من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر بيعة مروان بن الحكم
هو أبو الحكم، وقيل أبو عبد الملك، مروان بن الحكم بن أبى العاص ابن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ، يجتمع نسبه ونسب معاوية فى أميّة، وهو الرابع من ملوك بنى أميّة، وكان النبىّ ﷺ طرد أباه إلى بطن وجّ، فنزل الطائف، وخرج معه ابنه مروان. وقيل: إن مروان ولد بالطف.
واختلف فى السبب الموجب لنفى رسول الله ﷺ الحكم، فقيل: كان يتحيّل ويستخفى ويسمع ما يسرّه رسول الله ﵊ إلى كبار أصحابه فى مشركى قريش وسائر الكفار والمنافقين، وكان يفشى ذلك عنه، حتى ظهر ذلك عليه؛ وكان يحكى رسول الله ﷺ فى مشيته وبعض حركاته، وكان النبىّ عليه الصلاة والسلام إذا مشى تكفّأ، فكان الحكم يحكيه، فالتفت النبىّ ﷺ يوما فرآه يفعل كذلك، فقال: فكذلك فلتكن. فكان الحكم مخلّجا يرتعش من يومئذ، فعيّره عبد الرحمن بن حسان، فقال فى عبد الرحمن بن الحكم يهجوه:
إنّ اللّعين أبوك فارم عظامهإن ترم ترم مخلّجا مجنونا
يمشى خميص البطن من عمل التّقىويظلّ من عمل الخبيث بطينا
وروى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم حين قال
فى أخيها عبد الرحمن ما قال: أما أنت يا مروان فأشهد أنّ رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت فى صلبه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: يدخل عليكم رجل لعين. قال عبد الله: وكنت قد تركت عمرا يلبس ليقبل إلى النبيّ ﷺ، فلم أزل مشفقا أن يكون أوّل من يدخل، فدخل الحكم بن أبى العاص، فلهذا قال عبد الرحمن بن حسان فى شعره: إنّ اللعين أبوك. ولم يزل الحكم طريدا إلى خلافة عثمان بن عفّان فردّه إلى المدينة، وقال: إن النبىّ ﵊ كان أذن فى ردّه.
وكان إسلام الحكم يوم فتح مكّة، ومات فى خلافة عثمان قبل القيام عليه بأشهر.
وولد مروان على عهد رسول الله ﷺ قبل سنة [ هـ] اثنتين من الهجرة، وقيل عام الخندق، وقيل يوم أحد، وقيل ولد بمكة، وقيل بالطائف، ولم ير مروان رسول الله عليه الصلاة والسلام، لأنه خرج إلى الطائف طفلا لا يعقل، وقدم المدينة مع أبيه فى خلافة عثمان، ثم توفى أبوه فاستكتبه عثمان ابن عفان، وضمّه إليه، فاستولى مروان عليه، وغلب على رأيه حتى كان سبب قيام الناس على عثمان وقتله.
حكى أبو عمر بن عبد البر فى كتابه المترجم بالاستيعاب أنّ علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه أتى مروان يوما، فقال: ويلك
وويل أمّة محمد منك ومن بنيك إذا شابت ذراعاك. وكان مروان يقال له خيط باطل، وضرب يوم الدّار على قفاه فخرّ لفيه. وفيه يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم وكان ماجنا شاعرا، وكان لا يرى رأى مروان:
فو الله ما أدرى وإنى لسائلحليلة مضروب القفا كيف يصنع
لحا الله قوما أمّروا خيط باطلعلى الناس يعطى من يشاء ويمنع
وقيل: إنه قال ذلك حين ولّاه معاوية المدينة، [وكان كثيرا ما يهجوه].
وأم مروان آمنة بنت علقمة بن صفوان، وكان مروان قصيرا رقيقا أو قص، بويع له بالجابية يوم الخميس لسبع بقين من شهر رجب سنة [ هـ] أربع وستين، وقيل فى ذى القعدة منها.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع