تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

الجانب الشرقي

اسم الطسوج/ عدد الرساتيق/ عدد البيادر/ كمية الحنطة/ كمية الشعير/ الورق بزرجسابور/ // كر/ كر/ درهم الراذانين // كر/ كر/ درهم طسوجا كلواذى ونهربين / كر/ كر/ درهم طسوجا جازر والمدينة العتيقة // كر/ كر/ درهم طسوجا مهرود وسلسل/ كر/ كر/ درهم جلولاء وجلولاء/ // كر/ كر/ درهم الذنبين // كر/ كر/ درهم الدسكرة والرساتيق / كر/ كر/ درهم براز الروز/ // كر/ كر/ درهم البندنيجين // كر/ كر/ درهم النهروانات أ- النهروان الأعلى/ كر/ كر/ درهم ب- النهروان الأوسط/ كر/ كر/ درهم ج- النهروان الأسفل كر/ كر/ درهم بادرايا وباكسايا/ كر/ كر/ درهم

كور استان شاد فيروز. وهي حلوان ووظيفتها مع الجابارقة وغيرهم من الأكراد [من الورق] ألف ألف وثمانمائة ألف

درهم.

وكانت هيت وعانات مضافة إلى طسوج الأنبار. فلما ملك أنوشروان بلغه أن طوائف من الأعراب يعبرون على ما قرب من السواد إلى البادية. فأمر بتجديد سور مدينة تعرف بالليس كان شابور ذو الأكتاف بناها وجعلها مسلحة لحفظ ما قرب من البادية. وأمر بحفر خندق من هيت يشق طفّ البادية إلى كاظمة مما يلي البصرة وينفذ إلى البحر. وبنى عليه المناظر والجواسق ونظّمه بالمسالح ليكون ذلك مانعا لأهل البادية عن السواد. فخرجت هيت وعانات بسبب ذلك السور عن طسوج شادفيروزان، لأن عانات كانت قرى مضمومة إلى هيت.

ووجد في بعض كتب الفرس أن ملوك الأرض قسموا الأرض أربعة أجزاء فجزء منها مغارب الهند وأرض الترك إلى مشارق الروم. وجزء منها الروم ومغاربها وأرض القبط والبربر. وجزء منها أرض السودان وهو بين أرض البربر إلى الهند. وجزء منها من نهر بلخ إلى آذربيجان وارمينية القادسية وإلى الفرات ثم برية العرب إلى عمان وإلى كرمان وأرض طبرستان وإلى كابل وطخارستان، وهي الأرض التي سمتها الفرس بلاد الخاضعين. وهذا الجزء هو صفوة الأرض ووسطها لا يلحقه عيب ولا يناله تقصير. ولذلك اعتدلت ألوان أهله واقتدرت أجسامهم، فسلموا من شقرة الروم والصقالبة، وسواد الحبشة والزنج، وغلظ الترك، ودمامة الصين. واجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار، وكل ما اعتدلوا في الحلية كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بمحاسن الأمور وشريف الأخلاق.

ولم تزل طساسيج السواد على العدة التي ذكرنا حتى قدم الحجاج بن يوسف واليا على العراق، وكان كاتبه القادم معه والمتولي لأمره، صالح بن عبد الرحمن. فقال له الحجاج: التمس كاتبا ناصحا من الفرس عالما بكتابتهم يعمل الحساب. فوجد رجلا يقال له زاذانفروخ بن بيري فقلّده أمر الديوان. فلم يكن

صالح وأصحابه يهتدون إلى العمل. وكان زاذانفروخ وكتّابه يعملون الحساب بالفارسية، فشكا صالح ذلك إلى الحجاج وعرّفه أنه في غير شيء مع زاذانفروخ.

فأمر الحجاج زاذانفروخ أن يتجشم له نقل الدواوين من اللسان الفارسي إلى اللسان العربي، ففعل ذلك وميّز النواحي وكوّر الكور. فرسم طساسيج السواد. فكان ما رسم من ذلك أن جعل السواد عشر كور. كل كورة استان وطساسيجه ستون طسوجا. وقد ذكرنا ذلك في موضعه. فلما فعل هذا ونقله إلى العربية، تصرف صالح وأصحابه فيه ووقفوا عليه.

وكان بناحية كسكر مدينة عظيمة كثيرة الأهل، فخرج أهلها في الزمن الأول حذرا من الطاعون إلى بعض المواضع، فهلكوا كلهم وخربت وبقي فيها بيت أصنامهم، فبنته النصارى عمرا وسمته بنينس. ورسوم هذه المدينة وآثار سورها ثابت إلى اليوم ولم يدرس.

ومن ذلك خسرو شابور وساباط بناهما شابور.

ومن ذلك شهراباد وهي مدينة إبراهيم الخليل ﵇. وكانت مدينة عظيمة جليلة القدر راكبة البحر. فنضب البحر عنها وانحبس ماؤه، فبطلت.

وموضع مجراه وسمته معروف إلى اليوم.

قال: وكانت بالقرب منها أيضا مدينة كبيرة جليلة تسمى شالها. فخربتها إياد لأنها كانت تغير عليها. ويقال إن إيادا وغيرهم من العرب غلبوا عليها وملكوها في أيام سابور وخلعوا طاعته ونابذوه الحرب، وانتصروا بملك الروم وأطمعوه في مملكة فارس فأمدّهم بمراكب في البحر فيها مقاتلة، واتصل الخبر بسابور فرحل إليها وأقام عليها حتى فتحها فقتل فيها مائتي ألف رجل وأخربها وجمع النساء والذراري والمشايخ فأسكنهم مدينة بناها يقال لها الهفّة ونهى الرعية عن مخالطتهم ومناكحتهم. وتقدم أن لا تدخل العرب من البدو إلى الحضر فمن دخل بغير جواز قتل.

قال: وكل من سخط عليه ملوك فارس نفته إلى هذه المدينة ووسمتها بالنفي

واللعن. وسمتها النبط هفاطرناي. وآثار سورها بينة لم تدرس. وكان بقربها أيضا عدة مدن منها دورى الزندورد. وفيها الليس ومنها دار سابور والهكة والهعة التي بناها سابور وجعلها لمن ينفى.

ويقال: إن حدّ كورة كسكر من الجانب الشرقي في آخر سقي النهروان إلى أن يصب في البحر. وان المبارك وعبدسي والمذار. وتعيا وميسان ودستميسان وآجام البريد من كسكر. وان العرب فرقتها حيث مصرّت البصرة وكذلك إسكاف العليا والسفلى ونفر وسمر وبهندف وقرقوب. كل هذا منها.

وقال المدائني: أول من مسح الأرض ووضع الدواوين وحدّ حدود الخراج والوظائف، قباذ. فصيّر ديوان الخراج بحلوان وسماه ديوان العدل. فكان كل شيء يجبى في مملكة الفرس من السواد مائة ألف ألف درهم مثاقيل. وذلك أن الملك كان يأخذ نصف الخراج ويترك النصف للناس فتصلح أحوالهم. إلى أن كانت أيام قباذ فإنه جبى السواد مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف مثاقيل.

وأمر عمر بن الخطاب ﵁ أن يمسح السواد وطوله من العلث في الجانب الشرقي ومن حربى في الجانب الغربي مادا إلى عبادان. وهو مائة وعشرون فرسخا، وعرضه من عقبة حلوان إلى العذيب، وهو ثمانون فرسخا. فكان ذلك بعد أن أخرج عنه الجبال والأودية والأنهار ومواضع المدن والقرى، ستة وثلاثين ألف ألف جريب. فوضع على جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم. وعلى جريب الكرم والرطاب ستة دراهم. وختم الجزية على ستمائة ألف إنسان، وجعلها طبقات: الطبقة العالية، ثمانية وأربعون درهما. والوسطى أربعة عشرون درهما.

والسفلى اثنا عشر درهما. فجبى السواد مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف درهم.

وجباه عمر بن عبد العزيز مائة ألف ألف وأربعة وعشرين ألف ألف درهم.

وجباه الحجاج بن يوسف على غشمه وظلمه وعسفه وخرقه ثمانية عشر ألف ألف.

فقط: وأسلف الفلاحين للعمارة ألفي ألف. فحصل له ستة عشر ألف ألف. ومنع أهل السواد لما شكوا إليه خراب بلدهم من ذبح البقر لتكثر العمارة، فقال الشاعر:

شكونا إليه خراب السوادفحرّم جهلا لحوم البقر

وكان خراج العراق أيام زياد مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف درهم. وأيام عبيد الله بن زياد أكثر منه أيام زياد بعشرين ألف ألف. وكان في أيام ابن هبيرة مائة ألف ألف سوى طعام الجند وأرزاق الفعلة الذين يكونون في العسكر.

وأحصى كسرى أبرويز خراج مملكته في سنة ثماني عشرة من ملكه، أربعمائة ألف ألف وعشرون ألف ألف درهم. ثم زاد خراجه بعد ذلك.

وذكر بعض كتاب الفرس: إن العراق كان يجبى في أيام أنوشروان ستمائة ألف ألف مثقال. وزعم أنه جبي في آخر أيام أبرويز تسعمائة ألف ألف مثقال وترك في أيدي الناس كلهم من جميع غلّاتهم مائة ألف ألف. فهلك الناس حتى ان الجارية النفيسة كانت تباع بدرهم.

وجبى بعض أمراء خراسان خراسان ثمانية وعشرين ألف ألف مثقال.

وجبى الجنيد بن عبد الرحمن أرض الهند خمسة وعشرين ألف ألف مثقال.

وكانت جباية البصرة خمسة وسبعين ألف ألف درهم.

وأرض الكوفة خمسة وعشرين ألف ألف درهم.

وكان يوسف بن عمر الثقفي يحمل من خراج العراق ما بين ستين ألف ألف وسبعين ألف ألف. ويحتسب بعطاء من قبله من جند الشام بستة عشر ألف ألف

وفي نفقة البريد أربعة ألف ألف وفي الطراز ألفي ألف. وفي الطراز ألفي ألف.

ويبقى في بيت المال للأحداث والبوائق عشرة ألف ألف درهم.

وقال المدائني: كانت ميسان ودستميسان في ديوان حلوان من تعديل قباد تؤدي أربعة ألف ألف. وابر قباد تسعة ألف ألف. وكان يؤخذ من البر والشعير والأرز الخمس ولا يؤخذ من سائر الحبوب شيء. وكان يؤخذ من كل أربع وعشرين نخلة درهم. ومن كل سبعة عشر فارسي درهم.

وقال بعض الجلساء سمعت المعتز يقول لأحمد بن إسرائيل: يا أحمد! كم خراج الروم؟ فقال: يا أمير المؤمنين! خرجنا مع جدك المعتصم في غزاته. فلما توسطنا بلد الروم، صار إلينا بسيل الخرشني وكان على خراج الروم. فسأله محمد بن عبد الملك عن مبلغ خراج بلدهم، فقال: خمسمائة قنطار وكذا وكذا قنطار. قال: فحسبنا ذلك، فإذا هو أقل من ثلاثة ألف ألف دينار. فقال المعتصم:

اكتب إلى ملك الروم اني سألت صاحبك عن خراج أرضك فذكر أنه كذا وكذا، وأخس ناحية في مملكتي خراجها أكثر من خراج أرضك، فكيف تنابذني وهذا ارتفاع بلدك؟ فضحك المعتز وقال: من يلومني على حب أحمد بن إسرائيل، ما سألته قط عن شيء إلّا جاءني بقصة.

وقال عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان: قال السواد ألف ألف ألف درهم ما نقص مما في يد السلطان منه، فهو في يد الرعية. وما نقص من يد الرعية فهو في بيت مال السلطان.

وقال الهيثم بن عدي: لم يكن بفارس كورة أهلها أقوى من أهل كورتين:

كورة سهلية وكورة جبلية. أما السهلية فكسكر وأما الجبلية فأصبهان. وكان خراج كل واحدة منهما اثني عشر ألف ألف مثقال.

ولم يكن بالعراق كورة مثل جوخى. كان خراجها ثمانين ألف ألف درهم حتى صرفت دجلة عن جوخى فخربت وأصابهم بعد ذلك طاعون شيرويه فأتى

عليهم. ولم يزل السواد في ادبار منذ كان طاعون شيرويه. ولم تزل فارس في ادبار منذ كان ذلك الطاعون.

وكان المعروف بأبي الوزير الكاتب عمل تقديرا للدنيا وعرضه على يحيى بن خالد البرمكي في خلافة الهادي سنة سبعين ومائة. قال: أثمان الغلّات بالسواد ستة وثمانين ألف ألف وسبعمائة ألف وثمانين ألف درهم.

ومن أبواب المال به أيضا أربعة ألف ألف وثمانمائة ألف درهم ومن الحلل البحرانية مائتا حلة. ومن الطين الأسود الأنباري ما يفرق في الدواوين مائتان وأربعون حملا.

كسكر، من الورق أحد عشر ألف ألف وستمائة ألف درهم.

كور دجلة: من الورق عشرون ألف ألف وثمانمائة ألف درهم.

حلوان أربعة ألف ألف وثمانمائة درهم.

الأهواز خمسة وعشرون ألف ألف درهم. ومن صنوف السكّر ثلاثمائة ألف رطل.

فارس: سبعة وعشرون ألف ألف درهم. ومن ماء الورد ثلاثمائة ألف قارورة. ومن ماء الزبيب والميبة وغير ذلك من الأشربة عشرون ومائة ألف رطل.

ومن السفرجل مائة ألف سفرجلة. ومن الرمان مثل ذلك. ومن الزبيب الفارسي بالكر الهاشمي سبعة أكرار. ومن السكنجبين، خمسة ألف رطل. ومن الطين السيرافي خمسة ألف رطل.

كرمان: من الورق، أربعة ألف ألف ومائتا ألف درهم. ومن الثياب البمية والخبيصية وتسعون ألف دينار.

فلسطين: ثلاثمائة ألف وستون ألف دينار.

ومن جميع أجناد الشام: من الزيت خمسمائة ألف رطل. ومن التفاح، مائتا

ألف تفاحة. ومن التين، عشرة ألف منّا. ومن الخروب، ثلاثون ألف رطل.

مصر سوى تنيس ودمياط والأشمونين فإن مال هذه الكورة مصروف إلى شري الخيل والنفقة على الطرز ثلاثة ألف ألف وتسعمائة ألف وأربعون ألف دينار.

ومن أنواع الثياب الدبيقي والقصب وغير ذلك عشرون ألف ثوب.

الإسكندرية: ألف ألف وثمانمائة ألف درهم.

برقة: ألف ألف درهم.

إفريقية: ثلاثة عشر ألف ألف درهم. ومن البسط الكبار خمسمائة بساط ومن الزيت مائة ألف مائة ألف رطل.

مكة والمدينة: ثلاثمائة ألف دينار وسبعون ألف دينار. ومن التمر الصيحاني، ألف رطل. ومن الصاح خمسين رطلا. السمن والعين ثمانمائة وسبعون ألف دينار. ومن العنبر ثمانون رطلا. ومن أصناف الحلل وغيرها من الثياب أربعة ألف ثوب. ومن الورس خمسة ألف رطل. ومن الزبيب خمسمائة قفيز.

اليمامة والبحرين وعمان وسيراف: من الورق ثلاثة ألف ألف درهم. ومن الثياب الصحارية، خمسمائة ثوب ومن التمر اليماني مائتا ألف رطل.

حوالي الكوفة والبصرة ومدينة السلام وما بين الماصرين: من الورق، ألف ألف وثلاثمائة ألف وسبعون ألف درهم.

ولم يثبت في هذا التقدير قزوين لأنها تفرقت في الكور.

القول في الأهواز

قال المغيرة بن سليمان: أرض الأهواز نحاس تنبت الذهب، وأرض البصرة تنبت النحاس.

قال ابن المقفع: أول سور وضع في الأرض بعد الطوفان سور السوس وتستر. ولا يدرى من بنى سور السوس وتستر والأبلّة.

وقال ابن المنذر: السوس من بناء سام بن نوح. فأما تستر فبعض الناس يجعلها من الأهواز، ومنهم من يجعلها من أرض البصرة.

وقال ابن عون مولى المسور: حضرت عمر بن الخطاب ﵁، وقد اختصم إليه أهل الكوفة وأهل البصرة في تستر [وكانوا] حضروا فتحها. فقال أهل الكوفة: من أرضنا. وقال أهل البصرة: بل من أرضنا. فجعلها عمر من أرض البصرة.

والأهواز هي سوق الأهواز ورامهرمز وايذج وعسكر مكرم وتستر وجنديسابور والسوس وسرّق ونهر تيرى ومناذر.

وخراج الأهواز ثلاثون ألف ألف درهم. وكانت الفرس تقسط على خوزستان- وهي الأهواز- خمسين ألف ألف درهم مثاقيل.

وبنى سابور بالأهواز مدينتين، سمى أحدهما باسم الله تعالى، والأخرى باسم نفسه وجمعهما باسم واحد وهي هرمزدارشير. وسمتها العرب سوق الأهواز.

وبنى جنديسابور وكانت غيضة. فمرّ بها واكار الحرث [يحرث] أرضا بالقرب منها. فقال له سابور: إني أريد أن أبني في هذا الموضع مدينة. فقال الأكار وكان شيخا كبيرا وكان اسمه بيل يعجب من قول: إن جاء مني كاتبا جاء في هذا الموضع مدينة. فقال شابور: والله ما يتولى بناءها والنفقة عليها غيرك. ثم أمر بحمل الشيخ، فحمل وأمر بحلق رأسه ولحيته كي لا يشتغل عن التعليم، وضمّ إليه معلما وأخذه بتعليمه. وأمر بقطع الخشب من الغيضة، فقطع.

ومهر الشيخ في الكتابة وحذقها وعرف جميع أمورها في سنة. فلما بلغ من ذلك غاية ما يحتاج إليه أدخله المعلم إلى سابور وعرّفه أمره وأنه قد بلغ النهاية في الكتابة. فضحك شابور وقال له: يا بيل! تعلمت الكتابة؟ قال: نعم. قال: اذهب.

فقد قلدتك نفقات المدينة. وأمره أن يقوم على الفعلة. فبنى جنديسابور.

فلما فرغ منها، نظر إلى بعض جوانبها يكره عليه من السيل. فنقضه وبناه بالآجر والكلس وبنى باقيها باللبن. فأهل الأهواز يسمون جنديسابور بيلاباد. باسم الشيخ الذي تولى بناءها والنفقة عليها.

وفي ملك سابور بن أردشير ظهر ماني صاحب الزنادقة. فدعا شابور إلى مذهبه فما زال يسوّفه ويماطله حتى استخرج ما عنده فوجده داعية للشيطان. فأمر به فسلخ جلده وحشي تبنا وعلق على باب مدينة جنديسابور.

فالباب إلى الساعة يسمى باب الماني. والزنادقة تحج إليه وتعظم ذلك الموضع.

ويقال إن معنى نيسابور وسابور خواست وجنديسابور، إن أصحاب نيسابور لما فقدوه لقول المنجمين له أنك تشقى سبع سنين، خرج هاربا يسيح في الأرض.

وخرج أصحابه يطلبونه فبلغوا نيسابور فطلبوه هناك فلم يجدوه فقالوا: نيست سابور أي ليس سابور. ثم وقع إلى سابور خواست فقالوا: سابور خواست. أي طلب سابور هناك. ثم وقعوا عليه بجنديسابور فقالوا: وندذ سابور أي وجد الملك. وبنى أردشير مدينة سوق الأهواز

قال الهيثم بن عدي: أردشير خوره حفر المسرقان ودجيل وأنهار خوزستان السبع وهي سرّق ورامهرمز من سوق الأهواز والشوش وجنديسابور ومناذر ونهر تيرى.

ويقال: لا بناء بالحجارة ولا أبهى من شاذروان تستر، لأنه بالصخر وأعمدة الحديد وملاط الرصاص.

ومخرج دجيل الأهواز من أرض إصبهان ويصب في بحر الشرقي.

وقالوا: من أقام بالأهواز حولا ثم تفقد عقله وجد النقصان فيه بيّنا. فأما قصبة الأهواز فنقلت كل من نزلها من بني هاشم وأشراف الناس إلى طبيعتها. ولا بدّ للهاشمي قبيح الوجه كان أم حسنا من أن يكون لوجهه وشمائله طبع به من جميع قريش وجميع العرب. فلقد كادت الأهواز أن تنقل ذلك وتبدله ولقد تحيّفته. وأدخلت الضيم عليه وبينت أثرها عليه. فما ظنك بصنيعها في سائر الأجناس؟

ولفساد عقولهم ولؤم طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة والضياع النفيسة يحبون من البنين والبنات ما يحبه أوساط أهل الأمصار في الثروة واليسار، وإن طال ذلك والمال منبهة كما يعلم الناس.

وقد يكتسب الرجل: من غيرهم المويل اليسير فلا يرضى لولده [حتى يفرض] له المؤدبين والحرص له على الأدب بالخطر النفيس فيما يقدر عليه.

والخوزي بخلاف ذلك كله. فإنه إذا ترعرع ولده وكبر وعقل شغّله بالغربة وأبلاه بالأسفار والكسب. فهو من بلد إلى بلد ومن مدينة إلى أخرى. وليست في الأرض صناعة مذكورة ولا أدب شريف ولا مذهب محمود لهم في شيء منه نصيب وان خسؤ وقلّ ودقّ وجل. ولم ير فيها وجنة حمراء لصبي ولا صبية ولا دما ظاهرا ولا قريبا [من ذلك] وهي قتالة للغرباء وعلى ان حمّاها خاصة ليست إلى الغريب بأسرع

منها إلى القريب. ووباؤها وحمّاها في وقت انكشاف الوباء ونزوع الحمى من جميع [البلدان]. وكل محموم في الأرض فإن حمّاها لا تنزع عنه ولا تفارقه وفي بدنه منها بقية. فإذا نزعت فقد وجد في نفسه منها البراءة إلى أن تعود بما يجتمع في بدنه من الأخلاط الرديئة. وليست كذلك الأهواز، لأنها تعاود من نزعت عنه من غير حدث لأنهم ليس يؤتون من قبل التخم وللإكثار من الأكل وإنما يؤتون من عين البلدة. وكذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها الطاعن في منازلها المطل عليها والجرارات في بيوتها ومقابرها. ولو كان في العالم شيء هو شر من الأفاعي والجرارات لما قصرت قصبة الأهواز عن توليده وتلقيحه. ومن بلّيتها ان من ورائها سباخا ومناقع مياه غليظة وفيها أنهار تشقها مسائل كنفهم ومياه أمطارهم ومتوضآتهم. فإذا طلعت الشمس فطال مقامها وطالت مقابلتها لذلك الجبل قبل بالصخرية التي فيه تلك الجرارات. فإذا امتلأت يبسا وحرّا وعادت جمرة واحدة، قذفت ما قبلت من ذلك عليهم وقد بخرت تلك السباخ والأنهار. فإذا التقى عليهم ما انجرّ من تلك السباخ وما قذفه ذلك الجبل، فسد الهواء، ففسد بفساده كل شيء يشتمل عليه ذلك الهواء.

وخبر إبراهيم بن العباس بن محمد عن مشيخة من أهل الأهواز عن القوابل انهنّ ربما قبلن الطفل المولود فيجدنه في تلك الساعة محموما يعرفون ذلك ويتحدثون به.

ولقد أخبرني به زيد بن محمد وكان صدوقا وكان أقام بالأهواز حولا وحري

شدة حرّها وكثرة هوامها وحيّاتها وجراراتها بأمر فضيع. ثم قال: وكيف لا يكون كذلك وطعام أهلها الأرزّ وهم يخبزون في كل يوم. فيقدّر أنه يسجر بها في كل يوم خمسون ألف تنور. فما ظنك ببلد إذا اجتمع فيه حرّ الهواء وبخار هذه النيران؟ وحلف بالله ﷿ أنه عزم مرارا أن يغرق نفسه في المسرقان لما كان يلقى من الكرب وشدة الحرّ والسموم.

ويقول أهل الأهواز إن جبلهم إنما هو من غثاء الطوفان تحجّر. وهو حجر ينبت ويزيد في كل وقت.

قالوا: ولنا السكّر وأنواع التمر. وهم أحذق الأمة في إيجاد أنواع السكر.

ولهم الخزّ السوسي والديباج التستري. وكل طيب يحمل إلى الأهواز فإنه يستحيل وتذهب رائحته ويبطل حتى لا ينتفع منه بكثير شيء.

والأهواز افتتحها أبو موسى الأشعري في ولاية عمر بن الخطاب رضي [الله] عنهما. وآخر مدينة افتتحت من الأهواز السوس. فلما افتتحها وأخذ المدينة وسبى الذرية وظفر بالخزائن. فبينا هو يحصي ما فيها كان في قلعتها نحو من ثلاثمائة خزانة. فرأى خزانة منها وعليها ستر عليه الدهن. فأمر خزّان القلعة أن يفتحوه.

فجعلوا يبكون ويحلفون أنه ليس فيه شيء من الذهب والفضة. فجعل أبو موسى لا يزيده ذلك إلّا حرصا على فتحه، حتى همّ بكسر الباب. فلما رأى الخزّان ذلك قالوا له نحن نصدقك عما فيه. قال: قولوا. قالوا: فيه جسد دانيال. قال: وكيف علمتم ذلك؟ قالوا: أصابنا القحط سبع سنين متوالية حتى أشرفنا على الهلاك.

وكان هذا الجسد عندنا وقوم من النصارى يستسقون به إذا أجدبوا. فيسقون ويخصبون. فأتيناهم وطلبنا إليهم أن يعيروناه فأبوا علينا فرهناهم خمسين أهل بيت منا على أن نستسقي به في عامنا ذلك ونرده. فدفعوه إلينا. فلما استسقينا به سقينا وأخصبنا فتعلقنا به وحبسناه عن أصحابه ورغبنا فيه فهو عندنا نستسقي به في الجدب. فأمر أبو موسى بفتح الباب. فإذا في البيت سرير عليه رجل ميت واضع

مرفقه على ركبته اليمنى، فكتب إلى عمر يعلمه فتح المدينة ويقصّ عليه خبر دانيال ﵇، فسأل عمر ﵁ من بحضرته من المسلمين فأخبروه أنه نبيّ وأن بخت نصر لما غزا بيت المقدس وسبى أهله، كان دانيال ممن سبى، ونقل إلى أرض بابل فلم يزل بها حتى مات. فكتب عمر إلى أبي موسى يخبره بالذي انتهى إليه من أمره وأمره بأن يحنطه ويكفنه ويدفنه من غير أن يغسله.

ويكون دفنه إياه في جوف الليل حتى يكون الله تعالى هو الذي يبعثه كما يبعث خلقه. فلما انتهى إليه كتاب عمر إلى أبي موسى، عمد إلى نهر من أنهار السوس فأمر بسكره فسكر، ثم حفر لدانيال في جوف النهر ثم عمد إليه فحنطه وكفنه وحمله وأربعة من المسلمين في جوف الليل فقبره في ذلك النهر ثمّ أجرى عليه الماء فلم يعلم أحد موضع قبره إلى يومنا هذا.

ويقال إنه أخذ خاتما كان في إصبعه وكذلك يقال أيضا إنه وجد معه كتب فيها أخبار الملاحم وما يكون من الفتن وانها صارت إلى كعب الأحبار.

وعسكر مكرم: نسبت إلى مكرم بن [معزاء الحارث] أحد بني جعونة بن الحارث بن نمير. وكان الحجاج بن يوسف وجهه لمحاربة خوزاد بن بارس حين عصى ولحق بالإيذج وتحصّن في قلعة تعرف به. فلما طال عليه الحصار نزل مستخفيا ليلحق بعبد الملك بن مروان. فظفر به مكرم ومعه درّتان في قلنسوته.

فأخذه وبعث به إلى الحجاج. وكانت هناك قرية قديمة فبناها مكرم. ولم يزل يبني ويزيد حتى جعلها مدينة وسماها عسكر مكرم.

وقال الثوري: الأهواز تسمى بالفارسية هوز مسير. وإنما كان اسمها الأخواز فغيرها الناس فقالوا الأهواز. وأنشد لأعرابي:

لا ترجعنّي إلى الأخواز ثانيةوقعقعان الذي في جانب السوق
ونهر بطّ الذي أمسى يؤرّقنيفيه البعوض بلسب غير تشفيق

ونهر بط كان عنده مراح للبط فقالت العامة نهر بط، كما قالوا دار بطيخ.

وقالوا: بل كان يسمى نهر نبط. وذلك انه كان لامرأة نبطية فخفف وقيل نهر بط.

وأهل الأهواز الأم الناس وأبخلهم. وهم أصبر خلق على الغربة والتنقل في البلدان. وحسبك أنك لا تدخل بلدا من سائر البلدان ولا إقليما من جميع الأقاليم إلّا وجدت في تلك المدينة صنفا من الخوز لشحهم وحرصهم على جمع المال.

وذكر الأصمعي قال: الخوز هم الفعلة وهم الذين بنوا الصرح واسمهم مشتق من الخنزير. ذهب إلى أن اسمه بالفارسية خو، فجعلته العرب خوز وإلى هذا ذهبوا.

وقال آخرون: معنى قولهم خوزي أي زيّهم زي الخنزير.

وروى أبو خبرة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ليس في ولد آدم شر من الخوز ولم يكن منهم نبي قط ولا نجيب.

وقال عبد الله بن سلام: خلق الله البخل عشرة أجزاء، تسعة في الخوز وجزء في سائر الخلق.

وقال علي ﵁ فيما روي عنه: على مقدمة الدجّال رجل خوزي يقال له مهران.

وقال عمر ﵁: إن عشت إلى قابل لأبيعنّ الخوز ولأجعلن أثمانهم في بيت المال.

وفي خبر آخر: من كان جاره خوزيا واحتاج إلى ثمنه، فليبعه.

وكتب كسرى إلى بعض عماله: ان ابعث إليّ بشر طعام مع شر الناس على

شر الدواب. فبعث إليه برأس سمكة مالحة مع خوزي على حمار.

وقال أبو وائل: خرجنا مع ابن مسعود إلى قرية بالقادسية فجاءه رجل من الأنباط في حاجة. فالتفت عبد الله إلى أصحابه

فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تاركوا الترك ما تركوكم ولا تجاوروا الأنباط في بلادهم، وإذا رأيتموهم قد أظهروا إسلامهم وقرأوا القرآن وتمكنوا في المرباع واحتبوا في المجالس وراجعوا الرجال في كلامهم، فالهرب الهرب. ولا تناكحوا الخوز فإن لهم أعراقا تدعوا إلى غير الوفاء

/

القول في فارس

حدثنا أبو عمرو عبد العزيز بن محمد بن الفضل، حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا بشر بن محمد بن أبان عن داود بن المخير عن الصلت بن دينار عن عبد الله بن أبي مليكة قال: قال رسول الله ﷺ: أهل فارس عصبتنا.

ويروى عن أنس بن مالك قال: إن الله خيّر بين خلقه، فخيرته من العرب قريش وخيرته من العجم فارس.

ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: أسعد الناس بالإسلام أهل فارس. وأشقى العرب به بهراء وتغلب.

وقال ابن لهيعة: فارس والروم قريش العجم.

وقال في قوله ﷿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ

. قال: الناس إذ ذاك فارس والروم. وفي قوله يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ

قال: فارس.

ولما هدم ابن الزبير البيت، قال اطلبوا من العرب من يبنيه. فلم يجدوا.

فقال استعينوا بأهل فارس فإنهم ولد إبراهيم. ولن يرفع البيت إلّا ولد إبراهيم.

وقال رسول الله ﷺ: أبعد الناس من الإسلام الروم، ولو كان معلقا بالثريا لتناولته فارس. يعني الإسلام.

[قال وذكر النبي ﷺ كسرى أنوشروان فقال: ويل أمّه، ما أعمق سلمه لو كان أسلم.

وروي عن ابن عباس في قول الله ﷿ «ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد» قال: أهل فارس.

وقال ﵇: لا تسبوا فارس فإنهم عصبتنا.

وقال ﵇: إن لله جندا في أهل فارس إذا غضب على قوم انتقم بهم].

وقال الشعبي: أول من استنبط الأنهار العظام أنوشروان ومادة الملك واستصلح الرعية بعده مثله.

وكان أنوشروان إذا أفرض، يقدم الفارسي على رجلين من الديلم وعلى خمسة من الترك وعلى عشرة من الروم وعلى خمسة عشر من العرب وعلى الثلاثين من الهند. لأنهم كانوا أشجع ممن ذكرنا قلوبا وأعزهم نفرا وأعظمهم ملكا وأكثرهم عددا وأوسعهم بلدا وأخصبهم جنابا وأشدهم قلوبا وأرجحهم عقولا وأحسنهم تدبيرا وأصحهم جوابا وأطلقهم ألسنا.

وقال أبو البختريّ: بلغنا أن إسحاق بن إبراهيم ولد ابنا يقال له نفيس: فولد لنفيس، العيص، قبائل من فارس منهم أهل إصطخر وشابور وأردشير. والدليل على ذلك قول جرير:

منابر ملك كلّها مضريةيصلي علينا من أعرناه منبرا
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن رسم دار هم أن يتغيرا»
وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا[حمائل موت لابسين السنوّرا]
إذا انتسبوا عدّوا الصبهبذ منهموكسرى، وعدّوا الهرمزان وقيصرا

وكان إدريس بن عمران يقول: أهل إصطخر أكرم الناس أحسابا، ملوك أبناء الأنبياء.

وقال أردشير: الأرض أربعة أجزاء. فجزء منها أرض الترك ما بين مغارب الهند إلى مشارق الروم. وجزء منها أرض المغرب، ما بين مغارب الروم

إلى القبط والبرابر. وجزء منها أرض كور السواد، ما بين البرابر إلى الهند. والجزء الرابع هذه الأرض التي تنسب إلى فارس ما بين نهر بلخ إلى منقطع آذربيجان وأرمينية الفارسية إلى الفرات. ثم برية العرب إلى عمان ومكران وإلى كابل وطخارستان. فكان هذا الجزء صفوة الأرض. وهو من الأرضين بمنزلة الرأس والسرة والسنام والبطن. أما الرأس، فإن ملوك أقطار الأرض مذ كان ايرج بن أفريدون، كانت دائنة لملوكنا يسمونهم أملاك الأرض ويهدون لهم صفايا ما في أرضهم.

وأما السرة، فإن أرضنا وضعت من الأرضين موضع السرة من الجسد في البسطة والكرم وفيما جمع لنا مما نرئسهم به. فأعطينا فروسية الترك وفطنة الهند وصناعة الروم، وأعطينا في كل شيء من ذلك الزيادة على ما أعطوا، وأصفينا ما حرموا بأدب الدين في أدب الملك. وأعفينا إلى مسام سيماء مشترعة في صورنا وألواننا وشعورنا كما شوهت سائر الأمم بصنوف الشهرة من لون السواد وشدة الجعودة والسبوطة وصغر العيون وقلّة اللحى. فأعطينا الأوساط من المحاسن والشعور والألوان والصور والأجسام.

وأمّا السنام، فإن أرضنا على صغرها عند بقية الأرضين هي أكثر منافع والين عيشا من جميع ما سواها.

وأمّا البطن، فإن الأرضين كلها تجلب إليها منافعها من علمها ورفقها وأطعمتها وأدويتها وأمتعتها وعطرها كما تجبى الأطعمة والأشربة إلى البطن.

وقال الواقدي: شاور عمر بن الخطاب ﵁ الهرمزان في فارس وإصبهان وآذربيجان. فقال الهرمزان: إن إصبهان وآذربيجان الجناحان. فإن قطعت الجناحين، بقي الرأس. وإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فابدأ بالرأس.

وكان أول من جمع فارس وملكها، أردشير بن بابك بن ساسان، وهو أحد ملوك الطوائف وكان على إصطخر، وهو من أولاد الملوك المتقدمين قبل ملوك الطوائف. فرأى أنه وارث ملكهم فكتب إلى من بقربه من ملوك فارس ومن

نأى عنه من ملوك الطوائف يخبرهم بالذي أجمع عليه من الطلب بالملك لما فيه من صلاح أمور الرعية وإقامة الدين والسنّة. فمنهم من أقرّ له بالطاعة، ومنهم من لم يقرّ له حتى قدم عليه، ومنهم من عصاه فصار عاقبة أمره إلى القتل والهلاك. حتى استوسق له ملكه. وهو الذي افتتح الحضر. وكان ملك السواد متحصنا فيه وكانت العرب تسميه الساطرون. وفيه يقول أبو داود:

وأرى الموت قد تدلّى من الحضر على رب أهله الساطرون وقد أتينا بخبره فيما تقدم.

وهو أول من وضع السكك وحذف أذناب دواب البرد وبنى مدينة جور بفارس وكان موضعها صحراء. فمرّ بها أردشير فأمر ببنائها وسماها أردشير خرّة.

وسمتها العرب جور. وهي مبنية على صورة دارابجرد. ونصب فيها بيت نار.

وبنى مدينة رام أردشير وبهمن أردشير خرّة وهي فرات البصرة. واستاراباذ وهي كرخ ميسان وهي من كور دجلة. ومدينة سوق الأهواز. وكانت مدة ملكه أربع عشرة سنة وستة أشهر.

وقالوا: سمعوا فارس بفارس بن طهومرث وهو الذي تنسب الفرس إليه، لأنهم من ولده. وكان ملكا عادلا متحننا محتاطا على أهل عصره. وكان له عشرة بنين منهم: جمّ وشيراز وإصطخر وفسا وجنّابا وكسكر وكلواذى وقرقيسيا وعقرقوف [ودارابجرد]. فأقطع كل واحد منهم البلد الذي سمي به ونسب إليه.

وإنما كانوا قبل ذلك يسكنون الخيام. ويقال إن ملكه كان ثلاثمائة سنة.

ومن مدينة سوق الأهواز إلى مدينة أرّجان أول عمل فارس من هذا الوجه واحد وثلاثون فرسخا. وأرجان بناها قباذ بن فيروز لأنه لمّا استرجع الملك من أخيه جاماسف غزا الروم فافتتح مدينتين من مدن الجزيرة مما كانت في أيدي الروم تدعى واحدة آمد والأخرى ميافارقين. وأمر فبنيت فيما بين حدّ فارس والأهواز مدينة وسماها ابرقباد، وهي التي تسمى أرجان. وأسكن فيها سبي همدان

وكوّرها كورة وضم إليها رساتيقها من كور رام هرمز وكورة سابور وكورة أردشير خرة وكورة إصبهان.

وبنى أيضا مدينة حلوان مما يلي الماهات. وبنى مدينة يقال لها قباد خرّة.

وكوّر أيضا كورة أخرى بأرض ميسان وسماها شاد قباذ، وهي التي تسمى أستان العالي. ووضع لها أربعة طساسيج: طسوج فيروز شابور وهي الأنبار وكان منها هيت وعانات فأفردها يزيد بن معاوية في أيامه إلى الجزيرة. وطسوج بادوريا وطسوج قطربل وطسوج مسكن.

وكوّر أيضا كورة بهقباذ الأعلى ووضع لها ستة طساسيج: طسوجي النهرين وطسوج عين التمر والفلوجتين العليا والسفلى وطسوجي بابل وخطرنية.

وكور أيضا بهقباد الأوسط ووضع لها أربعة طساسيج: طسوج سورا.

وطسوج باروسما والجبه والبداة. وطسوج نهر الملك.

وكور أيضا بهقباد الأسفل ووضع لها خمسة طساسيج: فرات بادقلى والسيلحين. وطسوج الحيرة وطسوج تستر وطسوج هرمزجرد.

وفرّق كورة إصبهان على شقين: شق جي وشق التيمرة.

وأمر فبنيت مدينة شهرزور وهي بأرض به. وفيما بين جرجان وإيران شهر مدينة أسماها شهر قباد.

/ وبأرجان قنطرة كسروية طويلة أكثر من ثلاثمائة ذراع مبنية بالحجارة على وادي أرجان.

قال: وأخبرني محمد بن أحمد الأصبهاني قال: بأرجان كهف في جبل ينبع منه ماء يشبه بالعرق من حجارته فيكون منه هذا المومياي الأبيض الجيد. وعلى هذا الكهف باب حديد وحفظة ويغلق ويختم بخاتم السلطان وقاضي البلد إلى يوم من السنة يفتح فيه. ويجتمع القاضي وشيوخ البلد حتى يفتح بحضرتهم ويدخل إليه

رجل عريان ثقة. فيجمع ما قد اجتمع من المومياي ويجعله في قارورة، ويكون مقدار ذلك مائة مثقال أو دونها. ثم يخرج ويختم الباب بعد قفله إلى السنة الأخرى. ويوجه بما يجتمع منه إلى السلطان. وخاصيّته لكل كسر أو صدع في العظم. يسقى الإنسان الذي انكسر شيء من عظامه مثل العدسة فينحطّ أول ما يشربه إلى موضع الكسر فيجبره ويصلحه لوقته.

ومن أرّجان إلى النوبندجان ستة فرسخا. وفيها شعب بوان الموصوف بالحسن والنزاهة وكثرة الشجر وتدفق المياه وهو موضع من أحسن ما يعرف. فيه شجر الجوز والزيتون وجميع الفواكه النابتة في الصخر. وروى عن المبرد أنه قال:

قرأت على شجرة في شعب بوان هذه الأبيات:

إذا أشرف المكروب من رأس تلعةعلى شعب بوّان أفاق من الكرب
وألهاه بطن كالحريرة مسّهومطّرد يجري من البارد العذب
وطيب ثمار في رياض أريضةعلى قرب أغصان جناها على قرب
فبالله يا ريح الجنوب تحمّليإلى أرض بغداد سلام فتى صبّ

وإذا أسفل منه مكتوب:

/

ليت شعري عن الذين تركناخلفنا بالعراق هل يذكرونا
أم لعلّ المدى تطاول حتّىقدم العهد بعدنا فنسونا

وذكر بعض أهل الأدب أنه قرأ على شجرة دلب تظلّ عينا حسنة بشعب بوّان هذه الأبيات:

متى تبغني في شعب بوّان تلقنيلدى العين مشدود الركاب إلى الدلب
وأعطي وإخواني الفتوّة حقّهابما شئت من جد وما شئت من لعب
يدير علينا الكاس من لو رأيتهبعينيك ما لمت المحب على الحب

وكتب أحمد بن الضحاك الفلكي إلى صديق يصف شعب بوان: كتبت إليك من شعب بوّان وله عندي يد بيضاء مذكورة، ومنة غراء مشهورة بما أولانيه من منظر أعدى على الأحزان، وأقال من صروف الزمان. وسرّح طرفي في جداول تطّرد بماء معين منسكب، أرق من دموع العشاق، حررتها لوعة الفراق. وأبرد من ثغور الأحباب، عند الالتثام. كأنها حين جرى آذيها يترقرق، وتدافع تيارها يتدفق. وارتجّ حبابها يتكسر في خلال زهر ورياض ترنو بحدق تولّد قصب لجين في صفائح عقيان، وسموط درّ بين زبرجد ومرجان. أثر على حكمة صانعه شهيد، وعلم على لطف خالقه دليل. إلى ظلّ سجسج أحوى، وخضل ألمى. قد غنت عليه أغصان فينانة وقضب غيدانة. تشورت لها القدود المهفهفة خجلا، وتقيلتها الخصور المرهفة تشبها. يستقيدها النسيم فتنقاد، ويعدل بها فتنعدل. فمن متورد يروق منظره، ومرتجّ يتهدل مثمره. مشتركة فيه حمرة نضج الثمار، بنفحة نسيم النوار. وقد أقمت به يوما لخيالك منادما ولشوقك مسامرا. وشربت لك تذكارا. وإذا تفضل الله بإتمام السلامة إلى أن أوافي شيراز، كتبت إليك من خبري بما تقف عليه إن شاء الله.

ومن النوبندجان إلى شيراز نيف وعشرون فرسخا.

وهي من كورة أردشير خرّة ورساتيقها: جور والخبر والصيحكان والبرجان والكهرجان والخواروستان وكير وسينيز وسيراف والرويحان وكان فيروز وكازرون وكران وابزر وتوّج.

ومن سوق الأهواز إلى الدورق في الماء ثمانية عشر فرسخا، وعلى الظهر أربعة وعشرون فرسخا.

كورة سابور ومدينتها النوبندجان ورساتيقها: الخشن والكيمارج وكازرون وخرّه وبندر همان ودشت بارين والهنديجان والدرخوند وتنبوك والجواندان والميدان والمذار وماهان والجنيد والرامجان والشاهجان ومور ودادين وخمايجان السفلى وخمايجان العليا وتيرمردان وجنحان والسياه مص وانبوران.

/ كورة إصطخر والمدينة ورساتيقها: مدينة البيضاء وبهران وأسار وإيرج ومائين وخبر إصطخر ونيرز وأبرقويه والبرانجان والميان روذان والكاسكان والهزار.

ومن شيراز إلى مدينة فسا ثلاثون فرسخا. ومن مدينة فسا إلى مدينة دار بجرد ثمانية عشر فرسخا ورساتيقها: كرم وجهرم ونيريز والفستجان والابجرد والانديان وجويم وفرج ويارم وطسان.

كورة أرجان ورساتيقها: قاش وريشهر والسلجان والبحار وفرزن.

ومن شيراز إلى مدينة جور عشرون فرسخا وبين شيراز وسابور عشرون فرسخا. وبين شيراز وإصطخر اثنا عشر فرسخا.

زموم الأكراد بفارس وتفسير الزموم محال الأكراد. قال صاحب كتاب المسالك والممالك وهو عبد الله بن محمد بن خرداذبه: هي أربعة زموم: زم الحسين بن جيلويه ويسمى البازنجان، وهو من شيراز على أربعة عشر فرسخا. وزم ازدم بن جوانانه من شيراز على ستة وعشرين فرسخا. وزم القاسم بن شهريار ويسمى الكوريان، من شيراز على خمسين فرسخا. وزم الحسين بن صالح يسمى السوران من شيراز على سبعة فراسخ.

وقال المدائني: كانت إصطخر تجبى ستة عشر ألف ألف درهم. وسابور

أربعة عشر ألف ألف درهم. وأردشير خرة ثمانية عشر ألف ألف درهم. ودار ابجرد ثمانية عشر ألف ألف درهم.

وكانت أرّجان بعضها إلى إصبهان وبعضها إلى إصطخر وبعضها إلى رام هرمز. فصيرت في الإسلام كورة واحدة.

فصارت فارس خمس كور وهي إصطخر وشابور وأردشير خره ودارابجرد وفسا وأرجان. وفارس مائة وخمسون في فرسخا في مثلها.

وافتتحت عنوة على يدي أبي موسى الأشعري وعثمان بن أبي العاص ﵄.

ويقال إن نمرود إبراهيم ﵇ من إصطخر. ويقال بل كان من قرية يقال لها أبرقوية.

وخراج فارس ثلاثة وثلاثون ألف ألف درهم بالكفاية. وذكر الفضل بن مروان أنه قبلها بخمسة وثلاثين ألف ألف درهم بالكفاية على أنه لا مؤونة على السلطان. وجباها الحجاج بن يوسف والأهواز ثمانية عشر ألف ألف درهم. وكان عمرو بن الليث يجبي من خراجها إحدى وثلاثين ألف ألف درهم، ومن ضياعها تسعة عشر ألف ألف درهم، فجميعه خمسون ألف ألف درهم. ويحمل إلى السلطان في كل سنة خمسة عشر ألف ألف درهم. وجباها الناصر في سنة ثمان وسبعين ومائتين ستين ألف ألف درهم. وكانت الفرس قسطت على كور فارس أربعين ألف ألف مثاقيل.

ومن العجائب بفارس شجرة تفاح بشيراز، نصف التفاحة حلو في نهاية الحلاوة ونصفها حامض في غاية الحموضة. وليس بفارس كلها من هذا النوع إلّا هذه الشجرة الواحدة.

ولهم سابور وفيها الأدهان الكثيرة ومن دخلها لم يزل يشم ريحا طيبة حتى يخرج منها، وذلك لكثرة رياحينها وأنوارها وبساتينها.

/ ولهم جور وبها يعمل الماورد الجوري وهو النهاية من الماورد.

ولهم الثياب السينيزية والجنابية والنوزية والسابورية. وهم أحذق الناس باتخاذ المرايا والمجامع وغير ذلك من الآلات الحديد.

وقال الأصمعي: حشوش الدنيا ثلاثة: عمان والأبلة وسيراف.

/

القول في كرمان

قال ابن الكلبي: سميت كرمان بكرمان بن فلوج من بني ليطي بن يافث بن نوح ﵇. ويقال إن بعض ملوك الفرس أخذ قوما فلاسفة فحبسهم وقال:

لا يدخل إليكم إلّا الخبز وحده وخيّروهم في إدام واحد. فاختاروا الأترجّ فقيل لهم: كيف اخترتم الأترج دون غيره؟ قالوا: لأن قشره الظاهر طيب فنشمه. وأمّا داخله ففاكهة. وأمّا حمّاضة فأدم، وأما حبّة فدهن. فأمر بهم فاسكنوا كرمان.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.