من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر عربان الصعيد، وتوجه الأمير فارس الدين أقطاى إليهم وإبادتهم
كان من خبر العربان بالصعيد، أنه لما اشتغل الملك الصالح نجم الدين أيوب وعساكره بقتال الفرنج بالمنصورة، وحصل ما قدّمنا ذكره: من وفاته، ومقتل ولده الملك المعظّم، واشتغال الملك المعز بحرب الملك الناصر، وتجريد الجيوش إلى جهتة، وعدم الالتفات إلى غير ذلك- تمكن العربان بهذه الأسباب من البلاد، وكثر شرّهم، وزاد طغيانهم وبغيهم.
وحصل لأهل البلاد منهم، من أنواع الأذى ونهب الأموال والتعرض إلى الحريم، وأمثال ذلك، ما لا حصل من الفرنج أكثر منه.
واجتمعوا على الشريف حصن الدين بن ثعلب الجعفرى وأطاعوه ظاهرا، وانقادوا له. إلا أنه لا يستطيع دفعهم عن كل ما يقصدونه من أذى. وأخذ أموالهم، وكثرت جموعهم معه، حتى زادوا على اثنى عشر ألف فارس، وستين ألف راجل، بالسلاح والعدد.
فلما تم الصلح بين الملكين، وتفرغ وجه السلطان الملك المعز من جهة الشام، صرف فكرته إلى جهتهم، وانتدب لحربهم الأمير فارس الدين أقطاى. واستشار الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى فى عدّة العسكر الذى يقوم بحربهم، فأشار بانتخاب ألفى فارس من العسكر، والتزم أنه يفرّق بهذه العدة جموعهم، ويبيدهم بها.
فانتخب الأمير فارس الدين هذه العدّة من العسكر، وتوجه بهم- وصحبته الأمير عز الدين المذكور- وتوجه إلى جهة الصعيد، وقصد العربان. وكانوا قد اجتمعوا بمكان يسمى الصّلعا بمنشاة إخميم، فى البر الغربى- وهى أرض وسيعة، تسع عدّتهم. فساق الأمير فارس الدين ومن معه من العسكر، من جهة الحاجز بالبر الغربى، سوقا عظيما، ما سمع الناس بمثله، وانتهى إليهم فى ثلاث علايق- وهذه المسافة لا يستطيع البريد أن يصل إليها فى مثال هذه المدة، إلا إن أجهد نفسه.
وطلع عليهم فى صبح اليوم الرابع، ودهمهم بغتة بهذا المكان. فلما شاهد كثرتهم، كاد يقف عن ملاقاتهم، وأنكر على الأمير عز الدين، وقال: لقد غششتنا، فإن هذه العدّة التى معنا لا تقوم بهذه الجموع الكثيرة.
فقوّى نفسه، وقال: أنا أعرف هؤلاء، وهذه بلاد ولايتى. وحمل عليهم، ورمتهم العسكر بالنّشّاب، فما كان السّهم يقع إلا فى أحدهم. فما كان بأسرع من أن انهزموا أقبح هزيمة، وأخذهم السيف. وتفرقت تلك الجموع، واختفوا، وغيّروا لباسهم. وقتل منهم فى المعركة والطّلب خلق كثير.
ولما عاين الشريف حصن الدين انهزام أصحابه، بادر بالهزيمة.
وحمل معه ألف دينار، واستصحب حظيّة له، وتوجه إلى الوجه القبلى. ثم قبض عليه بعد ذلك- على ما نذكره، إن شاء الله تعالى. وعاد الأمير فارس الدين إلى القاهرة بعسكره، ومعه جماعة من العربان، من جملتهم: ابن عم الشريف حصن الدين بن ثعلب، فشنق تحت قلعة الجبل. ثم قتل الأمير فارس الدين أقطاى، فى هذه السنة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع