدا. فقال كعب لعمر:
يا أمير المؤمنين، إن بنى إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة
الأنبياء. فقال عمر رضى الله عنه: هذا عمّ النبى ﷺ وصنو أبيه، وسيّد بنى هاشم. فمشى إليه عمر فشكا إليه ما فيه الناس. ثم قال: اللهم إنا قد توجّهنا إليك بعمّ نبينا وصنو أبيه، فاسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين. ثم قال:
يا أبا الفضل قم فادع. فقام العباس فقال بعد حمد الله والثناء عليه: اللهم إن عندك سحابا وعندك ماء، فانشر السحاب، ثم أنزل الماء منه علينا، فاشدد [به] الأصل، وأطل به الفرع، اللهم إنك لم تنزل بلاء إلا بذنب، ولم تكشفه إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بى إليك فاسقنا الغيث، اللهم شفّعنا فى أنفسنا وأهلينا، اللهم إنا شفعاء عمن لا ينطق من بهائمنا وأنعامنا، اللهم اسقنا سقيا وادعا، نافعا طبقا سحّا عامّا.
اللهم لا نرجو إلا إيّاك، ولا ندعو غيرك، ولا نرغب إلا إليك. اللهم إليك نشكو جوع كل جائع، وعرى كل عار، وخوف كل خائف، وضعف كل ضعيف.
فى دعاء كثير.
قال ابن عبد البر: وهذه الألفاظ كلها لم تجىء فى حديث واحد، ولكن جاءت فى أحاديث جمعتها واختصرتها ولم أخالف شيئا منها، وفى بعضها: فسقوا والحمد لله. وفى بعضها قال: فأرخت السماء عزاليها فجاءت بأمثال الجبال، حتى استوت الجفر بالآكام، وأخصبت الأرض، وعاش الناس. فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه. وقال حسّان بن ثابت فى ذلك:
سأل الإمام وقد تتابع جدبنافسقى الغمام بغرّة العبّاس
عمّ النبى وصنو والده الذىورث النّبىّ بذاك دون النّاس
أحيا الإله به البلاد فأصبحتمخضرّة الأجناب بعد الياس
وقال الفضل بن عباس بن عتبة بن أبى لهب:
بعمّى سقى الله الحجاز وأهلهعشيّة يستسقى بشيبته عمر
توجّه بالعباس فى الجدب راغبافما كرّ حتّى جاء بالدّيمة المطر
وتوفى العباس- رضى الله عنه- بالمدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رجب. وقيل: من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين فى خلافة عثمان بن عفّان وصلّى عليه عثمان، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل: تسع وثمانين سنة. وقال خليفة بن خيّاط: كانت وفاة العباس سنة ثلاث وثلاثين، ودخل قبره ابنه عبد الله. وكان للعباس من الولد: الفضل وهو أكبر أولاده وبه كنّى، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم. ولهم صحبة. وعبد الرحمن ومعبد ولدا على عهد رسول الله ﷺ استشهدا بإفريقيّة فى خلافة عثمان بن عفّان، وأمّ حبيب، كلهم من أمّ الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وهى أخت ميمونة زوج النبى ﷺ، يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكانت من المنجبات، وفيها يقول عبد الله بن يزيد الهلالى:
ما ولدت نجيبة من فحلبجبل نعلمه وسهل
كستّة من بطن أمّ الفضلأكرم بها من كهلة وكهل
عمّ النبى المصطفى ذى الفضلوخاتم الرّسل وخير الرّسل
وكان له من غير أمّ الفضل أربعة ذكور، وهم: عون، والحارث أمّه من هذيل.
وكثير وتمّام أمهما أمّ ولد، وكان أصغر أولاد العباس فكان العباس يحمله ويقول:
تمّوا بتمّام فصاروا عشرةيا ربّ فاجعلهم كراما برره
واجعل لهم ذكرا وأنم الثّمرة
ويقال: ما رؤيت قبور أشد تباعدا بعضها من بعض من قبور بنى العباس، ولدتهم أمهم أمّ الفضل فى دار واحدة، استشهد الفضل بأجنادين، ومات معبد وعبد الرحمن بإفريقية، وتوفّى عبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقثم بسمرقند وكثير بينبع.
وتوفّى العباس بعد أن كفّ بصره. ولم يسلم من أعمام رسول الله ﷺ إلا حمزة والعباس رضى الله عنهما.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع