تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

الجانب الشرقي (٣)

على السرير ورأى بهاءها وحسنها وجلالة فرشها وآلتها، استعبر عند ذلك باكيا لخطرة خطرت بباله من ذكر الموت وقال: إذا كان سرور الدنيا الذي يمنعه فناؤه وكثرة ما ينوبه من العاهات، فكيف بسرور الآخرة مع بقائه وخلوصه من كل مكروه؟ وإن في هذا لعبرة ينبغي أن لا تسقط على ذي حجى فيرفض الكثير الفاني القليل الباقي. وما أحسبنا إلّا ونجد أشرفنا من الدنيا فيما رفضنا من مخفوض مخايلها وأشخصنا الأبصار إلى ما تطأطأ من أعلام غرورها. ونحن أحرياء أن نوجه ذلك جهته، فيكون غفرانا لما بلغته الدنيا فينا من نهمتها.

ثم قال: أيها الناس! إن الذي بلغنا منه بأقصى قدرتنا لا يمتنع من الخراب والبلى بتوزيعنا إياه وفقده إيانا، وان مداه قليل الغناء عند طول الأجل منا.

ثم نادى مناديه ان الملك يعزم على كل من حضر إلّا قام فأخبر بعيب ان عرفه في بناء الملك فأحجم الناس جميعا عن ذلك. فقام رجل ذميم المنظر رث الهيئة فقال: إن الملك قد عزم علينا بما عزم علينا. فلولا التأثم من عزمه لكان موضوعا عاما ما أمر به. فلذلك نستجيز أن نقول ما وافقنا وخالفه. ومن عيوب بنائه، أنه بني في غيطة من الأرض لا تقع عليه العيون حتى تقرب منه. وأولى المواضع ببناء المدن والدور، المشرف من الأرض لتعلو على ما حولها، وتنظر [ها] الوفود من بعد. ومنها: ان منزل نسائه أعلى منازله. وذلك دليل في الطيرة على أن أمر النساء سيعلو على أمور الرجال. ومنها: ان حق صحن الدار أن يعمر بالخدم والحاشية وكثرة من يدخل ويخرج. وهذا الصحن يفضل عن حاشية الملك وخواصه ويتسع عنهم. وأخرى لم أشأ ذكرها. فإن يكن الملك قد عرفها وإلّا فليعفني من ذكرها. فقال له أنوشروان: كأنك تقول إني لم أنفق فيما عملت من هذا درهما من بيوت أموالنا، وإنما عملت ذلك مما أفاءت علينا أطراف الأسنّة ونحور الخيل من أموال أهل حربنا وأعداء أهل ملتنا المكتنفين لحوزتنا. قال: لئن قال الملك ذلك فما أفاد رسما إلّا بإتلاف رأس من رؤوس أساورته ولا عوض

منهم بما خطر بهم فيه وعرضهم له. فهذا الذي عندي من عيوب هذا البناء.

فقام رجل آخر فقال: قد سمعت مقالة هذا في عيب ما عاب في بناء الملك.

وأنا أقول مثل قوله عن فضل طاعته منه، ورضا منه عنه. فقد بلغ غاية الاسخاط للذي رضاه خلاف رضاها. وإن كان الملك أباه بجهاله بما فيه، فليس بأصغر الخطأين ولا أقلهما فيما ألزمه من وزره. بل لو كان ذلك على معرفة فيما لا يشك فيه من التقصير عن شكره لكان الملك هو الجاني على نفسه. وأشد من هذا وأفحش، ان الملك عسى أن يقول: إني إنما أردت بما شيدت من هذا البناء إعزاز الدين وتفخيم أمره. فلينظر، فإن كان شيء من أمر الدنيا موافقا لأمر الدين، فقد صدق في ظنه. وكذلك العائب له. وإلّا فالعيب في ذلك لازم له دون غيره.

وقام آخر فقال: قد سمعت أيها الملك ما قالا وسبقاني به. وأشد منه وأعيب أن كان خاصّة الملك وأحباؤه لم يجهلوا هذا وأغضوا عليه فلم يؤدّ أحد منهم إليه شيئا من حقه في تبيينه له أو جهلوه ولم يعرفوه. فكل أحد أغنى له وأفصح منهم له وأحق بالموضع الذي وضعهم به. ثم أطرق الناس. فقال الملك خافضا صوته: قد علمنا أن أم الفواحش لم تكن تسوغنا ما هجينا به من مجلسنا هذا حتى يكدّره علينا من طمع في ذلك من وانها فقد لزمته الخبرة والخطأ. ثم سأل عن النفر المتكلمين فإذا هم قوم متظلمون: اثنان من أهل تستر والآخر من أهل أردشير خرة. فأمر بإنصافهم.

وأنشد أبي لمحمد بن القاسم بن يحيى المرتجى في بناء دار

أتمّها الله من دار وأكملهاوبالأمان من الآفات ظلّلها
لله ما هي أبهاها وأنبلهالله ما هي أحلاها وأشكلها
هذا تلؤلؤها قبل التمام فلوتمّت حمت كلّ ذي طرف تأمّلها
الله جلّلها نورا وجمّلهاوبالحسين فتى الإفضال فضّلها
سبحان خالقه سبحان خالقهاسبحان من منه بالتشريف سربلها
لم يبق في الدور بل في الأرض من حسنإلّا وأصبح مجموعا بها ولها
فالحسن خارجها والحسن داخلهاوالحسن يضحك أعلاها وأسفلها
لو كمّلت صورة من حسنها بشرالكمّلت وهي تمثال ممثلها
كأنها غادة أهدت لمالكهاعشقا فوشّحها حليا وكلّلها
حبا أعاليها من عسجد بدعاصيغت وبالدرّ والمرجان فصّلها
ما يبصر المرء فيها بدعة بعدتإلّا رأى حسرة أن لا يقتّلها
كأنّها درة بيضاء أبرزهالا تعرف العين أخراها وأوّلها
كأنّها روضة زهراء ناضرةجاد الحيا زهرها ليلا فأخضلها
كأنّها جنة الفردوس أنزلهاإليه ذو العرش إكراما لينزلها
لم يقض في مصر أن تبدو محاسنهاإلّا ليؤمنها من أن يزلزلها
في بقعة حرة كالمسك تربتهافلم يكن لسوى حرّ ليجعلها
لقد حبا داره منه وخوّلهافتى يرى الأرض نزرا أن يخوّلها
لم يبنها ويوسّع باب مدخلهاإلّا يقصدها الراجي ويدخلها
فلن يساويه حر بعد يعدلهحتى تساويها دار فتعدلها

وقد قوم البناء وذموه ورووا في ذلك أخبارا كثيرة أنا ذاكر بعضها إن شاء الله:

رووا أن النبي ﷺ قال: ما أنفق الرجل من نفقة، إلّا كان خلفها على الله ﷿ ضامنا لذلك، إلّا ما كان في بنيان أو معصية.

وقال ﵇: إذا أراد الله بعبد هونا، أنفق ماله في البنيان.

وقال عبد الله بن زحر: من كسب مالا حراما، بعث الله عليه منتصرات من الأرض.

وقال مروان لأبي هريرة: اكتب لنا شيئا نذكرك به. فقال: تبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، وتجمعون ما لا تأكلون. قال: اكتب لنا غير هذا. قال: ما عندي غيره.

وقال الله ﷿ في ذم البناء «أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ

».

ودخل النبي ﷺ المسجد فإذا هو بعبد الله بن رواحة وأبي الدرداء بمساحته. فقال: ما هذا؟ قال: أردنا أن نمسحه ثم نسأل في الأنصار فنبنيه مثل المسجد الذي بالشام. فقال ﵇: خشيبات وثمام وظلّة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك.

وقال إسحاق بن سويد: كانت المساجد بالقصب مدة، ثم صارت بالرهص حينا، ثم صارت باللبن زمنا، ثم صارت بالآجر. فكان أصحاب القصب خير من أصحاب الرهص، وأصحاب الرهص خير أصحاب اللبن، وأصحاب اللبن خير من أصحاب الآجر.

وقيل للمسيح: لو اتخذت بيتا جديدا. قال: يكفينا خلقان من كان قبلنا.

وقال حذيفة لسلمان: ألا تبني لك بيتا؟ فكأنه كره ذلك. فقال حذيفة:

رويدا حتى أخبرك أنني أبني لك بيتا إذا اضطجعت فكان رأسك من هذا الجانب ورجلك من الجانب الآخر، وإذا قمت أصاب رأسك سقفه. قال: كأنك كنت في نفسي.

ولما بنى معاوية الخضراء قال لأبي ذر: كيف ترى هذا البناء؟ قال: إن

كنت بنيته من مال الله، فإنك من الخائنين. وإن كنت بنيته من مالك فإنك من المسرفين.

وكان الثوري يقول: ما أنفقت درهما قط في بناء.

وبلغ عمر أن رجلا من عمّاله يقال له هارون جصّص بيته. فكتب إليه: إلى هارون بن أم هارون وبيته المجصّص.

وبنى ابن مسعود [بيتا]، فقال له عمّار: بنيت شديدا وتأمل بعيدا وتموت قريبا.

وبنى رجل بناء عاليا فقال له بعض الزهاد: نزلت حيث رحل الناس وأنشد:

أبعد عاد ترجّون الخلود وهليبقى على الدهر بيت اسّه المدر
إلى الفراق وإن طالت سلامتهميصير كل بني ام وإن كثروا

وبنى رجل دارا فقال للحسن البصري: كيف ترى هذا البناء؟ قال: أما أهل الأرض فغرّوك، وأما أهل السماء فمقتوك.

وقال الحسن لرجل بنى بنيانا عاليا: عمدت إلى رزق الله فجعلته في رأس قصر جبار.

وقال المدائني: لما بنى عبيد الله بن زياد البيضاء بالبصرة أمر وكلاءه أن لا يمنعوا أحدا دخولها وأن يحفظوا كلاما إن تكلم به إنسان. فدخلها أعرابي- وكان فيها تصاوير- فتأمّلها ثم قال: لا ينتفع بها صاحبها، ولا يلبث فيها إلّا قليلا. فأتي به ابن زياد وأخبر بمقالته. فقال له: لم قلت هذا؟ قال: لأني رأيت أسدا كالحا وكلبا نابحا وكبشا ناطحا. فكان الأمر على ما قال. لم يسكنها إلّا يسيرا حتى أخرجه أهل البصرة إلى الشام ولم يعد إليها.

وفي خبر آخر: أنه لما بنى البيضاء أمر أصحابه أن يسمعوا ما يقول الناس.

فجاؤوه برجل فقيل له: إنه قرأ- وهو ينظر إليها-: «أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ

وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ

». فقال: ما دعاك إلى هذا؟ قال: آية من كتاب عرضت لي. فقال: والله لأعملنّ بك بالآية الثالثة: «وَإِذا بَطَشْتُمْ، بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ

».

ثم أمر فبني عليه ركن من أركان القصر.

وأنشد لبعضهم.

يا أيّها الباني بناء يفنىهل أنت محتال فباني حصنا؟
من حدّث الدهر يكن محبّاأم للخراب يا ضعيف يبنى؟
إن كنت لا تبقى فلم تعنّىيكفيك بيت أن يكون كنّا
أما ترى الدهر الذي قد أخنىعلى بني آدم كيف أفنى؟
السلف الماضين قرنا قرنافلم يذر منهم أبا ولا ابنا

وقال بعض الشعراء وقد نظر إلى قصور آل طاهر بالشاذياخ وقد خربت:

وكان الشاذياخ قصور ملكفزال الملك عن ذاك المناخ
وكانت دورهم للهو وقفافصارت للنوائح والصراخ
فعين الشرق باكية عليكموعين الغرب تسعد بانتضاخ
كذاك يكون من صحب التراخيفذاك الدهر يعقبه التراخي

وقال في ذلك:

فإن يمس وحشا بابه فلربماتزاحم أفواجا لديه الركائب
يحيّون بسّاما كأنّ جبينههلال بدا وأنجاب عنه السحائب
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
وما غائب من غاب يرجى إيابهولكنّ من قد ضمّه القبر غائب

وقال آخر في ذلك:

فتلك قصور الشاذياخ بلاقعخراب يباب والميان مزارع
وأضحت خلاء شادمهر وأصبحتمعطلة في الأرض تلك المصانع
وغنّى مغنّي الدهر في آل طاهربما هو رأي العين في الناس رائع
عفا الملك من أولاد طاهر مثلماعفا جشم من أهله فمتالع
وأيامهم كانت لديهم وودائعافأرهقهم دهر فردّ الودائع

وقال آخر في البرامكة:

أوحش النوبهار من بعد جعفرولقد كان بالبرامك يعمر
قل ليحيى أين الكهانة والسحروأين النجوم عن قتل جعفر
أنسيت المقدار أم زاغت الشمس عن الوقت حين قمت تقدّر
كيف لم تسحر السيوف فلاتعمل في جعفر كما كنت تسحر؟
إنّ يحيى بن خالد وبنيهأصبحوا فكرة لمن يتفكّر

وقال آخر منهم:

مررت على ربع ليحيى بن خالدوباطنه يشكو الخراب وظاهره
فكادت مغانيه تقول من البلىلسائلها عن أهلها مات عامرة

وقال آخر

مررت على دار لظمياء باللوىودار لليلى إنّهنّ قفار
فقلت لها يا دار غيّرك البلىوعصران ليل مرة ونهار
فقالت نعم أفنى القرون التي مضتوأنت ستفنى والشباب معار
لئن طلن أيام بحزوى لقد أتتعليّ ليال بالعقيق قصار

ومر بعض الكتاب بالدسكرة فرأى ما فيها من البنيان والمصانع والقصور وخان الآجر وحبس كسرى والمدينة فقال:

يا من يأمّ إلى بغداد مجتهداأرح مطيّك بين الحبس والحان
بين القناطر والدساكر والقرىفمحلّ كسراها أنوشروان
تنبيك آثار الملوك بأنّهمكانوا ذوي بأس ذوي سلطان
ولقد عجبت وفي الزمان عجائبما عاينت عيناي في الإيوان
إيوان كسرى شاهق شرفاتهعالي الذرى مستوثق الحيطان
ما أن به إلّا الصدى وحمائممخضرة تدعو على الأغصان
بعد النواعم والأوانس بدّلتهاما وعقبانا مع الغربان
وتبدّلت بعد الأنيس فما ترىإلّا العزيف بها من الجنّان

وقال يحيى بن معاذ: اصرف طرفك في القصور المشيدة والحصون الممردة الأركان، الشاهقة الجدران، وانظر إلى الأبواب المترفة العجيبة البنيان. كيف قد نظمت بكيد المحتالين وإنفاق المشرقين ومهارة الشابزين. عريضة القواعد، محكمة الوسائد، منيفة الذرى، صعبة المرتقى. للطير في جوانبها وكور، وللقطر في معالمها ندوب. قد أنافت على الأبنية وتطاولت على الهضاب بارتفاعها. وأحكمها عاملوها وجردوا فكرهم فيها وبذنوا ذخائرهم فيها وأزاحوا علل مشيديها، وبلغوا أقصى الأمل منها. وجعلوها عدة للدهر وحصنا للزمن. فلا ينالهم فيها عناء. ولا ظفر محاول. فيها العيون الجارية والقباب العالية والحجر السامية. والخرد النواعم والأبكار الفواتن يجررن في عرصاتها الذيول، يسطع منهن ذكي المسك ويعبق العنبر. ترى باطن حيطانها كالو ذابلة تبرق بماء

الطراة. قد مثل فيها التصاوير من الطير والسباع والبهائم والبسنا المرسلات الشعور الفاتنات الثغور. إذا تأملها الناظر توهمها تنطق بألسنة الابتهاج. فكانت لهم مساكن مدة من الدهر، يكلفون بعمارتها، ويفنون في فنون نعمتها، ويرتعون في صحون عرصتها. حتى إذا قصدتهم العزم بانتزاع ما في أيديهم من عوارف النعم، وصبحتهم المثل بخواطف التكبر. فأسلمتهم إلى مدة الفناء ونزعتهم من البقاء. فعادت القصور خلاء لا أنيس فيها ولا ديّار بها. قد أخذ الخراب في أطرافها. واستحالت إلى تحير القصد محارتها. وتنكرت له الأيام مترجمة عما تؤول إليه عواقب أمرها. فللرياح فيها هتيف، وللجن بها عزيف. تصفقها هوج الأعاصير، وتنبت في أغراضها أسهم الدمار. يوقد رمتها عين البلى. وتناولتها يد الفناء. يحار الطرف في حجراتها، وتعجب الأفكار من عرضاتها. لا أنيس فيها ولا أحد يخبر عنها، ولا عالم ينبيك عن أهلها، ولا يحدثك عن سكانها. يرتاع قلبك إذا دخلتها، وتخفق جوانحك متى تأملتها ويسترهن اعتبارك نقوش طيقانها وأصباغ حيطانها بعد ما كانت قرة عين الناظرين، عادت عبرة للمتأملين.

وكذلك فعل الله ﷿ بالعباد وآثاره في البلاد.

قال: وكان السبب في بناء قصر شيرين- وهو أحد عجائب الدنيا- أن أبرويز أمر أن يبنى له باغ فرسخين في فرسخين. وأن يحصل فيه من كل صيد حتى يتناسل جميعه. ووكل بذلك ألف رجل، وأجرى على كل رجل من كل يوم خمسة أرغفة [من الخبز] ورطلين لحما ودورق خمر. فأقاموا في عمله وما أمر أن يجعل فيه من الصيد سبع سنين حتى فرغوا من جميع ذلك. فلما تمّ واستحكم صاروا إلى الفلهبد المغني وسألوه أن يخبر الملك بفراغهم مما أمرهم به. فقال:

افعل. ثم عمل صوتا وغناه به بين يدي الملك، وسماه باغ نخجيران أي باغ

الصيد. فطرب الملك عليه وأمر للصناع بمال فجعلوه للفهلبد. فلما سكر أبرويز قال لشيرين: سليني حاجة. قالت: حاجتي أن تصيّر في هذا الباغ نهرين من حجارة تجري فيهما الخمر، وتبني لي بينهما قصرا لم يبن في مملكتك مثله. فأجابها إلى ذلك. وكان السكر قد عمل فيه، فأنسى ما سألته ولم تجسر على أن تذكّره.

فقالت للفهلبد: ذكره حاجتي وإليك عليّ أن أهب لك ضيعتي بأصبهان. فأجابها إلى ذلك وعمل صوتا أذكره فيه ما وعد شيرين وغناه إياه. فقال: أذكرتني ما كنت قد أنسيته. وأمر ببناء النهرين والقصر. فبني ذلك. ووفت شيرين للفهلبد بضمانها.

فنقل عياله إلى هناك. فلذلك صار من ينتمي إليه بأصبهان.

قال بعض أهل الأدب: قرأت على قصر خراب في المفاوز هذه الأبيات

يا باني القصر كم أنفقت من مالعلى بنائك والبنا بالي (؟
أطمعت نفسك في سكناه مجتهدافصار منك وممن يقتني خالي
وعاد بعدك قصرا لا أنيس بهلم يبق منه سوى رسم وأطلال
هذا دليل على توحيد خالقناأرضا (؟) وينقل من حال إلى حال

قال: وقرئ على حائط شيرين.

يا ذا الذي غرّه الدنيا وبهجتهاوحسن زهرة أنوار البساتين
والدور تخربها طورا وتعمرهاباللبن والجصّ والآجرّ والطين
والمال تكنزه حرصا وتمنعهعن الحقوق التي فيها لمسكين
أما رأيت صروف الدهر ما صنعتبالقصر قصر أبرويز وشيرين
أما نظرت إلى إحكام صنعتهكأنه قطعة من طور سينين
قد صار قفرا خلاء ما به أحدإلّا النعام مع الوحشية العين
من بعد ما كان أبرويز أشحنهابالدارعين وكتّاب الدواوين
وكلّ ليث شجاع باسل بطلكمثل خرّيتها أو مثل شروين
وكلّ رعبوبة بيضاء بهكنةتحكي بنغمتها صوت الوراشين
وبالعجائب من ألوان زهرتهامن بين ورد وخيريّ ونسرين
لم يبق من رسمها إلّا تلؤلؤهاأو ربع دار عفت من طور عبدين
سبحان من خلق الدنيا ودبّرهاوأنشأ الخلق من ماء ومن طين

ومرّ معاوية بوادي القرى فتلا هذه الآية أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ

ثم قال: نزلت هذه الآية في أهل هذه البلدة وهي بلاد عاد، فأين العيون؟

فجاءنا رجل وقال: صدق الله في قوله. أتحب أن أستخرج العيون؟ قال نعم.

فاستخرج ثمانين عينا. وعرف معاوية ذلك فقال: الله أصدق من معاوية.

وقال محمد بن عيينة المهلبي: البئر التي بالماوية هي بئر عاد، لا يقل ماؤها ولو وردها سائر أهل الأرض. وإياها عني أبو النجم العجلي بقوله:

من نحت عاد في الزمان الأوليّ

وذكر الكلبي قال: بينا قوم من كلب يعرفون ببني عمد الله بن كنانه على ما لهم وقد نحروا جزورا ومعهم زهير بن جناب الكلبي، إذ أقبل رجل من بقايا عاد يقال له عبيد بن مسهر وكان أعظم الناس جسما حتى وقف عليهم فهالهم لمّا نظروا إليه. فقالوا: دونك الركاء فشرب جميعه. ثم وقع نائما. فأقام في نومه سبعة أيام، وهرب القوم فزعا وقد ثبت زهير، فلما استيقظ قال: أين قومك؟ قلت: هربوا من رهبتك. فقال: أما لينفعنك ذلك. قم اركب معي. فركب معه فدلّه على مياه كانت لعاد مندفنة، ولم يكن أحد يعرفها غيره. منها الدمقانة وأثرى ونكب ورج والحالة وغير ذلك. ثم قال عبيد لزهير: أخبرني عن ريحكم. قال: زفزف تسقط

الورق. قال فأخبرني عن مطركم. قال: يزيل العود ويقلب الحجر. قال: بحسب ريحكم يكون مطركم.

قال: والعرب تزعم أن بني زهير بن جناب أقوم العرب مياها. وهي التي أوقف إياهم عليها عبيد بن مسهر العادي.

ولبني غاضرة مياه تعرف بلينة يقال إنها ثلاثمائة عين. ويزعم أهل السير أن سليمان بن داود ﵉، خرج من بيت المقدس يريد الشام فلما صار إلى هذا الموضع الذي يقال له لينة- وهي أرض خشنة- عطش الناس، ولحق أهل العسكر أمر عظيم من ذلك. ووجه سليمان ﵇ جماعة يطلبون الماء، ونزل في ذلك الموضع لعطش الناس. قال: فبينا هو كذلك إذ نظر إلى شيطان يضحك ويستغرب في الضحك، فغاط سليمان وأمر بقتله. فقال: لم تقتلني يا نبي الله؟ قال: لضحكك والناس مشرفون على الموت. فقال: إنما أضحك لعطشهم وهم على لجة بحر. قال سليمان: وكيف ذلك؟ قال: مرهم أن يحفروا.

فإن الماء على ذراع. فأمرهم بذلك، فحفروا وأنبطوا الماء. وكان رجل قد حفر حفيرة لنفسه. فلما طال على ذلك الدهر، يدفن عامتها وبقي نميرها ما ذكرنا.

وفيها يقول مضرس الأسدي.

لمن الديار غشيتها بالإثمدفصفاء لينة كالحمام اللّبّد

ويقال: إنه لم يمت قوم عطشا إلّا على ماء.

ومات قوم من العطش الشجى في أيام الحجاج- والشجيّ منزل من منازل طريق مكة من ناحية البصرة- فاتصل خبرهم بالحجاج فقال: إني أظنهم دعوا الله حين بلغ بهم الجهد، فاحفروا في مكانهم الذي كانوا فيه، فلعل الله أن يسقي الناس. فقال رجل من جلسائه: قد قال الشاعر:

تراءت له بين اللوى وعنيزةوبين الشجى مما أحال على الوادي

ما تراءت له إلّا على ماء. فأمر الحجاج عبيدة السلمي أن يحفر بالشجى بئرا. فحفر فأنبط ماء لا ينزح.

وكانت الفلاسفة تقول: أفضل مستنبط المياه ما كان محاطا بشعاب الأودية.

وأمثل منازل السفر ما اتخذ على مجامع الطرق. وأمثل الغيث ما أمرع.

وقال بعض العرب: إن الله ﷿ أخفى ماء بإرم والبديعة ونعمان وعنلان لعباده المؤمنين. وهذه المياه كلها.

وقال المنصور يوما لجلسائه- وقد تذاكروا البرّ والبحر-: عدوّا أربعة عشر مرحلة من أي موضع شئتم، فإنكم لا تبلغون آخر العدد حتى تصلوا إلى البحر، إن شئتم شرقا وإن شئتم غربا.

وقال السدي: الجبل الذي تطلع الشمس من ورائه، ارتفاعه في السماء ثمانون فرسخا.

وقال المروزي: قرأت على المأمون جواب أرسطاطاليس أستاذ الإسكندر إلى الإسكندر فيما أعلمه من فتحه البلدان وجمعه الأموال التي يتعذر عليه حملها، وعجبه من بيت ذهب ظهر له بالهند. فأجابه: إني رأيتك تعجب من عمل عملته أيدي الآدميين، وتترك التعجب من هذا السقف الرفيع الذي هو فوقك وتزيين من زيّنه بالكواكب ونصبه على الحكمة البالغة. فأما البلدان التي افتتحتها، فليكن ملكك إياها بالتودد إلى أهلها. ولا تملكها عليهم بالقهر والبغضاء. فإن طاعة المودة أحمد بدءا وعاقبة من طاعة القهر والاستكراه. وأما الأموال، فليكن حملك إياها في جلد ثور. ففهم عنه الإسكندر ما رمز به إليه في هذه اللقطة ودفن في كل بلد شيئا من الأموال، وأثبت مواضع الكنوز في جلد ثور مدبوغ وحمله إلى الروم.

فهو إلى اليوم باق في خزانة الملك. فربما أمر بإخراجه وانتساخ مواضع منه، وأنفذ قوما من أصحابه وكتبها لهم فاستخرجوها. وأكثر ذلك في الجبال والمواضع التي يخفى أمرها.

واجتاز رجل من بني تميم برجل منهم وهو يغرس فسيلا. وكان الغارس شيخا. فقال له: كم أتى عليك من السنين أيها الشيخ؟ قال: قد جاوزت السبعين. قال: فمثلك يعمل ما أرى؟ فأنشأ الشيخ يقول

اغرس فسيلا ونم عنه فسوف ترىيوما فسيلك إن عمّرت عيدانا
فالعرق يسري إذا ما نام صاحبهوليس يسري إذا ما كان يقظانا

نغرس يا أخا تميم ما ترى. فإن عشنا أكلنا من تمره. وإن متنا خلفناه الأولاد. قال: إنك لبعيد الأمل. قال: اي والله. إني لبعيد الأمل، خائف لقرب الأجل. ولست ممن يفرط في عمران دار لا يدري لعله سيطول مقامه فيها. ومنها يتزود إلى الدار التي لا يدري متى يصير إليها. ولو أنّ من كان قبلنا أخذوا بمثل رأيك ما خلف الوالد لولده شيئا ولا ورث ميتا حيّ.

قال التميمي: فانصرفت عنه وغبرت برهة من الدهر ثم مررت بذلك المكان.

فرأيت نخلا عاليا مثمرا وآخر دونه. وإذا فتيان وأحداث، فقعدت إليهم وقلت: من غرس هذا النخل؟ قالوا: ذلك الشيخ. فأتيته فسلمت عليه ثم قلت:

أتعرفني؟ فتأملني ثم قال: أحسبك صاحبنا المعنّف لنا على غرس ما ترى. قلت:

أنا والله هو وأنشدته بيته. فعانقني وأقبل يحدثني وقال: إن الله فاعل ما يشاء. فلا يكونن خوفك ماحقا لرجائك ولا بأسك غالبا لطمعك. وإذا الفتيان بنوه وبنو بنيه.

فأقمت في ضيافته أياما وانصرفت.

وقال بعضهم: قرأت على باب قصر خراب:

كم قد توارث هذا القصر من ملكفمات والوارث الباقي على أثر

قال: وقرأت على باب مدينة خراب:

كم من مدائن بالآفاق خاليةأمست خرابا وذاق الموت بانيها

وقال بعضهم: مررت في ربض أبي يزيد الشروي وقد خرب. وإذا على باب قصره مكتوب:

أفنى جميعهم وخرّب دورهمملك تفرّد بالبقاء عزيز

وقرئ على باب قصر:

نزل الموت منزلا سلب القوم وارتحل

وقال صالح المري: دخلت قصرا بالبصرة وقد باد أهله فرأيت في بعض مجالسه مكتوبا فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا

. وإذا في الجانب الآخر وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ

. وفي الجانب الآخر وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا

وفي الرابع فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا.

وقرئ على حائط بيعة بالحيرة: بنيت هذه البيعة والملك عمرو بن المنذر بن الشقيقة، على يدي عمرو بن حيان. فالإله يغفر له خطيئته ويقبل نقلته إلى دار الحق. وأسفل من ذلك مكتوب:

رأينا بالإنسان جمّاولا تنجي من الدهر الحدود
ولا تنجي من الآجال أرضتحلّ بها ولا قصر مشيد

وحدثنا بعض إخواننا أنه قرأ على باب قصر أشناس بسرمرّى:

هذي منازل أقوام عهدتهمفي ظلّ عيش خصيب ماله خطر
دارت عليهم صروف الدهر فانتقلواإلى القبور فلا عين ولا أثر

وقرئ على حائط قصر عاديّ:

يموت الذي يبني ويبقى بناؤهألست ترى بالله في ذاك عبرة
فيا غافلا عن حينه أين من بنىمدائن أضحت بعده اليوم مقفرة
رمت بهم الأيام في عرصة البلىكأن لم يكونوا زينة الأرض مرة
وما زال هذا الموت يغشى ديارهميكرّ عليهم كرّة بعد كرّة
فأجلاهم عنها سريعا فأصبحتمساكنهم في الأرض لحدا وحفرة

وقرئ على باب قصر:

ما حال من قد عمل القصوراوبات فيها آمنا مسرورا
ثم غدا في رمسه مقبورايقيم فيه أبدا مأسورا
حتى يرى من قبره محشوراإمّا قرير العين أو مثبورا

وعلى آخر:

يا من يشيّد للخراب بناءهشيّد بناءك في الثرى وتحصّن

وذكر رجل من الصوفية أنه قرأ على باب قصر في بعض السواحل مكتوبا:

كم كان يعمر هذا القصر من ملكسهل المحيّا كريم الخيم والنسب
دارت عليه المنايا في تقلّبهافصار مأواه بعد العزّ في الترب

قال: ودخلت قصرا فرأيت قصرا حسنا كثير المجالس. فبينا أنا أدوره إذ دخلت مجلسا ما رأيت أحسن منه وفيه قبر عليه مكتوب:

ولمّا بنيت القصر أمّلت نفعهوإنّي فيه باقيا آخر الدهر
فلما استوى والتام بوّأت كارهامن القصر في بيت هناك وفي قبر
كذلك كان الدهر يفعل قبلناولكن تجاهلنا وحدنا عن الأمر

قال: ورأيت في مجلس آخر مكتوبا:

جار الزمان علينا بعد غبطتنافلم يغادر لنا في القصر إنسانا
وصار مأوىّ لوحش الأرض تسكنهأفناه ريب زمان ثم أفنانا

ولو لم يفدك هذا الكتاب من الأخبار العجيبة والأشعار الظريفة والأمور الغريبة، لكان فيما يفيدك من أخبار البلدان وعجائب الكور والأمصار بلاغا ومقنعا. فكيف وقد أفادك علم الماضين وأخبار الأولين. وذلك علم المعنيين. ووقفك على الطريقين وأرشدك إلى الأمرين جميعا: حكمة بالغة وموعظة موجزة. تعرفت منه أخبار الماضين، وأبنية من قد سلف من الأولين.

وفي هذا الخبر الذي أثبته هاهنا عبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر، ودليل على وحدانية الله تعالى، ومخبر عن آياته وقدرته. فصفّ ذهنك وفرّغ قلبك وأقبل عليه بسمعك وتفكّر فيه، وفيما تضمنته من الأعجوبة. فإن فيه عبرة لأولي الألباب.

قال عبد الرحمن بن محمد بن نصر: سمعت أحمد بن الحسن يذكر عن علي بن عاصم عن أبيه قال: كان الخضر ﵇ يأتي شابا زاهدا من بني إسرائيل فيحدثه كما يأتي الرجل أخاه وصديقه. وكان الشاب خيّرا فاضلا. فبلغ ذلك ملك بني إسرائيل، فأرسل إلى الشام فدعاه وقال: بلغني أن الخضر يأتيك فيحدثك كما يحدث الرجل أخاه. قال الفتى: نعم. قال: فإذا جاء فائتني به.

قال: كيف آتيك به أيها الملك؟ قال: والله لتأتيني به أو لأقتلنّك. قال: أجهد. ثم انصرف الفتى.

فلما كان بعد أيام، أتاه الخضر ﵇ فقال له: إن ملك بني إسرائيل قال لي كذا وكذا. قال الخضر: انطلق بنا إليه. فانطلقا حتى دخلا عليه. فوقف الخضر فقال له الملك: أنت الخضر؟ قال: نعم. فأعظمه وبجله ثم قال له:

حدثني بأعجب ما رأيت في الدنيا. فقال: أعجب ما رأيت، أني مررت بمدينتك هذه، وهي مدينة لم أر على وجه الأرض مثلها حسنا وجمالا وكثرة أهل وأسواق وعمارة، فدنوت من بعض البوابين فقلت: متى بنيت هذه المدينة ومن الذي بناها؟

فقال لي: ما يذكر أحد من الناس متى بنيت ولا من بناها. فتركته ومضيت.

وعبرت عنها خمسمائة عام. ثم اجتزت بها فإذا هي تلول وخرابات ولم أر أحدا أسأله عنها. فعلوت بعض تلك التلول، فإذا أنا براع يرعى غنما فنزلت إليه وسألته عن المدينة ومتى خربت. فقال: ما نعلم أنه كانت هاهنا مدينة قط، ولا نعرف غير

هذه التلول والخرابات، ولا يدرى أي شيء أمرها. فتركته ومضيت. وعبرت خمسمائة عام، ثم مررت بها فإذا موضعها بحر وقد زالت تلك التلول والخرابات فصارت كلها فيه. وإذا بجماعة يغوصون فيخرجون اللؤلؤ من قراره.

فدنوت من بعضهم وقلت: مذ كم صار هذا البحر هاهنا؟ فضحك ثم قال: سبحان الله. ما زال هذا البحر وهذا المكان منذ كانت الدنيا. فمضيت وغبت خمسمائة عام ثم اجتزت بالموضع فإذا ذاك البحر قد غاض ماؤه وفي مكانه غيضه ملتفة بالقصب والبردي وبين ذلك القصب والبردي مناقع ماء فيها سمك كثير وصيادون يصيدون ذلك السمك في زواريق صغار. فقلت لبعضهم: أكان هاهنا بحر؟ قال: لا. ما كان هاهنا إلّا هذه الآجام وهذه المياه لا غير ذلك. فانصرفت. وعبرت خمسمائة عام ثم اجتزت بالمكان فإذا رمال متصلة بينها حمى. وإذا [هي] أكثر بلاد الله ظباء. فالتمست أن أرى إنسانا، فلم أر إلّا رجلا يصيد تلك الظباء بحبالة له.

فدنوت منه وسألته عن تلك الآجام، فقال: والله ما نعرف ولا آباؤنا وأجدادنا هذا البلد إلّا على ما تراه، وما كانت فيه أجمة ولا شجر ومستنقع قط. فانصرفت متعجبا. وعبرت خمسمائة عام ثم اجتزت به فإذا هو جبل وعر وفيه كهوف يخرج منه الدخان. فلم أر أحدا أسأله عنها إلى أن رأيت رجلا متعسفا فقصدته وسألته عن تلك الرمال فقال: ما نعرف الموضع إلّا على ما ترى. فتركته ومضيت. وغبت خمسمائة عام ثم عدت فإذا مدينتك هذه في تلك المواضع. وإذا هي أحسن ما يراه الناس من قصورها ودورها وحدائقها وأسواقها. فدنوت من بعض البوابين وسألته عنها ومذ كم بنيت فقال: يا هذا! ما نعرف هذه المدينة إلّا كما تراها، ولا حدّثنا أحد من أولينا أنه يعرف ما فيها. فهذا أعجب شيء رأيته فيما أطوفه من البلدان وأخترقه من المفاوز والقفار.

فوثب الملك عن سريره فسجد للخضر. فقال له: ارفع رأسك واسجد للذي خلقني وخلقك. فقال: أريد أن أصحبك وأخلي ما أنا فيه من الملك. فقال: لا تقدر على ذلك. لأني اليوم هاهنا وغدا ببيت المقدس وبعد غد بمكة. ولكن إن أردت العبادة فاصحب هذا الفتى وكن معه.

قال: فترك الملك مملكته وخرج هو والشاب يسيحان في الأرض.

وأنشد لبعضهم [في] الزمان:

ولربّ حصن قد تخرّم أهلهريب الزمان فبابه مسدود
عدت المنون عليهم من فوقهموالقوم فيه آمنون هجود
فتفرقت أجيادهم وجنودهمعنهم فكلّهم هناك شديد
لم يدفعوا عنهم وإنّ سلاحهممتيسّر بفنائهم موجود
من نسج داود النبيّ أعدّهاللحرب يوم أعدّها داود
لو أنهم سئلوا القتال لقاتلواولنيل منهم فيهم المجهود
فابتزّهم ريب المنون نفوسهمقسرا وإنّ حماتهم لشهود
حلّوا بطون الأرض بعد ظهورهاومضى بهم سفر هناك بعيد
صارت نساؤهم حلائل غيرهمخلفت عليهم سفلة وعبيد
فأسمع وأبصر أين عاد أصبحتأخلت منازلها وأين ثمود
أين الذين بنوا فأصبح ما بنوافيه الأفرور أو شيد

وقال خالد بن عمير بن الخباب السلمي: كنا مع مسلمة بن عبد الملك في غزوة قسطنطينية فخرج إلينا في بعض الأيام رجل من الروم يدعو إلى المبارزة فخرجت إليه فلم أر فارسا كان مثله. تجاولنا عامة يومنا فلم يظفر واحد منّا بصاحبه. ثم تداعينا إلى المصارعة، فصارعت منه أشدّ الناس. فصرعني وجلس على صدري ليذبحني- وكان رسن دابته مشدودا في عاتقه- وانه ليعالجني للذبح إذ حاصت دابته حيصة جرّته عني ووقع من على صدري وبادرت إليه وجلست على صدره فنفست به عن القتل، وأخذته أسيرا وجئت به إلى مسلمة فساءله فلم يجبه بحرف وكان أجسم الرجال وأعظمهم. فأراد أن يبعث إلى هشام وهو يومئذ بحرّان. فقلت: دلّني الوفادة به. قال: إنك لأحق الناس بذلك. فبعث

به معي، فأقبلت أكلمه وهو لا يكلمني حتى انتهينا إلى موضع من ديار مضر يعرف بالجريش وتل محرى فقال لي: ما يقال لهذا المكان؟ قلت: الجريش وتل محرى.

فقال:

ثوى بين الجريش وتل محرىفوارس من نمارة غير ميل
فلا جزعون إن ضرّاء نابتولا فرحون بالخير القليل

فإذا هو أفصح الناس. ثم سكت فكلّمناه وهو لا يجيبنا. فلما صرنا إلى الرها قال: دعوني أصلي في بيعتها. قلنا دونك فصلي. فلما صرنا إلى حران قال:

أما إنها أول مدينة بنيت بعد بابل. ثم قال: دعوني أستحمّ في حمامها وأطلي.

فتركناه. فخرج إلينا كأنه برطيل فضة بياضا وعظما. فأدخلته إلى هشام وأخبرته جميع قصته. فقال له من أنت؟ قال: رجل من إياد ثم أحد بني حذافة. فقال له:

أراك غريبا، لك جمال وفصاحة فأسلم تحقن دمك. قال: إن لي ببلاد الروم أولادا. فقال: ونفك أولادك ونحسن عطاءك. قال: ما كنت لأرجع عن ديني.

فأقبل به وأدبر فأبي. فقال دونك فاضرب عنقه. فضربت عنقه

/

القول في همذان

قال أبو المنذر هشام بن السائب الكلبي: سميت همذان بهمذان بن الفلوج بن سام بن نوح ﵇. وهمذان وإصبهان أخوان، بنى أحدهما إصبهان والآخر همذان. فسميت كل مدينة منهما باسم بانيها. وسميت نهاوند لأنهم وجدوها كما هي. ويقال إنها من بناء نوح ﵇. وإنما هي نوح أوند. أي أنها من بناء نوح وهي أعتق مدينة بالجبل.

قال: وقرأ عليّ بعض النصارى كتابا بالسريانية فيه أخبار الملوك والبلدان، فترجمه لي وذكر أن الذي بنى همذان ملك يقال له كرميس بن حليمون. وذكر بعض الفرس أن اسم همذان مقلوب. إنما هو ناذمه ومعناه المحبوبة.

وروي عن شعبة قال: الجبال عسكر وهمذان معمعتها وهي أعذبها ماء وأطيبها هواء.

وقال ربيعة بن عثمان: كان فتح همذان في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من مقتل عمر بن الخطاب ﵁. وكان الذي فتحها المغيرة بن شعبة في سنة أربع وعشرين من الهجرة.

وفي خبر آخر قال: وجه المغيرة بن شعبة - وهو عامل عمر بن الخطاب على الكوفة بعد عزل عمار بن ياسر عنها- جرير بن عبد الله البجلي إلى همذان في سنة ثلاث وعشرين، فقاتله أهلها وأصيبت عينه بسهم فذهبت. فقال احتسبها عند الله الذي زين بها وجهي ونوّر لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله.

وجرى أمر همذان على مثل صلح نهاوند وذلك في آخر سنة ثلاث وعشرين.

وقال بعض علماء الفرس: كانت همذان أكبر مدينة بالجبل وكانت أربعة فراسخ في مثلها. وكان طولها من الجبل إلى قرية يقال لها زينوآباد. وكان صنف الفاخرانيين بها وصنف الصيارفة بسيجاباد.

وكان القصر الخراب الذي بسيجاباد تكون فيه الخزائن والأموال. وكان صنف البزازين بقرية يقال لها بريشقان. فيقال إن بخت نصر لما غلب على الأرض وأخرب بيت المقدس، بعث إليها قائدا يقال له صقلاب في خمسمائة ألف رجل. فأناخ عليها وأقام يحارب أهلها مدة وهو لا يقدر عليها. فلما أعيته الحيلة فيها وعزم على الانصراف استشار أصحابه. فقالوا له: الرأي أن تكتب إلى بخت نصر تعلمه أمرك وتستأذنه في الانصراف. فكتب إليه: أمّا بعد، فإني وردت على مدينة حصينة كثيرة الأهل منيعة واسعة الأنهار ملتفة الأشجار كثيرة المقاتلة. وقد رمت فتحها فلم أقدر عليها. وقد ضجر أصحابي المقام وضاقت عليهم الميرة والعلوفة. فإن أذن لي الملك بالانصراف، انصرف.

فلما ورد الكتاب على بخت نصر كتب إليه: أما بعد، فقد فهمت كتابك وقد رأيت أن تصوّر لي المدينة بجبالها وعيونها وطرقها وقراها ومنبع مياهها وتنفذ إليّ ذلك حتى يأتيك أمري.

ففعل صقلاب ما أمر به. وصور له المدينة وأنفذ الصورة إليه وهو ببابل.

فلما وقف عليها جمع الحكماء وقال: أجيلوا الرأي في هذه الصورة وانظروا من أين تفتح هذه المدينة. فأجمعوا على أن تسدّ عيونها حولا ثم يفتح السد ويرسل على المدينة فإنها تغرق. فكتب بخت نصر إلى صقلاب بذلك وأمره بما قاله الحكماء. ففعل ذلك. فلما كان عند الحول فتح الماء وأرسله على المدينة فهدم سورها وغرق أكثرها ودخلها صقلاب، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وأقام بها

فوقع في أصحابه الطاعون فمات عامتهم حتى لم يبق منهم إلّا القليل. ودفنوا في أحواض من خزف فقبورهم معروفة إلى وقتنا هذا في المحال والسكك.

ولم تزل همذان خرابا حتى كانت حرب دارا بن دارا والإسكندر. فإن دارا استشار أصحابه في أمره لمّا أظلّه الإسكندر، فأشاروا عليه بمحاربته بعد أن يحرز حرمه وأمواله وخزائنه بمكان منيع لا يوصل إليه ويتجرد هو للقتال. فقال: انظروا موضعا حريزا حصينا لذلك. فقالوا له: إن من وراء الماهين جبالا لا ترام، وهي شبيهة بالسد. وهناك رسم مدينة عتيقة قد خربت وباد وهلك أهلها وحولها جبال شامخة يقال لها همذان: فالرأي للملك أن يبعث إليها من يأمره ببنائها وإحكامها وأن يجعل في وسطها حصنا يكون للحرم والخزائن والعيال والأموال، وتبنى حول الحصن دور لعيال القواد والخاصة والمرازبة. ثم يوكل بالمدينة اثنا عشر ألف رجل من خاصة الملك وثقاته يحمونها ويقاتلون عنها متى رامها أحد. فأمر ببناء همذان وبنى في وسطها قصرا عظيما مشرفا له ثلاثة أوجه وسماه ساروق وجعل فيه ألف مخبأ لخزائنه وأمواله وأغلق عليه ثمانية أبواب حديد، كل باب في ارتفاع اثني عشر ذراعا. ثم أمر بأهله وولده وخزائنه فحوّلوا إليها وأسكنوها. وجعل في وسط القصر قصرا آخر صيّر فيه خواص حرمه وأحرز أمواله في تلك المخابئ. ووكّل بالمدينة اثني عشر ألف رجل وجعلهم حرسا عليها.

وذكر بعض مشايخ همذان أنها أعتق مدينة بالجبل واستدلوا على ذلك من بقية بناء قديم باق إلى اليوم. وهو طاق عظيم شاهق لا يدرى من بناه وللعامة فيه أخبار عامية يذكرون أنهم وجدوا في هذا الطاق حجرا مكتوب عليه: من إصطخر غدونا وفي هذا الطاق قلنا وبالشام مبيتنا. ويزعمون أن بعض أصحاب سليمان بن داود كتبه. وان سليمان بن داود ﵇ اجتاز بهذا المكان فرأى غرابا ساقطا عليه- ويقال إن الغراب يعيش ألف سنة- فقال له سليمان: خبرني خبر هذا الطاق ومن بناه. فقال: أنا هاهنا منذ ستمائة سنة، وأقام أبي قبلي هاهنا ألف سنة وجدّي قبل ذلك بألف سنة، وهو على حالته كذا وجدناه ما تغيّر منه

شيء.

وأخبر بعض أصحاب الأخبار أنهم وجدوا في بعض المخابئ التي في القصر المعروف بساروق، رقعة فيها كتابة بالفارسية فترجمت فكانت: وظّف الملك على أهل مرو لبناء هذه المدينة من الطين كذا وكذا ألف وقر.

قال: وإذا تفقدت طين المدينة ونظرت إلى أبنيتها القديمة رأيت الطين مختلفا ما بين أبيض وأحمر وأسود وغير ذلك.

وزعموا أن الملوك كانت توظّف على رعاياها حمل الطين في وقت والماء في وقت والآجر والحجارة في وقت إلى ما يبنونه من المدن ليعرفوا بذلك سمعهم وطاعتهم.

وعن بعض أهل همذان قال: قدمت على جعفر بن محمد الصادق ﵁ فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من الجبل. قال: من أي مدينة؟ قلت: من مدينة همذان. قال: أتعرف جبلها الذي يقال له راوند؟ قلت: جعلني الله فداك إنما يقال له أروند. قال: نعم. أما إن فيه عين من عيون الجنة.

قال: فأهل البلد يرون أنها الحمّة التي على قلّة الجبل. وذلك أنّ ماءها يخرج في وقت من أوقات السنة معلوم، ومنبعه من شق في صخرة. وهو ماء عذب شديد البرد يشرب منه الواحد في اليوم والليلة مائة رطل وأكثر ولا يرتوي لكثرة ما يشرب منه، بل ينفعه. فإذا تجاوزت أيامه المعدودة التي يخرج فيها، ذهب إلى وقته من العام المقبل لا يزيد يوما ولا ينقص يوما في خروجه وانقطاعه.

وقال محمد بن بشار يذكر أروند في شعر طويل:

/

ولقد أقول تيامني وتشاءميوتواصلي ديما على همذان
بلد نبات الزعفران ترابهوشرابه عسل بماء قنان
سقيا لأوجه من سقيت لذكرهمماء الجوى بزجاجة الأحزان
كاد الفؤاد يطير ممّا شفّهشوقا بأجنحة من الخفقان
فكسا الربيع بلاد أهلك روضةتفترّ عن نفل وعن حوذان
حتى تعانق من خزاماك الذرىبالجلهتين شقائق النعمان
وإذا تبجّست الثلوج تبجّستعن كوثر شبم وعن حيوان
متسلسلين على مذانب تلعةتثغو الجداء بها مع الحملان

وقال أيضا

تزيّنت الدنيا وطابت جنانهاوناح على أغصانها ورشانها
وأمرعت القيعان واخضرّ نبتّهاوقام على الوزن السواء زمانها
وجاءت جنود من قرى الهند لم تكنلتأتي إلّا حين يأتي أوانها
مسوّرة دعج العيون كأنمالغات بنات الهند يحكي لسانها
لعمرك ما في الأرض شيء نلذّهمن العيش إلّا فوقه همذانها
إذا استقبل الصيف الربيع وأعشبتشماريخ من أروند شمّ قنانها
وهاج عليهم بالعراق وأرضههواجر يشوي أهلها لهبانها
سقتك ذرى أروند من سيح ذائبمن الثلج أنهارا عذابا رعانها
ترى الماء مستنا على ظهر صخرةينابيع يزهي حسنها واستنانها
كأنّ بها شوبا من الجنّة التييفيض على سكّانها حيوانها
فيا ساقيي كأسي اصبحاني مدامةعلى روضة يشفي المحبّ جنانها
مكللة بالنور تحكي مضاحكاشقائقها في غاية الحسن بأنها
كأنّ عروس الحيّ بثّت خلالهاقلائد ياقوت زهاها اقترانها
تهاويل من حمر وصفر كأنّهاثنايا العذارى ضاحكا أقحوانها

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.