من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفاة السلطان الملك الكامل
كانت وفاته فى يوم الأربعاء، وقيل ليلة الأربعاء- الحادى والعشرين من شهر رجب، سنة خمس وثلاثين وستمائة، بقلعة دمشق بقاعة الفضّه.
ومولده بالقاهرة فى ذى الحجة، سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
وكان أسنّ أولاد الملك العادل. وكانت مدة عمره تسعا وخمسين سنة وسبعة أشهر- تقريبا. ومدة ملكه- بعد وفاة والده الملك العادل عشرين سنة، وشهرين وستة عشر يوما. وملك دمشق واحدا وسبعين يوما. ومنذ خطب له بولاية العهد، ثمانيا وثلاثين سنة وتسعة أشهر، وستة عشر يوما.
ودفن بالقلعة. ثم نقل إلى تربته بجوار الجامع الأموى بدمشق. وكان مدة مرضه نيفا وعشرين يوما، بالإسهال والسّعال ونزلة فى حلقه، ونقرس فى رجله. وأظهروا موته يوم الجمعة. ولم يظهروا الحزن عليه بدمشق. حكى عن خادمه الذى كان يعلّله فى مرضه، قال: طلب منى الملك الكامل الطّشت لسقيا، فأحضرته له. وكان الناصر داود على الباب يطلب الإذن. فقلت له: داود على الباب. فقال: ينتظر موتى! وانزعج.
فخرجت إليه، وقلت له: ليس هذا وقت عبورك، فإن السلطان منزعج.
فتوجه إلى دار أسامة - وكان قد نزل بها. ودخلت إلى السلطان، فوجدته قد قضى، والطّشت بين يديه، وهو مكبوب على المخدة.
وكان ملكا حازما، ضابطا لأموره. متطلعا لجمع المال، يباشر الحمول التى تصل إليه بنفسه ويكتبها بخطه فى دفتر له، ويحاقق المستخدمين فيما يطلع عليه. وجمع مالا عظيما، حتى يقال إنه خلف ألف إردب ذهب.
وهذا ما لم يسمع بمثله. وأراه- والله أعلم- من التغالى.
وكان يجلس فى مجلس خاص فى كل ليلة جمعة، يجتمع فيه الفقهاء والأدباء والشعراء وغيرهم. وله فى بقية الجمعة ليال، يختلى فيها مع ندمائه على الشراب وسماع القيان. وكان حسن الاعتقاد فى السّنّة. وكان جهورىّ الصوت، وله هيبة عظيمة فى قلوب الرّعايا والخواصّ. وعمّر قاعة بقلعة الجبل، يجلس فيها مع الفقهاء والصالحين فى شهر رمضان، سماها قاعة رمضان. وهى الآن من جملة الخزائن السلطانية.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع