من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر صفة رسول الله ﷺ الذاتية
قد وردت الأخبار الصحيحة والمشهورة من حديث علىّ بن أبى طالب وأنس ابن مالك وأبى هريرة والبراء بن عازب وعائشة أمّ المؤمنين وابن أبى هالة وأبى جحيفة وجابر بن سمرة وأمّ معبد وابن عباس، ومعرّض بن معيقيب وأبى الطّفيل، والعدّاء بن خالد وخريم بن فاتك وحكيم بن حزام، وغيرهم رضوان الله عليهم: أنه كان ﷺ ربعة من القوم: لا بائن من طول، ولا تقتحمه عين من قصر،
غصن بين غصنين، بعيد ما بين المنكبين، أبيض اللون، مشرب حمرة، وفى رواية أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، له شعر رجل، يبلغ شحمة أذنيه إذا طال، وإذا قصر إلى أنصافهما، لم يبلغ شيبه فى رأسه ولحيته عشرين شعره، كأن عنقه جيد دمية، فى صفاء الفضّة، وظاهر الوضاءة مبلج الوجه، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، حسن الخلق معتدله، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيما قسيما، فى عينيه دعج، وفى بياضهما عروق رقاق حمر، وفى أشفاره غطف، وفى صوته صهل، وروى صحل، وفى عنقه سطع، وفى لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد،
وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق فصل: لا نزر ولا هذر كأنّ منطقه خرزات نظم ينحدرن، واسع الجبين، أزجّ»
الحواجب فى غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشمّ، سهل الخدّين، ضليع الفم، أشنب، مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، من لبّته إلى سرّته شعر يجرى كالقضيب، ليس فى بطنه ولا صدره شعر غيره، أشعر الذراعين والمنكبين، بادن متماسك، سواء سواء الصدر والبطن، سبيح الصدر، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد
عريض الصدر، طويل الزّندين، رحب الراحة، شثن الكفّين والقدمين، سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين؛ مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، وفى رواية: إذا مشى يقلع- كناية عن قوّة الخطو كالذى يمشى فى طين- ويخطو تكفّيا ويمشى هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحطّ من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، بين كتفيه خاتم النبوّة كأنه زرّ حجلة أو بيضة حمامة، لونه كلون جسده عليه خيلان، كأن عرقه الّلؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ، قال البراء: ما رأيت من ذى لمّة في حلّة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ، وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ كأنّ الشمس تجرى فى وجهه، وإذا ضحك يتلألأ فى الجذر،
وقال جابر بن سمرة، وقد قال له رجل كأنّ وجهه ﷺ مثل السيف، فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر. وكان مستديرا، وكان عمر بن الخطاب ينشد قول زهير بن أبى سلمى فى هرم بن سنان:
لو كنت من شىء سوى بشركنت المضىء لليلة البدر
ثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله ﷺ، ولم يكن كذلك غيره. وفيه ﵇ يقول عمه العباس رضى الله عنه وأرضاه:
وأبيض يستسقى الغمام بوجههربيع اليتامى عصمة للأرامل
تطيف به الهلّاك من آل هاشمفهم عنده فى نعمة وفضائل
وميزان حقّ لا يخيس شعيرةووزّان عدل وزنه غير عائل
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع