من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفاة الرشيد
كانت وفاته ليلة السبت- الثالث من جمادى الآخرة- من هذه السنة، وكان قد توجّه إلى خراسان فى سنة اثنتين وتسعين ومائة، فمرض فى الطريق بجرجان فسار إلى طوس، فمات بها وصلّى عليه ابنه صالح ودفن
بطوس. روى أبو الفرج الأصفهانى عن جحظة عن ميمون بن هارون قال:
رأى الرشيد فيما يرى النائم كأن امرأة وقفت عليه، وأخذت كف تراب ثم قالت: هذه تربتك عن قليل، فأصبح فزعا فقصّ رؤياه، فقال له أصحابه: وما فى هذا!! قد يرى النائم أكثر من هذا وأغلظ ثم لا يضره فركب وقال: إنى لأرى الأمر قريبا، فبينا هو يسير إذ نظر إلى امرأة واقفة من وراء شباك حديد تنظر إليه، فقال: هذه والله التربة التى رأيتها، وهذه المرأة بعينها، ثم مات بعد مدة ودفن فى ذلك الموضع بعينه، أشترى له ودفن فيه، وأتى نعيه بغداد فقال أشجع يرثيه:
غربت بالمشرق الشمس فقل للعين تدمع
ما رأينا قط شمساغربت من حيث تطلع
وكان عمره سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، وخلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما، وكان جميلا وسيما أبيض جعدا قد وخطه الشيب.
وكان له من الأولاد: محمد الأمين، وعبد الله المأمون، والقاسم المؤتمن، وأبو إسحاق المعتصم، وصالح، وأبو عيسى محمد، وأبو يعقوب محمد، وأبو العباس محمد، وأبو سليمان محمد، وأبو على محمد، وأبو محمد- وهو اسمه، وأبو أحمد محمد، وكلهم لأمهات أولاد إلا الأمين. وله من البنات سكينة، وأم حبيب، وأروى، وأم
_________
السمرقندى ﵀ فى كتابه المترجم تنبيه الغافلين (مطبوع طبعة بولاق) قال: حدثنا أبى قال: حدثنا أبو الحسن الفرا عن عبد الله بن الفرج قال: خرجت يوما فى طلب أجير يعمل لى شيئا فى الدار، فأتيت فى طلبه فإذا أنا برجل حسن الوجه وبين يديه مر وزنبيل، فقلت له:
أتعمل لى اليوم إلى آخر الليل؟ قال: نعم، قلت: بكم؟ قال: بدرهم ودانق، قلت له:
قم، فقام وأتى معى إلى منزلى، فعمل معى عملا كان يعمله غيره فى ثلاثة أيام، ثم أتيته فى اليوم الثانى أطلبه فلم أره، فسألت عنه فقيل هو رجل لا يرى فى الأسبوع إلا يوما واحدا، وقالوا لى يوم السبت، فتربصت حتى أتى ذلك اليوم، فجئت وهو جالس، فقلت له:
أتعمل اليوم معى؟ قال: نعم بدرهم ودانق، قلت: تعمل بدرهم، قال: لا، إلا بدرهم دانق، قلت قم فقام وعمل معى عملا كان يعمله غيره فى ثلاثة أيام، فلما كان وقت المساء وزنت له درهما واحدا، فقال لى: ألم أقل لك بدرهم ودانق؟ وكنت أردت أن اختبره، فقال: قد أفسدت علىّ أجرتى، ولا آخذ منك شيئا، قال: فوزنت له درهما ودانقا، فأبى أن يأخذه، فألححت عليه فقال: سبحان الله أقول لك ما آخذ وتلح علىّ!! ومضى وأقبلت إلى أهلى وأخبرتهم بقصته فقالت لى زوجتى: فعل الله بك وصنع، ما الذى أردت من رجل عمل لك عمل ثلاثة أيام فى يوم واحد!! قال فجئت يوما أسأل عنه فقيل لى إنه مريض، فاستدللت على بيته فأرشدت إليه، فأتيته وإذا هو مبطون فى خربة، ليس فيها شىء غير ذلك المر والزنبيل، فسلمت عليه فرد على، فقلت له: لى إليك حاجة، وأنت تعرف ما جاء فى إدخال السرور على العبد، فقلت: إنى أحب أن تأتى إلى بيتى حتى أمرضك فيه، قال: أتحب ذلك؟ قلت نعم، قال: آتيك على ثلاثة شرائط تقبلها منى ولا تخالفنى فيها، قلت: نعم، قال: أحدها أنك لا تعرض على طعاما حتى أسألك وآذن لك فيه، قلت:
نعم، قال: والثانى: اذا أنامت فكفنى فى كسائى هذا وجبتى هذه، فقلت: نعم، وأما الثالث: فهو أشد منهما، وسأخبرك عنه غدا إن شاء الله، قال: فحملته إلى منزلى عند الظهر، فلما أصبحت من الغد نادانى فأتيته، فقلت ما شأنك؟ قال: ألا أخبرك عن حاجتى الثالثة، أعلم أنه قد حضرت وفاتى، ثم قال: افتح هذه الصرة التى فى كم جبتى، ففتحتها فاذا فيه خاتم عليه فص أخضر، فقال لى: يا عبد الله إذا أنامت فكفنى كما أمرتك وورانى، وخذ هذا الخاتم فأدفعه إلى هارون الرشيد، وقل له: يقول لك صاحب هذا الخاتم: ويحك لا تموتن على سكرتك هذه فإنك إن مت عليها ندمت، ثم مات، فلما دفنته سألت عن يوم خروج الرشيد فأخبرت، فكتبت قصة وتعرضت له، فدفعت إليه القصة بعد أن ضربت ضربا موجعا، قال: فلما دخل القصر وقرأ القصة استدعانى، فدخلت عليه فقال: ما شأنك؟
فأخرجت الخاتم ودفعته إليه، فلما نظر إليه قال لى: من أين لك هذا الخاتم؟ قلت يا أمير المؤمنين دفعة إلىّ رجل طيان وأخبرته بقصته، فنظرت إلى دموعه تنحدر على لحيته، وهو يقول:
رجل طيان!!! وقربنى منه وأدنانى فدنوت منه، فقلت له: يا أمير المؤمنين إنه أوصانى بوصيته ألقيها إليك، قال: ألق ما معك من الوصية، قلت له: يقول لك صاحب هذا الخاتم: لا تموتن على سكرتك هذه، فإنك إن مت عليها ندمت، فقام قائما وضرب بنفسه على البساط وجعل ينتف رأسه ولحيته، ويقول: يا بنى نصحت أباك حيا وميتا، وبكى بكاء طويلا ثم جلس، وجاءوا فغسل وجهه، واستعاد القصة
الحسن»
، وأم محمد- وهى حمدونة، وفاطمة، وأم أبيها، وأم سلمة، وخديجة، وأم القاسم، ورملة، وأم جعفر، والغالية، وريطة، كلهن لأمهات أولاد، والواحدة من بناته تعد عشرة من الخلفاء كلهم لها محرم هارون أبوها، والهادى عمها، والمهدى جدها، والمنصور جد أبيها، والسفاح عم جدها، والأمين والمأمون والمعتصم إخوتها، والواثق والمتوكل ابنا أخيها.
وكان نقش خاتمه: العظمة والقدرة لله، وقيل كن من الله على حذر. وزراؤه: يحيى بن خالد بن برمك ثم ابناه جعفر والفضل، ثم استوزر بعد البرامكة الفضل بن الربيع. قضاته: نوح بن دراج بالجانب الغربى، وحفص بن غياث بالشرقى. حاجبه: بشر مولاه، ثم محمد بن
خالد بن برمك، ثم الفضل بن الربيع. الأمراء بمصر: على بن سليمان الهاشمى، ثم موسى بن عيسى، ثم إبراهيم بن صالح ثم مات فوليها أحمد بن خالد الأعرج، ثم إسحاق بن سليمان بن على الهاشمى، ثم هرثمة بن أعين ثم ولاه المغرب، وولى عبد الملك بن صالح بن على الهاشمى، ثم عبيد الله بن المهدى، ثم إسماعيل بن صالح بن على الهاشمى، ثم الليث بن الفضل، ثم أحمد بن إسماعيل بن على الهاشمى، ثم عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن على الهاشمى ويعرف بابن زينب، ثم الحسين بن جميل الأزدى، ثم مالك بن دلهم، ثم الحسن ابن البحباح القضاة بها: أبو طاهر عبد الملك، ثم المفضل بن فضالة، ثم محمد بن مسروق الكندى، ثم إسحاق بن الفرات، ثم عبد
الرحمن بن عبد الله- من ولد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو أول من دوّن الشهود.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع