من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة
كان من خبر مسيلمة أنّه لما قدم وفد بنى حنيفة إلى رسول الله ﷺ؛ كما قدّمناه فى السيرة النبوية فى أخبار الوفود، وكان مسيلمه فى رحالهم، فلمّا أجازهم رسول الله ﷺ.
قالوا: يا رسول الله، خلّفنا صاحبا لنا فى رحالنا يبصرها لنا، وفى ركابنا يحفظها علينا؛ فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر لأصحابه، وقال: «ليس بشرّكم مكانا لحفظه ركابكم ورحالكم»، فقيل ذلك لمسيلمة. فقال: عرف أنّ الأمر إلىّ من بعده.
ثم ادّعى النبوّة بعد ذلك، وكان الرّجّال بن عنفوة قد هاجر إلى
رسول الله ﷺ، فتعلّم القرآن من أبىّ بن كعب، وفقه فى الدّين، فبعثه رسول الله ﷺ معلّما لأهل اليمامة، وليشغب على مسيلمة؛ ويشدّد من أمر المسلمين، وكان أعظم فتنة على بنى حنيفة من مسيلمة، شهد له أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: إنه قد أشرك معه؛ فصدّقوه واستجابوا له، وأمروه بمكاتبة النبىّ ﷺ، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه.
وقبض رسول الله ﷺ؛ والأمر على ذلك، فقويت شوكة مسيلمة، واشتدّ أمره، وكثرت جموعه، وتمكّن الرّجّال بن عنفوة من مسيلمة، وعظم شانه عنده، فكان لا يخالفه فى أمر ولا يقول شيئا إلا تابعه عليه، وكان مسيلمة يصانع كلّ أحد ممّن اتّبعه، ويتابعه على رأيه، ولا يبالى أن يطّلع الناس منه على قبيح، وضرب حرما باليمامة؛ فكان محرّما، فوقع ذلك الحرم فى الأحاليف، (أفخاذ من بنى أسيّد كانت دارهم اليمامة)، فصار مكان دارهم الحرم، والأحاليف: سبحان ونمارة، وبنو جروة، فكانوا يغيرون على ثمار أهل اليمامة، فإن نذروا بهم فدخلوا الحرم أحجموا عنهم، وإن لم ينذروا بهم فذاك ما يريدون؛ فكثر ذلك منهم، حتى استعدوا عليهم مسييلمة، فقال: انظروا الذى يأتى من السماء فيكم وفيهم، ثم قال لهم: «والليل الأطحم، والذئب الأدلم، ما انتهكت
أسيّد من محرم»، ثم عادوا للغارة والعدوى، فقال: انتظروا الّذى يأتينى. ثم قال: «والليل الدّامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيّد من رطب ولا يابس»؛ فقالوا: أمّا النخيل فمرطبة وقد جدّوها، وأمّا الجدران فيابسة وقد هدموها، فقال:
اذهبوا وارجعوا فلا حقّ لكم.
وكان فيما يقرؤه لهم فيهم: إنّ بنى تميم قوم طهر لقاح، لا مكروه عليهم ولا إتارة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كلّ إنسان، فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن».
وكان يقول: والشّاء وألوانها، وأعجبها السّود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض؛ إنّه لعجب [محض]، وقد حرّم المذق، فما لكم تمجّعون !.
وكان يقول: «يا ضفدع ابنة ضفدع، نقّى ما تنقّين، أعلاك فى الماء وأسفلك فى الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدّرين».
وقال أيضا: «والمبذّرات زرعا، والحاصدات حصدا، والزّارعات قمحا، والطّاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثّاردات ثردا، واللّاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد فضّلّتم على الوبر،
وما سبقكم أهل المدر؛ ريفكم فامنعوه، والمعترّ فآووه، والباغى فناوئوه».
قالوا: وأتته امرأة فقالت: إنّ نخلنا لسحق، وإن آبارنا لجرز فادعى الله لمائنا ونخلنا، كما دعا محمّد لأهل هزمان، ففعل كما فعل رسول الله ﷺ، ودعا للنخل، وتمضمض من الماء، ومجّه فى الآبار، فيبست النخل، وغارت الآبار.
وقيل: إنّه نزل على أولاد بنى حنيفة كما فعل رسول الله ﷺ، فمرّ بيده على رءوسهم، وحنّكهم، فقرع ولثغ من فعل به ذلك، وظهر ذلك كلّه بعد مهلكه.
قالوا: وجاء طلحة النّمرىّ، فقال: أين مسيلمة؟ فقالوا:
مه رسول الله! فقال: لا، حتى أراه، فلما جاءه قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم، قال: من يأتيك؟ قال: رحمن. قال: أفى نور أو فى ظلمة؟ فقال: فى ظلمة، فقال: أشهد أنّك كذّاب، وأنّ محمدا صادق، ولكنّ كذّاب ربيعة أحبّ إلىّ من صادق مضر.
والله سبحانه أعلم، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع