من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
الجانب الشرقي (٢)
وكان ماؤها لا يخرج إلّا على خمسين ذراعا. فهندسوه حتى أظهروه على وجه الأرض. ثم غرسوا بها الأشجار فالتفّت كرمان كلها بالشجر. فعرف الملك ذلك فقال: اسكنوهم الجبال فاسكنوها، فعملوا الفوّارات وأظهروا الماء على رؤوس الجبال فقال الملك: اسجنوهم. فعملوا في السجن الكيمياء. وقالوا: هذا علم لا نخرجه إلى أحد. وعملوا منه ما علموا أنه يكفيهم مدة أعمارهم ثم أحرقوا كتبهم وانقطع علم الكيمياء.
وقال بعض علماء الفرس: كانت الأكاسرة تجبي السواد مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم سوى ثلاثين ألف ألف من الوضائع لموائد الملوك.
وكانوا يجبون فارس أربعين ألف ألف. وكانوا يجبون كرمان ستين ألف ألف لسعتها. وهي ثمانون ومائة فرسخ في مثلها. وكانت كلها عامرة. وبلغ من عمارتها أن القناة تجري من مسيرة خمس ليال. وكانت كرمان ذات أشجار وعيون وأنهار.
ومن شيراز إلى مدينة السيرجان، مدينة كرمان، أربعة وستون فرسخا.
وكرمان خمسة وأربعون منبرا صغارا وكبارا. ومن مدنها: القفص والبارز والمراح والبلوص وجيرفت- وهي من أعظم مدنها- والسيرجان وبها تنزل الولاة، وهزوركند ولافث وهي الرباط وقلعة بني عبد الله. إلّا أن قصبتي البلد جيرفت والسيرجان.
قال: وبكرمان مدينة يقال لها دمندان، وهي مدينة كبيرة واسعة وبها أكثر معادن كرمان، بها معادن الحديد والنحاس والذهب والفضة والنوشادر والصفر ومعدنه بجبل يقال له دنباوند، مرتفع شاهق، ارتفاعه ثلاثة فراسخ. وهذا الجبل بالقرب من مدينة يقال لها خواش. على سبعة فراسخ من المدينة. وفي هذا الجبل كهف عظيم يسمع من داخله دويّ وخرير مثل خرير الماء، ويرتفع منه بخار مثل الدخان، فليتصق حواليه. فإذا كثف وكثر، خرج إليه أهل تلك الناحية، فيقلع في كل شهر أو شهرين. وقد وكل السلطان به قوما، حتى إذا اجتمع سائره أخذ السلطان منه الخمس وأخذ أهل البلد باقيه فاقتسموه بينهم على سهام قد تراضوا [بها] فهو النوشادر الذي يحمل إلى سائر الآفاق.
وبها مدينة يقال لها خبيص، لم تمطر داخلها قط وتمطر خارجها. فربما أخرج الإنسان يده من السور فيصيبها المطر ولا تقطر داخلها قطرة.
وبها خشب لا تحرقه الناس، يلقى فيها ويترك الوقت الطويل ثم يخرج منها وهو صحيح ما احترق. والنصارى يموّهون الخشب ويزعمون أنه من الخشب الذي صلب عليه- بقولهم- المسيح ﵇. وكان مع بعض الرهبان صليب من هذا الخشب، فافتتن به خلقا من الناس، وذلك أنه كان يلقيه في النار ساعات من النهار ثم يخرجه عنها ولم تعمل فيه شيئا. فلم يزل على ذلك حتى فطن له رجل من أهل هذه المدينة. فأتى بقطعة خشبة كانت معه ففعل بها كفعل الراهب فبطل ما كان يمخرق.
وقال المأمون: لو أخذ الطحلب فجفف في الظل وطرح في النار لم يحترق.
وطائر يعرف بالسمندل يدخل النار فيتمرغ فيها ثم يخرج منها كما دخل لم تحترق من ريشه ولا واحدة. وذكر طمياث الحكيم في كتاب الحيوان: إن بالمشرق طائرا يقال له بنجس في مدينة يقال لها مدينة الشمس وليس له أنثى ولا شكل يشبهه. وأهل تلك المدينة يعبدون الشمس ويسجدون لها عند طلوعها.
وتسمى المدينة اغفطوس. وهذا الطائر يكون بها ويعرف في غيرها. فإذا أراد الله بإذنه فيجمع بمنقاره شيئا كثيرا من عيدان الدار صيني. ثم لا يزال يضرب تلك العيدان بجناحيه مكبّا على ذلك لا يفتر، حتى تشتعل نارا. فإذا علا لهبها قذف نفسه فيها حتى يحترق وتأكله النار فيصير رمادا. فإذا كان بعد أيام يعرفون عددها، تصوّر من ذلك الرماد دودة كبيرة فلا تزال تكبر حتى تصير مثل الفرخ ثم ينبت الله له جناحين وريشا وتعود صورة ذلك الطائر لا يغادر منه شيئا. وأهل هذه المدينة يذكرون أن ذلك يكون في كل خمسمائة سنة.
وفي بعض مدن خراسان هوة عظيمة في جبل فيها نار تتقد ولا تطفأ شتاء ولا صيفا. وفي هذه الهوة جرذان كبار بيض تخترق النار في دخولها وخروجها، فإذا كانت خارجة من الهوة ونظرت إلى إنسان بادرت فخاضت النار مخترقة للهوة إلى مواضعها لا تؤذيها النار ولا تحرقها.
ومن كرمان إلى سجستان مائة وثمانون فرسخا. ولها من المدن: زالق
وكركويه وهيسوم وزرنج وبست وناشروذ والقرنين وبها أثر مربط فرس رستم المعروف بالشديد ونهرها المعروف بالهندمند. يقول أهل سجستان أنه ينصب إليه مياه ألف نهر فلا تظهر فيه زيادة. وينشق منه ألف نهر ولا يرى فيه نقصان.
وفي شرط أهل سجستان على المسلمين أن لا يقتل من بلدهم قنفذ ولا يصاد. وذلك أن كل بيت ليس فيه قنفذ هو كثير الأفاعي. والقنافذ تأكل الأفاعي.
ولولا ذلك لأتت عليهم. والقنافذ بسجستان مثل النمس بمصر. فلولاها لأتت الثعابين على أهل مصر.
ومن مدنها الرخج وبلاد الداور، وهي مملكة رستم الشديد ملكه إياها كيكاوس.
وبين مدينة سجستان إلى مدينة هراة ثمانون فرسخا.
ومن شيراز إلى نيسابور مائة وعشرون فرسخا.
ومن شيراز إلى داربجرد سبعة وأربعون فرسخا.
ومن إصطخر إلى السيرجان، مدينة كرمان تسعة وخمسون فرسخا.
ومن كرمان إلى حدّ عمل فارس ستة عشر فرسخا.
ومن جيرفت إلى بم عشرون فرسخا.
ومن جيرفت إلى أول عمل مكران واحد وأربعون فرسخا.
ومن أول عمل مكران إلى المنصورة ومولتان السند ثلاثمائة وثمانية وخمسون فرسخا.
ومن زرنج مدينة سجستان إلى المولتان مسيرة شهرين
/
القول في الجبل
ويسمى هذا الصقع بلاد البهلويين وهي همذان وماسبندان ومهر جانقذق- وهي الصيمرة- وقم وماه البصرة وماه الكوفة وقرميسين وما ينسب إلى الجبل.
وليس منه: الري وإصبهان وقومس وطبرستان وجرجان وسجستان وكرمان ومكران وقزوين والديلم والطيلسان والببر.
/ القول في قرميسين:
قال أبو المنذر هشام بن السائب الكلبي: لمّا ظفر قتيبة بن مسلم بفيروز بن كسرى يزدجرد حيث افتتح خراسان أخذ ابنته شاه آفريد ومعها سفط مختوم فوجّه بها إلى الحجاج. فحملها الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك. فولدت له يزيد الناقص. وفضّ الحجاج السفط فإذا فيه كتاب بالفارسية. فدعا زادانفروخ بن بيري الكسكري فقرأه، فإذا فيه: بسم الله المصوّر، ميّز قباذ بن فيروز إقليمه ووزن المياه والترب ليبني لنفسه مدينة ينزلها فوجد أنزه بقاع إقليمه بعد أن بدأ بالعراق التي هي سرة الأقاليم ثلاثة عشر موضعا: المدائن والسوس وجنديسابور وتستر وسابور وإصبهان والري وبلخ وسمرقند وباورد وبطن بنهاوند- يعني روذراور- وماسبندان ومهر جانقذق وتل ما سير.
ووجد أبرد بقاع إقليمه سبعة مواضع: قاليقلا وأردبيل وهمذان وقزوين وجوالق وخوارزم ومرو.
/ ووجد أوبأ بقاع إقليمه ستة مواضع: البندنيجين وبطن ماستون- وهو شابور خواست- وجرجان والخوار وبرذعة وزنجان.
ووجد أقحط بقاع إقليمه ثمانية مواضع: ميسان وبادرايا ودستميسان والكلتانية وباكسايا وما سبندان والري وإصبهان.
ووجد أبخل أهل إقليمه تسعة مواضع: خراسان وإصبهان وأردبيل وماسبندان وبادرايا وباكسايا وإصطخر وشيراز وفسا.
وأخصب بقاع إقليمه عشرة مواضع أرمينية وآذربيجان وجور ومكران وكرمان ودستبى وماه الكوفة وماه البصرة وأرجان ودورق.
ووجد أجمل بقاع إقليمه عشرة مواضع: الحيرة والمدائن وكلواذى وسابور وإصطخر وجنابا والري وإصبهان وقم والنشوى.
ووجد أعقل سبعة مواضع: عكبرا وقطربل وعقرقوف والري وإصبهان وماسبندان ومهرجانقذق.
وأفطن أهل إقليمه ستة مواضع: إسكاف العليا وإسكاف السفلى ونفّر وسمّر وكسكر وعبدسي.
ووجد أحسد أهل إقليمه خمسة مواضع: جرجرايا وحلوان وسحاران وهمذان وما سبندان.
/ ووجد أعلم أهل إقليمه بالسلاح أربعة مواضع: همذان وحلوان وإصبهان وشهرزور.
ووجد أخف مياه إقليمه عشرة مواضع: دجلة والفرات وجنديسابور وماسبندان وبلخ وسمرقند وقزوين وماسورا وهي عين بقرميسين وماء ذات المطامير وماء ملّجان قرية الثلج بماسبندان.
ووجد أمكر أهل إقليمه أحد عشر موضعا: خراسان وإصبهان والري وهمذان وأرمينية وآذربيجان وماسبندان ومهرجانقذق وتستر والمذار وأرتوى.
ووجود أسرى فواكه إقليمه سبعة مواضع: المدائن وسابور وأرجان والري ونهاوند وماسبندان وحلوان الجبل.
ووجد أقل أهل إقليمه نظرا في العواقب أهل ثمانية مواضع: البندنيجين وما سبندان ومهر جانقذق وأردشير خرّه ورامهرمز وأرمينية وآذربيجان وطخرود، قرية من قرى قم خرج منهم في وقت موافاة العرب أربعة ألف رجل مع كل رجل خادم وسائس وخباز وطباخ إلى نهاوند ليقاتلوا العرب ويمنعوهم من المقام. فقتلوا كلهم بالاسفيذهان فلم يفلت منهم إلّا رجل واحد.
ووجد أسفل أهل إقليمه أهل ستة مواضع: البندنيجين وبادرايا وباكسايا وبهندف وقهقور- بطن بماسبندان- وجرود- بطن بنهاوند-.
ولم يجد ما بين المدائن إلى نهر بلخ بقعة على الجادة أنزه ولا أعذب ماء ولا نسيما من قرميسين إلى عقبة همذان. فأنشأ قرميسين وبنى لنفسه بناء معمدا على ألف كرم. فقرميسين كلمة فارسية معناها كرمانشاهان.
وبنى الأكاسرة من المدائن إلى عقبة همذان وقصر شيرين مقبرة آل ساسان وبعقرقوف مقبرة الكيانيين.
ثم نقل قباذ الأشراف من فارس وخراسان وكذلك أهل الجمال والأدب والفروسية فأسكنهم حافتي دجلة وأنزل أصحاب الصناعات بطن جوخى وأنزل من كان من وجوه الناس الذين هم دون الأشراف، النهروانات.
وأنزل الحاكة والحجامين بادرايا وباكسايا، وأنزل التجار الأهواز، وأنزل الأطباء سيرى قرية بماسبندان.
فلما ميز قباذ إقليمه وعرف أهل بقاعه مسح البلاد ووقف على الحدود وعدد الفراسخ، اختار النزول بالمدائن ليقرب من الروم. وأخذ في بنائها. وابتدأ بعمل قصر ليسكنه. فكان كلما رفع من حائطه شيئا هبّت ريح عظيم فتقلعه. فلما رأى ذلك وجّه إلى بليناس المطلسم فأحضره من بلده وأمره أن يطلسم مواضع آفات إقليمه. وقال له: ابدأ بالمدائن. وجعل له على كل طلسم يعمله أربعة ألف درهم.
فاتخذ له في موضع الإيوان مكان وسط القصر طلسما كبيرا وجعل حوله أحد عشر طلسما. فأمّا الكبير فللريح التي كانت تقتلع الحائط فسكنت وتمّ البناء. وطلسم للعقارب فقلّت بها. وآخر للحمى، وآخر للجرارات وآخر للسباع وآخر للبراغيث وآخر لاجتماع كلمة أهلها، وآخر ليطيع أهلها ملوكهم ما بقوا، وآخر لملوك الأقاليم أن يهابوا ملك العراق ولا يخالفوه وآخر لتعفّ نساؤهم عن الفجور وآخر لتزكو غلاتهم وثمارهم. وجعل على يمين كل طلسم منها وشماله وقدامه وورائه كنزا بينه وبينه أربعون ذراعا. ثم طلسمها وكنوزها أن تخفى عن الناس فخفيت.
ويقال إنه ما بني بالآجر والجص بنية أبهى ولا أجل ولا أحكم ولا أعلى سقفا ولا أكثر ذرعا من إيوان كسرى بالمدائن. وفيه يقول البحتري من شعر طويل:
وكأن الإيوان من عجب الصنعةجرب في جنب أرعن جلس
/
مشمخر تعلو له شرفاترفعت في رؤوس رضوى وقدس
ليس يدرى أصنع إنس لجنّسكنوه أم صنع جنّ لإنس
قال: وأنشدني ابن الحاجب لنفسه يصف الإيوان:
إن خانني زمن فمن هذا الذيلم تستبحه خيانة الأزمان
أخنى على عاد وأهلك تبّعاوسطا بقدرته على النعمان
وأزال ملك الفرس بعد ثبوتهوهوى بكسراها أنوشروان
آثارهم تنبيك عن أخبارهمنطقا وليس مغيّبا كعيان
هل أسمعت أذناك مثل حديثهمأو عاينت عيناك كالإيوان؟
قصر يكاد يردّ حسن بنائهعند التأمل أعين العميان
تعلو له شرف كأن شخوصهابيض الحمائم في ذى الأغصان
حفّت به كحفوف وقد أحدقوابحريم بيت الله ذي الأركان
وكأنها في وسط كل دجنّةنار تشب لعابد الرهبان
أو فتية شربوا فأثر فيهمفعل الشراب مخيلة النشوان
وضعوا الأكفّ على الحضور ورفّعوافوق الرءوس أكلّة المرجان
مصطفة كبنات نعش في ذرىعالي السموك موثّق البنيان
الفت مجاورة السموك سموكهوترفعت عن يذبل وأبان
فكأنما بين السماك وبينهشر فما ينيان ينتحيان
صور من الآساد في جنباتهما ان لها اجم سوى الجدران
أسد على فرس الرجال قديمةلو انها كانت من الحيوان
/ ومعسكران لكل حزب منهمارجل أمام مواقف الفرسان
جيشان لو وقع التناجز منهمالم يبق من جمعيهما رجلان
لولا وقوع اليأس من حركاتهملظننت أنهما سيقتتلان
لبسوا من الألوان أصفر فاقعافأتاه ناصعه بأحمرقان
ومورّد في خضرة فكأنهزهر تكنف حافتي بستان
ثم رجع بنا القول في قرميسين وذكر عجائبها.
قال أبو المنذر: طلسمات إيران شهر غير ظاهرة، وعند كل طلسم منها علامة إما صخرة وإمّا تمثال. وجميع ذلك من كل طلسم على أربعين ذراعا.
قال: ولما انتهى بليناس إلى طرازستان وعمل بإزاء القنطرة طلسما للغرق فسلم أهلها منه. وآخر خلف القنطرة فاستتمّ بناؤها. وآخر عن يمينها، فجرى الماء الذي عندها. وآخر عن يسارها فسلمت من السحر. وعمل بالبندنيجين طلسما للغرق فأمنوا. وآخر للقيّارة- عين القير- حتى نضبت. لولا ذلك ما أمكن أحد أن يشرب من الماء الذي هناك. وكذلك عمل آخر للنفاطة حتى انصرف شعب النفط إلى جهة أخرى عن الماء.
وعمل عن يسار البندنيجين طلسما للزنابير وآخر للذبة فقلّت وكانت أكثر الأرض ذبة وزنابير.
وعمل بقرية من قرى ماسبندان تسمى تومان، طلسما لأجمة كانت هناك لا يسلكها أحد في الشتاء إلّا غرق في طينها.
وعمل في هذه القرية أيضا طلسما لحمّة كانت هناك ماؤها شديد الحرّ، كانت تظهر في الشتاء وينقطع ماؤها في الصيف. فلما طلسمها جرى ماؤها شتاء وصيفا ولم ينقطع في وقت من أوقات السنة.
ومن عجائب قرميسين أن الهواء لم يكن يهب فيها في الصيف ليلا ولا نهارا.
/ فشكا قباذ إلى بليناس ذلك، فعمل لها طلسما حتى هب الهواء بها على ما يهب في غيرها.
وطلسم أيضا قرية بالقرب منها يقال لها كركان. وكانت تقوم بها سوق في كل عام فيتلف فيها خلق كثير بالعقارب. فقلّت العقارب فيها وخف عن أهلها ما كانوا يلقون منها. ويقال إنه لا يوجد منها عقرب. وإن وجد لم يضرّ. ومن أخذ من ترابها وطيّن بها حيطان داره في أي بلد كان، لم ير في داره عقربا. ومن أخذ منه عند لسعة العقرب إياه وشربه، عوفي لوقته. ومن أخذ منه شيئا وأخذ العقارب بيده لم يخشها.
ومن عجائبها وهو أحد عجائب الدنيا، صورة شبديز. وهو في قرية يقال لها جانان ومصوّره فنطوس بن سنمار. وسنمار هو الذي بنى الخورنق بالكوفة. وكان سبب صورته في هذه القرية أنه كان أزكى الدواب وأعظمها خلقا وأظهرها خلقا وأصبرها على طول الركض. وكان ملك الهند أهداه إلى برويز الملك. فكان لا يبول ولا يروث ما دام عليه سرجه ولجامه ولا ينخر ولا يزبد.
وكانت استدارة حافره ستة أشباره.
[فاتفق أن شبديز اشتكى وزادت شكواه، وعرف أبرويز ذلك وقال: لئن أخبرني أحد بموته لأقتلنه. فلمّا مات شبديز خاف صاحب خيله أن يسأله عنه فلا يجد بدا من أخباره بموته فيقتله. فجاء إلى البهلبند مغنيه- ولم يكن فيما تقدم من الأزمان ولا ما تأخر أحذق منه بالضرب بالعود والغناء-، قالوا: كان لأبرويز ثلاث خصائص لم تكن لأحد من قبله: فرسه شبديز وسريته شيرين ومغنيه بهلبند.
وقال: اعلم أن شبديز قد نفق ومات. وقد عرفت ما أوعد به الملك من أخبره بموته، فاحتل لي حيلة ولك كذا وكذا. فوعده الحيلة.
فلما حضر بين يدي الملك غنّاه غناء ورّى فيه عن القصة إلى أن فطن الملك وقال له: ويحك! مات شبديز؟ فقال: الملك يقوله. فقال له: زه. ما أحسن ما تخلصت وخلصت غيرك. وجزع عليه جزعا عظيما]. فأمر قنطوس بن سنمار بتصويره. فلما فرغ منه أعلم برويز بذلك. فجاء حتى وقف عليه ونظر إليه واستعبر باكيا عند تأمله إياه وقال: لشدّ ما نعى هذا التمثال إلينا أنفسنا وذكّرنا ما نصير إليه من فساد حالنا. ولئن كان في الظاهر أمر من أمور الدنيا يخلو من أمور الآخرة، إن فيه لدليلا على الإقرار بموت جسدنا وانهدام بدننا وطموس صورتنا ودرس أثرنا
للبلى الذي لا بد منه. مع الإقرار باليأس من البقاء الذي لا سبيل إليه أن يبقى من جمال صورتنا ومثال بدننا إلّا رسما يتجدد به من أمرنا من الباقين بعدنا مع ما يدرس من آثارنا وذكرنا.
فمن خطر بباله هذا فلينظر إلى ما أمرنا به من هذا التمثال. وليستيقن بدروس رسمه وذهاب بهجته وإلّا فالهلاك غالب على أمره. وقد أحدث لنا وقوفنا على هذا التمثال ذكرا لما يصير إليه حالنا. وتوهّمنا وقوف الواقفين عليه بعدنا حتى كأننا بعضهم ومشاهدون لهم أو من حضر ذلك منهم من ذكر الحالتين اللتين اختلفتا بصاحبه من الحياة وصحة البدن ونفاذ الأمر وما حار إلى ذلك محارّه.
ومن عجائب هذا التمثال أنه لم ير مثل صورته صورة ولم يقف عليه أحد منذ صوّر، من أهل الفكر اللطيف والنظر الدقيق إلّا استراب بصورته وعجب منها وأطال الفكر فيها. حتى لقد سمعت كثيرا من هذا الصنف يحلفون أو يقاربون اليمين انها ليست من صنعة العباد ولا تصوير المخلوقين.
وسمعت رجلا من كبار المعتزلة ومناظريهم يحلف بالأيمان المغلظة أنه ليس من صنعة العباد، وان لله ﷿ فيه خبيئة سوف يظهرها يوما ما.
/ وسمعت بعض الفقهاء العلماء يقول: لو أن رجلا خرج من فرغانة القصوى وآخر من السوس الأبعد، قاصدين إلى شبديز حتى ينظرا إليه ما عنفا على ذلك.
وأنت إذا فكرت في أمر صورة شبديز هذه وجدتها كما ذكر هذا المعتزلي.
فإنه إن كان من صنعة الآدميين، فقد أعطي ما لم يعط أحد من العالمين. فأي شيء أعجب وأظرف أو أشد امتناعا من أنه سخرت له الحجارة كما يريد، ففي الموضع الذي يحتاج إليه أن يكون أسود، أسود. وفي الموضع الذي يحتاج إليه أن يكون أحمر، أحمر. وكذلك البياض وسائر الألوان. فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقال لي أبو علي محمد بن هارون بن زياد- وكان حكيما فيلسوفا- وقد
تجارينا ذكر شبديز فوصلنا إلى هذا الفصل: ما يكون أن تكون حجرة واحدة احتفر فيها هذه الألوان في المواضع التي احتيج إليها. ولكنه لمّا فرغ من الصورة صبغها بما احتاج إليه من الأصباغ. ثم دهنها بعد ذلك بدهن كان يقف عليه. يوهم أن ذلك الألوان خلقة في الحجر غير معالجة بشيء من الأشياء.
قال: وأنشدني أبو محمد العبدي الهمذاني لنفسه
من ناظر معتبر أبصرتمقلته صورة شبديز
تأمّل الدنيا وآثارهافي ملك الدنيا أبرويز
يوقن أنّ الدهر لا يأتلييلحق موجودا بمهزوز
أبعد كسرى اعتاض عن ملكهبخطّ رسم ثمّ مرموز
يغبط ذو ملك على عيشةرنق يعانيها بتوفيز
/ خلّ عن الدنيا فلا طائلفيها لذي لب وتمييز
نعمى وبؤسى أعقبت هذهتيك، فذو العزّ كمغروز
وأنشدني الحسين بن أبي سرح لأبي عمران الكسروي:
وهم نقروا شبديز في الصخر عبرةوراكبه برويز كالبدر طالع
عليه بهاء الملك والوفد عكّفيخال به فجر من الأفق ساطع
تلاحظه شيرين واللحظ فاتنوتعطو بكفّ حسّنتها الأشاجع
يدوم على كرّ الجديدين شخصهويلفى قويم الجسم واللون ناصع
وقال آخر:
شبديز منحوت صخر بعد بهجتهللناظرين فلا جري ولا خبب
عليه برويز مثل البدر منتصباللناظرين فلا يجدي ولا يهب
وربما فاض للعافين من يدهسحائب ودقها المرجان والذهب
فلا تزال مدى الأيام صورتهتحنّ شوقا إليها العجم والعرب
وقال أبو الحسن العجلي في صورة شبديز:
أباح للطرف السهاد والسهرووكّل الجفن بماء منهمر
طيف سرى وهنا لريّا فظهريا حبّذا الطارق في وجه السحر
في الليل يبدو والنهار يستترتلك التي تزري بشمس وقمر
وغرة زاهرة تغشي القمرحال بهاها الجمال فقطر
شبّهتها حين تبدّت في حفرشيرين في حسن اعتدال وقدر
كأنّما تنفث سحرا مستمرتكاد تسبي ناظراها من نظر
بطرّة مشرقة من الطرروحاجب خطّ بمسك فشطر
وشاهد عقرب في الخدّ النضرما أن به من ندب ولا أثر
لولا الذي من أنف شيرين كسرشلت يدا آمره والمؤتمر
لقد أتى بفعله إحدى الكبرما كان أقوى قلبه حين جسر
ويل أمّه لقد تعاطى فعقرفجاءه أمر الأمير فحبر
وعمّر البهو وقد كان دثروهي كهاتيك ولكن من حجر
كسرى وشيرين وشيخ ذو كبرعليهم التيجان من فوق الوفر
تسقيهم شيرين راحا بقدرفي البهو والبهو عليه محتجر
يحثّهم مدجّج على ظهرمنصلت حربته ذات شرر
كأنّما يطرد مهدوب الوبرأو الشبيهات يعيران البقر
لا الزام إنسيا ولا الطرف أغرعادته صيد الظباء والعفر
والترس في يمناه لما يستترشاكي السلاح كالكميّ المنكدر
كأنما الدرع عليه قد سمروعن يمين البهو نهر قد زخر
فيه صنوف الصيد من بحر وبروالفلك والنون فيه منشمر
وفارس عن الشمال مستدرتكاد أن تنبض يمناه الوفر
ومنهم فوق الحصان قد سكرتكفّه شمسته من حرّ وقر (!
وفوق عقد البهو عند المختبرخلقان مكتوبان في خلق البشر
والشرفات فوق هامات الحزروالملكان صعدا كما أمر
في الطاق بأن بالحديد والدسروفي التماثيل على الماء بقر
ثلاثة من عاقر ومعتقريحثّهم منازع فيه طمر
وعقد طيقان ونهر محتفروصاحب النهر على الماء خطر
يدفعه من نهر إلى نهرفانظر فهذا وصف ما منه ظهر
فيه لمن عمّر وعظّ وعبريا أيّها السيد ذو الوجه الأغرّ
شرفت كسرت وأنكرت ما ذكر (؟من شرف الملك القديم والخطر
قال: وأنشدني أبو نصر، رجل من أهل قصر اللصوص يذكر شبديز والبناء الذي بقصر اللصوص:
يا طالبي غرر الأماكنحيّوا الديار ببرز ماهن
وسلوا السحاب تجودهاوتسحّ في تلك الأماكن
وتزور شبديز الملوكوتنثني نحو المساكن
واها لشيرين التيقرعت فؤادك بالمحاسن
فمضى على غلوائهلا يستكين ولا يداهن
واها لمعصمها المليحوللسوالف والمغابن
في كفّها الورق الممسّكوالمطيّب والمداهن
وزجاجة تدع الحكيم إذاانتشى في زيّ ماجن
انعظت حين رأيتهاواهتاج منّي كلّ ساكن
فسقى رباع الكسرويةبالجبال وبالمدائن
دان يسفّ ربابهوتناله أيدي الحواضن
وقال بعض الشعراء في شبديز وقد اجتاز بموضعه رجل من الملوك فاستحسن المكان وشرب هناك ثم أمر أن يخلق وجه شبديز وشيرين بالزعفران ففعل ذلك:
كاد شبديز أن يحمحم لمّاخلق الوجه منه بالزّعفران
وكأنّ الهمام كسرى وشيرينمع الشيخ موبذ الموبذان
من خلوق قد ضمخوه جميعاأصبحوا في مطارق الأرجوان
وأنشد لأحمد بن محمد:
بوستان طاق ليس في الأرض مثلهوفيه تصاوير من الصخر محكم
وبرويز فيه والمرازب حولهوشيرين تسقيهم وشيخ مزمزم
وبهرام جور والمقاول مثّلوشروين فيهم قاعد متعمّم
وخرّين قد أجرى وأومى بسرعةإلى طفلة حسّانة لا تكلّم
وموبذهم في الطاق صوّر عبرةوهربذهم بالجهل والجور يحكم
وكث يحوز الماء في النهر واقفليقسم فيما بينهم ليس يظلم
وأسراب عين والكلاب تحوشهاوطرف عليه المرزبان المكرّم
وصوّر فيه كلّ وحش وطائرمن الطير والعنقاء ما الله أعلم
وأسد وصيران وشاة وأعنزوحيتان بحر في السفين تعوّم
/ وما دبّ من ذرّ ونمل وعقربوفيل وفيّال عليه يدمدم
وقبج ودراج وظبي وأرنبوباز وصقر قد يصيد وقشعم
ومكتب صبيان وتأديب غلمةوشيخ عديم قيل هذا معلّم
وصوّر فطّوس على الطاق نفسهعليه جناحا طائر لا يحوّم
فسبحان ربّ سخّر الصخر عنوةفصوّر فيه كلّ شيء مقوّم
لقد أبدع الرومي في الطاق بدعةأقرّ له بالحذق عرب وأعجم
وبقرميسين الدكان الذي اجتمع عليه جماعة من ملوك الأرض منهم فغفور ملك الصين وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وقيصر ملك الروم عند كسرى أبرويز. وهو دكان من حجارة مربع مائة ذراع في مثلها من حجارة مهندمة مسمّرة بمسامير الحديد، ولا يتبين فيه ما بين الحجرين فلا يشك من رآه أنه قطعة واحدة.
وأنشد لأحمد بن محمد فيه:
بين القناطر والدكّان أبنيةفاقت على كلّ آثار وبنيان
دكّان صخر على تلّ بنوه فماندري لجنّ بنوه أم لإنسان
لأنها صخرة ملسا ململمةعجيبة الشأن فيها كلّ ألوان
قد هندسوه فأوفوه على عمدوهندموه فما يخفى على جان
قالوا بأنّ ملوك الأرض اجتمعواعليه عند أبرويز بن ساسان
وبقصر اللصوص بناء عجيب وأساطين محكمة.
وقال أبو عبد الله محمد بن إسحاق: رأيت الحسين بن أبي سرح في المنام بعد موته وكأني أسأله أن يملي عليّ خبر شبديز ومن صوّره وكيف صوّر فقال:
اكتب، استأنسوا بملامس الصخور، ولم يستوقفوا عن صغائر الأمور. وصوروا الجواري الأبكار، في الصخور الكبار، كأن لم يسمعوا بجنة ولا نار
في أبنية البلدان وخواصها وعجائبها
قال بطليموس: إن اختلاف الأمم في ألوانهم وأخلاقهم وأجسامهم وطبائعهم وجميع حالاتهم من ثلاثة وجوه:
واحدها: من بعد الأرض من خط الاستواء. وهو مثل البلاد وانحرافها عن الخط يمنة أو يسرة.
الثاني: من قبل طبائع البروج المحاذية لسمت تلك البلاد والغالبة على طبائعها.
والثالث: بعد البلاد من مدار الشمس وقربها منه.
فأمّا الأرض العامرة في ربع الأرض الشمالي، فما كان منها متيامنا وهو ما بين تغير الربيع إلى تغير الصيف، وهو الذي محاذيها من البروج ما بين الحمل إلى السرطان. فإذا توسطت الشمس وسط السماء كانت على سمت رؤوسهم فأحرقتهم. فلذلك صارت أجسادهم سودا وشعورهم قططا وجثتهم ذابلة، وطبائعهم حارة وعامة أشكالهم متوحشة لشدة حرّ أرضهم. وهم الحبشة والزنج والنوبة وأنواع السودان. وليس يكون ذلك فيهم وحدهم، ولكنه يكون في الهواء المحيط بهم. وكذلك يبس دواب أرضهم وشجرهم في جميع ذلك تحرقه أرضهم.
وأما ما كان متيامنا من الأرض فلتباعد سمت رؤوسهم عن مدار الشمس وحرارتها ومدار البروج، كان مكانهم باردا تنالهم كثرة الرطوبة. وتكون
ألوانهم بيضا وشعورهم سبطة وأجسادهم عظاما وطبائعهم إلى البرد وشكلهم متوحش لشدة برد أرضهم. وشتاؤهم شديد مفرط البرد، وشجرهم عظام ودوابهم على مثل هواء أرضهم. وهم الترك.
وأما ما كان من الذين سمت رؤوسهم تحت السرطان ومن سمت رؤوسهم تحت الدينة فلأن الشمس لا تستوي على رؤوسهم، ولأنهم لم يميلوا إليها جدا، فلذلك هواؤهم حسن التمزيج وموضعهم معتدل، ليس فيه برد شديد ولا حرّ شديد. وألوانهم وأجسامهم وسط، وطبائعهم ممتزجة ومراتبهم في جميع حالاتهم متقاربة.
ومن كان من هؤلاء متيامنا فعامتهم أهل ذكاء وفطنة ودقة نظر وعلم بالنجوم وغير ذلك من العلوم، لقرب سمت رؤوسهم من مدار الكواكب الجارية والبروج.
فمن أجل ذلك تنازعهم نفوسهم إلى طلب علم النجوم والآداب. ومن كان مشرقا فهم مذكوّون وأنفسهم شديدة وهم أهل تنافس في الشرف والزيادة. لأن المشرق فيه طبيعة الشمس.
ومن يعزف منهم مغربا، فإنهم مؤنثون وأجسامهم لينة وعامة أعمالهم خفية.
لأن المغرب للقمر أو لدونيّة من مهلك من المغرب. فلذلك جعل المغرب مؤنثا ليّنا.
والشمال خلاف المشرق.
وفي هذه الأقسام قسم مختلفة في الشبه والطبائع والأدب على نحو ما يحيط به من الهواء الحار والبارد والممتزج وذلك ينقص ويزيد في كل كوكب ومكان على نحو ارتفاع الأرض وانخفاضها. والدليل على ذلك، أن بعض الناس صاروا نواتية وهم أصحاب السفن البحرية لقرب أرضهم من البحر. وصار آخرون أهل دعة وذلك لخصب بلادهم وكثرة خيرهم. وكذلك موافقة الأقاليم للبروج التي عليها في الطبائع. فإن طبائع كل إقليم على مثل طبائع البروج التي تتولاه.
وقسمت الأرض العامرة على أربعة أجزاء:
فأول الأجزاء: أورس، وهي بين الشمال والدبور ويوافقها من مثلثات البروج التي لها ما بين الشمال والدبور وهي مثلثة: الحمل والأسد والقوس ويدبّرها المشتري والمريخ. وجميع ما في هذا الربع من الأمم: بريطانية وعليا وجرمانية وانوليه وصقلية وطونيا. وهم أعزاء غير خاضعين، يحسنون أخذ السلاح والعمل به، وهم أصحاب زي ولباس، يحبون مجامعة الذكران ويغارون عليهم ولا يرون ذلك شينا ولا مأثما. وأنفسهم مذكّرة وليست لهم غيره على النساء، ويهون عليهم الجماع.
والربع الثاني هو الذي من الجنوب والصبا. ولهم المثلثات: الثور والعذراء والجدي. ووالي تدبيرهم: الزهرة وزحل مشرقين. وطبائع هذه الكواكب على نحو طبائع الذي يدبرهم. فإنهم يسجدون لها ويسمعون الزهرة أنيس، والزحل يبسون، وفيه كهنة يخبرون عن الأشياء قبل أن تحدث. ويعظمون أمهاتهم وأخواتهم وجميع الإناث لتدبير الزهرة وزحل إياهم. وفيهم الورع، لأن الزهرة طبيعتها الورع. وبلادهم حارة ويحبون المجامعة والرقى والرقص واللهو والمجون من أجل الزهرة أيضا. ولا يجامعون الذكران، وينكحون أمهاتهم ويولدونهم ويرون أن ذلك تعظيم لهنّ. وأنفسهم عظيمة. وهم أشدّاء مقاتلون لتشريق زحل. ونصيب هذا الربع من وسط الأرض: أروميا وقيلسوسينا وتوريا وحلبايا. وهذه البلدان من الشمال والدبور. وهو الحمل والأسد والقوس. ووالي تدبيرهم المشتري والمريخ والشمس وعطارد. ولذلك صاروا أهل تدبير وصناعة وتجارة وعقل وسخاء.
وكتابة. وفيهم غش وخبث.
وأما الربع الثالث:
فمنها: أرمينية الأولى والثانية والثالثة والرابعة. والبلدان التي بين الشمال والصبا. وهو أحد التي يقال لها الجامع. وواليها من المثلثات التي بين
الشمال والصبا وهي الجوزاء والميزان والدلو وأصحاب تدبيرها زحل والمشتري مشرقين، فلذلك صار الذين في هذه الكور يسجدون للشمس والمشتري وهم يشبهون المجوس وعباداتهم وآدابهم حسنة. ولهم ملاحة وقبول. ماضين للحق، مقتصدين في مجامعة النساء. ويحبون البرّ والصلة. وعامة ذلك من تشريق زحل والمشتري.
فأما الربع الرابع الذي بين الحوت والميزان واليه من المثلثات: السرطان والعقرب والحوت. ومدبّرهم من الكواكب: المريخ والزهرة مغربين. فأسماء الأمم التي في هذا الربع: قونيه وميدنية وإفريقية ومور طلينا وطنجه ومراميه.
فلذلك أهل هذه البلاد يملّكون رجلا وامرأة. فأما الرجل فيملك الرجال، والمرأة تملك النساء. ويحبون مجامعة الإناث وعامة نكاحهم زنى. ويحبون الزينة والمال، ويتزينون بزي النساء من أجل الزهرة. وهم أهل غش وسحر وجرأة [في إلقاء] أنفسهم في المهلكة من أجل المريخ وولايته إياهم.
ونصيب هذا الربع من وسط الأرض وسقى وتمريقى والبرط السفلى واطرز المغرب ومارثها والحبشة والاسطون وهم ما بين الشمال والصبا.
ولهم من المثلثات: التومين والميزان والدلو. ومدبّرهم من الكواكب: زحل والمشتري وعطارد. وهذه الكور قريبة من مدار الكواكب الخمسة الجارية إذا كانت مغربة. ولذلك هم أهل تدين وتعظيم الآلهة. يعرفون حقّها ويحبون النياحة. ولهم آداب كبيرة مختلفة وأديان متفرقة. وإذا ملكوا كانوا أذلّاء جبناء صابرين. وإذا ملكوا كانوا أهل طيب أنفس وعطية كثيرة. وخلقهم على نحو طبيعة أرضهم.
وعامة ذكرانهم ضعفاء مؤنثون يتركون الجماع من حيث ينبغي ويأتون النساء من حيث لا ينبغي لتقريب الزهرة.
وذكروا أن الأرض والماء وسائر الطبائع كرية. وان استدارة الأرض كلها وجبالها وبحارها أربعة وعشرون ألف ميل. وان قطرها وعمقها وعرضها سبعة آلاف وستة وثلاثين. وانهم استدركوا ذلك بأنهم أخذوا ارتفاع القطب الشمالي في مدينتين هما على خط الاستواء مثل مدينة تدمر والرقة، فوجدوا ارتفاع
القطب في مدينة الرقة خمسة وثلاثين جزءا وثلثا. وارتفاع القطب في مدينة التدمر، أربعة وثلاثين، بينهما زيادة جزء وثلث. ثم مسحوا ما بين الرقة وتدمر فوجدوه سبعة وعشرين ميلا. فعلموا أن لكل جزء وثلث، جزء من أجزاء الفلك الأعظم. فالظاهر من الفلك سبعة وستون ميلا من الأرض، والفلك ثلاثمائة وستون جزءا على ما اتفق عليه علماء الروم والهند وبابل. وإنما قسموه هكذا، لأنهم وجدوا الفلك قد اقتسمته البروج الاثنا عشر، ووجدوا الشمس تقطع كل برج منها في شهر وتقطع البروج في ثلاثمائة وستين يوما. فبهذه القسمة والمقاييس استدركوا علم الساعات والكسوفين. وبها استخرجوا الآلات والاصطرلابات وعليها وضعوا كتبهم.
وقالوا أيضا: الفلك مستدير. واستدلوا بذلك لأنه يدور على محورين وقطبين، اللذين هما القطب الشمالي. والجنوبي فأما أهل البلدان التي مالت إلى ناحية الشمال، فإنهم يرون القطب الشمالي وبنات نعش ولا يرون القطب الجنوبي ولا الكواكب القريبة منه. ولذلك صار سهيل لا يرى بناحية خراسان ويرى في العراق أياما في السنة. فأما في البلدان الجنوبية فإنه يرى فيها السنة كلها. فمتى مال إلى الناحية الجنوب، غاب عنه القطب الشمالي والكواكب التي تقاربه. وهذه الكواكب التي هي قريبة من القطب تدور حوله دورانا مستديرا مستويا يرى بالعيان مثل الشمس فإنها بالصيف تطلع من وسط المشرق ثم تصعد في الفلك صعودا مستويا، ثم تهبط على مثال ذلك الدور، ثم تغيب تحت الأرض. فتدور هناك مثلما تدور هاهنا حتى تطلع.
وزعموا أن البحر أيضا كريّ مدور. وبرهان ذلك أنك إذا لججت فيه غابت عنك الأرض والجبال شيئا بعد شيء حتى خفي ذلك كله، ولا ترى شيئا من شوامخ الجبال. فإذا أقبلت نحو الساحل، ظهرت لك قلل الجبال وأجسامها شيئا
بعد شيء. فإذا قربت من الساحل، ظهرت الأرض والأشجار. والأرض قسمان:
أحدهما مسكون والآخر غير مسكون. والمسكون منه قسمان: أحدهما مفرط الحر وهو جهة اليمين لأن الشمس تقرب منه فيلتهب هواؤه. والآخر جهة الشمال وهو مفرط البرد لبعد الشمس منه.
فكل مدينة موضوعة في جهة المشرق فهي أشد اعتدالا وأقل اسقاما. لأن الشمس تصفي تلك المياه التي تجري فيها.
والمدن الموضوعة بإزاء المغرب، تكثر أمراض أهلها لأن مياههم كدرة متغيرة، وهواؤهم غليظ، لأنه يبقي تلك الرطوبات فيه فتغلظ مياههم.
والمدن الموضوعة على جهة الجنوب تكون مياهها حارة كدرة متغيرة مالحة لينة تسخن في الصيف وتبرد في الشتاء. وأبدان أهلها رطبة لينة لما يتحلب إليها عن الرطوبات من أرضهم. وتكثر نساؤهم الإسقاط بسبب الرطوبات ولا يقدرون أن يكثروا من الطعام والشراب لضعف رؤوسهم. لأن كثرة ذلك تغمّ أدمغتهم وتغيرها.
وقلما تعرض لهم الحميات الحارة.
والمدن الموضوعة في جهة الشمال على إزائه فإن مياهها فاسدة رطبة ثقيلة النضج. وأهلها أقوياء أشدّاء عراض الصدور دقاق السوق رؤوسهم صحيحة يابسة وأعمارهم طويلة لصحة أبدانهم وكثرة فضول الرءوس. وتكون أخلاقهم وحشية.
ويقل حمل نسائهم، لكنهن لا يسقطن لبرد الماء ويبسه ويلدن بشدة وصعوبة وتتسع لذلك صدورهن. وإنما رقّت سوقهن لارتفاع الحرارة عنها. ويكثرون الأكل ولا يكثرون الشراب.
قال: وسكان ناحية الجنوب سود جعاد دقاق الكعوب كحل العيون سود الشعور خفاف اللحوم. فيهم الحفظ والذكاء والبرّ والطرب والحرص والسرقة.
وسكان ناحية الصبا أقرب شبها بأهل ناحية الجنوب وهم دونهم فيما وصفت. وسكان ناحية الدبور أقرب شبها بأهل ناحية الجنوب وهم دونهم.
وأهل المغرب مختلفون في هيئاتهم، فأما سكان سواحل البحر منهم فقريب
شبههم من سكان ناحية الجنوب. وسكان ناحية الصبا قريب شبههم بناحية الشمال.
وأهل الهند ممتزجون لأن بلادهم من بلاد الشمال والجنوب.
ولذلك حسنت أخلاقهم وأجسامهم ووجوههم واعتدلت. وكذلك من كانت محلته بين الشمال والجنوب وهم أعدل مزاجا وأحسن عقولا.
وأهل مصر أهل غفلة وقلة فطنة.
والبربر الفطنة فيهم فاشية، وليس فيهم كبر ولا لهم مكر.
والروم أهل صلف وتكلف.
وأهل الشام أهل غفلة وسلامة.
وأهل الحجاز أهل معازف ولهو ومداعبة وتأنيث.
وأهل العراق أهل فطنة وغدر.
وأهل الهند أهل غفلة وشجاعة ولين.
وأهل الصين أهل طلب وخفة وجبن وحذق بالصناعات.
وأهل اليمن أهل غفلة وخفة ولين.
وأهل خراسان أهل غفلة وبخل وحرص وشجاعة.
وقال بقراط في كتاب الأهوية والأبدان: إنّ ما كان من الأمصار مقابل شرق الشمس. فرياحه سليمة وماؤه عذب وأهله قلّما يضرهم تغير الهواء. وكان يقول:
المياه التي تنبع من مواضع مشرقة ومن تلاع وروابي، أفضل المياه وأصحها، وهي عذبة. وبلدها أصح البلاد، لا يحتاج إلى كثرة مزج الشراب، ولا سيما الشرقي الصيفي. لأنها تكون براقة طيبة الريح اضطرارا.
وقال فسطوس في كتاب الفلاحة: أصلح مواضع البنيان أن يكون على تلّ أو كبس وثيق ليكون مطلا. وأحقّ ما جعلت إليه أبواب المنازل وأفنيتها وكواها،
المشرق واستقباله الصبا. فإن في ذلك صلاح الأبدان لسرعة طلوع الشمس ومرّها عليهم. وأن توسع البيوت ويرفع سمكها وتكون أبوابها إلى المشرق. لأن ريح الجنوب أشدّ حرا وأثقل وأسقم.
وأصح البلدان ما كانت على رؤوس الجبال والأماكن التي تواجه مهبّ الصبا. وما كان في قعور وأغوار ومواجهة لريح الجنوب أو الدبور، فهي مواضع رديئة مولدة للأمراض.
والصواب أن تتخذ الدور بين الماء والمشرق وأن تكون شرقية، والبساتين غربية. ومن قرب منزله من النهر كان أقل انية ممن بعد عنه. وقالوا:
لتكن دوركم شرقية وضياعكم غربية. وقال ابن كلدة: جميع خصال الدار، أن تكون على طريق نافذ وماؤها يخرج، وليس عليها متشرّف، وحدودها لها، وتكون بين الماء والسوق. وتصلح أفنيتها لحط الرجال وبلّ الطين وموقف الدواب. وإن كان لها بابان فذلك أمثل.
وكان إياس بن معاوية يقول: شرقي كل بلد خير وأفضل من غربيه.
وكان يقال: الجار ثم الدار، كما الرفيق قبل الطريق.
وقال يحيى بن خالد: دار الرجل دنياه. فينبغي أن يتنوّق في دهليزه فإنه وجه داره ومنزل ضيفه ومجلس صديقه إلى أن يؤذن له. ومستراح خدمه وموضع مؤدب ولده ومنتهى حدّ المستأذن.
ولما قدم موسى بن جعفر على المهدي، كلّمه في ردّ فدك. فقال له: أنا ناظر في ذلك، ولكن أين حدودها؟ قال: أما الأول فعريش مصر. والثاني: دومة الجندل. والثالث: أحد، والرابع: سيف البحر. فقال المهدي: هذه الدنيا كلها.
فقال موسى بن جعفر: هذا كان في أيدي اليهود، فأفاءه الله على رسوله ﷺ.
وكان على رجل من ثقيف دين فطولب به. فقال له الحسن البصري: بع أرضك واقض دينك وأربح نفسك. فقال: يا أبا سعيد! إنا أهل بيت لا نبيع التراب حتى نصل إلى التراب.
وقال عيسى بن بشر الكوفي: أردت شراء دار فسألت جعفر بن محمد ﵁ عن ذلك، فقال: اشترها.
فإن الدار مكرمة.
وفي بعض الخبر قال: من قدم بلدا فأخذ من ترابه وجعله في مائه وشربه، عوفي من وبائه.
وقال قتيبة بن مسلم للحصين بن المنذر: ما السرور؟ قال: امرأة حسناء ودار قوراء وفرس مرتبط بالفناء.
وقيل لرجل بنى دارا وأعظم النفقة عليها: ما أشدّ ما مرّ عليك في بناء هذه الدار؟ قال: أشد ذلك جمعا قائما، الفعلة. وأسهل الأمور النفقة.
وقال بعضهم: سعة الدار تزيد في عقل الرجل، كما أن ضيقها ينقص من عقله. وذلك أن الرجل إذا كان ضيق المسكن فدخل إليه داخل قصف عقله عند حرمه مخافة أن تبدو منهن عورة أو يظهر منهن ما لا يحب ظهوره. فإذا كان واسع المسكن فجميع عقله معه.
وذكر بهبود بن القردمان أنه لما فرغ من بناء الدار التي بنيت لأنوشروان بالمدينة العتيقة أعلم بذلك فأمر المنجمين باختيار يوم لينتقل إليها فيه. ففعلوا ذلك. فلما دخلها وقد نصب سريره وسدلت ستوره وهيئ له تاجه. فلما استوى
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع