تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ركوب الملك العادل بشعار السّلطنة

وفى الساعة التاسعة من يوم الثلاثاء، ثامن عشر شهر رمضان، من هذه السنة- سلطن السلطان الملك الكامل ولده الملك العادل سيف الدين أبا بكر، وركّبه فى هذه الساعة بشعار السّلطنة. وشقّ القاهرة، وفى خدمته جميع الأمراء والقضاة وأصحاب الدواوين والأماثل وغيرهم.

وفيها- فى صفر- تسلم راجح بن قتادة مكة- شرّفها الله تعالى- وكان قد قصدها فى سنة تسع وعشرين، وصحبته عسكر صاحب اليمن: الملك المنصور عمر بن علىّ بن رسول. وكان الأمير فخر الدين بن الشيخ بمكة، ففارقها.

وفيها كانت وفاة الملك العزيز: فخر الدين عثمان بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وهو شقيق الملك المعظم. وكان صاحب بانياس وتبنين وهونين والحصون. وهو الذى بنى قلعة الصّبيبة وكان عاقلا قليل الكلام، مطيعا لأخيه الملك المعظم، وإنما أخرجه عن موالاة ولده- الملك الناصر داود- أنه كان قصد بعلبك فى سنة خمس وعشرين وستمائة، بمواطئة من ابن الملك الأمجد صاحبها- كما تقدم- فلما

فاته وقت الميعاد، الذى اتفقا عليه، نزل على بعلبك، وأخذ فى حصارها.

فأرسل الملك الأمجد إلى الملك الناصر يقول له: أنت تعلم ما كان بينى وبين والدك الملك المعظم من المودة، وأننى كنت صديق من صادقه وعدوّ من عاداه، فرحّل عنى الملك العزيز.

فأنفذ الملك الناصر داود الغرس خليلا إلى الملك العزيز، وأمره بالرحيل. وقال له: متى لم يرحل، ارم خيمته على رأسه! فرحل العزيز إلى بانياس وأوجبت هذه الحادثة غضبه، إلى أن التحق بالملك الكامل، وجاء معه إلى دمشق- كما تقدم.

وكانت وفاة الملك العزيز فى يوم الاثنين، عاشر شهر رمضان، سنة ثلاثين وستمائة، ببستانه فى النّاعمة، ببيت لهيا من غوطة دمشق. ودفن بقاسيون فى تربة الملك المعظّم، عند والدته- رحمه الله تعالى.

وفيها، فى يوم الاثنين، سابع عشرين شهر ربيع الأول، توفى بالقاهرة الشيخ جلال الدين أبو العزائم: همّام بن راجى الله سرايا، بن أبى الفتوح ناصر. بن داود الشافعى: إمام جامع الصالح، بظاهر باب زويلة رحل إلى بغداد واشتغل بها مدة، وسمع الحديث، واشتغل بالأدب بمصر على ابن برّى ولقى جماعة من الأدباء، وصنّف كتبا كثيرة فى

الأصول والفروع والخلاف، مختصرة ومطولة. وله شعر. ومولده بونا من صعيد مصر، فى ذى القعدة أو ذى الحجّة سنة تسع وخمسين وخمسمائة.

﵀. ولما مات، ولى الإمامة بالجامع الصالحى بعده ولده:

نور الدين على.

وفيها كانت وفاة الشيخ شهاب الدين أبى حفص: عمر بن محمد بن عبد الله السّهروردى. وهو ينتسب إلى أبى بكر الصّدّيق- رضى الله عنه- فيما قيل. وذكر ابن خلّكان أن وفاته كانت فى مستهلّ ذى الحجة، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. ومولده بسهرورد، فى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وقد تقدم ذكر ترّدده فى الرّسالة، من جهة الخليفة إلى الملك العادل، وغيره.

وكان رجلا صالحا عابدا، زاهدا ورعا. وصنّف كتابا للصوفية، سماه عوارف المعارف.

حكى أنه جلس يوما ببغداد على منبر وعظه، فذكر أحوال القوم، وأنشد:

ما فى الصّحاب أخو وجد نطارحهحديث نجد، ولا صبّ نجاريه

وجعل يردّد البيت ويطرب! فصاح به شاب من طرف المجلس- عليه قباء وكلّوتة - وقال: يا شيخ، كم تشطح وتنتقص القوم! والله إن

فيهم من لا يرضى أن يجاريك، ولا يصل فهمك إلى ما تقول! هلا أنشدت:

ما فى الصحاب، وقد سارت حمولهمإلا محب له فى الركب محبوب
كأنما يوسف فى كل راحلةوالحىّ فى كل بيت منه يعقوب
للشاعر عَرقَلَةِ الكَلبِيّ، اقرأ القصيدة

فصاح الشيخ، ونزل عن المنبر وقصد الشاب، ليعتذر إليه. فلم يجده. ووجد فى موضعه حفرة فيها دم، مما فحص برجله عند إنشاد الشيخ البيت!.

وفيها توفى الشيخ الفاضل: عز الدين أبو الحسن على، بن أبى الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم، بن عبد الواحد الشّيبانى- المعروف بابن الأثير الجزرى. وكانت وفاته فى هذه السنة من شعبان. ومولده فى رابع جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمسمائة، بجزيرة ابن عمر.

وكان رجلا فاضلا، صنّف فى التاريخ كتاب «الكامل» من أول الزمان إلى آخر سنة ثمان وعشرين وستمائة. وهو من أجود التواريخ التى رأيناها. واختصر كتاب «الأنساب» لأبى سعيد عبد الكريم بن السّمعانى،

واستدرك عليه فى مواضع. ونبّه على أغاليط، وزاد أشياء. وهو كتاب مفيد فى ثلاث مجلّدات وأصله فى ثمانية، وهو عزيز الوجود. وفضائله وآدابه مشهورة- رحمه الله تعالى.

وفيها كانت وفاة شرف الدين أبى المحاسن: محمد بن نصر بن مكارم، ابن الحسن بن على بن محمد، بن غالب الأنصارى، المعروف بابن عنين- الكوفى الأصل، الدّمشقى المولد. وقيل بل هو من زرع من إقليم حوران.

نشأ فى دمشق، وسافر عنها، وطوّف البلاد شرقا وغربا. ودخل بلاد الجزيرة والروم والعراق وبغداد وخراسان وما وراء النهر، وبلاد الهند واليمن والحجاز ومصر. ومدح ملوك هذه الأماكن وأعيانها.

وكان ظريفا حسن الأخلاق جميل العشرة. غزير المادّة فى الشّعر، مولعا فى الهجاء وثلب أعراض الناس- خصوصا الأكابر. وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقا كثيرا من رؤساء الشام وأهل دمشق، سماها: «مقراض الأعراض»، يقال إنها خمسمائة بيت.

وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف قد نفاه من دمشق، بسبب وقوعه فى الناس. ولما نفى كتب من الهند إلى دمشق:

فعلام أبعدتم أخاثقةلم يجترم ذنبا ولا سرقا
انفوا المؤذّن من بلادكمإن كان ينفى كلّ من صدقا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «فعلام أبعدتم أخا ثقة»

ولما مات الملك الناصر صلاح الدين، وملك الملك العادل دمشق، سار متوجها إلى الشام. وكتب إلى الملك العادل قصيدته الرّائيّة، واستأذنه فى الدخول إلى دمشق. ووصفها وصف ما قاسى فى الغربة، ولما فرغ من وصف دمشق وأنهارها وبساتينها ومستنزهاتها، قال فى قصيدته:

فارقتها لا عن رضى، وهجرتهالا عن قلى، ورحلت لا متخيّرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
أسعى لرزق فى البلاد مشتّتومن العجائب أن يكون مقتّرا
وأصون وجه مدائحى متقنّعاوأكفّ ذيل مطامعى متستّرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»

جاء منها فى شكوى الغربة، وما قاساه منها:

أشكو إليك نوى، تمادى عمرهاحتى حسبت اليوم منها أشهرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
لا عيشتى تصفو ولا رسم الهوىيعفو، ولا جفنى يصافحه الكرى
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
أضحى عن الأخوى المريع محلّاوأبيت عن ورد النّمير منفرّا
ومن العجائب أن تفيّأ ظلّكمكلّ الورى، ونبذت وحدى بالعرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»

فلما وقف العادل على هذه القصيدة، أذن له فى الدخول إلى دمشق، فدخلها.

وقال:

هجوت الأكابر فى جلّقورعت الوضيع بسبّ الرّفيع
وأخرجت منها، ولكننىرجعت على رغم أنف الجميع
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «هجوت الأكابر في جلق»

وكانت وفاته فى عشية يوم الأثنين، العشرين من شهر ربيع الأول، سنة ثلاثين وستمائة. ومولده فى يوم الاثنين، تاسع شعبان، سنة تسع وأربعين وخمسمائة- حكاه ابن خلّكان وابن السّاعى.

وقال أبو المظفّر فى مرآة الزمان: إن وفاته كانت فى سنة ثلاث وثلاثين.

قال: وكان خبيث اللسان هجّاء. فاسقا متهتّكا. قال: ولما عاد إلى دمشق، استوزره الملك المعظم. وكانت مجالسه معمورة بقبائحه.

قال: وحضر مجلس الإمام فخر الدين الرّازى بن خطيب الرّىّ، وهو يعظ، فجاءت حمامة وخلفها جارح، فألقت نفسها على الإمام فخر الدين، فغطّاها بكمّه. فقال ابن عنين، بديها:

يا ابن الكرام، المطعمين إذا شتوافى كل مسغبة وثلج خاسف
العاصمين إذا النفوس تطايرتبين المخارم والوتين الرّاعف
من أنبا الورقاء أنّ بحلّكمحرما، وأنّك ملجأ للخائف
وفدت عليك، وقد تدانى حتفهافحبوتها ببقائها المستانف
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا»
ولو انّها تحيى بمال، لانثنتمن راحتيك بنائل متضاعف
جاءت سليمان الزّمان بشكرهاوالموت يلمع من جناحى خاطف
قرم لواه الفوت حتى ظلّهبإزائه يجرى بقلب خائف

قال: فرمى عليه الإمام فخر الدين جميع ما كان عليه، وفعل الحاضرون كذلك. فبلغ قيمة ذلك أربعة آلاف دينار! وكتب معه كتابا إلى الملك الناصر، وكتابا إلى الملك العادل، يشفع فيه. فقبل الملك شفاعته.

ولما عاد هجا العادل، فقال:

إن سلطاننا الذى نرتجيهواسع المال ضيّق الإنفاق
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «إن سلطاننا الذي نرتجيه»
هو سيف كما يقال، ولكنقاطع للرسوم والأرزاق
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «إن سلطاننا الذي نرتجيه»

وهجا أيضا أولاد شيخ الشيوخ الأربعة، فقال:

أولاد شيخ الشيوخ قالواألقابنا كلّها محال
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «أولاد شيخ الشيوخ قالوا»
لا فخر فينا ولا عمادولا معين، ولا كمال
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «أولاد شيخ الشيوخ قالوا»

وأهاجيه فى الأكابر والأعيان كثيرة- سامحه الله تعالى وإيانا:

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.