من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
مجلس الكوفيين والبصريين عند المأمون (٣)
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: لما أراد المنصور بناء مدينته شاور أصحابه في ذلك، وكان فيمن شاوره خالد بن برمك فأشار عليه ببنائها. فلما عمل منها صدرا صالحا احتاج إلى الآجر، فعزم على نقض إيوان كسرى الذي بالمدائن.
فاستشار في ذلك أيضا فأشار عليه جماعة خواصه أن يفعل. وكان فيهم خالد بن برمك فلم يقل شيئا فقال له: لم لا تكلم يا خالد وتشير بما عندك؟ قال: لا أرى ذلك يا أمير المؤمنين. قال: ولم؟ قال: لأنه علم من أعلام الإسلام يستدل به الناظر والوافد والملوك على عظم شأن أربابه وعن سلطانهم، وان الإسلام قهرهم وأزالهم عنه. وأيضا فإن فيه مسجدا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، قال: هيهات يا خالد! أبيت إلّا التعصب لأصحابك والميل إليهم. وأمر
بنقضه ونقض ما حوله من الأبنية. قال: فنقض شيء من ذلك وحمل آجره إلى بغداد فوجدوا أن النفقة على هدمه وحمله ومؤونته أكثر مما ينفق على الآجر الجديد إذا عمل. فرفع ذلك إلى المنصور فأمر بتركه وأحضر خالدا فعرّفه الخبر وقال له ما عندك في هذا؟ فقال: قد كنت أشرت على أمير المؤمنين أن لا تعرض لشيء من نقضه فلم يفعل، فأما الآن وقد ابتدأ بذلك فما أرى أن يكف عنه حتى يلحقه بقواعده لئلا يقال إنه عجز عن هدم ما بناه غيره. والهدم أيسر من البناء.
فتبسم المنصور وأمر بترك ذلك.
قال: وأمر المنصور أن تجعل الأسواق في طاقات المدينة إزاء كل باب سوقا. فلم تزل على ذلك مدة حتى قدم عليه بطريق من الروم وافدا من عند الملك فأمر الربيع أن يطوف به المدينة حتى ينظر إليها ويتأملها ويرى سورها وأبوابها وما حولها من العمارة ويصعد السور حتى يمشي عليه من أوله إلى آخره، ويريه قباب الأبواب والطاقات وجميع ذلك. ففعل الربيع ما أمره به. فلما دخل إلى المنصور قال له: كيف رأيت مدينتي؟ قال: رأيت حسنا ومدينة حصينة إلّا أن أعداءك معك فيها. قال: ومن هم؟ قال: السوقة، يوافي الجاسوس من بعض الأطراف فيدخل لعلة ما يشتري فيتجسس الأخبار ويعرف ما يريد وينصرف من غير أن يعلم به. فسكت المنصور. فلما انصرف البطريق أمر بإخراج السوقة من المدينة وتقدم إلى إبراهيم بن الحبيش الكوفي وخراش بن المسيب اليمامي بذلك.
وأمرهما أن يبنيا الأسواق ناحية الكرخ ويجعلاها صفوفا، لكل سوق صف، وأن يدفعوها إلى الناس، فلما فرغا من ذلك، حوّل السوق من طاقات المدينة ووضع عليهم الغلة على قدر الذرع. فلما كثر الناس ضاقت عليه. فقالوا لإبراهيم بن حبيش وخراش: قد ضاقت علينا هذه الصفوف ونحن نتسع. وتبني لنا أسواقا من أموالنا ونؤدي عنها الأجرة. فأجيبوا إلى ذلك، فاتسعوا في البناء والأسواق.
وقال الشروي: بل كان سبب إخراج الأسواق عنها أن المنصور حين استتم
البناء، دعا إليه رسل الملوك الذين كانوا على بابه فقال: كيف ترون مدينتي هذه؟
فقالوا: ما رأينا أحسن تقديرا ولا أحكم بناء ولا أحصن أسوارا منها. فقال: هل ترون فيها عيبا؟ فقال أحدهم: نعم. سوقها في جوفها والجواسيس لا ينكر عليهم مخالطة السوقة ومبايعتهم. وقال آخر: ومن عيوبها أيضا أنه ليس لها نهر يخترقها.
وقال آخر: ومن ذلك أنه لا مقبرة لها ولا ميدان فيها.
فأمر المنصور فعمل لها دولاب أجري ماؤه إلى القصر، فكان يخترقها حتى يوافي القصر، وقال هذا يقوم مقام النهر. فلم يزل ساج ذلك النهر والدولاب يصب فيه إلى أيام محمد بن عبد الله بن طاهر ثم قلع وعطّل.
قال: وأمر بإخراج السوق إلى ناحية الكرخ وباب الشعير وقطيعة الربيع وما قرب من ذلك. وعمل ميدانا في الرحبة لقواده وخاصته. وعمل المقبرة المعروفة بمقبرة قريش، وذلك في سنة تسع وخمسين ومائة. وفي هذه السنة بنى قصره الذي يشرع إلى دجلة وسماه الخلد. وأمر بعقد الجسر عند باب الشعير، وجعل النفقة لذلك على يدي حميد بن القاسم الصيرفي.
قال: وكان فراغ المنصور من بناء مدينة السلام ونزوله إياها ونقل الخزائن والدواوين وبيوت الأموال إليها، سنة ست وأربعين ومائة. وكان استتمامه لبناء السور والفراغ من الخندق وأحكام جميع أمر المدينة سنة تسع وأربعين ومائة. ثم شخص في هذه السنة إلى حديثة الموصل لأمر أراده ثم انصرف.
وقال الشروي: لما قدم المهدي من الري وفد إليه أهل الكوفة وأهل الشام وغيرهم من وجوه الناس فهنؤه بمقدمه ولقوا المنصور فهنؤه أيضا، فأمر المهدي لعامتهم بالجوائز والخلع والحملان.
وقد كان المنصور أمره أن يقيم في الجانب الشرقي من مدينة السلام وأمره ببناء الرصافة، وأن يعمل بها سورا وخندقا وبستانا. فابتدأ بعمل ذلك وجعل النهر مخترقا لها حتى يدخل المسجد الجامع. فكان الناس يشربون منه يوم الجمعة.
وقدّر شوارعها، فلم تكن في الإحكام والاستواء مثل شوارع الجانب الغربي.
وقال يحيى بن الحسين: كان بناء المهدي كله بالرهوص إلّا ما كان يسكنه هو. وكذلك كان بناء موسى الهادي بعده. وكان استتمام بناء المهدي الرصافة والجامع سنة تسع وخمسين ومائة.
وخرج المنصور بعد قدوم المهدي من الري بشهور إلى البردان ليعرض الجند ويسقط من لم يكن من أهل خراسان، فأحكم ما أراد من ذلك وعاد إلى بغداد.
وقال عيسى بن المنصور: وجدت في بعض خزائن أبي مبلغ النفقة على مدينة السلام والمسجد الجامع وقصر الذهب والأسواق والفصلان والخنادق والقباب والأبواب، فكان جميع ذلك أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة وثمانون درهما، يكون من الفلوس مائة ألف وثلاثة وعشرين ألف فليس. وذلك أن الأستاذ من البنائين كان يعمل يومه بقيراط [إلى خمس حبّات] والروزجاري بحبتين إلى ثلاث حبّات.
وقال أبو سهل بن نوبخت عند جده نوبخت قال: أمرني المنصور لما أراد بناء بغداد بأخذ الطالع ففعلت، فإذا الطالع الشمس وهي في القوس. فخبرته بما تدل النجوم عليه من طول بقائها وكثرة عمارتها وفقر الناس إلى ما فيها. ثم قلت:
وخلّة أخرى أسرك بها يا أمير المؤمنين. قال: وما هي؟ قلت: نجد في أدلة النجوم أنه لا يموت فيها خليفة أبدا حتف أنفه. قال: فتبسّم ثم قال: الحمد لله، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ولذلك يقول الشاعر:
أعاينت في طول من الأرض والعرضكبغداد من دار بها مسكن الخفض
صفا العيش في بغداد واخضرّ عودهوعيش سواها غير صاف ولا غضّ
تطول بها الأعمار انّ غداءهامريء. وبعض الأرض أمرا من بعض
[قضى ربّها أن لا يموت خليفةبها، إنه ما شاء في خلقه يقضي]
تنام بها عين الغريب ولا ترىغريبا بأرض الشام يطمع في الغمض
فإن جزيت بغداد منهم بقرضهافما أسلفت إلّا الجميل من القرض
وإن رميت بالهجر منهم وبالقلىفما أصبحت أهلا لهجر ولا بغض
وكان تحول المنصور من الهاشمية إلى بغداد والابتداء ببنائها سنة خمس وأربعين ومائة. وذلك في اليوم العاشر من مرداذماه سنة إحدى وثلاثين ومائة ليزدجرد. وآخر يوم من تموز سنة ألف وثلاثمائة وسبعين للإسكندر. والشمس يومئذ في الأسد ثمان درجات وعشر دقائق وزحل في الحمل درجة وأربعين دقيقة. والمشتري في القوس ست درجات. والزهرة في الجوزاء ثلاثين درجة. وعطارد في الجوزاء أربع وعشرين درجة. والراس في الجدي خمسا وعشرين درجة.
قال: ووكل بالبناء قواده فقسمها بينهم أرباعا فدفع إلى الربيع الحاجب باب خراسان، وإلى أبي أيوب الخوزي وزيره باب الكوفة، وإلى عبد الملك بن حميد باب البصرة، وإلى ابن رغبان مولى محمد بن مسلمة الفهري باب الشام فبنوها.
قال: وعلى المدينة ثمانية [أبواب]، خمسة منها كانت على مدينة في ظهر واسط يقال لها الزندروذ يقال إن الجن بنتها لسليمان بن داود ﵇. وان الأبواب من عمل الشياطين له أيضا. فنقلها المنصور من هذه المدينة إلى بغداد لمّا بناها وهي الأربعة الأبواب الداخلة من كل باب. ومنها باب البصرة الخارج، والباب الخارج من باب خراسان، حمل من الشام، يقال إنه من عمل الفراعنة،
وهو أقصرها. وباب الكوفة الخارج باب قصر خالد بن عبد الله القسري حمل من الكوفة. وباب الشام الخارج عمل للمنصور ببغداد وهو أضعفها. وكانت الحربية أيام فتنة الحسن بن سهل قبل دخول المأمون إلى بغداد أحرقوه فسقط أحد المصراعين وانصدع فضبّ من جانبيه.
وقيل لرجل: كيف رأيت بغداد؟ قال: الأرض كلها بادية وبغداد حاضرتها.
وحدث أحمد بن حميد بن جبلة قال: حدثني أبي عن جدي جبلة، قال:
كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديين يقال لها المباركة. فلما أخذها المنصور عوضهم منها عوضا رضوا به. فأخذ جدي من ذلك حصته.
قال: وكان شارع باب الأنبار لأهل قرية بباب الشام يسمون الترابية.
قال: وقال حماد التركي: كان حول مدينة أبي جعفر قبل بنائها قرى فكان إلى جانب باب الشام قرية يقال لها أخطانية على باب درب النورة إلى درب الأقفاص. وكان بعض نخلها في نفس شارع باب الشام. فلم يزل إلى أن قلع في أيام فتنة المخلوع وكانت هذه القرية التي يقال لها أخطانية لقوم من الدهاقين يقال لهم بنو فروة، وبنو قنورا، منهم مالك بن دينار ويعقوب بن سليمان.
وحدث أبو جعفر محمد بن موسى بن الفرات أن القرية التي في مربعة أبي العباس الطوسي، كانت قرية جده من قبل أمه وأنهم من دهاقين يقال لهم بنو زراري، وكانت القرية يقال لها الوردانية. وقرية أخرى قائمة إلى اليوم مما يلي مربعة أبي قرة يقال لها سرقانية ولها نخل قائم إلى اليوم مما يلي قنطرة أبي
الجوز. وأبو الجوز هذا من دهاقين بغداد من أهل هذه القرية والقنطرة منسوبة إليه.
وكانت قطيعة الربيع مزارع لناس من أهل قرية يقال لها ماوري من رستاق الفروستج من بادرويا واسمها إلى اليوم معروف في الديوان.
وكان موضع بركة زلزل وما والاها إلى ناحية مسجد الأنبار بين مزارع. وكان النهر الذي يسقي هذه المزارع في موضع باب طاق الحراني إلى باب الكرخ.
وذكر بعض المشايخ قال: رأيت عند باب قطيعة الربيع قبل بنائها كرما ومعصرة. وهو المكان الذي بني به خان الطيالسة والحوانيت التي يباع فيها الكاغذ الخراساني.
وقال محمد بن موسى بن الفرات الكاتب: سمعت جدي يقول: كنت في ديواني يوما، فدخل إليّ رجل من دهاقين بادوريا له قدر، فرأيته مخرّق الطيلسان.
فقلت من خرق طيلسانك؟ فقال: خرق والله في زحمة الناس وتضاغطهم في موضع طالما طردت فيه الظباء والأرانب. قلت: وأين هو؟ قال: الكرخ.
وذكر رجل من ولد الربيع الحاجب عن أبيه أن المنصور أقطع الربيع القطيعة التي يسكنها التجار اليوم وقطيعة الحربي بين السورين في ظهر درب جميل. وأن التجار وغيرهم من مجاوريها اغتصبوا ولد الربيع عليها.
وسويقة غالب وقطيعة الربيع كانتا في القديم قرية تدعى ورثالا. ويقال إن قطيعة الربيع الخارجة إنما كانت إقطاعا من المهدي للربيع. وإنما أقطعه المنصور القطيعة الداخلة. وقيل إن الذي خارج القطيعة من أصحاب اللبود، ودرب الطيالس إلى التوثة إلى درب الدمشقيين وما وراء ذلك إلى حدود دجلة والعتيقة من ورثالا أيضا.
والنهر المعروف بنهر القلّائين غربيه من ورثالا وشرقيه من نهر طابق. ونهر طابق إنما هو نهر بابك، منسوب إلى بابك بن بهرام من بابك، وهو قديم، وبابك هذا هو الذي اتخذ الصقر الذي عليه قصر عيسى بن علي واحتفر هذا النهر. وما كان وراء هذا النهر فهو من رستاق الكرخ. وباب الكرخ منسوب إلى هذا الرستاق لأنه الطريق إليه. ونهر عيسى غريبه من الفروستج، وشرقيه من رستاق الكرخ وفيه دور المعبدين.
وقنطرة بني زريق ودار البطيخ ودار القطن وقطيعة النصارى إلى قنطرة الشوك من نهر طابق، وشرقيه وغربيه من قرية ماورى.
ومسجد الواسطيين مع الموضع المعروف بظله ميشويه.- وميشويه رجل من الدهاقين نصراني- إلى أن يخرج إلى الخندق المعروف بخندق الصينيات من باب المحول إلى الياسرية.
وما كان من غربي الشارع فهو من مزارع كانت منسوية إلى القرية المعروفة ببراثا.
وما كان من شرقيها فمن رستاق الفروستج. وما كان من درب الحجارة وقنطرة العباس شرقيا وغريبا فهو من نهر كرخايا من قرية براثا. وإنما سمي نهر كرخايا لأنه كان يسقي رستاق الفروستج والكرخ. فلما أحدث عيسى بن علي الرحى المعروفة برحى أم جعفر، قطع نهر كرخايا وجعل سقي رستاق الكرخ من نهر رفيل.
وما كان على الصراة من شرقيها فهو من بادرويا وما كان من غربيها فهو من طسوج قطربل.
قال: ومن حدّ قنطرة الجديدة وشارع طاق الحراني إلى شارع باب الكرخ، منسوب إلى القرية المعروفة للعامة مقبرة باب حرب، ثم مقابر المسيّب ثم مقابر باب التبن ثم مقابر الكناسة ثم المقابر التي تلى باب الكوفة.
وأقطع المنصور قواده في أرباض المدينة شوارع تنسب إليهم. فأول ذلك
مما يلي السور من الجانب الغربي ربض حرب بن عبد الملك البلخي، وكان يتولى شرطة جعفر بن أبي جعفر، وجعفر إذ ذاك يتقلّد الموصل. وإليه تنسب الحربية.
وقتل في سنة سبع وأربعين ومائة. قتلته الترك.
ويتصل بربض حرب، ربض ينسب إلى المراوزة ثم ربض الترجمان بن صالح. ثم ربض ينسب إلى عتيك بن هلال الفارسي، وله في الدولة آثار وأخبار، وله في المدينة أيضا درب ينسب إليه.
ثم مربعة أبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي. وكان من النقباء السبعين.
ثم يتصل بمربعة أبي العباس الشارع المتصل بباب الشام.
ثم مربعة شبيب بن وأج [المروروذي]. وعن يسارها اقطاع أبي العباس الطوسي وربضه وغلاته ومستقر اقطاعه. وعن يمينها السوق النافذة إلى درب الرؤاسيين والشارع النافذ إلى بستان القس. وهذا البستان قبل أن تبنى بغداد.
ثم المعطف إلى باب الكوفة. وعن يمين هذا المعطف باب الكوفة والسوق المنسوبة إلى عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد الإمام. والمقابر الشارعة بين الطريقين لأهل المدينة.
وهناك الربض المنسوب إلى زهير بن المسيب الضبي، وهو النافذ إلى طريق الأنبار.
وقال محمد بن عطاء الشاني: اقطاع زهير بن المسيب في شارع باب الكوفة ما بين حدّ دار الكندي إلى حدّ سويقة عبد الوهاب بن إبراهيم إلى داخل المقابر.
واقطاع القحاطبة من شارع باب الكوفة إلى باب الشام.
وجهار سوق الهيثم منسوب إلى الهيثم بن معاوية، بعض قواد الخراسانية وممن أقطعه المنصور في الشارع المعروف بدور الصحابة، أبو بكر الهذلي، وله درب هناك ومسجد منسوب إليه.
وقال أحمد بن الهيثم بن فراس: كانت دار البطيخ قبل أن ينقل إلى الكرخ في درب يعرف بدرب الأساكفة، وإلى جانبه درب يعرف بدرب الخير. فنقلت من هذا المكان إلى موضعها بالكرخ في أيام المهدي. ودخلت هذه الدروب فيما بعد في الدور التي ابتاعها أحمد بن محمد الطائي وجعلها دورا له ولحاشيته واصطبلات.
وكانت القطائع التي من جانب الصراة مما يلي باب المحول، منها قطيعة لعقبة بن جعفر بن محمد بن الأشعث.
ثم سويقة أبي الورد وهو عمر بن المطرف الخراساني المروزي، وكان يلي المظالم للمهدي وينظر في القصص التي تلقى في البيت الذي سماه بيت العدل في مسجد الرصافة.
ويتصل بسويقة أبي الورد مما يلي الدار المنسوبة إلى الجلودي، قطيعة إسحاق الأزرق الشروي مولى محمد بن علي. وهي عن يمين هذه القطيعة.
وعن يسار سويقة أبي الورد، البركة المنسوبة إلى زلزل الضارب. وكان من كرام الناس في أيام المهدي والهادي والرشيد. وكان في موضع البركة قرية يقال لها شال قنيا إلى قصر الوضاح. وكان زلزل غلاما لعيسى بن جعفر بن المنصور، فحفر هذه البركة وجعلها وقفا على المسلمين.
وقصر الوضاح بناه المنصور للمهدي قبل الرصافة. والمسجد الذي يعرف بالشرقية، والشرقية أيضا قرية قديمة كانت تسمى بهذا الاسم وكذلك العتيقة وهي كسروية.
والوضاح الذي ينسب إليه القصر المعروف بقصر الوضاح، رجل من أهل الأنبار تولى النفقة عليه فنسب إليه. وقد قيل إن الوضاح رجل من موالي المنصور.
قال: والمنصور الذي بنى القنطرة المعروفة بالجديدة على الصراة مما يلي دور الصحابة وباب الطاق الحراني. قال: والحراني هو إبراهيم بن ذكوان بن الفضل الحراني مولى المنصور. قال: وكان لذكوان أخ يقال له الفضل أعتقه
مروان بن محمد، وأعتق ذكوان علي بن عبد الله.
قال: وكان باب الشعير في القديم مرفأ للسفن التي توافي من الموصل والبصرة. وكان موضع مسجد ابن رغبان مزبلة.
وذكر بعض مشايخ الدهاقين قال: اجتاز بي رجل وأنا عند المزبلة التي صارت مسجد ابن رغبان، وذلك قبل أن تبنى بغداد فوقف عليها ونظر إليها وقال: ليأتين على الناس زمان من طرح في هذا الموضع شيئا فأحسن أحواله أن يحمل إياه في ثوبه. فضحكت تعجبا من قوله. فما مضت الأيام حتى رأيت الأمر على ما قال.
قال: وكان موضع الخلد ديرا فيه راهب. وإنما اختار المنصور نزوله وبناء قصره فيه لقلة البق. وكان عذبا طيب الهواء.
وكان موضع الحبس وما والاه إقطاعا لعبد الله بن الخزاعي ثم صار بعد ذلك في أيام الرشيد لمحمد بن يحيى بن خالد. ثم صار جميع ذلك لأم جعفر في أيام الرشيد وأيام الأمين.
والمسجد الكبير قبالة الحبس مما يلي السجن الجديد، مسجد عبد الله بن مالك.
ثم ابتنت أم جعفر في أيام الأمين القصر المعروف بالفزار وهو القصر الذي أقطعه المتوكل لمحمد بن عبد الله بن طاهر. فأقطعه محمد جماعة من أصحابه وفي قطيعة أم جعفر الزبيدية المنسوبة إليها كان ينزلها مواليها وحاشيتها.
ثم يلي الحبس درب سليمان بن أبي جعفر وهو منسوب إليه وفيه كانت داره.
ثم أقطع المنصور قوما من أهل خراسان يعرفون بالبغيين، وهم ممن كان في الدولة. وأصلهم من قرية من قرى مروالرود تعرف ببغ، الموضع المعروف
بالبغيين. وهذا الموضع أول الدرب المعروف بسوار مما يلي دجلة إلى آخر ربض البرجلانية.
ثم قطيعة زهير بن محمد وأصحابه إلى جانب القطيعة المعروفة بأبي النجم وهو أحد قواد المنصور، وأصله من خراسان، وكانت أم سلمة بنت أبي النجم هذا عند أبي مسلم صاحب الدولة.
ويتصل بهذه القطيعة الزهيرية مما يلي باب التبن، وهو ربض يعرف بأصحاب زهير بن محمد قائد من أهل أبيورد، ومع حدّ سور بغداد إلى باب قطربل وهو الباب المعروف بالباب الصغير. وزهير صاحب هذه القطيعة أزدي من عرب خراسان.
ويتصل بالزهيرية ربض أبي النجم. ووراء ذلك الخندق الذي عليه القنطرة النافذة إلى قطيعة أم جعفر. ويتصل بالقطيعة دار إسحاق بن إبراهيم، وكانت جزيرة فأقطعها المأمون إسحاق. فأولها يتصل بدار البطيخ وآخرها بمقابر باب التبن.
ويتصل بباب التبن ربض ينسب إلى أبي حنيفة أحد قواد المنصور. ثم تتصل به مربعة الفضل بن سليمان المعروف بالطوسي وهو من أهل أبيورد. وكان مخرجه في الدولة من طوس فعرف بالطوسي وكان على شرط المنصور.
ثم ربض عثمان بن سهيل وكان على حرس المنصور.
ثم تخرج من مربعة أبي العباس إلى مربعة الفرس وربضهم. وهؤلاء قوم من الفرس أقطعهم المنصور هذه الناحية فنسبت إليهم.
ويتصل بربض الفرس، ربض الخوارزمية وهم من جند المنصور. وفي شارعهم درب يعرف بدرب النجارية.
ثم ربض عمرو بن اسفندياذ.
ثم ربض رشيد. ورشيد مولى المنصور، وهو أبو داود بن رشيد المحدث مولى المنصور.
ويتلوه ربض يعرف بسعيد بن حميد وهو نافذ إلى [ان] يخرج إلى طاق مناس.
ويتلوه ربض سعيد بن المسيب المعروف بطاق أبي علي.
وفي طرف ربض زهير قطائع تعرف بالموالي. وهم موالي أم جعفر.
ويتصل بها ربض سليمان بن مجالد مولى المنصور. وقد ولي للمنصور.
والمهدي ولايات.
ويتصل به ربض حمزة بن مالك بن هيثم الخزاعي.
ثم ربض زرّاد بن سنان وكان أحد قواد المنصور.
وسويقة الهيثم بن شعبة بن ظفير مولى المنصور.
وقال بعض العلماء بأمور بغداد: المنائر التي في شارع الأنبار بناها كلها طاهر بن الحسين. وذلك أنه كان حصاره الأمين كلما بلغ إلى موضع من ذلك الشارع بني فيه مسجدا أو منارة.
ثم يليه ربض حميد بن قحطبة الطائي. وكان أحد النقباء.
ثم ربض نصر بن عبد الله وهو الشارع النافذ إلى دجيل من شارع باب الشام إلى درب السقائين.
وعن يمينه قطائع قوم يعرفون بالسرخسية. وفي قطيعتهم طاقات الروندي، وهو أحد الشيعة من السرخسية واسمه محمد بن الحسن. وكان صهرا لعلي بن عيسى بن ماهان على أخته.
وفي الشارع المنسوب إلى أبي حنيفة، دار عمارة بن حمزة، وكان أحد البلغاء. وهو من ولد أبي لبابة مولى رسول الله ﷺ. ودار عمارة إقطاع من
المنصور. وكانت من قبل أن تبنى بغداد بستانا لبعض [ال] ملوك. ويتصل بها ربض أبي حنيفة.
ثم ربض إبراهيم بن عثمان بن نهيك. وهو ما بين دار عمارة ومقابر قريش.
ثم طاقات العكي في الشارع النافذ إلى مربعة شبيب بن وأج في ربض يعرف بربض الحرس. والعكي اسمه مقاتل بن حكيم وأصله من الشام ومخرجه من خراسان من مرو. وهو من السبعين. وله قطيعة في المدينة بين باب البصرة وباب الكوفة ودرب ينسب إليه إلى اليوم. ويقال إن أول طاقات بنيت في الربض ببغداد، طاقات العكي، ثم طاقات الغطريف. وهو الغطريف بن عطاء، وكان أخا الخيزران خال موسى الهادي والرشيد. ثم طاقات أبي سويد، واسمه الجارود مما يلي مقابر باب الشام وقطيعته وربضه هناك.
ويتصل به ربض العلاء بن موسى الجوزجاني مما يلي الدرب المعروف بأبي حية وهو الشارع النافذ إلى درب السقائين.
ثم ربض أبي نعيم موسى صبيح من أهل مرو، من قواد المنصور. وفيه الموضع [الذي] يقال [له] شيرويه. وشيرويه مجوسي من دهاقين بغداد القدماء.
وربض أبي عون في شارع دار الرقيق، واسمه عبد الملك بن زيد، في الدرب النافذ إلى دار عبد الله بن طاهر. وكان أبو عون من موالي المنصور وكان يتولى له مصر ثم عزل عنها.
وقصر عبدويه مما يلي براثا، منسوب إلى عبدويه الأزدي. وهو من وجوه رجال الدولة. وإنما كان المهدي صيّر إليه النفقة على هذا القصر فنسب إليه.
وقصر هاني منسوب إلى هاني بن بشير، وكان يتولى للمهدي ديوان الخراج.
والرهينية كانت قطائع لقوم أخذوا رهينة من بعض البلدان في أيام المنصور، فلم يزالوا بها إلى أيام الرشيد، ثم خرجوا مع طاهر بن الحسين إلى خراسان في أيام المأمون فلم يبق منهم أحد وخربت منازلهم إلى اليوم.
والرهينية متصلة بربض نوح بن فرقد، أحد قواد المنصور. وهو في طرف بغداد مما يلي مسجد طاهر الذي بناه هناك إياك فتنة الأمين.
وصحراء قيراط منسوبة إلى قيراط مولى طاهر بن الحسين.- وكان عيسى وقيراط من أشراف الموالي- وله هناك مسجد يعرف به.
ودويرة مبارك مما يلي شارع باب الأنبار. ومبارك من موالي المنصور.
وهناك ربض يعرف بالخوارزمية.
وفي طريق باب الأنبار، ربض سعيد بن حميد بن دعلج. وكان سعيد يتولى شرط المنصور سنة ست وخمسين ومائة. وتولى البصرة بعد ذلك.
وفي طرف باب الأنبار، منارة الحكم. وهو الحكم بن ميمون مولى عامر بن دلجة أحد بني السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة وعامر بن دلجة ويحيى أخوهما عرقبا جمل عائشة بالبصرة فهانت الحرب.
والعباسية منسوبة إلى عباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. وكان بعض القواد يذكرها ويقول: عزمي أن استقطعها من أمير المؤمنين. ثم قدم العباس على المنصور فاستقطعها منه فأقطعه إياها وجعل مؤدى خراجها بمصر. فاتخذ بها العباس زنجا كانوا ينسبون إليه فيقال زنج العباس. وهو أول من زرع فيها الباقليّ.
وكان باقلّاؤها نهاية، فقال: الباقلي العباسي. وكانت تدعى جزيرة العباس لأنها بين الصراتين. ومن أجل باقلائها وجودته صار الباقليّ الرطب في كل موضع يقال له العباسي.
وقال رجل من ولد عمارة بن حمزة: كانت دار عمارة ورحبته ضيقة فأراد أن يستقطع العباسية منه. فسبقه العباس بن محمد فاستقطعها فأقطعه إياها.
ويروى أيضا أن موسى بن كعب- وكان من أجل قواد المنصور- كان ضيق الدار والرحبة. فزاره العباس بن محمد. فلما نظر إلى ضيق منزله قال:
ما لمنزلك في نهاية الضيق والناس في سعة؟ قال: ندمت وقد أقطع أمير المؤمنين الناس منازلهم. وعزمي أن أستقطعه هذه الرحبة التي بين يدي المدينة- يعني
العباسية-. فسكت العباس وانصرف من عنده إلى المنصور وقال يا أمير المؤمنين! تقطعني هذه الرحبة التي بين يدي مدينتك. قال: قد فعلت. فانصرف ومعه التوقيع بإقطاعها.
وصار موسى بعد خروجه إلى المنصور، فأعلمه ضيق منزله، وأنه لا قطيعة له وسأله أن يقطعه إياها. فقال له: هل شاورت فيها أحدا قبل أن تسألني؟ قال:
لا. إلّا أن العباس بن محمد كان عندي اتفاقا. فأعلمته أني أريد استقطاعها منك.
فتبسم المنصور وقال قد سبقك واستقطعني إياها فأجبته إلى ذلك فأمسك عنها موسى بن كعب ولم يذكرها.
وذكر بعض المشيخة قال: رأيت السجلّ بإقطاع العباس وفيه: إنك سألت أمير المؤمنين إقطاعك الساحة التي كانت مضربا للبن مدينة السلام، فأقطعكما أمير المؤمنين على ما سألت وضمنت.
وقصر عيسى منسوب إلى عيسى بن علي بن عبد الله وهو أول قصر بناه الهاشميون ببغداذ في أيام المنصور.
وروي أن المنصور زار عيسى بن علي ومعه أربعة آلاف رجل من الجند فتغدى عنده وجميع خاصته، ودفع إلى كل رجل من الجند زنبيل فيه خبز وربع جدي ودجاجة وبيض ولحم بارد وحلوى. فانصرفوا كلهم مسمطين ذلك. فلما أراد المنصور أن ينصرف قال لعيسى: يا أبا العباس لي حاجة. قال: ما هي يا أمير المؤمنين، فأمرك طاعة؟ قال: تهب لي هذا القصر. قال: ما بي ظنّ عنك به، ولكن أكره أن يقول الناس: إن أمير المؤمنين زار عمه فأخرجه من قصره وشرّده وشرّد عياله. وبعد، فإن فيه من حرم أمير المؤمنين ومواليه أربعة آلاف نفس. فإن لم يكن بدّ من أخذه فليأمر لي أمير المؤمنين بفضاء يسعني ويسعهم أضرب فيه مضارب وخيما أنقلهم إليها إلى أن أبني لهم ما يواريهم. فقال له المنصور:
عمّر الله بك منزلك يا عم، وبارك فيه. ثم نهض منصرفا.
وقنطرة بني زريق منسوبة إلى قوم من دهاقين بغداد كان يقال لهم بنو زريق لهم نسب معروف.
وقنطرة المعبدي منسوبة إلى عبد الله بن محمد المعبدي. وكان له هناك إقطاع. وهو الذي بنى هذه القنطرة على النهر مع رحى اتخذها هناك. وكانت في هذا الدكان فصارت بعد ذلك لمحمد بن عبد الملك الزيات وجعلها بستانا فانقبضت مع ما قبض من أملاكه. اشتراها قوم من الكرخيين وغيرهم.
قال: والنوبختية إقطاع من المنصور لنوبخت لما حكم بأن أمر محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن ﵈، لا يتمّ.
وهناك درب يعرف بدرب الناووس كان فيه ناووس قديم فنسب إليه.
وقال أبو زكريا: دخلت على أبي العباس الفضل بن الربيع يوما فوجدت يعقوب بن المهدي عن يمينه، ومنصور بن المهدي عن يساره، ويعقوب بن أبي الربيع عن يمين يعقوب بن المهدي، وقاسم أخوه عن يسار منصور بن المهدي.
فسلمت وأومأ بيده إلى الانصراف. وكان من عادته إذا أراد أن يتغدى معه أحد من جلسائه أو أهل بيته، أمر غلاما له يكنى أبا حلبة بردّه إلى مجلس في داره حتى يحضر غداه ويدعوا به. قال: فخرجت فردني أبو حلبة فدخلت فإذا موسى بن عيسى. فقال لي: أما أنت فقد علمنا أنك رددت إلى الغداء، ولكن الشأن في غيرك. فقلت: أنت الذي لا يقدم عليك أحدا.
قال: وجلسنا حتى حضرا الغداء. فأحضرني وأحضر كتابه- وكانوا أربعة:
موسى بن عيسى بن أهرون. وعبد الله بن أبي نعيم الكلبي، وداود بن بسطام، ومحمد بن المختار- فلما أكلنا جاءوا بأطباق الفاكهة فقدموا إلينا طبقا فيه رطب. فأخذ الفضل منه رطبة فناولها يعقوب بن المهدي وقال له: إن هذا من بستان أبي الذي وهبه له المنصور. فقال له يعقوب: رحم الله أباك، فإني ذكرته أمس وقد اجتزت على الصراة برحى البطريق. فإذا أحسن موضع، وإذا الدور من تحتها والسوق من فوقها وماء غزير حادّ الجرية. فمن البطريق الذي نسبت هذه
الرحى إليه، أمن موالينا أم من أهل دولتنا أم من العرب؟
قال، فقال الفضل: أنا أحدثك حديثه. لمّا أفضت الخلافة إلى أبيك ﵀، قدم عليه بطريق أنفذه ملك الروم مهنئا له. فأوصلناه إليه وقربناه منه. فقال المهدي للربيع: قل له يتكلم. فقال الربيع لترجمانه ذلك. فقال هو بريء من دينه وإلّا فهو حنيف مسلم إن كان قدم لدينار ولا درهم ولا لعرض من أعراض الدنيا.
ولا كان قدومه إلّا سوقا إلى وجه الخليفة. وذلك أنّا نجد في كتبنا أن الثالث من أهل بيت النبي ﷺ يملأها عدلا كما ملئت جورا. فجئت اشتياقا إليه. فقال المهدي للربيع قل للترجمان يقول له: قد سرّني ما قلت ووقع مني حيث أحببت ولك الكرامة ما أقمت، والحباء إذا شخصت، وبلادنا هذه بلاد ريف وطيب فأقم بها ما طابت لك. ثم بعد ذلك فالإذن إليك. وأمر الربيع بإنزاله وإكرامه. فأقام أشهرا ثم خرج يوما يتنزه ببراثا وما يليها. فلما انصرف اجتاز على الصراة، فلما نظر إلى مكان الأرحاء، وقف ساعة يتأمله فقال له الموكلون: قد أبطأت، فإن كانت لك حاجة فأعلمنا إياها. فقال: شيء فكرت فيه. وانصرف. فلما كان العشي راح إلى الربيع فقال له أقرضني خمسمائة ألف درهم. قال: وما تصنع بها؟
قال: أبني بها لأمير المؤمنين مستغلا يؤدي في السنة خمسمائة ألف درهم. فقال له الربيع: وحق الماضي صلوات الله عليه، وحياة الباقي أطال الله بقاءه لو سألتني أن أهبها لغلامك ما خرجت إلّا معه. ولكن هذا الأمر لا بد من إعلام الخليفة إياه. قال: قد علمت أن ذاك كذلك. قال: ودخل الربيع إلى المهدي فأعلمه فقال ادفع إليه خمسمائة ألف وخمسمائة ألف، بل أدفع إليه جميع ما يريد بغير مؤامرة. قال: فدفع ذلك الربيع إليه. فبنى الأرحاء المعروفة بأرحاء البطريق.
فأمر المهدي أن تدفع عليها إليه. فكانت تحمل إليه إلى سنة ثلاث وستين ومائة، فإنه مات. فأمر المهدي أن تضمّ إلى مستغلّه. قال: وكان اسم البطريق طافات بن الليث بن العيزار بن طريق بن قوق بن مورق. ومورق كان الملك في أيام معاوية.
وقال الخليل بن مالك: كان المنصور قد أمر بعد ثلاثة جسور: جسر يعبر الناس عليه، وجسر يرجعون فيه، وجسر في الوسط للنساء، وعقد بعد ذلك بباب
البستان جسرين: جسرا له ولولده، وجسرا لخدمه وحشمه.
وعقد الرشيد بعد ذلك عند باب الشماسية جسرين. وكان لأم جعفر جسر عند مشرعة فرج الرخجي بالقرب من سويقة قطوطا. فلم تزل هذه الجسور قائمة إلى أن قتل محمد بن زبيدة، ثم عطلت إلّا الثلاثة المنصورية القديمة التي عند مجلس الشرطة فإنها باقية إلى وقتنا هذا.
قال: وطاق أسماء بالجانب الشرقي منسوب إلى أسماء بنت المنصور. وهذا الطاق كان طاقا عظيما، وكان في دارها التي صارت لعلي بن الجهشيار بمشرعة الصخر أقطعه إياها الموفق ثم أقطعها أزكوتكين بن أساتكين. وعند طاق أسماء كان مجلس الشعراء. وهناك كانوا يجتمعون في أيام الرشيد.
والموضع المعروف بين القصرين هو قصر أسماء بنت المنصور.
وقصر عبيد الله بن المهدي والخضرية مما يلي باب الطاق منسوبة إلى خضر مولى صالح صاحب المصلى، وفيها تباع الجرار وتعمل المزملات.
وسوق يحيى منسوبة إلى يحيى بن خالد البرمكي. وكانت إقطاعا له من الرشيد، ثم صارت بعد البرامكة لأم جعفر ثم أقطعها المأمون طاهر بن الحسين بعد الفتنة. فهي في أيدي ورثته إلّا ما بيع منها.
وسويقة أبي عبيد الله منسوبة إلى عبيد الله وزير المهدي واسمه معاوية بن عمرو.
وشارع الميدان خارج الرصافة وهو شارع مارّ من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء. وفيه قصر أم حبيب بنت الرشيد. وكان هذا القصر ودوره إقطاعا من المهدي لعباد بن أبي الخصيب ثم صار جميع ذلك للفضل بن الربيع، ثم صار لأم حبيب بنت الرشيد في أيام المأمون، ثم صار بعد ذلك لبنات الخلفاء إلى أن صرن يجعلن في قصر المهدي بالرصافة.
وسوق العطش بناها شعبة الجرمي للمهدي وحوّل إليها التجار ليخرّب الكرخ. وقال المهدي عند تمام بنائها: سمّها سوق الريّ. فغلب عليها سوق
العطش. وأولها يتصل بسويقة الحرسي وداره والإقطاعات التي أقطعه إياها المهدي هناك.
وسويقة العباسة منسوبة إلى العباسة بنت الرشيد. ويقال إن الرشيد فيها أعرس بزبيدة ابنة جعفر سنة خمس وستين ومائة. قبل أن تنتقل العباسة إليها ثم دخلت بعد ذلك في أبنية بناها المعتصم.
ودار فرج فوق سوق يحيى. وكان فرج مملوكا لحمدونة بنت عضيض أم ولد الرشيد، ثم صار ولاؤه للرشيد. وداره إقطاع من الرشيد. ولم يكن على شاطئ دجلة بناء أحكم من بنائها. ثم هدمت فيما هدم من منازل عمر بن فرج لما قبضت.
وكانت دار أحمد بن أبي خالد الأحول لأبي عبيد الله معاوية بن عمرو.
وهناك السويقة المنسوبة إليه. وكان أبو خالد الأحول أحد كتاب أبي عبيد الله فاشتراها أحمد بن أبي خالد من ورثة أبي عبيد الله.
ودرب المفضل هو المفضل بن زمام من موالي المهدي.
وسويقة نصر منسوبة إلى نصر بن مالك الخزاعي، إقطاع من المهدي.
ودار الربيع مما يلي المخرم، كانت لمكين الخادم فاشتراها الربيع منه.
واتصل خبرها بالمنصور فقال للربيع: أنت تريد تعملها بستانا وتذهب مني بخراجه. فقال: لا والله يا أمير المؤمنين. ولكن كلما ولد لي ابن فتحت له فيها بابا. وهي شارعة في شارع الميدان في أيدي ورثة الربيع إلى اليوم.
وسويقة خالد بباب الشماسية منسوبة إلى خالد بن برمك إقطاع من المهدي ثم بنى فيها الفضل قصره المعروف بقصر الطين. وبنى أيضا فيها جعفر بن يحيى قصرا آخر.
ورحبة يعقوب منسوبة إلى يعقوب بن داود مولى بني سليم، أقطعه إياها المهدي حين استوزره. وذكر بعض المشايخ أنه رأى فيها أزاجا عتيقا تشبه الساباط كانت قبل بناء بغداد لقوم من دهاقينها.
والمخرم منسوب إلى مخرم بن يزيد بن مخرم بن شريح بن مخرم بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة. كان ينزله أيام نزول العرب السواد في الإسلام فنسب إليه. وقال أبو المنذر: سمعت قوما من بني الحارث بن كعب يقولون: المخرم إقطاع من عمر بن الخطاب في الإسلام للمخرم بن شريح.
وخان بني زياد منسوب إلى رجل من سواد الكوفة من النبط كان يكنى أبا زياد عمر عمرا طويلا، لأنه كان ممن وسمه الحجاج. وذلك أن الحجاج وسم النبط على أيديهم ليعرفوا من سائر الناس. وكان أبو زياد من سواد الكوفة وعاش إلى أيام المنصور. وقال رجل من طيء أنا رأيته بالكوفة في بني عكل في حانوت له يربط البقل، عليه إزار ورد والوشم على ذراعه. قال: وكان انتقاله من الكوفة مع المنصور لما انتقل إلى بغداد. فنزل في المخرم في شارع النفاطين. فقام الخان وترك بيع البقل وكان تكنى قبل مصيره إلى بغداد أبا زينب ثم تكنى بأبي زياد. ونشأ له ابن فتأدب وفصح فصار إلى همذان فأصاب مالا وتزوج هناك امرأة من العرب، وذلك أنه ادعى أنه عربي. ثم طعن في نسبه عند الرجل الذي تزوج إليه.
فقدم الرجل بغداد فسأل عنه فأخبر بقصته ودل على أبيه فصار إليه ووقف عليه.
فقال: ما ربيع منك؟ قال بنتي. فشهر عليه السيف وحال الناس بينه وبينه وقيل له:
لم نفسك لأنك زوّجت من لا تعرف.
وكانت الثلاثاء قبل بناء بغداد تقوم في يوم معروف من الشهر وهو يوم الثلاثاء. وكان أكثر من يحضرها أهل كلواذى وأهل بغداد فنسبت إلى اليوم الذي كانت تقوم فيه.
وسويقة حجاج منسوبة إلى الحجاج الوصيف مولى المهدي.
ودار عمارة في طرف شارع المخرم منسوبة إلى عمارة بن أبي الخصيب مولى روح بن حاتم، وقيل إنه كان مولى للمنصور. وكان أبو الخصيب أحد من تولى حجبة المنصور.
وقنطرة على نهر المهدي منسوبة إلى بعض بنات المهدي.
وخان وردان. ذكر أحمد بن إسحاق برصوما قال: حدثني علي بن الحكم العقيلي قال: كان ابن سنان من قواد المنصور وكان عظيم اللحية جدا. قال فكتب عبد الله بن عياش المنتوف إلى المنصور يسأله حوائج وكان أحد ما طلب من الحاجات أن يهب له لحية وردان ليتدفأ بها في الشتاء. فوقّع له بقضاء جميع ما سأل، ووقع تحت سؤاله لحية وردان: لا، ولا كرامة. لا أهب لك لحية رجل من قوادي وجلة أصحابي.
والصالحية إقطاع من المنصور لابنه صالح المعروف بالمسكين.
وقباب الحسين التي خارج بغداد على طريق خراسان منسوبة إلى الحسين بن قرة الفزاري. وكان قرة ممن خرج مع ابن الأشعث فقتله الحجاج.
عيسى آباذ، منسوبة إلى عيسى بن المهدي. وكان عيسى في حجر مبارك التركي، وكانت أمه الخيزران. وهو أخو الهادي والرشيد لأبيهما وأمهما، وكانت إقطاعا له.
حوض هيلانة. زعم قوم أن هيلانة قيّمة كانت للمنصور حفرت هذا الحوض وجعلته للسبيل فنسب إليها.
وباب المحول في الجانب الغربي إقطاع لهيلانة أقطعها إياه المنصور. وقد قيل إن هيلانة كانت جارية للرشيد وإليها ينسب هذا الحوض. وفيها يقول الرشيد:
أفّ للدنيا وللزينة فيها والأثاثإذ حثا الترب على هيلانة في الحفر حاث
وحوض داود منسوب إلى داود مولى للمهدي وله إقطاع مما يلي سوق العطش. وقد قيل إن داود مولى نصير، ونصير مولى للمهدي. وذكر بعض المشايخ أنه يذكر ما بين سوق يحيى عن يمنة السوق إلى باب الشماسية منابت طرفاء قبل أن يقطع الناس فيها. وأول من أقطع فيها علي بن المهدي وهو ابن رائطة بنت أبي العباس السفاح. ثم أقطع بعده المنصور بن المهدي.
وذكر أحمد بن الحارث الخراز أن بغداد صورت لملك الروم بأرباضها وأسواقها وشوارعها وبساتينها وأنهارها من جميع جانبيها الشرقي والغربي. قال:
فكان كثيرا مما يحضر الصورة ويتأملها ويستحسن شارع باب الميدان ويتعجب من حسنه وحسن القصور التي فيه، ويزداد استحسانه لشارع الزرادين وسويقة نصر بن مالك إلى الثلاثة الأبواب والقصور التي في هذا الشارع. وكذلك أيضا كان يستحسن الأسواق من الخضرية إلى قنطرة بردان. وكان يقول: قد كان يجب على ملك العرب أن يجعل داره في هذا الشارع- ويجعل إصبعه على شارع الزاردين.
وكان إذا شرب دعا بالصورة فيشرب على هذه الشوارع التي ذكرناها لحسن أبنيتها وقصورها.
وفصيل أبي العلاء، منسوب إلى سليم أبي العلاء مولى المهدي.
وقال يحيى بن دارية السوّاق: كان ببغداد في شارع الثلاثة الأبواب ثلاثمائة ملقى للسويق. وكان في قنطرة بردان وقنطرة ميمونة ورحى عبد الملك وسوق يحيى والمخرم وفي أطراف بغداد سوى الكرخ أكثر من ثلاثمائة مقلى آخر. وكان سبب كثرة السويق ببغداد أن بغداذ كانت في أيام الرشيد وما قبله إلى أيام المأمون عسكرا لكثرة الناس بها ومصيرهم إليها من كل بلد، وكانت الأرباض محشوة بالناس. وكان اللحم يعزّ، لأن الأغنام كانت تدخل في أيام الربيع يجلبها الأعراب من هذا الوقت من البرية. ويجلبها التجار في زمان الخريف من ناحية
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع