من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
مجلس الكوفيين والبصريين عند المأمون (٢)
قال: فابتاع الموضع من الدهقان وابتدأ في البناء سنة ثلاث وثمانين واستتمه في سنة ست وثمانين ومات في سنة خمس وتسعين.
ولما فرغ منه وسكنه أعجب به إعجابا شديدا. فبينا هو ذات يوم في مجلسه إذ أتاه بعض خدمه فقال له: إن فلانة- جارية من جواريه، كان مائلا إليها- أصابها لمم. فغمّه ذلك ووجه إلى الكوفة في إشخاص عبد الله بن هلال الذي كان يقال له صديق إبليس. فلما قدم عليه عرّفه الخبر فقال له أنا أحلّ [السحر] عنها. قال: افعل. فلما زال ما كان بها. قال له الحجاج: ويحك إني
أخاف أن يكون هذا القصر محتضرا. قال: أنا أصنع فيه شيئا فلا ترى فيه أمرا تكرهه. فلما كان بعد ثالثة، جاء عبد الله بن هلال يخطر بين الصفين وفي يده قلّة مختومة. فقال: أيها الأمير تأمر بالقصر أن يمسح ثم تدفن هذه القلة في وسطه فلا ترى فيه شيئا فيما يكره. فقال له الحجاج: يا ابن هلال! وما العلامة في هذه القلة؟
قال: أن يأمر الأمير برجل بعد آخر من أشدّ أصحابه حتى يأتي على عشرة منهم فيستقلّوا بها من الأرض فإنهم لا يقدرون على ذلك. فأمر الحجاج بذلك ففعل، فكان كما قال ابن هلال. وكان بين يدي الحجاج مخصرة خيزران فوضعها في عروة القلة ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم. إن ربكم الذي خلق السماوات والأرض. ثم شال القلة فارتفعت على المخصرة، فوضعها ثم فكر منكسا رأسه ساعة. ثم التفت إلى عبد الله بن هلال فقال: خذ قلتك والحق بأهلك. قال: ولم؟
قال: إن هذا القصر سيخرب بعدي وينزله قوم ويحتفر محتفر يوما فيجد هذه القلة فيقول: لعن الله الحجاج إنما كان بدء أمره السحر. قال: فأخذها ولحق بأهله.
قال: وكان ذرع القصر أربعمائة ذراع في مثلها. وذرع المسجد الجامع مائتين في مائتين. وصف الرحبة التي تلي صف الحدادين ثلاثمائة في ثلاثمائة.
وذرع الرحبة التي تلي الخرازين والحوض ثلاثمائة في مائة ذراع. والرحبة التي تلي المضمار مائتين في مائة. قال: والأبواب كانت على مدينة قديمة أعجمية يقال لها الدوقرة. وقد قيل عليها وعلى غيرها فقلعت وحملت إلى واسط.
وقال محمد بن خالد: كان محمد بن القاسم الثقفي أيام كان يتقلّد الهند والسند قد أهدى إلى الحجاج فيلا فحمل من البطائح في سفينة، فلما صار إلى واسط أخرج في المشرعة التي تدعى مشرعة الفيل فسميت به إلى الساعة.
ولما استوطن الحجاج واسط نفى النبط عنها وقال: لا يساكنني أحد منهم فإنهم مفسدة. وكان في طباخيه رجل منهم وكان يطبخ لونا يعجب الحجاج. فلما
أمر بإخراج النبط فقد ذلك اللون فسأل عنه فقيل إن طباخه نبطي. فلهى عنه مدة ثم قال: اشتروا لي غلاما ومروه أن يعلمه ذلك اللون. ففعلوا فلم يحكمه الغلام.
فقال: ادخلوا هذا النبطي نهارا وأخرجوه ليلا. قال: فكان يأتي في كل يوم بقدره ومغرفته فيطبخ ذلك اللون ثم ينصرف.
قال وكتب إلى الحكم بن ثوابة عامله على البصرة: أما بعد. فإذا نظرت في كتابي هذا فأجل من قبلك من الأنباط وألحقهم بسوادهم فإنهم مفسدة الدين والدنيا.
فكتب إليه الحكم: أما بعد. فقد أخليت من في عملي من الأنباط إلّا من قرأ منهم القرآن وفقه في الدين وعلم الفرائض والسنن. فكتب إليه الحجاج: فهمت ما كتبت به فإذا نظرت في كتابي هذا فاجمع من قبلك من الأطباء فليفتشوا عروقك عرقا عرقا، فإن وجدوا فيك عرقا نبطيا قطعه. والسلام.
ويروى عن مكحول أنه قال: لما أخرب بخت نصر السواد كان أشدّها بكاء كسكر. فأوحى الله إليها أني محدث فيك مسجدا يصلّى فيه. قال مكحول: فكنا نرى أنه مسجد واسط.
وكان بعضهم يقول: كان الحجاج أحمق، بنى مدينة في بادية النبط وحماهم دخولها، فلما مات دخلوها من قرب.
وقال المري ذكر الحجاج عند عبد الوهاب الثقفي بسوء فغضب وقال:
إنما تذكرون المساوئ، أوما علمتم أنه أول من ضرب درهما عليه لا إله إلّا الله.
وأول من بنى مدينة في الإسلام، وأول من اتخذ المحامل. وان امرأة من المسلمين سبيت بالهند فنادت يا حجاجاه! فلما اتصل به ذلك أقبل يقول: يا لبيك! وأنفق سبعة ألف ألف حتى افتتح الهند، وأخذ المرأة وأحسن إليها غاية الإحسان.
واتخذ المناظر بينه وبين قزوين، فكان إذا دخن أهل قزوين دخنت المناظر- إن كان نهارا- وإن كان ليلا أشعلوا النيران فتجرد الخيل إليهم. فكانت المناظر
متصلة بين قزوين وواسط. وكانت قزوين ثغراً في ذلك الوقت.
وأنشد لحميد الأرقط في واسط يهجوها.
الله أسقاك من الفراتالنيل ينقضّ من الصراة
وأحدث يعلو المسنّياتنضرب غرسه بواسقات
سيق إلى المدينة مسفاتداينه الريف من الغداة
بعيدة الأهل من الآفاتطمت عليّ بقصص البغاة
يهدى إليها الرزق من شتاتمن البحور ومن الفلاة
وقال حمدان بن السخت الجرجاني: حضرت الحسين بن عمر الرستمي وكان من أكابر قواد المأمون وقد سئل الموبذ بخراسان ونحن في دار ذي الرياستين عن النوروز والمهرجان وكيف جعلا عيدا وكيف سميا، فقال الموبذ: نعم أنبيك عنهما. إن واسط كانت تجري على سننها في ناحية بطن جوخى، فانبثقت في أيام بهرام جور وزالت عن مجراها إلى المذار، وصارت تجري إلى جانب واسط منصبّة. فغرقت القرى والعمارات التي كانت موضع البطائح وكانت متصلة بالبادية- ولم تكن البصرة ولا ما حولها إلّا الأبلّة فإنها من بناء ذي القرنين، وكان موضع البصرة قرى عادية مخسوف بها لا ينزلها أحد ولا يجري بها نهر إلّا دجلة الأبلّة- فأصاب أهل القرى والمدن التي كانت في موضع البطائح- وهم بشر كثير- وباء فخرجوا هاربين على وجوههم وتبعهم أهاليهم بالأغذية والصلاحات، فأصابوهم موتى، فرجعوا فلما كان في أول يوم من فروردين ماه من شهور الفرس أمطر الله ﷿ عليهم مطرا فأحياهم فرجعوا إلى أهاليهم. فقال ملك ذلك الزمان: هذا نوروز، ومعناه يوم جديد. فسمي به. وقال الملك: هذا يوم مبارك فإن جاء الله فيه بمطر وإلّا فليصب بعضكم الماء على بعض وتتبركوا به. وصيروه عيدا، فبلغ المأمون هذا القول فقال إنه لموجود في كتاب الله ﷿ بقوله
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ
وقال ابن عباس في قول الله جلّ وعزّ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ ...
قال: كانت قرية يقال لها داوردان وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها. فهلك من أقام في القرية وسلم الآخرون. فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين. فقال من بقي ولم يمت في القرية: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا. لو صنعنا كما صنعوا سلمنا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن. فوقع الطاعون بها قابل. فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا حتى نزلوا ذلك المكان وهو وادي فيح، فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من معلاه أن موتوا، فماتوا، فأحياهم الله لحزقيل في ثيابهم التي ماتوا فيها. فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى، حتى ماتوا بآجالهم التي كتبت لهم.
قال الهيثم بن عدي: سألت عبد الله بن هلال صديق إبليس عن اسم عامر واسط، فقال: زوبعة.
قلت: فما حدثك عن الحجاج؟
قال: لقد كان كافرا بالله وما رأيته يصلي قط خاليا. وما رأيت أحدا كان أجبن منه، لقد تراءيت له ذات يوم فبلغ من جنبه أنه عجن الطين بماء القرآن وطيّن به خضراء واسط.
قلت: فأخبرني عن خالد بن عبد الله القسري.
قال: أشجع الناس. ولقد كان به النقرس، فلو أن ذبابة سقطت على رجله لصاح منها. وكان له عمود حديد لا يفارقه، فتراءيت له يوما فلم يقدر على القيام ونظر إليّ وقال يا خبيث! لقد علمت أني لا أقدر على القيام. ولكن إن
كنت رجلا فادن مني. ثم حذفني بالعمود حذفة لو أصابتني لأوهنتني. ثم ظهرت ليوسف بن عمر- وكان جبانا- فأدخل رأسه في لحافه وصاح بجارية له يقال لها طائفية: ويلك بادري إليّ، فما جاءته حتى بال في فراشه ولا أخرج رأسه حتى علم أنها عنده، وظهرت لابن هبيرة فانتضى سيفه وبادر إليّ فاستترت منه، فقال: أما والله لو تظهر لعلمت أنك لا تروع أحدا بعدي.
وقال بشار بن برد يهجو واسط:
على واسط من ربّها ألف لعنةوتسعة آلاف على أهل واسط
أيلتمس المعروف من أهل واسطوواسط مأوى كلّ علج وساقط
نبيط وأعلاج وخوز تجمّعواشرار عباد الله من كلّ غائط
وإنّي لأرجو أن أنال بشتمهممن الله أجرا مثل أجر المرابط
ذكر النبط وما جاء فيهم
قال رسول الله ﷺ: لا تبغضوا قريشا، ولا تسبّوا العرب، ولا تذلوا الموالي، ولا تساكنوا الأنباط فإنهم آفة الدين وقتلة الأنبياء، إذا هم سكنوا الأمصار وشيدوا الدور ونطقوا بالعربية وتعلموا القرآن، استولوا على الناس بالمكر والخديعة فعندها يبغون الإسلام غوائله.
ويروى أنه كان لأبي هريرة صديق يكرمه. فقال له ذات يوم: إني قد أحببتك ولست أدري من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل السواد. فقال له أبو هريرة: تنحّ عني!
فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أهل السواد قتلة الأنبياء وآفة الدين،
وأعوان الظلمة في كل زمان، وأكلة الربا وأصحاب الأهواء.
ويروى أن قوما أتوا أمير المؤمنين ﵇ فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنا نسكن بأرض السواد فنصيب من مرافقها. فقال لهم علي ﵁: إنكم لتساكنون أهل الغفلة والحسد والبغي والمكر والخديعة، الذين سهمهم في الإسلام منقوص وحطهم في الآخرة قليل. سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا تفقهت الأنباط في الدين، ونطقت بالعربية وتعلمت القرآن فالهرب الهرب منهم. فإنهم أكلة الربا ومعدن الرشا وأهل غش وخديعة لا سهم لهم في الإسلام.
ويروى أن الشيطان عشق خنزيرة فوثب عليها فأحبلها فولدت ابنا فسمته مشنوء. فلما كثر نسله أتى سليمان فقال له أرنا أولادنا. فقال: أولادكم الأنباط الذين يستنبطون الأرض أصبر الناس على حرّ وبرد.
ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يدخل الجنة نبطي.
وروي عن عكرمة في قوله «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ
» قال: كانوا نبط.
وقال عون بن عبد الله: لو كان إبليس من الإنس لكان نبطيا لأنهم أبذخ قوم إذا أمروا، وأذل شيء إذا قهروا. يغترفون الهوان ويكفّون الإحسان.
ويروى عن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ: ثلاثة هم شرار الخلق، الشيطان الرجيم، وإمام يخشى غشمه وظلمه، والنبطي إذا استعرب.
وكان يقال من أحب أن يكثر عياله ويقل خير بنيه فليتزوج نبطية.
ويروى عن أبي هريرة أنه قال: إن إبليس باض سبع بيضات. ثنتان وقعتا بأرض بابل وثنتان وقعتا بميسان وثنتان وقعتا ببلاد الخوز وواحدة وقعت بهمينيا.
ففي الثنتين اللتين وقعتا ببابل ذكر وأنثى. اسم الذكر شقتى والأنثى بلعث.
وقال نصر بن محمد: اسم الذكر ميسان واسم الأنثى دلغث. وهما اللتان
بلبلتا الألسن ودعتا إلى الشرك وعبادة الأوثان.
والثنتان اللتان وقعتا بميسان فذكر وأنثى. اسم الذكر هيما والأنثى همياء.
لهم أذناب منكرة وقلوب قاسية وأكباد غليظة لا يتفقهون. لئام وضعة عتاة فجرة، لا يرقّون للضعيف ولا يجلّون الكبير ولا يستحيون من القبيح.
والثنتان اللتان وقعتا بالخوز فذكر وأنثى اسم الذكر أبو مرة والأنثى شيلث.
نسلهما أشر النسل وأقبحه كلاما وأردأه أخلاقا. ويقال إنه بعث إليهم نبي فذبحوه وأكلوه.
وأما التي وقعت بهمينيا فذكر يقال له أحول. نكح جارية من الإنس فأولدها شيطانا مريدا.
ويروى أن أمير المؤمنين ﵇ قال: لا تناكحوا الأنباط ولا تسترضعوا فيهم، فإنهم يورثون أولادكم اللؤم النبطي.
وقالوا في قول الله ﷿ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا
» قال: هم النبط.
وقال مقاتل بن سليمان: الأنباط من ولد شناص بن إبليس وإن شناص نكح شاة لآدم ﵇ يقال لها ورسة فولدت أبناء فسماه نباط.
وقال وهب بن منبه: حبس سليمان ﵇ نبطيا من أهل دستميسان وقيّده. فجاء أهل السجن يشكونه. فدعا به وقال: ويلك! أما يشغلك بما أنت فيه من ضيق المجلس وثقل الحديد حتى يشكوك الناس؟ فقال: لا أعود يا نبي الله.
فقال: زيدوه قيدا وردوه. ففعلوا ذلك. فعاود أهل السجن يشكونه. فدعا به وقال له مثل قوله الأول. فقال: لا أعود. فقال: زيدوه قيدا آخر وردوه. ففعلوا. فلم يقم إلّا يوما حتى عاد أهل السجن يشكونه. فأحضره وقال له مثل قوله الأول وزاده قيدا. فلم يكفه ذلك. وعادوا فشكوه. فلما شكوه الرابعة، نقله عنهم إلى سجن الجن، فجاء الجن يضجون منه ويشكونه. فدعا به وأمر بضربه فضرب وزاده قيدا
آخر. فشكوه ثلاثا في كل ذلك يزيدونه قيدا. فلما كان في الرابعة قال لهم: ما الذي يصنع بكم حتى ضججتم منه؟ فقالوا: يا نبي الله! أعظم ما نشكو منه السعاية والنميمة. قد تقاتلنا على يده.
فأخرجه عنهم ودعا بصخر المارد- وكان ينقل الصخر من فارس إلى الشام- فقال له: يا صخر! اكفني مؤونة هذا النبطي وليكن معك في سلسلة. ففعل ذلك.
فبينا سليمان في بعض مواكبه وقد حملته الريح، إذ عارضه صخر في الهواء والنبطي معه في سلسلة، وصخر يستغيث إلى سليمان ويستوقفه. فأمر سليمان الريح فركدت ودعا به فسأله عن شأنه فقال: يا نبي الله! اعفني من هذا النبطي واقرن معي مائة عفريت في موضعه. قال: وما الذي يصنع بك؟ قال: يا نبي الله! يدعني حتى إذا حملت الصخرة على رأسي، استقدم في سلسلتي ولفّها على صدره ثم جذبني وطرح نفسه على وجهه، فأقع على وجهي وتقع الصخرة على عنقي وظهري. فأقول له: ما شأنك؟ فيقول: أثرت- ويريد عثرت-. ثم أقوم فأجعلها على رأسي وأقول له: تأخر فكن من ورائي حتى لا تعثر، فيفعل. ثم يقبض على الطوق الذي في عنقه ويستعقد فيطرحني على ظهري وتقع الصخرة على جنبي.
فأقول: ويلك! ماذا دهاك؟ فيقول: أنت شيطان من الشيوط ونهن لا نلهق بك.
يريد: أنت شيطان من الشيطان ونحن لا نلحق بك. فضحك سليمان ثم قال: قد جعلتك يا نبطي عريفا على الجن النقالة فخذهم بالجد واستعجلهم في الحمل.
فمضى لذلك.
فقال له الجن: إن بيننا وبينك رحما ماسة فانظر لنا في ولايتك، قال لهم:
وأي رحم بيننا وأنتم من الجن وأنا من الإنس؟ قالوا: إن هاهنا امتزاجا آخر لا تعرفه. قال: وما هو؟ قالوا: إنه لما ملك سليمان أتته ملكة دستميسان فسألته أن يوجه معها شيطانين يبنيان لها قصرا من وقت طلوع الشمس إلى الظهر. ففعل ذلك ووجه معها شيطانين يقال لأحدهما أكي، فبنياه لها إلى قبل الظهر. فلما فرغا منه
قالا لها: أشغلينا في عمل آخر إلى الليل، فإنا لا نجسر أن نرجع إلى سليمان.
قالت: ما لي عمل، قد فرغتما من عملي الذي أردت. قالا: فإنّا نهدم القصر ونتشاغل بذلك إلى آخر النهار فتحتاجين أن ترجعي إلى سليمان فتعيدي عليه المسألة. فلما رأت الجدّ منهما دفعت إلى أحدهما مسحا أسود وقالت:
اغسله حتى يبيضّ. وقالت للآخر: تعال حتى أشغلك في عمل آخر. واستلقت على قفاها وكشفت عن فرجها وقالت: رشّ على هذا الجرح ماء وروّحه حتى يلتحم. وكان الذي فعلت به هذا يسمى أكي. فلما روّحها ساعة ورآه لا يلتحم دعته نفسه إلى مواقعتها. ففعل وأحبلها فولدت الشيصبان وتالي وداقويه. وهم بنو عمك وقرائبك. فلينفعنا هذا عندك.
فقال النبطي: هذه لعمري رحم ماسة وفي دون رعاية وحفاظ، ولن أدع القيام بشأنكم، فما الذي تشكون؟
قالوا: ما نحن فيه من التعب ونقل هذا الصخر من فارس إلى الشام.
قال: أو ليس إنما تنقلونه ذاهبين فتستريحون راجعين؟
قالوا: بلى.
قال: فهذا نصف الطريق. فتركهم وانطلق إلى سليمان فقال: يا نبي الله! أتظن أنك قد شغلت هؤلاء الجن الذين ينقلون الصخر وكففتهم عن التولّع ببني آدم؟
قال: نعم.
قال: فاعلم أنهم يرجعون فرّغا يعبثون بالناس في طريقهم ويؤذونهم.
قال: فما ينبغي أن أصنع بهم؟
قال: تحملهم الصخر من فارس إلى الشام لبناء بيت المقدس، ويحملون من الشام إلى فارس المرمر فيبنى لك به ما تريد وتكفهم عن أذى الناس. ففعل بهم ذلك.
فقالوا للنبطي: ويحك! زدتنا تعبا على تعبنا. وقد رجونا أن تخفف عنا.
قال: أو ليس عملكم إنما هو بالنهار، وبالليل أنتم مستريحون؟
قالوا: بلى.
قال: فإنما تعملون نصف الدهر ونصفه تبطلون. ثم انطلق إلى سليمان فقال: يا نبي الله! اعلم أن هؤلاء الجن النقّالة يعملون نهارهم. فإذا كان الليل عرجوا إلى السماء واسترقوا السمع وأتوا الكهان فخبروهم بذلك وعبثوا بالناس والبهائم.
قال: فما الحل؟
قال: تبني حول مدينتك هذه أركانا معلقة على عددهم. فإذا فرغوا من عملهم نهارا أمرتهم فصعدوا ليلهم إلى هذه الأركان وتأمرهم بالتسبيح والتهليل إلى الصباح. فيكون لك ثواب ذلك. ومن فقدت صوته منهم عذبته فإنك تعرف أصواتهم ولا يخفى عليك شيء منها.
ففعل ذلك بهم فشكوا إلى إبليس ما قد حلّ بهم فقال: ليس وراء هذه الشدّة شيء فتوقعوا الآن الفرج. فلم تمض إلّا أيام يسيرة حتى مات سليمان ﵇.
وكان رجل من أهل السواد في أيام عمر بن الخطاب ﵁ يخلف.
بعض عمال عمر على السواد. فأتاه غلام من العرب وهو في قرية تدعى براثا من برّ رخسابور فسأله أن يحمله فأبى، وسأله القرى فالتوى. فلما أكثر عليه قال: يا غلام! أعطه دجاجة. فانصرف الغلام وهو يقول- وكان العامل يكنى أبا جبيرة:
أتيت أبا جبيرة في براثافقال الحق بأهلك يا غلام
وهاك دجاجة فتعشّ منهاولا يكثر عليّ لك الكلام
فبلغ خبره عمر، فجعل على أهل السواد قرى الضيف وحمل المنقطع وإرشاد الضال.
وقال ابن عباس: النبطي والأعرابي لا يقطعان أمرا دون نسائهما.
وقال المدائني: أمر بعض ملوك العجم رجلا من حاشيته فقال له: صد شرّ الطير واشوه بشر الحطب وأطعمه شر الخلق. فصاد رخمة وشواها ببعرة وقدّمها إلى رجل خوزي. فقال له الخوزي: أخطأت. اذهب فصد بومة واشوها بدفلى وأطعمها نبطيا ولد زنى. ففعل ذلك وعرفه الملك. فقال: لا يحتاج أن يكون ولد زنى. كفاه أن يكون نبطيا.
وعن سعيد بن المسيب قال: كتب سليمان بن داود ﵇ كتبا إلى الناس وإلى النسناس وإلى أشباه الناس وإلى أولاد الشياطين. فأما الناس فأهل الصلاح والعلم. وأما النسناس فأهل الأسواق. وأما أشباه الناس فأهل الجهل. وأما أولاد الشياطين فالنبط.
وقال إسماعيل بن عبد الله: قال لي المنصور: صف لي الناس. قلت:
ليسأل أمير المؤمنين عما أحب. قال: ما تقول في أهل الحجاز؟ قلت: مبدأ الإسلام وبقية العرب. قال: فأهل العراق؟ قلت: قطر الإسلام ومقاتلة الدم. قال:
فأهل الشام؟ قلت: حصن الأمة وأسنة الأئمة. قال: فأهل خراسان؟ قلت: فرسان الهيجاء وأعنّة الرجاء. قال: الترك؟ قلت: إخوة السباع وأبناء المغازي. قال:
فالهند؟ قلت: حكماء استغنوا ببلادهم واكتفوا بما يليهم. قال: فالروم؟ قلت:
أهل كتاب وتدين، نجاهم الله عن القرب وصيّرهم إلى البعد قال: فالأنباط؟ قلت:
شرار الخلق وعبيد من غلب.
وقال شيبة بن عثمان: ما أحد أنقر عن صغيرة ولا أركب لكبيرة من أهل العراق لقربهم من النبط.
وقال إسحاق بن طلحة بن أشعث: بعثني عمر بن عبد العزيز إلى العراق فقال أقرهم ولا تستقرأهم وعلّمهم ولا تعلّم منهم، وحدثهم ولا تستمع حديثهم.
قلت: ولم ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنهم خالطوا الأنباط ففيهم غشهم ومكرهم وخديعتهم.
ولما غلب أردشير على ملك النبط رأى جمالهم وعقولهم. قال: ما أخوفني
أن حدث فيّ حدث أن يعود الملك إلى هؤلاء. ففرض لهم فرضا وبعث متهم بعوثا وأغزاهم خراسان. فأهل المرو من النبط، ففيهم شحّهم وغدرهم.
وقال الهيثم بن عدي: إنما سموا نبطا لأنهم استنبطوا المياه وحفروا الأنهار.
فمن ذلك: الصراة، ونهر سورا، ونهر أبّا.
وقد قيل إن الصراة حفرها أفريدون جشنش ونهر أبّا حفر أبّا بن المصمغان ونهر الملك حفر أقفور شاه بن بلاش، قتله أردشير بن بابكان. ونهر الملك حفره شابور.
وكانت سرة الدنيا في يد النبط، وذلك أن الفرات ودجلة ينصبان جميعا من الشام فلم يكن أحد ينتفع بهما إلّا النبط. وكان حدّ ملكهم الأنبار إلى عانات إلى كسكر وما والاها من كور دجلة. وملك آل ساسان من المدائن إلى نهر بلخ إلى السند إلى الروم إلى حد البادية.
وقال عبد الملك بن الماجشون: قلت لخالي: أخبرني عن أهل العراق.
قال: أهل العراق على عقولهم جلدة رقيقة ما لم تزل عنها فلا بأس بعقولهم. فإذا زالت كشفتهم عن الترك أجمع.
وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: اللهم بارك لنا في مكّتنا، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: يا رسول الله. وفي (؟) قال: هناك الزلازل ومن هناك يطلع قرن الشيطان.
ولما ملكت النبط الأرض خرجوا إلى الصحراء ومعهم العصيّ يلقونها إلى السماء ويقولون: قد غلبنا أهل الأرض فانزلوا يا أهل السماء حتى نقاتلكم. فبعث الله عليهم أهل ماه في أربعين ألفا فقتلوهم وملكوا بلادهم مائة عام.
وقال ابن عياش: كان آخر ملوك النبط سنحاريب وكان ملكه ثلاثمائة سنة.
وكان بعده بخت نصر. وقال غيره: كان ملكهم ثلاثة آلاف سنة. وكان قبل إبراهيم ﵇.
وإنما سموا النبط لأنهم أنبطوا الأرض أي احتفروا أنهارها الكبار.
وقال ابن الكلبي: لما هلكت عاد قيل ثمود أرم. ثم هلكت ثمود قيل لبقايا أرم: أرمان. فهم النبط الأرمانيون.
وقال بعضهم: لما سلب سليمان ﵇ ملكه، وثبت مردة الشياطين على نساء من الإنس فولدن منهم أولادا كثيرة. فلما ردّ الله عليه ملكه، شكا الناس ذلك النسل إلى سليمان. فأمر الشياطين فعملت له بساطا طويلا عريضا. ثم أمر بذلك النسل فحملوا على البساط ثم أمر العاصف من الريح فحملهم حتى ألقاهم بميسان.
وقال ابن عباس: لو كان الشيطان إنسيا لكان نبطيا
القول في مدينة السلام بغداد
قال بعض العلماء: بغداد تسمى بغداذ وبغدان. قالوا وهي تسمى مدينة السلام أيضا. فأما الزوراء فهي مدينة المنصور خاصة. وسميت مدينة السلام لأن دجلة يقال لها وادي السلام.
وقال موسى بن عبد الحميد النسائي: كنت جالسا عند عبد العزيز بن أبي دؤاد فأتاه رجل فقال: من أين أنت؟ قال من بغداد. قال: لا تقل بغداذ. فإن بغ صنم وداد عطاء. ولكن قل مدينة السلام. فإن الله هو السلام والمدائن كلّها له.
وقالوا: سميت بغداد لأن كسرى أهدي له خصي من المشرق فأقطعه بغداد.
وكان لقوم ذلك الخصي صنم بالمشرق يقال له البغ. فقال الخصي: بغداد. يعني ذلك الصنم أعطاه ذلك الموضع.
ويقال إن بغداد كانت سوما يقصدها تجار الصين بتجاراتهم فيربحون الربح الواسع. وكان اسم ملك الصين بغ. فكانوا إذا انصرفوا إلى بلادهم قالوا: بغ داد، أي ذلك الربح الذي ربحناه أعطاناه الملك.
وداد لقطة بالفارسية وهو الإعطاء.
وقال قوم: سميت مدينة السلام أرادوا أنها مدينة الله. لأن الله هو السلام المؤمن. وقد جرى لها هذا الاسم على ضرب الدنانير والدراهم وما تقع به الأشرية في الكتب ويتبايع به الناس وما يقع فيها من غلّات الطساسيج من الحنطة والشعير
وما يسمى به القفيز، فيقال قفيز مدينة السلام.
واسمها الأول الزوراء، والزوراء مدينة أبي جعفر. والناس يسمونها بغداد، والخلفاء يسمونها مدينة السلام. ومدينة بغداد بناها أبو جعفر المنصور سنة خمس وأربعين ومائة.
وقال عبيد الله بن إسحاق: بنى أبو جعفر بغداد سنة خمس وأربعين ومائة، وارتفع بناؤها سنة تسع وأربعين.
وقال إبراهيم بن الجنيد: قطن أبو جعفر بغداد سنة تسع وأربعين ومائة.
وكان أسسها قبل ذلك بسنة أو ثنتين. وكانت قديمة فمصرها وأخذ في بناء المدينة، فلما بلغه خروج محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن ﵈، ترك البناء وعاد إلى الكوفة وحوّل بيوت الأموال والخزائن إليها.
فلما انقضى أمر محمد وإبراهيم رجع فاستتم بناءها وبنى سورها القديم سنة سبع وأربعين ومائة. وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائة. وقبل ذلك بنى الرصافة في جانب الشرقي للمهدي. وكانت الرصافة تعرف بعسكر المهدي لأنه عسكر به حين شخص إلى الري. فلما قدم من الري نزل الرصافة، وذلك في سنة إحدى وخمسين ومائة.
وقد كان المنصور أمر ببناء قصر للمهدي. وهو المعروف بقصر الوضاح في الشرقية. فبني ونسب إلى الوضاح- والوضاح رجل من أهل الأنبار تولّى النفقة عليه فنسب إليه.
وبنى المنصور مسجدي مدينة السلام، وبنى القنطرة الجديدة على الصراة وابتاع أرض مدينة السلام من أرباب القرى ببادرويا وقطربل ونهر بوق ونهر بين وأقطعها إلى أهل بيته وقواده وجنده وصحابته وكتّابه، وجعل مجمع الأسواق
بالكرخ. وأمر التجار فابتنوا الحوانيت وألزمهم الغلة.
وروي أن رجلا من أهل الحيرة جاء إلى المثنى بن حارثة الشيباني فقال: ألا أدلّك على قرية يأتيها تجار من مدائن كسرى والسواد ويجتمعون بها في كل سنة يوما ومعهم من الأحوال مما لا يحد. وهذه أيام سوقهم. فإن أنت أغرت عليهم أصبت فيها مالا يكون غناء للمسلمين وتقوية على عدوهم.
قال: فأي شيء يقال لهذه القرية؟
قال: بغداد.
قال: وكم بينها وبين المدائن؟
قال: بعض يوم.
قال: وكيف لي بها؟
قال: تأخذ طريق البرّ حتى تنتهي إلى الخنافس، فإن أهل الأنبار سيصيرون إليها ويخبرون عنك فيأمنون. ثم تعرج على أهل الأنبار وتأخذهم بالأولى وتسير ليلتك من الأنبار حتى تأتيهم صبحا فتغير عليهم وهم غارون.
فخرج من أليس إلى الخنافس ثم عرّج حتى رجع إلى الأنبار. فلما أحسّه صاحبها تحصّن وهو لا يدري من هو- وذلك ليلا- فلما عرفه نزل إليه فأطمعه وخوّفه واستكتمه وقال: إني أريد أن أغير فابعث معي الأدلاء حتى أغير منها على المدائن. قال: أنا أجيء معك. قال: لا، ولكن ابعث معي من هو أدل منك. فبعث معهم الأدلاء. حتى إذا كانوا بالمنصف قال لهم المثنى: كم بيننا وبين هذه القرية؟ قالوا: أربعة فراسخ. فقال لأصحابه: من ينتدب للحرس؟ فانتدب له قوم. فقال: اذكوا حرسكم ونزل. فلما كان في آخر الليل أسرى إليهم وصبّحهم وهم في أسواقهم فوضع فيهم السيف، فقتل وأخذ ما شاء. ثم قال: يا أيها الناس! لا تأخذوا إلّا الذهب والفضة ولا تأخذوا من المتاع إلّا ما يقدر الرجل أن يحمله على دابته. وهرب أهل السوق. وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء.
ثم سار حتى وافى الأنبار وذلك في سنة ثلاث عشرة.
قال: وخرج المنصور منحدرا إلى جرجرايا ليرتاد منزلا. ثم صار إلى بغداد ومنها إلى الموصل. ثم عاد إلى موضع بغداد. فقال: هذا موضع معسكر جيد. هذه دجلة يأتينا كل ما في البحر منها، وتأتينا أيضا فيها الميرة من الجزيرة وأرمينية وما والاها. وهذا الفرات يحمل فيه متاع الشام والرقة وذلك البلد. فنزل وضرب عسكره على الصراة واختطّ المدينة ووكّل بكل ربع قائدا.
وقال سليمان بن مجالد: أفسد أهل الكوفة جند المنصور فخرج نحو الجبل يرتاد منزلا- وطريق الناس يومئذ على المدائن- فخرجنا على ساباط.
فتخلّف بعض أصحابنا لرمد أصابه. فأقام يعالج عينيه. فسأله الطبيب أين يريد أمير المؤمنين قال: يرتاد منزلا. قال: فأنّا نجد في كتاب عندنا أن رجلا يدعى مقلاصا يبنى مدينة بين الصراة ودجلة تدعى الوزراء. فإذا أسسها أتاه فتق من الحجاز فقطع بناءها وأقبل على إصلاح ذلك الفتق فإذا كاد أن يلتئم أتاه فتق آخر من البصرة هو أعظم عليه من الأول فلا يلبث الفتقان أن يلتئما. ثم يعود إلى بناءها فيتمه.
فيعمر عمرا طويلا ويبقى الملك في عقبه. قال: فأخبرت المنصور بذلك. فقال:
الله أكبر! والله هو. لقد لقبت مقلاصا وأنا صبي لخبر كان لي ثم انقطع ذلك اللقب عني.
وقال ابن عياش: لما أراد المنصور الانتقال من الهاشمية، بعث روادا يرتادون له موضعا يبني فيه مدينة، ويكون الموضع واسطا رافقا بالعامة والجند.
فنعت له موضع قريب من بارمّا. وذكر له عنه غذاء وطيب. فخرج إليه بنفسه حتى
نظر إليه وبات فيه فرآه موضعا طيبا فقال لجماعة من خاصته منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب الخوزي وعبد الملك بن حميد الكاتب: ما رأيكم في هذا الموضع؟ قالوا: هو موضع طيب موافق صالح. قال: صدقتم هو كذلك. ولكنه لا يحتمل الجند والناس. وإنما أريد موضعا ترتفق به الرعية ويوافقها ولا تغلو عليها فيه الأسعار ولا تشتد فيه المؤونة. فإني إن أقمت في موضع لا يجلب إليه في البرّ والبحر، غلت الأسعار وقلّت المادة واشتدت المؤونة وشق ذلك على الناس. وقد مررت في طريقي بموضع قد اجتمعت فيه هذه الخصال. فأنا راجع إليه وبائت فيه. فإن اجتمع لي ما أريد من طيب الليل فهو موافق لما أريده لي وللناس.
قال: فأتى موضع بغداد وعبر في موضع قصر السلام ثم صلّى العصر وذلك في صيف وحر شديد، قال: وكان في ذلك المكان بيعة. فبات أطيب مبيت وأقام يومه. فلم ير إلّا خيرا فقال هذا موضع صالح للبناء. فإن المادة تأتيه من الفرات ودجلة وجماعة الأنهار، ولا يحمل الجند والرعية إلّا مثله. فخطّ المدينة وقدّر البناء ووضع أول لبنة بيده وقال: بسم الله والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة الله.
وذكر سليمان بن مجالد أن المنصور لمّا قدم القائد الذي بعث به يرتاد منزلا- وكان من ثقاته- انصرف راجعا حتى نزل عند الدير الذي بحذاء القصر المعروف بالخالد. ثم دعا صاحب الدير وأمره بإحضار البطريق- وكان هناك بطريق مقيم وصاحب بغداد وصاحب المخرم وصاحب دير القس وصاحب العتيقة وهؤلاء تنّاء بالناحية لكل واحد منهم ضياع حول بغداد- فلما حضروا عنده سألهم عن مواضعهم وكيف هي في الحرّ والبرد والأمطار. فكل واحد منهم قال قولا يقدر ما عنده. ثم إنه وجّه رجالا من ثقاته. فبات كل واحد منهم في قرية من القرى القريبة من بغداد، فلما عادوا إليه اتفق قولهم على طيب الموضع وصحة هوائه. فقال لصاحب بغداد وهو الدهقان الذي قريته قائمة إلى اليوم في المربعة
المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي وداره قائمة على بنائها- وكان عاقلا فهما- ما الرأي عندك فيما قد عملت عليه من البناء في أحد هذه المواضع؟
فقال: يا أمير المؤمنين! سألتني عن هذه الأمكنة وطيبها، وهي كلها طيبة والاختيار إليك فيها.
فقال له المنصور: دع اختياري وأخبرني عما عندك في مكان منها.
فقال: الذي أراه يا أمير المؤمنين أن تنزل في نفس بغداد. فإنك بين أربعة طساسيج. منها طسوجان في الجانب الغربي، وطسوجان في الجانب الشرقي.
فاللذان في الغربي فهما قطربل وبادرويا. وأما اللذان في الشرقي فهما نهر بوق وكلواذى. فإن خرب منها طسوج أو تأخرت عمارته، كان الآخر عامرا. وأنت يا أمير المؤمنين على الصراة ودجلة. تجيئك الميرة من المغرب في الفرات ومن الشام ومصر وسائر تلك البلدان. وتحمل إليك طرائف الهند والصين والسند والبصرة وواسط في دجلة. وتجيئك ميرة أرمينية وآذربيجان وما يتصل بها في تامرّا. وتجيئك الميرة من الروم وآمد وميافارقين وأرزن والثغور الخزرية ومن الجزيرة والموصل وبلد ونصيبين إلى مشارق الشام في دجلة، وأنت بين الأنهار لا يصل إليك عدوك إلّا على جسر أو قنطرة. فإذا قطعت الجسر وأخربت القنطرة لم يصل إليك. وأنت بين دجلة والفرات لا يجيؤك أحد من المشرق والمغرب إلّا احتاج إلى العبور، وأنت متوسط للبصرة والكوفة وواسط والسواد.
وأنت قريب من البرّ والبحر والجبل.
فازداد المنصور رغبة في الموضع وأمر بالبناء فيه.
وقال له ذلك الدهقان: نعم يا أمير المؤمنين، وهاهنا شيء آخر. قال: وما هو؟ قال: إن المدن تحصن بالاسوار والخنادق. وقد رزقك الله سوقا وخندقا لم يعمل مثلهما لسائر مدن الشرق والغرب. قال: وما هما؟ قال: دجلة والصراة يكتنفان مدينتك من جانبيها. فقال: صدقت يا دهقان.
قال سليمان بن مجالد: ووجه المنصور في حشر الصنّاع والفعلة من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة، فأحضروا. وأمر باختيار قوم من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة. فجمعهم وتقدم إليهم أن يشرفوا على البناء وكان فيمن أحضر الحجاج بن أرطاة وأبا حنيفة. ثم أمر بخط المدينة وحضر الأساسات وضرب اللبن وطبخ الآجر، فبدئ بذلك.
وكان أول ابتدائه في عملها سنة خمس وأربعين ومائة.
وكان المنصور أراد أبا حنيفة أن يتولى له شيئا من أمرها فأبى. وأراده على القضاء فأبى أيضا. فحلف المنصور أن لا بدّ له من أن يتولاه فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل. فولّاه عدّ اللبن وأخذ الرجال بالعمل. وإنما فعل المنصور ذلك ليخرج من يمينه. فكان أبو حنيفة يتولى ذلك حتى فرغ من استتمام الحائط الذي يلي الخندق. وكان الفراغ منه سنة تسع وأربعين ومائة.
وكان أبو حنيفة أول من عدّ اللبن بالقصب.
قال: وأمر المنصور بإحكام الأساس وأن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا. وأن يكون أعلاه عشرين ذراعا وأن يجعل في البناء جرز القصب مكان الخشب. فلما بلغ السور مقدار قامة- وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة- اتصل به خروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن ﵃. فقطع البناء حتى فرغ من أمره وأمر أخيه إبراهيم بن عبد الله.
وقال جابر بن داود: كانت بغداد قديمة، وكانت في أيدي قوم من الدهاقين بعضها منسوب إلى طسوج بادرويا من الجانب الغربي. وكان الجانب الشرقي بعضه إلى طسوج نهر بوق وبعضه إلى كلواذى والفرق ما بين الطسوجين الموضع المعروف بالفارقين حتى مصّرها المنصور.
وقال علي بن يقطين: كنت في عسكر أبي جعفر حين صار إلى الصراة يلتمس موضعاً لبناء مدينته. قال: فنزل الدير الذي على الصراة في العتيقة. فما زال على دابته ذاهبا وجائيا منفردا عن الناس يفكر. قال: وكان في الدير راهب عالم فقال لي: كم يذهب هذا الملك ويجيء؟ قلت: يريد أن يبني مدينة. قال:
فما اسمه؟ قلت: عبد الله بن محمد. قال: أبو من؟ قلت: أبو جعفر. قال: يلقب بشيء؟ قلت: المنصور. قال: ليس هو الذي يبنيها. قلت: ولم؟ قال: لأنّا قد وجدنا في كتاب عندنا نتوارثه قرنا عن قرن، الذي يبني مدينة في هذا المكان يقال له مقلاص. قال: فركبت من وقتي حتى تقدمت منه فقال: ما وراءك؟ قلت: خبر ألقيه إليك وأريحك هذا العناء. قال: وما هو؟ قلت: أمير المؤمنين يعلم أن هؤلاء الرهبان معهم علم، وقد أخبرني راهب هذا الدير بكيت وكيت. فلما ذكرت مقلاصا ضحك واستبشر ونزل عن دابته فسجد وأخذ سوطه فأقبل يذرع به. فقلت في نفسي لحقه اللجاج. ثم دعا المهندسين من وقته فأمرهم بخطّ الرماد. فقلت له: أظنك يا أمير المؤمنين أردت معاندة الراهب وتكذيبه. فقال: لا والله ولكني كنت ملقبا بمقلاص، وما ظننت أن أحدا عرف ذلك غيري. فاسمع حديثي بسبب هذا اللقب: كنا بناحية الشراة في زمان بني أمية على الحال التي تعلم.
فكنت ومن كان في مقدار سنّي من عمومتي واخوتي نتداعى ونتعاشر، فبلغت النوبة إليّ يوما من الأيام وما أملك درهما واحدا فما سواه، فلم أزل أفكر وأعمل الحيلة إلى أن أصبت غزلا لداية كانت لي فسرقته ثم وجهت به فبيع واشتري بثمنه ما احتجت إليه وجئت إلى الداية فقلت لها: افعلي كذا واصنعي كذا. قالت: ومن أين لك ما أرى؟ قلت: اقترضت دراهم من بعض أهلي. ففعلت ما أمرتها به. فلما فرغنا من الأكل جلسنا للحديث، طلبت الغزل فلم تجده، فعلمت أني صاحبه.
وكان في تلك الناحية لصّ يقال له مقلاص شهر بالسرقة. فجاءت إلى باب البيت الذي كنا فيه فدعتني فلم أخرج إليها لعلمي أنها قد وقفت على ما عملت. فلما ألحت وأنا لا أخرج قالت: اخرج يا مقلاص! الناس يتحرزون من مقلاصهم ومقلاصي معي في البيت. فمزح معي اخوتي وعمومتي بهذا اللقب ساعة. ثم لم
أسمع به إلّا منك الساعة، وقلت إن الراهب قال لك ذلك. فعلمت أن أمر هذه المدينة سيتم عليّ لصحة ما وقفت عليه.
قال الشروي: أخبرني بعض المشايخ الموالي أن المنصور لما أراد بناء بغداد وسط المكان الذي قدر أن يجعله مدينة وأمر أن يوتد هنالك وتد وأخذ حبلا فمدّه على المقدار الذي أدار أن تكون استدارتها ثم أمر بطرح الرماد فطرح ثم نقص من مقداره أربعين ذراعا. ثم أراد خطا آخر وجعل من الخطين الخندق. وجعل فتحة أربعين ذراعا ثم عمل السور الذي خلف الفصيل وعرضه من أسفله ثمانية عشر ذراعا، وعرض أعلاه ثمانية أذرع. وجعل على ذراع منه مما يلي الخندق الشرافات فصار الباقي خمسة أذرع يمشي عليها الناس.
قال حماد التركي: بنى المنصور المدينة مدورة. لأن المدورة لها معان ليست للمربعة، وذلك أن المربعة إذا كان الملك في وسطها كان بعضها أقرب إليه من بعض. والمدورة من حيث مسحت كان أمرها إلى وسطها مستويا لا يزيد بعضه على بعض. وبنى لها أربعة أبواب فكان إذا جاءها الجائي من المشرق، دخل من باب خراسان. وإذا جاءها من الحجاز، دخل من باب الكوفة، وإذا جاء من المغرب، دخل من باب الشام، وإذا جاء من فارس والأهواز والبصرة وواسط واليمامة والبحرين وعمان، دخل من باب البصرة.
وعمل لها سورين وفصيلين، بين كل باب فصيلان، والسور الداخل أطول من الخارج. وأمر أن لا يبني إنسان تحت السور شيئا من المنازل. وأمر أن يبنى في الفصيل الثاني مع السور المنازل، لأن ذلك أحصن للسور. ثم بنى قصره في وسطها، وبنى المسجد الجامع مع القصر وعمل الشوارع على ما أراد، وأقطعها القوّاد وأنزل فيها خاصته وأهل ثقته. وجعل الطول من باب خراسان إلى باب الكوفة ثمانمائة ذراع. ومن باب الشام إلى باب البصرة ستمائة ذراع. وعدد الطاقات في السور الكبير ثلاثة وخمسون طاقا سوى الطاق المفتوح. هذا في كل صف. والطاقات الصغار التي تلي الرحبة في كل صف ست طاقات سوى طاقي
البابين. وساحة القصر أربعمائة ذراع في مثلها. وساحة المسجد الجامع مائتا ذراع في مثلها.
والذي خط المسجد الحجاج بن أرطاة وجعل حوالي القصر والمسجد رحابا على تربيع القصر والجامع. وجعل الأبواب الداخلة مزواة ليست على سمت الأبواب الخارجة. فلذلك سميت الزوراء. وبين القصر وبين كل باب من الأبواب مساحة قائمة لا يزيد بعضها على بعض. وكذلك بينه وبين كل ناحية من السور وأساطين الخشب التي في المسجد الجامع كل أسطوانة قطعتين بعقبتين والغرى وضبات الحديد إلّا خمسة أو ستة عند الشنال الذي يلي المنارة ثمان في كل واحدة عدة قطع معقبة محكمة.
وقال بعض أهل بغداد: هدمنا قطعة من السور الذي يلي باب المحول فوجدنا لبنة عليها مكتوب بمغرة: وزنها مائة وسبعة عشر رطلا فوزنّاها فوجدنا ذلك كما كتب عليها.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع