من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر غزو الروم
فى هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم فى شعبان، فصالحه
الروم على ثلاثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين، على أن يرحل عنهم فأجاب إلى ذلك ورحل عنهم، وكان يملك الروم يومئذ امرأة اسمها رينى، فخلعها الروم وملّكوا عليهم نقفور، ويزعم الروم أنّه من أولاد جفنة من غسّان، وكان قبل أن يملك يلى الخراج، فلما استوثق الروم لنقفور كتب إلى الرشيد من نقفور- ملك الروم- إلى هارون- ملك العرب- أما بعد فإن الملكة التى كانت قبلى أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافها إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهنّ، فإذا قرأت كتابى هذا فاردد ما حصل لك من أموالها، وافتد نفسك بما يقع من المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرّق جلساؤه، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب: من هارون- أمير المؤمنين- إلى نقفور كلب الروم، قد قرأ كتابك يابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام. ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة، ففتح وغنم وأحرق وخرّب، فسأله نقفور المصالحة على خراج يحمله إليه فى كل سنة، فأجابه إلى ذلك، فلما رجع الرشيد نقض نقفور العهد، وكان البرد قد اشتد فأمن رجعة الرشيد، فجاء الخبر بنقضه وقد بلغ الرشيد الرقة، فأشفق الناس من إعلام الرشيد، وخافوا عوده لشدة البرد، فاحتيل عليه بشاعر قيل هو أبو محمد عبد الله بن
يوسف، وقيل هو الحجاج بن يوسف التيمى فقال أبياتا منها:
نقض الذى أعطيته نقفورفعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنّهفتح أتاك به الإله كبير
فتح يزيد على الفتوح يؤمنابالنصر فيه لواؤك المنصور
فلما سمع الرشيد ذلك قال: أو فعل ذلك نقفور! ورجع إلى بلاد الروم فى أشد زمان، حتى بلغ بلادهم فبلغ ما أراد، وقيل كان ذلك فى سنة تسعين ومائة وفتح هرقلة- على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها زلزلت المصيصة فانهدم سورها، ونضب ماؤها ساعة من الليل.
وحجّ بالناس عبد الله بن العباس بن محمد بن على.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع