من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خروج العرب الى المغرب والسبب الموجب لذلك
كان سبب ذلك أن المستنصر- لما ولى خلافة مصر بعد الظاهر بن الحاكم- خطب المعز فى أيامه للقائم بأمر الله العباسى. فكتب
إليه وهو يرغبه ويرهبه، ويقول له: «هلّا اقتقيت آثار من سلف من آبائك فى الطاعة والولاء» ويتوعده بإرسال الجيوش. فكتب المعز إليه: «إن آبائى وأجدادى كانوا ملوك المغرب قبل أن تملكه أسلافك، ولهم عليهم من الخدم أعظم من التقديم. ولو أخروهم لتقدموا بأسيافهم».
وكان المستنصر قد ولى وزارته فى اثنتين وأربعين وأربعمائة لأبى محمد الحسن بن اليازورى، ولقبه بالوزير الأجل المكين، سيد الوزراء، وتاج الأمراء، قاضى القضاة، وداعى الدعاة، علم المجد، خالصة أمير المؤمنين». ولم يكن من أهل الوزارة ولا من الكتاب، بل كان من أهل التّناية والفلاحة بالشام.
فأجراه ملوك الأطراف فى مكاتباتهم على عادة الوزراء إلا المعز فإنه امتنع من مخاطبته بما كان يخاطب به الوزراء قبله، وذلك أنه كان يكاتب الوزراء بعبده فكاتبه بصنيعته. فعظم ذلك عليه.
فأعمل الوزير الفكرة ودس إلى زغبة ورياح دسائس ووصلهم بصلات سنية. وبعث إليهما أحد رجال الدولة حتى أصلح بين الفئتين بعد فتن توالت وحروب استمرت ودماء أريقت. ثم أحضر أمراءهم وأباحهم على لسان المستنصر أعمال القيروان. ووعدهم
بالمدد والعدد. وأمرهم بالعيث والإخراب. فدخلت العرب إلى بلاد المغرب فى سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وأنفذ اليازورى كتابا يقول فيه: «أما بعد، فقد أرسلنا إليكم فحولا، وأرسلنا عليها رجالا كهولا، ليقضى الله أمرا كان مفعولا». ودخلت العرب فوجدوا بلادا خالية طيبة كثيرة المرعى، كانت عمارتها زناتة فأبادهم المعز. فأقاموا بها واستوطنوها وعاثوا فى أطراف البلاد.
وبلغ ذلك المعز فاستحقر أمرهم لتمام المقدور.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع