تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

ذكر حب الأوطان

ولولا اختلاف شهوات الناس لما اختاروا من الأسماء إلّا أحسنها ومن البلدان إلّا أغذاها ومن الأمصار إلّا أوسطها.

ولو كانوا كذلك لتناحروا على البلدان الغذية ولتقاتلوا على الأمصار المتوسطة، ولما وسعتهم بلاد ولا تمّ بينهم صلح.

/ إلّا أن رضاهم بأوطانهم، واغتباطهم بمساقط رؤوسهم مانع لهم. والقناعة ببلدانهم وإن كانت الطبيعة مجبولة عليه. وكيف لا يكونون كذلك وأنت لو حوّلت ساكني الآجام إلى الفيافي، وساكني السهل إلى الجبال، وساكني الجبال إلى السهل والبحار، وساكني أهل العمد إلى المدر، لأذاب قلوبهم وأخنى عليهم فرط النزاع. بل لو نقلت أهل القفار إلى العمران وحوّلت من في جزائر البحار إلى المدن، لم تجدهم راضين بذلك ولا قانعين. بل كنت تجدهم يحنون إلى أوطانهم ويتذكرون بلدانهم.

وقد قيل في الأمثال: عمّر الله البلدان بحب الأوطان الرجال.

وقال عبد الله بن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم.

وقال معاوية في قوم من أهل اليمن رجعوا إلى بلادهم بعد أن أنزلهم من الشام منزلا خصبا وفرض لهم في شرف العطاء: هؤلاء أوطانهم بقطيعة أنفسهم.

وقد قال الله تعالى «وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ

». فقرن الضنّ منهم بالأوطان إلى الضن منهم بالأنفس.

وزوّجت أعرابية في الحضر وأسكنت قصرا. فحنّت إلى البدو وقالت:

للبس عباءة وتقرّ عينيأحبّ إليّ من لبس الشفوف
للشاعر نصر الله الحائري، اقرأ القصيدة
وبيت تخفق الأرواح فيهأحبّ إليّ من قصر منيف
وبكر تتبع الأضعان نضوأحبّ إليّ من بغل رؤوف
وكلب ينيح الأضياف ليلاأحبّ إليّ من ديك عيوف

وبناحية الجنوب جزيرة يقال لها تاران، ينزلها قوم يقال لهم بنو خدّان، معاشهم صيد السمك وليس لهم ماء عذب ولا زرع ولا شجر. وبيوتهم من السفن المنكسرة وعظام السمك. يستطعمون الخبز ويستعذبون الماء ممن يجتاز بهم في الدهر الطويل. وربما أقاموا السنين الكثيرة لا يمرّ بهم إنسان. فإذا قيل لهم: أي شيء مقامكم في هذا البلد؟ قالوا: اليطن، اليطن، يريدون الوطن.

وكذلك قالوا: من لطف النفس أن تكون إلى مولدها مشتاقة وإلى مسقط رأسها تواقة.

وقال بعض الحكماء: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك. إذ كان غذاؤك منهما وغذاؤهما منه.

وقالوا: أرض الرجل ظئره وداره مهده. وأحب البلدان بالتوق إليه بلد منحك حليبه رضاعة.

وقال آخر: إذا كان السبع يحنّ إلى أوطانه. فالإنسان أولى بالحنين إلى مكانه.

وقال بقراط: فطرة الإنسان معجونة بحب الوطن.

وكان أيضا يقول: يغذى كل عليل بأطعمة أرضه. فإن النفس تتطلع إلى غذائها.

وقال الشاعر:

تحنّ قلوصي من غداة إلى نجدولم ينسها أوطانها قدم العهد
وقد هجت نصبا من تذكّر ما مضىوأغذيتني لو كان هذا الهوى يغذي
وذكّرتني قوما أحنّ إليهموأشتاقهم في القرب منهم وفي البعد
أولئك قوم لو لجأت إليهملكنت مكان السيف من وسط اليد

ودخل بعض الأعراب الحضر فاشتاق إلى البدو وقال:

لعمري لنور الأقحوان بحائلونور الخزامى في ألاء وعرفج
أحبّ إلينا يا حميد بن مالكمن الورد والخيري ودهن البنفسج
وأكل يرابيع وضبّ وأرنبأحبّ إلينا من سماني وتدرج
ونص القلاص الصهب تدمى أنوفهايجبن بنا ما بين قوّ فمنعج
أحبّ إلينا من سفين بدجلةودرب متى ما يظلم الليل يرتج

وقدم خالد بن فريص الهجيمي الأهواز، فلما رأى حرّها وأذاها لحق إلى بلده وقال:

نظرت وقد حال القرى دون منظريوقد عمّمت أجبالها بالعياطل
ألمحة برق أم شبا النار شبّهامقالون لم يستصحبوا بالقبائل
وما نفحة من خالص المسك علّيتبأطيب من أرواح تلك المنازل
إذا ما خزاماها جرى في فروعهابمذعورة (؟) أو بلّة بالأصائل

وقال آخر:

خليليّ قوما واشرفا القصر فانظرابأعيننا هل تؤنسان لنا نجدا؟
وإنّي لأخشى إن علوناه علوةونشرف بأن نزداد ويحكما وجدا

وقال آخر:

ألا أيها الركب المحثّون هل لكمبأهل العقيق والمنازل من علم؟
فقالوا: نعم، تلك الطلول كعهدهاتلوح. وما يغني سؤالك عن علم
فقلت: بلى، إن الفؤاد يهيجهتذكّر أوطان الأحبّة والحرم

وشكا قوم من أهل خضرة - وهي على ثلاث مراحل من المدينة. وكان اسمها عقرة فسماها النبي خضرة- إلى عمر بن الخطاب ﵁، وباء أرضهم فقالوا: لو تركتموها. فقالوا: معاشنا ومعاش آبائنا ووطننا. فسأل عمر ﵁ الحارث بن كلدة. فقال الحارث: البلاد الوبيّة ذات الأدغال والبعوض عش الأوباء. ولكن ليخرج أهلها منها إلى ما يقاربهم من الأرض العذية إلى تربيع النجم وليأكلوا البصل والكراث ويباكروا السمن العربي فيشربوه وليشمّوا الطيب ولا يمشون حفاة. ولا ينامون بالنهار. فإني أرجو أن يسلموا. قال: فأمرهم عمر بذلك وأنشد:

أقول وفوق البحر تحتي سفينةتميل على الأعطاف كلّ مميل
ألا أيّها الركب الذين دليلهمسهيل اليماني دون كلّ دليل
ألمّوا بأهل الأبرقين فسلّمواوذاك لأهل الأبرقين قليل
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ألا أيها الركب الذين دليلهم»
بأهلي أهل الأبرقين وجيرةسأهجرهم لا عن قلى فأطيل
ألا هل إلى سرح ألفت ظلالهوتكليم أهل الأبرقين سبيل؟

وقال الفضل بن إسحاق: لقيت أعرابيا فقلت: ممن الرجل؟ فقال: من بني أسد. قال: فمن أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية. قلت: فأين مسكنك؟

قال: مساقط الحمى، حمى ضرية بأرض [لعمر الله] ما نريد بها بدلا، ولا عنها حولا. قد نفحتها العدوات وحفتها الفلوات. فلا يملولح ترابها ولا يمعر جنابها.

ليس لها أذى ولا قذى [ولا عك ولا موم] ولا حمّى. فنحن فيها بأرفه عيش وأوسعه. قلت: وما طعامكم؟ قال: بخ بخ. عيشنا والله عيش تعلل جاذبه (؟) وطعامنا أطيب طعام وأهنأه وامرأة: الفت والهبيد والفطس والصلب والعنكف [والظهر] والعلهز والذآنين [والطراثيث] والعراجين والحسلة والضباب. وربما أكلنا القد واشتوينا الجلد. فما نرى أن أحدا أخصب منا. فالحمد لله على ما بسط من الرزق ورزق من حسن الدعة. أو ما سمعت بقول قائلنا وقد كان عالما بلذائذ العيش وطيبه:

إذا ما أصبنا كلّ يوم مذيقةوخمس تميرات صغار كوانز
فنحن ملوك الناس شرقا ومغرباونحن أسود الناس عند الهزاهز
وكم متمنّ عيشة لا ينالهاولو ناله أضحى به جدّ فائز

الفث: نبات أسود. والعنكث: نبت. والذآنين. والحسل: ولد الضب.

وقال بعضهم: من امارات العاقل ألفه لإخوانه وحنينه إلى أوطانه.

وقال أعرابي وقد سئل عن بلده: كيف لا أشتاق إلى رملة كنت رضيع غمامها وربيب طعامها.

وقالوا: السرور لزوم الأوطان وتآلف الجيران ومنادمة الإخوان.

وأنشدني صديق لي:

كفى حزنا أنّي ببغداد نازلوقلبي بأكناف الحجاز رهين
إذا عنّ ركب للحجاز استفزّنيإلى من بأكناف الحجاز حنين
وتالله ما فارقتهم قاليا لهمولكنّ ما يقضى فسوف يكون

وقال آخر:

بأكناف الحجاز هوى دفينيؤرّقني وقد هدت العيون
أحنّ إلى الحجاز وساكنيهحنين الإلف فارقه القرين
وأبكي حين يهدأ كلّ خلقبكاء بين زفرته أنين
وما جاران مؤتلفان إلّاستفرق بين جمعهما المنون
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «بأكناف الحجاز هوى دفين»

وأنشد لأبي هلال الأسدي:

أشاقتك الشمائل والجنوبومن علو الرياح لها هبوب
أتتك بنفحة من شيح نجدتضوّع والعرار بها مشوب
ومن بستان إبراهيم غنّتحمائم تحتها فنن رطيب
فقلت لها وقيت سهام رامورقط الريش مطعمها القلوب
كما هيجت ذا طرب حزيناإلى أوطانه فبكى الغريب

وقالوا: إذا أردت أن تعلم وفاء الرجل ودوام عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكائه على ما مضى من زمانه.

وقالوا: أكرم الخيل أجزعها من السوط، وأكيس الصبيان أشدّهم بغضا لكتّاب، وأكرم الصبايا أشدّها ولها إلى أولادها. وأكرم الإبل أشدها حنينا إلى أعطانها، وأكرم المهارة أشدها ملازمة لأمهاتها. وخير الناس أحب الناس للناس. وأفضل المماليك، الصغار لأنهم أسرع طاعة وأسرع قبولا.

وروي عن حليف بن جعفر الربعي قال: أردت الخروج إلى أخوالي بخراسان. فقلت: والله لا خرجت حتى أجدّد لي على سيدي [عهدا]. فدخل.

فو الله ما كان بين دخوله وخروجه إلّا لمحة لامح، فدخلت وسلمت فردّ السلام ورحب. فبأبي هو وأمي. ما رأيت أحدا أنس إلى أوليائه ومحبيه وشيعته منه.

فضاحكني سرورا منه بي. ثم قال: ما جاء بك يا حليف؟ قلت: بأبي أنت وأمي، إني أردت الخروج إلى خراسان لزيارة أخوالي. وإني جئت مستشيرا فأشر عليّ، وأوجز وأطل. فأنت أولى مني بنفسي، لعلي أتعظ بموعظتك ووصيتك، أن تداركني عند آناء الليل والنهار فتنجيني من الموبقات وتردّ عني المعضلات. فقال ﵇: أما إنك لتجاوز النهر الأغر والبلدة الملعونة، شرارها شرار الخلق، وخيارها كالتمر المعلق فوق عراجين النخل أمّا الناظر لا يناله من بعد. هيهات لا يدركه إلّا بفراق التراقي.

فإذا جاوزتها فلا تأسفنّ عليها. هذه بغداد. يوشك أن يبعث الله فيها غلاما منا أهل البيت ولن يؤمن من أهلها إلّا القليل.

أما إنك ستجاوزها إلى بلد تقطع دونه آكاما وأودية حتى تبلغ مدينة يقال لها حلوان، شرارها كالذر وخيارها كالدر. يدفع الله من شرارها بخيارها.

أما إنك ستجاوز منها عقبة كؤودا تشرف على مدينة يقال لها همذان، شرارها شرار الخلق وخيارها كالشمس بين الغيم، إذا غابت لم يعرف مكانها وإذا

طلعت اهتدي إليها لحسنها. أولياء الله في شواهق جبالها.

هل رأيت يا حليف طالب خير إلّا ناله؟ وهل رأيت مجانبا للشر إلّا أقصي عنه؟ كل حزب بما لديهم فرحون. كل نفس بما كسبت رهينة. ألم تر يا حليف أعمى يمشي على ظهر طريق مستقيم؟ ألم تر أعجم ينطق بالحق؟ قال حليف:

بلى. قال: تلك يكشفها النور. يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون.

أما إنك ستجاوز منها جبالا وأودية حتى تشرف على مدينة يقال لها الري.

إذا ذكرت القرى فنسيها الله ولا ذكرها. فإن بها مصارع الأخيار. والله لأهلها- إلّا بعضهم- أشدّ حنقا علينا من كفرة بني إسرائيل على موسى ﵇. يقتل فيها رجالنا ويستحلّ بها شتمنا. أفلهم فينا ثأر فيقيدونا بثأرهم؟ أم لهم قبلنا حق فيطالبونا بحقهم. منعوا حق الله من مال الله قسرا ومنعونا خمس الله فلم ننازعهم.

أفحكم الجاهلية يبغون؟ الله بيننا وبينهم عند إقامة الميزان الذي لا يبخس فيه حق المحقين عند جحود المبطلين. فو الله لا تزال تلك العصابة على هذا حتى يبعث الله عليهم نقما منا أهل البيت يقوم. لا خلاق لهم. تقتل فيها رجالهم وتفنى أموالهم وتسبى ذراريهم ويتواتر الشرّ عليهم. سمعت جدي صلى الله عليه بأثره عن النبي ﷺ أنه قال: هيهات هيهات معاشر الأمّة! لتأمرنّ بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليسلطنّ الله عليكم شراركم. فعندها يدعو خياركم فلا يستجاب لهم.

[هاتوا برهانا] ويحكم كبرهاننا. فإن لم تأتوا ببرهان فقولوا صدقت. فإن الله لا يستحيي من الحق. وإن الله ﷿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا.

ويحك يا حليف فهذه الري فلا تسكنها، ودار البلاء فلا تلجها. وإذا قاربتها فحد عنها فإنها مصرع البلاء.

أما إنك ستجاوز منها أودية حتى تشرف على مدينة مدت إليها أعناقها

الشياطين من الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. أولئك أهل نيسابور. أنساك الله ولا ذكّرك الاعتذار. وإن أعلام بيض. سيميت بها قلوب الفجار كما يذوب الملح في الماء. فعند ذلك فليسكنها الأبرار من أوليائنا.

صحبك الله يا حليف حيثما توجهت.

وقال ابن عياش: كانت الفرس تقسّط على آذربيجان وطبرستان ودباوند وقرميسين ومهرجانقذق وقومس وحلوان والري وهمذان. ولم تكن إصبهان تدخل في هذا التقسيط ثلاثين ألف درهم.

وقبّل عبيد الله بن سليمان في سنة أربع وثمانين [ومائتين من التنّائين] بمائة وسبعين ألف دينار بالكفاية على أن لا مؤونة على السلطان. وهي أربعة وعشرون رستاقا منها: همذان. فراوار. وقهبايه وأنارمرج وشنسار وشراة العليا وشراة الميانج والاسفيدحان وقجر وأنانجر وأرغير والمفازة والأجم والأعلم وأزنارد وسمين روذ وسرد روذ، ومهروان واسفنداباد وكوزر دره ساوة. وكان منها نسا وسلقانرود وخرقان. ثم نقلت إلى قزوين وهي سبعمائة وستين قرية. وعملها من باب الكرج إلى سيسر طولا. وعرضها من عقبة أسدآباد إلى ساوة.

وحدّث زياد بن عبد الرحمن البلخي عن أشياخ من أهل سيسر، أنها سميت بهذا الاسم لأنها في انخفاض من الأرض بين رؤوس آكام ثلاثين. فقيل ثلاثون رأسا. وكانت سيسر تدعى صدخانية لكثرة عيونها ومنابعها. ولم تزل وما والاها مراعي لمواشي الأكراد وغيرهم حتى أنفذ المهدي إليها مولىّ له يعرف بسليمان بن قيراط- وأبوه صاحب الصحراء التي تسمى صحراء قيراط ببغداد- ومعه شريك له اسمه سلام ويعرف بالطيفوري- وكان طيفور مولى المنصور فوهبه للمهدي- ثم إن الصعاليك والدعّار انتشروا بالجبل وجعلوا هذه الناحية لهم ملجأ. فكانوا يقطعون ويأوون إليها، فلا يطلبون لأنها من حدّ همذان إلى الدينور وآذربيجان. فكتب

سليمان بن قيراط وشريكه إلى المهدي يعرفانه ما قد اجتمع في أيديهم من الأغنام والمواشي والدواب التي في المروج والحيطان. فوجّه إليهما جيشا وأمرهما ببناء حصن يأويان إليه مع الأغنام والمواشي والدواب. فبنيا مدينة سيسر وحصّناها وأسكناها الناس. ثم ضمّ السلطان إليه رستاقا من الدينور يقال له ما ينمرج ورستاقا آخر يقال له الجوذمة من آذربيجان من كورة برزة وولاها عاملا مفردا. فلم يزل على ذلك إلى أيام الرشيد. فإن الصعاليك كثروا بهذه الناحية وزاد أمرهم. وكان حصن سيسر قد تشعّث. فعرف الرشيد ذلك. فأمر ببناءها وتحصينها ورتّب فيها ألف رجل [من أصحاب خاقان الحارثي السغدي- وفيها اليوم قوم من أولادهم]. فلما كان في آخر أيام الرشيد تغلّب مرة بن أبي مرّة العجلي عليها، فحاول عثمان الأودي مغالبته فلم يقدر عليه [وعلى ما كان في يده من آذربيجان]. ولم يزل مرة بن أبي مرة يؤدي الخراج عن سيسر في أيام الأمين على مقاطعة معلومة إلى أن وقعت الفتنة فمنع ما قوطع عليه. فلما استقر الأمر للمأمون أخذت من مرة وأخرجت عن يده وجعلت في ضياع الخلافة.

ومن العجائب التي بهمذان:

أسد من حجر على باب المدينة يقال إنه طلسم للبرد من عمل بليناس صاحب الطلسمات حين وجّهه قباد الأكبر لمّا أراد أن يطلسم آفات البلاد. ويقال إن الفارس كان يغرق بفرسه في الثلج بهمذان لكثرة ثلوجها وبردها. [فعمل بها الأسد وهي صورة أسد عظيم من حجارة بحذاء أروند جبلها المطلّ عليها] قلّ ثلجها وصلح أمرها.

وعمل أيضا على يمين الأسد طلسما للحيات فقلّت. وآخر للعقارب فنقصت وآخر للغرق فأمنوه. وآخر للبراغيث فهي قليلة جدا بهمذان.

ولمّا عمل بليناس هذه الطلسمات بهمذان استهان به أهلها ولم يلتفتوا إليه فاتخذ على جبلهم الذي يقال له أروند طلسما مشرفا على المدينة للجفاء والغلظ فهم أجفى الناس وأغلظهم طبعا. وعمل آخر للغدر، فهم أغدر الناس. ولذلك حوّلت الملوك الخزائن عنها خوفا من غدر أهلها.

واتخذ طلسما آخر للحروب والعساكر لتكثر بها فليست تخلو من عسكر أو حرب.

قال: وأنشدني محمد بن أحمد المعروف بابن الحاجب لنفسه في الأسد الذي على باب همذان:

ألا أيها الليث الطويل مقامهعلى نوب الأيام والحدثان
أقمت فما تنوي البراح بحيلةكأنّك بوّاب على همذان
أطالب ذحل أنت من عند أهلهاأبن لي بحق واقع ببيان
أراك على الأيام تزداد جدّةكأنّك منها آخذ بأمان
أقبلك كان الدهر أم كنت قبلهفنعلم، أم ربيّتما بلبان؟
وهل أنتما ضدّان كل تفرّدتبه نسبة أم أنتما أخوان؟
بقيت فما تفنى وأفنيت عالماسطا بهم موت بكلّ مكان
فلو كنت ذا نطق جلست محدّثافحدثتنا عن أهل كلّ زمان
ولو كنت ذا روح تطالب مأكلالأفنيت أكلا سائر الحيوان
أجنّبت شرّ الموت أم أنت منظروإبليس حتى يبعث الثقلان؟
فلا هرما تخشى ولا الموت تتّقيبمضرب سيف أو شباة سنان
وعما قليل سوف تلحق من مضىوجسمك أبقى من حرا وأبان

وأنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد بن زنجويه يذكر فيها الأسد وكل صورة مشهورة في الأرض:

أأرقت للبرق اللّموع اللّائحوحمائم فوق الغصون نوائح
أم شاقك الطّيف الملمّ ببينهفظللت ترعى كلّ نجم لائح
أم قد ذهلت بليث غاب رائعمذ كان عن همذان ليس بنازح
موف على صمّ الصّخور كأنّهيبغي الوثوب على الغزال السانح
في الصّيف تحرقه السّموم وبعدهابرد الشتاء بزمهرير لافح
وإذا الرّياح عصفن من أروندناخلت الهرير بمثل ترس الرامح
وإذا الرّعود تتابعت بسحابةلقي الزماهر بالمجنّ الكالح
/ وإذا الربيع تتابعت أنواؤهوتنفّست أنواره بروائح
ألفيته متبسّما لنسيمهاومحيّيا أروند فعل مصافح
لو كان يفهم عنك خبّر بالذيأفنى الدّهور وكلّ أمر فادح
ولقال إنّ المرء ينقذه التّقىونجاته قصد الطريق الواضح
تمضي الدّهور وما يروم فريسةفعل الطمرّ الكسرويّ القارح
شبديز إذ هو واقف في طاقهيعلوه برويز بحسن واضح
ما إن تراه عليه في غلوائهيوم الهياج ولا الطمرّ بسابح
برويز عن شبديز ليس ببارحوالليث عن همذان ليس ببارح
وكذا بتدمر صورتان تعانقافي الحسن أشبهتا ببنتي ضارح
لا يسأمان من القيام وطال ماصبرا على صرف الزمان الكادح
وبأرض عاد فارس يسقيهمبالعين عذبا كالفرات السائح
/ فإذا انقضى الشهر الحرام وطفّحتتلك الحياض تجفّ عين الرامح
وبأرض وادي الرّمل بين مهامهيلقاك قبل الحتف نصح الناصح
طرف هنالك باسط بيمينهأن ليس بعدي مسلك للسائح
وبفارس سابور صوّر عبرةفكأنّه يصغي لمدح المادح
خذها إليك وقل مقالة عادلليس الضّنين بعلمه كمسامح
قد كنت قلت قصيدة سوّغتهامن رابها بتجالد وتكافح
سينيّة فجعلتها حائيّةفيها عجائب من صحيح فاتح
فإذا أبيت جعلتها ضاديّةمن جوهريّة ما تجنّ جوانحي]

وقد كان المكتفي همّ بنقل الأسد من باب همذان إلى بغداد، وذلك أنه نظر إليه فاستحسنه وكتب إلى عامل البلد [حمد بن محمد] يأمره بذلك. فأجمع وجوه أهل الناحية وقالوا: هذا طلسم لبلدنا من آفات كثيرة ولا يجوز قلعه فيهلك البلد.

فكتب العامل بذلك إلى الوزير وقد كان كتب إليه أن قدّر النفقة عليه فإنّا نوجه لحمله الفيلة تحمله على عجل. فلما ورد كتابه على السلطان بانتقاض أهل البلد من ذاك وفي الكتاب أيضا أنه لا يستوي حمله، للجبال والعقاب التي في الطريق لا سيما في الحدود. فأجابه أن أضرب عن حمله.

والعامة تزعم أن الأسد مما عملته الجن لسليمان بن داود ﵉.

وعلى جبل نهاوند طلسمان وهما صورة ثور وسمكة من ثلج لا يذوبان شتاء ولا صيفا وهما ظاهران مشهوران يراهما الناس. ويقال إنهما للماء حتى لا يقل بنهاوند ما في ذلك الجبل. فأما ذلك الجبل فينقسم نصفين: نصف يأخذ إلى نهاوند ونصف يأخذ في الغرب حتى يسقي رستاقا يعرف برستاق الأشتر.

وبنهاوند قصب تتخذ منه ذريرة وهي هذا الحنوط، فما دام بنهاوند وشيء من رساتيقها فهو والخشب بمنزلة واحدة لا رائحة له. فإذا حمل منها وجاوز العقبة التي يقال لها عقبة الركاب، فاحت رائحته وزالت الخشبية عنه.

وقد ذكر مثل هذا عن التفاح الشامي وأنه يحمل من الشام وليست له رائحة.

ولا يزال كذلك يتخذ في الفرات فإذا انحدر فاحت رائحته وذكت. وهي شيء صحيح لا يتمارى فيه اثنان من أمر الذريرة وأمر التفاح.

وبنهاوند موضع يقال له وازواز البلاغة [في رستاق الاسفيدهان] فيه حجر فيه ثقب يكون فتحه أكثر من شبر يفور منه الماء في كل يوم مرة أو مرتين. فيخرج وله صوت عظيم وخرير هائل فيسقي أرضين كثيرة، ثم يتراجع حتى يدخل ذلك الثقب وينقطع. وذكر ابن الكلبي أن هذا الحجر مطلسم بسبب الماء لا يخرج إلّا وقت الحاجة ثم يغور حين يستغنى عنه.

ويقال إن الأكّار يجيء إليه وقت الحاجة ومعه المرّ فيقف بإزاء الثقب ثم ينقره بالمرّ دفعة أو دفعتين فيفور الماء بدويّ شديد. فإذا سقى ما يريد وبلغ منه حاجته، تراجع إلى الثقب وغار فمه إلى وقت الحاجة إليه.

قال: وهذا مشهور بالناحية ينظر إليه كل من أحب ذلك وأراد.

وبنهاوند أيضا أعجوبة مشهورة. وهي صخرة عظيمة في جبلهم يقال لها كلان. فمن غاب له غائب أو أبق له آبق أو كان له عليل أو سرق منه شيء جاء إلى الصخرة ونام عندها. فإنه يرى أيّ هذه الأمور أراد على الصورة التي هو عليها من الخير وغيره.

ويوجد على حافتي نهرها طين أسود للختم، وهو أجود ما يكون من الطين وأشده سوادا وتعلّكا. يزعم أهل الناحية أن السراطين تخرجه من جوف النهر وتلقيه على حافته ويقولون إنهم لو حفروا في قرار النهر وجوانبه مائة ذراع وأكثر ما وجدوا منه شيئا إلّا ما تخرجه السراطين.

وحدثني رجل من أهل الأدب قال: رأيت بنهاوند فتى من الكتّاب وهو شبيه بالساهي فقلت له: ما حالك؟ فقال:

يا طول ليلي بنهاوندمفكرا في البثّ والوجد
فمرة آخذ في منيةلا تجلب الخير ولا تجدي
ومرة أشد وبصوت إذاغنيّته صدّع لي كبدي
قد جال هذا الدهر في جولةفصرت منها ببروجرد
كأنني في خانها مصحفمستوحش في كفّ مرتدّ
الحمد لله على كلّ ماقدّر من قبلي ومن بعدي

وفي رستاق من رساتيق نهاوند قرية يقال لها كنخواست على تلّ لها صورة فرش من الحشيش الأخضر يراه الناس في الشتاء والصيف ناضر الخضرة لا يتغير يقال انها طلسم للكلأ فهي أكثر بلاد الله حشيشا.

وبهمذان صخرة عظيمة في موضع يقال له تبنان من دار نبهان. وهذه الصخرة في سفح جبل وقد نقر فيها طاقان مرتفعان يكونان على قامتين وبسطة من الأرض يقال [له] نبشت خزايان. قد نقر في كل واحد من هذين الطاقين مثل الألواح في كل واحد منها عشرون سطرا منقورة مكتوبة بكتابة تعرف بالكشتج.

فيقال إن الإسكندر اجتاز بهمذان ونظر إلى هذه الصخرة وحسنها وارتفاعها وملاستها في سفح هذا الجبل، فأمر بنقر الطاقين فيها وكتب ما هو مكتوب.

وقد ذكر جماعة من علماء الناحية أنهم لا يعلمون من عمل الطاقين وكتب الكتابة لأنها قديمة. وان الإسكندر اجتاز بالموضع ونظر إلى الصخرة وما عليها من الكتابة فاستحسن ذلك. وأمر بقراءة ما على اللوح فقرأت وكانت: الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل. والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور. وهما يتعالجان ويتعاقبان ويتعاوران في العباد والبلاد. فإذا رجح الصدق بالكذب رجح

العدل بالجور. وإذا حال الكذب بالصدق، مال الجور بالعدل. فأطبقت الأرض ذنوبا. فقولوا الصدق ولو بمقياس شعرة، فإنه نور من نور الله. واجتنبوا الكذب ولو بمقياس شعرة فإنه عدة من عدد الشيطان. واصدقوا من صدقكم يولد الصدق صدقا. ولا تكذبوا من كذبكم فيولد الكذب كذبا. فإن لهما من طبائعهما وجنسهما لقاحا ولهن حلبا. فحلب الصدق ولقاحه لمن تمسك به النجاة. وحلب الكذب ولقاحه لمن تمسك به الهلكة. وثمرة ذاك داء. وثمرة هذا دواء.

فكونوا أيها الحكماء صدّيقين تمتلئ أفواهكم نورا، ولا تكونوا كذابين فتغلب على ألسنتكم اللعنة. فإني افتتحت بالله كلاما كنت به صادقا فمشيت على الماء وافتتحت بالشيطان كلاما كنت به كاذبا فهويت في الظلمة.

فجعلت توبتي من تلك الكذبة عظتي في هذه الصخرة ليتعظ بي متعظ ويأخذ عن تجربتي آخذ. فخذوا هذه الحكمة الناطقة عن هذه الصخرة الصامتة.

[ووقفت أنا وعبد الله بن محمد بن زنجويه بن مهران وهو من بنك دهاقنة همذان وأصحاب ساروق وحصنها، فقرأت عليه خبر الإسكندر فأنشدني لنفسه:

قدك عن القهوة والحورلست مع الشّيب بمعذور
تقدمة الموت مشيب فهلأنت عن اللهو بمزجور
كم لك يا عاقل من عبرةلو نفع الحذر لمحذور
كتابة في سفح أروندنافي صخرة من عهد سابور
الصدق ميزان الجواد الذيباليسر يأتي بعد معسور
والمين مكيال اللّعين الذيأخرجنا من معدن الحور
يا أيّها الناطق صدقا لقدملي به فوك من النّور
وأيّها الشاهد زورا لقدهويت في هوّة دردور
إنّي افتتحت القول بالله كيأمشي على ساحل ممخور
/ فظلت فوق الماء والبحر ليوالموج في طاعة مأمور
وقلت بالشيطان قولا بهظللت في ظلمة ديجور
كفاك أنّي تائب واعظفي الحجر الصلد عن الزّور
خذ هذه الحكمة عن صخرةتبقى إلى النفخة في الصور]

وقال بعض الحكماء: وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجساما وأعظم من أجسامهم أحلاما. وأشدّ قوة وأشد بقوتهم امتحانا. وأطول أعمارا وأطول بأعمارهم للأمور اختبارا.

فكان صاحب الدين منهم أبلغ في أمر الدين علما وعملا من صاحب الدين منا. وكان صاحب الدنيا كذلك. ووجدناهم لم يرضوا بما قلّدوا به من الفضل حتى أشركونا معهم بأنفسهم فيما ابتغوا من علم الآخرة والأولى. فكتبوا به الكتب الباقية وكتبوا بها التجارب والفطن وبلغ اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له باب من العلم وكلمة من الصواب وهو بالبلد غير المأهول فيكتبه في صخرة من جبل وعلى باب قصر خراب، ضنّا منه بذلك وكراهية أن يسقط ذلك الباب وتشذ تلك الكلمة على من يأتي بعدهم.

فكتبوا الكتب الباقية من العلم وكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد المشفق على الولد البار. وكانوا يعمدون إلى المواضع المشهورة والأماكن المعروفة التي هي أجدر أن تبقى على وجه الدهر وتبعد من الرءوس فيجعلون منها الشيء من الحكم والباب من العلم كما كتبوا على قبة غمدان وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقّر وعلى سواري الاسكندرية وعلى إيوان الحضر وعلى الأبلق الفرد وعلى الهرمين وعلى باب الرها وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى صخرة همذان.

المملحة بفراهان:

قالوا: ومن عجائب همذان الملاحة التي برستاق يقال لها فراهان. وهي بحيرة تكون أربعة فراسخ في مثلها. فإذا كانت أيام الخريف واستغنى أهل تلك

الرساتيق عن المياه للزراعة، صوّبت سائر المياه إلى هذه البحيرة، فلا تزال تصب إليها سائر الخريف والشتاء، فإذا كان وقت الربيع واحتاج الناس إلى الماء، قطع عنها فصار ماؤها كلّه ملحا. فيأخذه الناس ويحمله الأكراد الجابارقة وغيرهم إلى البلدان فيباع.

وزعم ابن الكلبي أن بليناس طلسم هذه البحيرة أن يكون ملحا ما لم يحظر عليها ويمنع الناس. فمتى حظر عليها ومنع الناس منها، نشفت الماء أولا ولم يكن فيها شيء من الملح.

وفي هذا الرستاق قرية يقال لها الفردجان وكان فيها بيت نار عتيق. وهي أحد النيران التي غلت فيها المجوس مثل آذرخره، ونار جم الشيذ وهي الأولى ونار ماجشنسف وهي نار كيخسرو. لأن المجوس غلت في هذه النيران غلوا لا تضبطه العقول فقالوا: كان مع زردشت ملك يشهد له عند كشتاسف أنه رسول ثم عاد نارا.

وأما نار جم الشيذ فهي نار آذرخره، كانت بخوارزم فنقلها أنوشروان إلى الكاريان [في ناحية فارس]. فلما ملكت العرب تخوفت المجوس أن تطفأ فصيروها جزأين: جزء بالكاريان وجزء حمل إلى فسا. لأنهم قالوا إن طفئت واحدة بقيت الأخرى.

وأما آذرجشنسف، نار كيخسرو. فإنها كانت ببرزة من آذربيجان، فنظر أنوشروان في ذلك وفكّر فنقلها إلى الشيز لأنها كانت عظيمة عندهم.

وفي زمزمة المجوس: إن نار آذر جشنسف يوكّل بها ملك بالبركة،

وبالبركة ملك بجبل يقال له سبلان ملك. وإن هؤلاء الأملاك الثلاثة مأمورون بتأييد أصحاب الجيوش.

فقال أنوشروان: لا يمكنني أن أنقل نار آذرجشنسف والبركة إلى سبلان فأجمعهنّ ثلاثتهن. فإذا فاتني هذا فإني أنقل آذرجشنسف إلى هذه البركة ليتعاون الملكان.

وأمّا نار زردشت فهي بناحية نيسابور ولم تحوّل، وهي أحد الأصول من نيرانهم.

ومما غلت فيه المجوس أيضا، نار آذرجشنسف وهي النار التي بالفراهان.

قال المتوكّلي: فحدّثني بعض المجوس ممن رآها أن مزدق لمّا غلب على قباذ قال: ينبغي أن تبطل النيران كلّها إلّا الثلاث الأوائل وتنقل هذه إليهن. ففعل. فذكر أن نار آذرجشنسف خرجت حتى صارت إلى ماجشنسف بآذربيجان فاختلطت معها فكانوا إذا أضرموها ظهرت نار آذر جشنسف حمراء وظهرت ماجشنسف بيضاء إذا دسموها بالشحم. فلما قتل مزدق ردّ الناس النيران إلى أماكنها فافتقدوها بآذربيجان. فلم يزالوا يقتفون أثرها حتى وقفوا على أنها رجعت إلى الفردجان. فلم تزل في هذا البيت في هذه القرية إلى سنة اثنين وثمانين ومائتين فإنه صار إليها أبزون التركي- وكان يتولى قم- فنصب على سور القرية المجانيق والعرادات حتى افتتحها وأخرب سورها وهدم البيت وأطفأ النار وحمل الكانون إلى قم فبطلت النار منذ يومئذ.

وزردشت شدّد عليهم بالوعيد لمّا رأى من برد بلادهم. ولذلك أمرهم بعبادة النيران، لأن أهل الكلام يزعمون أن زردشت جاء من بلخ فادعى الوحي وأنه

نزل عليه الوحي على جبل يقال له سبلان، وانه حين رأى سكان تلك الناحية الباردة لا يعرفون إلّا الأذى بالبرد ولا يضربون المثل إلّا به ولا يتوعدون إلّا به حتى يقول الرجل لعبد إذا أذنب ذنبا عظيما: لئن عدت إلى مثل هذا لأنزعن ثيابك ولأقيمنك في الريح ولأطرحنك في الثلج.

فلما رأى أن موضع البرد عندهم هذا الموقع، جعل الوعيد بتضاعيفه. ويظن أن ذلك أزجر لهم.

وقال عبد الله بن زياد: كان سبب عبادة النار عند المجوس أنه لمّا ولد المسيح ﵇، رأى الملك الذي كان في وقته للفرس- وقد قيل إنه كان أردشير- كان يرقى نعشا ثم أحرق نجمه. فهاله ذلك وجزع منه، وسأل عن القصة فبلغه خبر المسيح، فأهدى إليه هدية فيها صبر وعسل مع ثلاثة رجال من أهل فارس. فانطلقوا إلى الشام حتى لقوه ودفعوا إليه الهدية، فقبلها. ثم إن المسيح أهدى إلى ملك الفرس ثلاثة أقراص من خبز شعير قربانا مع الرسل وأوصاهم بوصية. فخرجوا من الشام يريدون بلد فارس. فبينا هم في الطريق إذ قال واحد منهم: لو أكل كل واحد منا قرصا من هذه الأقراص فكان يفوز بالفضل الذي فيها، فإن هذا الرجل- يعني المسيح- لم يكن يوجه إلى إلى الملك هذه الأقراص إلّا لفضل عظيم فيها. فتتابع اثنان على ذلك وأكلا قرصيهما. وأبى الثالث أن يفعل. فقالا له: إنّا نخاف على أنفسنا من الملك أن وقف على فعلنا. فإما أن تأكل قرصك وإما أن نقتلك. قال فإني آكله. وأوهمهم ذلك ثم دفنه. وانطلقوا حتى صاروا إلى صاحبهم فقال لهم: ما الذي قال لكم؟ فعرّفوه ما أوصاهم به. قال:

فأي شيء وجّه معكم؟ قالوا: لم يوجّه معنا شيئا. فقال: كذبتم. ما كان ليردكم بغير شيء. أصدقوني، ما الذي صنعتم بما أعطاكم؟ فصدقوه عن الأمر، وعرّفه الذي لم يأكل القرص ما فعل به ووصف له المكان الذي دفنه فيه. فقال: انطلق بنا حتى تقفنا على الموضع الذي دفنته فيه. فانطلق والملك معه. فلما صارا إلى

الموضع أوقفه عليه. فأمر أن يحفر المكان ويستخرج القرص، ففعلوا ذلك.

فهاجت في وجوههم نار عظيمة منعتهم من استخراجه. فحاولوا ذلك غير مرة وهي تمنعهم. فقال أردشير: بهذه النار أرسلكم. فمن يومئذ عظّمت فارس النار وعبدتها.

ورأينا جماعة من علماء المجوس يدفعون هذا ولا يعترفون به ويزعمون أن تعظيم النار قبل مولد المسيح بالدهر الطويل.

وقال الجاحظ: من المواضع التي عظمت النار لها، أن الله ﷿ جعلها لبني إسرائيل في موضع امتحان إخلاصهم وتعرّف صدق نياتهم. فكانوا يتقربون بالقربان، فمن كان منهم مخلصا، نزلت نار من قبل السماء حتى تحيط بقربانه فتأكله. ومن لم تأكل النار قربانه، قضوا على صاحبه أنه مذموم القلب فاسد النية.

فهذا باب مما عظم الله به شأن النار في صدور الناس. ومنه قول الله ﷿ وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى: إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً.

وقال في موضع آخر الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ.

والنار من أكبر الماعون [وأعظم المرافق] ولو لم يكن فيها إلّا أن الله جل وعز جعلها الزاجرة على المعاصي لكان ذلك مما يزيد في قدرها وفي نباهة ذكرها وقال أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ؟ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ

جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ

. وقف عند هذا القول. فإن كنت مؤمنا فتذكر ما فيها من النعمة أولا ثم النقمة آخرا، ثم قوّم مقادير النعم وتصاريفها.

وقد علمنا أن الله ﷿ قد عذّب الأمم بالغرق والرياح والحاصب والصواعق والخسف وغير ذلك، ولم يبعث عليهم نارا، كما بعث عليهم ماء وريحا وأحجارا. وجعل النار من عقاب الآخرة. ونهى أن يحرق بها شيء من الحيوان والهوام [وقال: لا تعذّبوا بعذاب الله]. فقد عظّمها كما ترى.

وقال ﷿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ

. فجعل الشواظ والنحاس وهما النار والدخان من الآية. فلذلك قال على نسق الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.

ونار أخرى وهي نار إبراهيم ﵇ التي ألقي فيها فجعلها الله ﷿ عليه بردا وسلاما.

ونار أخرى وهي النار التي كانوا [يستمطرون بها] في الجاهلية فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات واحتاجوا إلى الاستمطار، اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها السلع والعشر المشدود في أذناب البقر [وأشعلوا فيها النيران] وضجّوا بالبكاء والدعاء والتضرع. فكانوا يرون ذلك من أسباب السقيا لهم. ولذلك قال الشاعر:

لا درّ درّ رجال خاب سعيهميستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلّعةذريعة لك بين الله والمطر

ونار أخرى كانوا يوقدونها عند التحالف والتعاقد، فيذكرون منافعها ويدعون الله بالحرمان والمنع من منافعها على الذي ينقض العهد ويخيس العقد. وربما دنوا من النار حتى تكاد تحرقهم. ويهوّلون بذلك على من يخافون غدره. وقال الكميت:

كما شبّ نار الحالفين المهوّل

ونار أخرى يوقدونها خلف المسافر الذي لا يرون أن يعود من سفره.

ونار أخرى وهي نار الحرّتين، وهي نار خالد بن سنان أحد بني مخزوم من بني قطيعة بن عبس- وكان يقال نبي- ولم يكن في بني إسماعيل بن إبراهيم ﵉ نبي قبله. وهو الذي أطفأ نار الحرة وكانت ببلاد بني عبس حرة تسطع بالنهار دخانا وتتقد بالليل نارا، وربما ندرت منها العنق فأتت على كل شيء تناله.

وكان أهل تلك الأرض منها في بلاء عظيم حتى بعث الله خالد بن سنان فساقها بعصاه حتى أدخلها بئرا كانت بالحرة، ثم اقتحم معها البئر حتى غيّبها ثم خرج. وقد ذكرنا أخباره في كتاب العجائب.

والمتكلّمون يدفعون أمر خالد ويقولون كان أعرابيا وبريا من أهل شرج وناظرة، ولم يبعث الله نبيا قط من العرب الذين ينزلون البادية ويسكنون بيوت الوبر. وإنما يبعثهم من القرى وساكني المدر. قال خليد عينين العبدي:

وأيّ نبيّ كان في غير قومهوهل كان حكم الله إلّا مع النخل

وأهل الكتاب يزعمون أن الله أوصاهم بالنار وقال (لا تطفئوا النار من بيوتي). فلذلك لا تجد الكنائس وجميع بيوت العبادة تخلو من نار موقدة في سرج وقناديل ليلا ونهارا. وأما المجوس فإنهم لم يرضوا بمصابيح أهل الكتاب حتى اتخذوا للنيران البيوت والسدنة ووقفوا عليها الغلات الكثيرة. وهم يقدمون النار في التعظيم على الماء ويقدمون الماء في التعظيم على الأرض ولا يكادون يذكرون الهواء.

وما زالت السدنة تحتال للناس من جهة النيران بأنواع الحيل كاحتيال رهبان كنيسة القيامة ببيت المقدس بقولهم إنهم في بعض الأعياد يطفئون سائر القناديل التي في البيعة، وإن نارا تنزل من السماء حتى تلهب قنديلا قد جعلوه لذلك، وإن النار التي تلهبه تكون مضيئة ليست لها حرارة، فكلما ألهب منها قنديل آخر أخذت في الاحمرار والحرارة حتى تعود إلى الطبع.

وكما قالت المجوس في آذر جوي وشق حين بنوا الكانون على قيّارة ونفّاطة.

ونيران أخر منها: نار البرق ونار الحباحب وهي اليراعة. واليراعة دودة خضراء تكون في آخر الربيع تطير بالليل كأنها شرارة نار، فإن أخذها آخذ وجعلها في يده ونظر إليها [كانت] كأنها نار. وأهل القرى يجعلونها على جباههم يلعبون بذلك. وهي بالنهار دودة خضراء.

ويقال إن بطلا أراد السلطان معاقبته، فأقامه في ماء بعض النهار وكانت ليلة باردة كثيرة الثلج. فنظر إلى مصباح في القرية فوضع عينيه عليه، ولم يزل في الحياة حتى خمد المصباح. فلما خمد المصباح مات الرجل من وقته، وكانت حياته بنظره إلى النار.

وذكر الله ﷿ فضل النار في عدة مواضع من كتابه، من ذلك قوله الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ

. فجعلها أعظم من الماعون معونة وأخفها مؤونة. والماعون الأكبر الماء والنار ثم الكلأ والملح.

والوجه الآخر من الامتنان بالنار قوله يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ ...

الآية. وليس يريد أن إحراق العباد بالنار من والآية ونعمائه، ولكن أراد بالوعيد الصادق، إذ كان في غاية الزجر فهو من النعم السابغة والآلاء العظام.

وكذلك القول في خلق جهنم إنه نعمة عظيمة ومنّة جليلة، إذ كان زاجرا عن نفسه ناهيا، وإلى الجنة داعيا.

ثم بالنار يعيش أصل الأرض من وجوه، فمن ذلك صنيع الشمس في البرد والماء والأرض. ولأنها صلاح جميع الحيوان عند حاجتها إلى دفع عادية البرد، ثم سراجهم الذي يستصبحون وبضيائه يميزون الأمور.

وفي الأرض عيون قار وعيون زئبق وعيون نفط وكبريت، ومعادن ذهب وفضة ورصاص ونحاس وحديد. فلولا ما في بطن الأرض من أجزاء النار، ما ذاب في قعرها جامد ولما انسبك في معادنها شيء من الجواهر، ولما كان لقواها جامع ولخبثها مفرّق.

ثم رجع بنا القول إلى ذكر البلدان.

قالوا: وفي بعض رساتيق همذان عيون ماء تنبع، فإذا جرى من مكانه وزال عن موضعه تحجّر وصار صخرا تبنى به الأبنية.

وقيل أيضا إن الشب اليماني إنما هو ماء يقطر من كهوف في جبال باليمن، فإذا وقع إلى الأرض استحجر وصار شبّا وحمل إلى سائر البلدان. وكذلك النوشاذر ومعدنه كهف بكرمان. وزعموا أنه بخار يتكاثف في ذلك الكهف، فإذا اجتمع خرج إليه السلطان وأهل البلد فجمعوه وأخذ السلطان حصة منه وسلّم الباقي إلى أهل البلد فتوزّعوه على رسوم قد تراضوا بها.

/

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.