من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
ناووس الظبية وقصر بهرام جور
وعلى فراسخ يسيرة من همذان ناووس الظبية وقصر بهرام جور بقرية يقال لها جوهسته. والقصر كله حجر واحد منقور بيوته ومجالسه وخزائنه وغرفه وشرفه
وسائر حيطانه. فإن كان مبنيا من حجارة مهندمة قد لوحك بينها حتى صارت كأنها حجر واحد، لا يتبين منها مجمع حجرين ولا ملتقى صخرتين. فهذا عجب وأمر حسن جدا. وإن كان حجرا واحدا. فكيف نقرت بيوته وخزائنه وممراته ودهاليزه وشرفات سوره. وهذا أعجب وأعظم من أن يكون من حجارة شتى لأنه عظيم جدا كبير المجالس والخزائن والغرف.
وفي مواضع منه كتابة بالفارسية يقرأها من كان يعرف الخط الفارسي. وهي أخبار ملوكهم وشيء من سيرهم وتدبيرهم. وفي كل ركن من أركانه صورة جارية عليها كتابة.
وعلى مقدار نصف فرسخ من هذا القصر، ناووس الظبية، وهو على تل مشرف وحوله عيون كثيرة وأنهار غزيرة.
وكان السبب في أمره أن بهرام جور خرج متصيدا ومعه جارية كانت من أحظى جواريه عنده وأقربهن من قلبه. فلما فرغ من صيده نزل على هذا التل فتغدى وقعد يشرب مع الجارية. فلما أخذ فيه الشراب قال لها: تشهّي عليّ شيئا أبلغك إياه. فنظرت إلى سرب ظباء. فقالت الجارية: ان تجعل بعض ذكورة هذه الظباء مثل الإناث، وتجعل بعض إناثه مثل الذكورة، وترمي ظبية من ظبائه فتصل ظلفها مع أذنها. فورد على بهرام أمر بقي فيه متحيرا ثم قال: إن لم أفعل ذلك عيّرني الملوك وغيرهم من سائر الناس وقالوا امرأة تشهّاها شيئا ثم لم يقدر عليه.
ثم أخذ الجلاهق ورمى الظبية ببندقة فأصاب أذنها، فرفعت ظلفها لتحك أذنها فانتزع سهما فخاط به أذنها مع ظلفها. ثم ركب فرسه إلى السرب فأقبل يرمي الذكور ذوات القرون بنشّاب له ذو شاخين فيقتلع القرون بذلك، ويرمي الإناث متعمدا رؤوسها فتنبت سهامه فيها فتصير كأنها قرون. فلما بلغ من ذلك ما أرادت الجارية انصرف فذبح الجارية ودفنها مع الظبية وبنى عليهما ناووسا من
حجارة وكتب عليه الخبر [وقال: إنما قتلت الجارية لأنها قصدت تعجيزي وكادت تفضحني]. وهذا الناووس إلى وقتنا هذا معروف مشهور يسمى بناووس الظبية.
أنشدني بعضهم فيه:
عجبت لبهرام ومن ذات ظبيةتجوب وتغدو بين قفر السباسب
وبهرام مع حوراء عين كأنّهاأيا الشمس أصبت بين عشب المغارب
فقالت له الحوراء دونك فأرمهاوصكّ بسهم من سهام الشصائب
مجامع أذنيها وأسفل ظلفهافلا عذر إن خالفت يا ابن الأشاهب
فأرسل سهما صكّ منها الّذي بغتوقام إليها مغضبا بالقواضب
وقال آخر في طويلة له:
ولا أرى ملكا تجبو الملوك لهبالسند والهند والمعمور بالصين
/ ولا أرى أردشير الفارسيّ ولاكسرى شهنشاه إذ يلهو بشيرين
إذ قالت القينة الورهاء إذ نظرتإلى غزال تناغي ربرب العين
ما دون جمعك ظلفيها بنافذةسكّا إلى قرنه بهرام يرضيني
فذعّر الملك وارتجّت فرائصهمن قول صنّاجة قالت بتهجين
فراصد الظّبي حتّى حكّ سامعهمنه بظلف على قرن وأذنين
فسكّ ظلفيه بالمدرى وسامعهبذي غرار طرير النّصل مسنون
[وقال عبد الرحمن بن الأزهر]: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يدعو ويقول: اللهم لا تدركني أبناء الهمذانيات والاصطخريات، وعدّد قرى من قرى فارس الذين معهم قلوب العجم وألسنة العرب.
وذكر بعض أهل العلم أن همذان هذه التي ذكرها عمر ﵁ هي قرية من قرى إصطخر وليست همذان الجبل.
وفي الخبر، أن همذان لا تخرب إلّا بسنابك الخيل.
ويروى عن جعفر بن محمد ﵁ أنه قال: لما قتل الحسين بن علي ﵄ بكت عليه السماء والأرض إلّا أربعة أماكن: دمشق وال ... رة وهمذان وبلخ.
وروي عن كعب أنه قال: نجد في الكتب أن الأرض كلها تخرب قبل الشام بأربعين سنة. فمكة تخربها الحبشة، والمدينة، الجوع. والبصرة، الغرق.
والكوفة، الترك. والجبال، الصواعق. وخراسان بأنواع العذاب.
فمدينة بلخ تصيبها رجفة ورعدة ثم يغلب عليها الماء فيهلك أهلها.
وأما مدينة الخلم فتصيبها رجفة تجعل عاليها سافلها.
وأما الترمذ فإن أهلها يفنيهم الطاعون.
وأما الصغانيان وباشجرد فيفنون بقتل من عدوّ يغلب عليهم.
وأما سمرقند فتغلب عليها بنو قنطوراء بن كركر فيقتلون أهلها قتلا ذريعا.
وكذلك الشاش وفرغانة وأسبيجاب وخوارزم. فتصير جميع هذه المدن خرابا يبابا كلها كأنها جوف حمار.
وأما بخارا فهي أرض الجبابرة يصيب أهلها نحو ما أصاب خوارزم ثم يموتون جوعا وعطشا.
وأما مرو فيغلب على أهلها الرمل.
/ وأما الهراة فتمطر حيات يكون بها فناء أهلها.
وأما نيسابور فيصيب أهلها رعد وبرق وظلم فيهلك أكثرهم.
وأما الري فيغلب عليها الديلم [والطبرية].
وأما آذربيجان وأرمينية فيهلكون بالجيوش والصواعق والحروب، ويلقون من الشدائد ما لا يلقاه غيرهم.
وأما حلوان فتهلك بهلاك بغداد من رياح عواصف وأمطار عظيمة.
وأما الكوفة فيهلكها السفياني.
وأمّا مصر فيهلكها رجل يقال له ناجية من بني جهينة. فويل لأهلها وأهل دمشق وأهل إفريقية وأهل الرملة منه، ويحاول دخول بيت المقدس فيمنعه الله منه.
وأما سجستان فرياح تعصف عليهم أياما ثم تجيئهم ظلمة عظيمة تتبعها هوة عالية تتصدع لها جبالها وقلوبهم فيختلف عامتهم بذلك.
وأما كرمان وإصبهان وفارس فيتلفهم الجراد وجور السلطان.
وخراب السند من قبل الهند.
وخراب التبت من قبل الصين. [وخراب خراسان من قبل التبت].
وخراب الشام من ملحمة كبيرة تحل بها. وعند خرابها تفتح القسطنطينية على يد رجل من أهل بيت رسول الله ﷺ.
وخراب الأندلس من قبل الزنج.
وقد قيل إن خراب مصر من انقطاع النيل.
وخراب همذان من الديلم، يدخلونها فيخربونها فلا همذان بعدها.
والله أعلم.
/
القول في نهاوند
قال أبو المنذر هشام بن السائب الكلبي: سميت نهاوند لأنهم وجدوها كما هي. ويقال إنها من بناء نوح ﵇، وإنما اسمها نوح أوند، فخففت، وقيل نهاوند. وهي أعتق مدينة في الجبل.
قال: كانت وقعة نهاوند سنة إحدى وعشرين. ويقال إن حذيفة حاصر نهاوند فكان يقاتل أهلها. فقاتلهم يوما قتالا شديدا. فاتبع سماك بن عبيد العبسي رجلا منهم ليقتله فلما رهقه ألقى سلاحه واستسلم، فأخذه أسيرا. فأقبل يتكلم بالفارسية، فأحضروا ترجمانا فقال: يقول: اذهبوا بي إلى أميركم حتى أصالحه على المدينة وأؤدي إليه الجزية وأعطيك أنت ما شئت فقد مننت عليّ إذ لم تقتلني. فقال له ما اسمك؟ قال: دينار.
فانطلقوا به إلى حذيفة فصالحه على الخراج والجزية من أهل نهاوند على أموالهم وأنفسهم وذراريهم وسميت نهاوند يومئذ ماه دينار.
وقال المبارك بن سعيد عن أبيه قال: نهاوند فتوح أهل الكوفة، والدينور من فتوح أهل البصرة. فلما كثر الناس بالكوفة احتاجوا إلى أن يزادوا من النواحي التي قد صولح على خراجها، فصيرت لهم الدينور، وعوّض أهل البصرة نهاوند لأنها قرية من إصبهان، فصار فضل ما بين خراج الدينور ونهاوند لأهل الكوفة، فسميت نهاوند ماه البصرة والدينور ماه الكوفة [وذلك في أيام معاوية بن أبي سفيان].
وعلى جبل نهاوند طلسمان وهما صورة سمكة وثور من ثلج، لا يذوبان في شتاء ولا صيف. يقال إنهما للماء لئلا يقلّ بنهاوند. فماؤهما نصفان: إليها، والنصف الآخر إلى دينور واليشتر.
/
القول في إصبهان
وأما إصبهان فقال ابن الكلبي: سميت أصفهان بأصفهان بن الفلوج بن سام بن نوح.
وحدّث ابن عيينة قال: سمعت ابن شبرمة يقول له: يوم وليلة بالحيرة خير من دواء سنة. فحدثت بهذا الحديث محمد بن موسى بن الوزير، قال: نوم ليلة بأصبهان خير من دواء سنتين.
ويروى عن سعيد بن المسيب أنه قال: لو لم أكن من قريش لأحببت أن أكون من فارس ثم من إصبهان.
[وقال الكلبي: وكان جد أبي دلف، القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل العجلي يعالج العطر ويجلب الغنم. فقدم الجبل في عدة من أهله فنزلوا قرية من قرى همذان، فأثروا واتخذوا الضياع. ووثب إدريس بن معقل على رجل من التجار كان عليه مال فخنقه وأخذ ماله. فحمل إلى الكوفة وحبس بها في ولاية يوسف بن عمر الثقفي العراق، في زمن هشام بن عبد الملك. ثم إن عيسى بن إدريس نزل الكرج، وغلب عليها وبنى حصنها، وقويت حال أبي دلف وعظم شأنه عند السلطان، فكبّر الحصن وزاد فيه وسماها الكرج. فقيل كرج أبي دلف.
فالكرج اليوم مصر من الأمصار. وكانت من قبل من رستاق إصبهان. فهي اليوم مفردة برأسها تسمى الإيغارين].
ولما ارتحلت اليهود من بيت المقدس هاربين من بخت نصر، حملوا معهم من تراب بيت المقدس ومائه فكانوا لا ينزلون منزلا ولا يدخلون مدينة إلّا وزنوا ماءها وترابها. فما زالوا حتى دخلوا أرض إصبهان، فنزلوا ووزنوا الماء والطين الذي في ذلك المكان فكان مثل الذي معهم من تراب بيت المقدس ومائه. فعندها اطمأنوا وأخذوا في الأبنية والعمارات وتوالدوا وتناسلوا وسمي المكان بعد ذلك.
باليهودية وفيه يعرف إلى هذا الوقت.
فأما مدينة إصبهان فاسمها جيّ وبناها الإسكندر على مجرّ حيّة.
فالبناء قائم إلى يومنا هذا معوج.
/ ويقال إنه كان بنى سورها مرارا كثيرة، مربعا ومدوّرا فكان إذا فرغ منه تساقط وغيره من أبنية البلد. فآلى على نفسه أن لا يبرح أو يبنيها. فرأى في بعض الأيام حية قد جاءت فدارت حول السور مسرعة ثم انصرفت. فأمر أن يرسم السور على مجرّها. ففعل ذلك فثبت البناء ولم يقع.
وإصبهان من فتوح أبي موسى الأشعري في أيام عمر بن الخطاب ﵁.
وقال الشعبي: لما انهزم يزدجرد من المدائن صار إلى نهاوند. فلما انهزم منها انتخب من عسكره ألف أسوار وألف خبّاز وألف طباخ وألف صاحب حلواء ثم مضى حتى نزل مرو. فلما قتل بها صارت الأساورة إلى بلخ، فأهلها أشجع أهل خراسان. وصار الطباخون إلى هراة. فأهلها أحذق الناس بألوان الطبخ. وأقام الخبازون بمرو فأهلها أجود الناس خبزا، ولهم ضروب منه لا توجد في غير بلدهم. وصار صاحب الحلوى إلى إصبهان، فهم أحذق الناس باتخاذ الحلوى.
وقال الهيثم بن عدي: لم يكن بفارس أقوى من أهل كورتين: واحدة سهلية وأخرى جبلية. أمّا السهلية فكسكر، وأما الجبلية فأصبهان. وكان خراج كل كورة
اثني عشر ألف ألف مثقال. وكانت مساحة إصبهان ثمانين فرسخا في مثلها. وهي ستة عشر رستاقا في كل رستاق ثلاثمائة وستون قرية قديمة سوى المحدثة. وهي جي وماربين، والنجان، والبراءان، وبرخوار، ورويدشت، وأردستان، وكروان، وبرزاريذ، وفريدين، وقهستان، وقامدار، وجرم كاسان والتيمرة الكبرى والتيمرة الصغرى، ومكاهن الداخلة.
قال: وخراج إصبهان وقم بستة عشر ألف ألف درهم بالكفاية على أنه لا مؤونة على السلطان. وكان كيكاوس الملك ملّك عليها جودرز في زمن الفرس.
/
قمّ
ويقال: إن الذي بنى مدينة قم، قمسار بن لهراسف.
وروى أبو موسى الأشعري قال: سألت علي بن أبي طالب ﵁ عن أسلم المدن وخير المواضع عند نزول الفتنة وإظهار السيف. فقال: أسلم المواضع يومئذ أرض الجبل. فإذا اضطربت خراسان ووقعت الحرب بين جرجان وطبرستان فأسلم المواضع يومئذ قصبة قم، تلك التي يخرج منها أنصار خير الناس أبا وأما وجدّا وجدة وعما وعمة، تلك التي تسمى الزهراء، بها قدم جبريل يوم نزل إلى قوم لوط. وهو الموضع الذي ينبع منه الماء الذي من شرب منه أمن من الداء العضال.
ومن ذلك الماء عجن المسيح الطير الذي يعمل منه كهيئة الطير. ومنه يغتسل المهدي. وخرج كبش إبراهيم ﵇، وعصا موسى وخاتم سليمان ﵈.
هي أعظم المدن شأنا وأكبرها سلطانا، فيها الأمن والخصب والعز والسطوة والظفر وصحة الأهل وطيب الهواء.
/ وبقم من الرساتيق والطساسيج: طسوج لنجروذ، وطسوج روذبار، وطسوج
ابرشتيجان، وطسوج سجاران، وطسوج سراجه، وطسوج وراكروذ.
رستاق الجبل، رستاق ساوه. رستاق جرّى [وسيا، وسوميلادجرد] وغير ما ذكرنا من الطساسيج والرساتيق. [وأخبرني محمد بن أبي مريم قال:] مبلغ خراج قم ومما في ذلك من الاحتسابات وما على آل عجل ومن في ناحيتهم وعلى أهل الأطراف من الورق: ثلاثة آلاف ألف ومائتا ألف وعشرون ألف وثلاثون درهما.
[وما على الضياع المنقولة إلى هذه الكورة: مائتا ألف وعشرون ألفا وثلاثمائة وثلاثون درهما]. فجميع ذلك ثلاثة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثلاثة وأربعون ألفا وثلاثمائة وثلاثون درهما. [قيمتها على صرف سبعة عشر بدينار: مائتا ألف وألفان وخمسمائة وتسعة وأربعون دينارا].
ولمّا أمر قباذ بليناس بأن يطلسم آفات بلاده، مضى إلى قم فاتخذ آبارا بإزاء ملاحتها إلى جانب شجرة الملاحة طلسما ليدوم جريان عين الملاحة ولا ينقطع ما لم يحظر عليه. فإن حظر أو منع الناس جفّ ولم يجر.
وهذه العين يجري ماؤها، كلما بعد عنها جمد وصار ملحا، فجاء يأخذه أهل تلك البلاد.
وعمل فيها طلسما آخر ليخفي معدن ذهب وفضة كانا هناك، لأن الفلاحين كانوا يشتغلون. بهما عن أعمالهم.
وعمل طلسما آخر للحيات والعقارب، وكان أهلها يلقون من ذلك أذى شديدا، فانحازت إلى جبل بالقرب منها فما يقدر أحد إلى هذا الوقت يجتاز فيه من كثرة الحيّات والعقارب.
ثم مضى إلى فراهان وفيها سبخة تبتلع البعير بحمله والفرس براكبه. فاتخذ حولها طلسمين فاستراح المجتازون فيها من الغرق.
ولما ملك طهمورث بنى بأرض إصبهان في رستاق ماربين ورويدشت.
وفي ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام أقحط الناس ولم يمطروا سبع سنين.
فاتصل بفيروز أن رجلا مات في قرية [جوانق] من بعض الرساتيق، فخشي أن يكون مات جوعا. فأنفذ نقيبه إلى دار ذلك الرجل ففتشها ووجد فيها ثلاثة جرابي كبار مملوءة حنطة فأخبر الملك بذلك، فأعطاه أربعة آلاف درهم وقال: الحمد لله الذي قطع المطر عن أهل مملكتي سبع سنين ولم يمت إنسان منهم جوعا.
[وكانت جوانق ماهية، وكانت لقوم لهم أخطار، فسألوا فيروز أن يصير جوانق إلى إصبهان ففعل ذلك]. ثم مطر الناس ماه فروردين وروز آبان فصبوا الماء بعضهم على بعض فصارت سنّة إلى اليوم في الصب بعضهم على بعض في ماه وهمذان وإصبهان والدينور وهذه الناحية.
وواد بها [يسمى] زرن روذ يخرج من قرية يقال لها بناكان يمر بقرية يقال لها در ثم إلى قرية يقال لها دنبه. وتصب إلى هذه القرية مياه كثيرة، فيكثر الماء هناك ويعظم أمره ويسقي الرساتيق والقرى ثم يغور في رمل [في آخرها] ويخرج بكرمان على ستين فرسخا من الموضع الذي يغور فيه فيسقي أرض كرمان ثم يصب في البحر الشرقي. وكانت معرفتهم بهذا الماء الذي يغور في الرمل وهو الذي يخرج بكرمان. فاستدلّوا بذلك على ما ذكرنا.
ولبعضهم في عذوبة ماء إصبهان:
لست آسى من إصبهان على شيءسوى مائها الرحيق الزلال
ونسيم الصبا ومخترق الريحوجوّ صاف على كل حال
ولها الزعفران والعسل الماذيّوالصافنات تحت الجلال
وقال آخر:
لست آسى بأصبهان لشيءأنا أبكي عليه عند رحيلي
غير ماء يكون بالمسجد الجامع صاف مروّق مبذول
وقال بعضهم: رأيت في غرفة ببعض الخانات التي في طريق إصبهان مكتوبا:
قبّح السالكون في طلب الرّزق على ايذج إلى أصبهان
ليت من زارها فعاد إليهاقد رماه الإله بالخذلان
ويقال إن بليناس لما أراد دخول إصبهان ليطلسم آفات مدينتها، اجتاز ببعض رساتيقها وقد أضرّ الماء بزروع أهله، فشكوا ذلك إليه، فاتخذ لهم طلسما في جوف بئر إذا احتاجوا إلى الماء فاضت بماء غزير. فإذا استغنوا منه، تراجع إلى البئر وغار فيها حتى يحتاجوا إليه فيخرج.
ثم اتخذ بأصبهان طلسما للهوام فقلّت.
واتخذ بروذدشت طلسما لينضب ماؤهم في الصيف ويفيض عليهم في الشتاء فيضرّ بهم ويؤذيهم. وذلك أنهم أغضبوه.
وعمل طلسمين أحدهما تحت باب من أبواب المدينة، والآخر إلى جانب شجرة بينها وبين المدينة فرسخ. فإذا فتح ذلك الباب وقع الوباء في أهل المدينة، وإذا قطع غصن من أغصان تلك الشجرة ارتفع الوباء.
وعمل طلسما للفجور وفساد النساء، فليس الزنى ببلد من البلدان أظهر منه بها. وإنما دعاه إلى ذلك أن أهلها أفسدوا غلامه. ثم لم يقنع بذلك حتى عمل على طرقهم وهي سبع طرق، سبع طلسمات للخوف، فطرقهم مخوفة أبدا.
ويقال: لم يبن بالجصّ والآجر بناء أبهى من إيوان كسرى الذي بالمدائن، ولا بالحجارة أحسن من قصر شيرين. وبازرميدخت أيضا بناء عجيب. ولا بني باللبن والطين أبهى ولا أحسن ولا أعجب من بناء بأصبهان في رستاق من رساتيقها يقال له نيمور.
وبأصبهان قرية يقال لها انباجن، عند أهلها خرزة [خضراء آسمانجونية]
يزعمون أنها طلسم للبرد. فإذا كان أيام الربيع وخافوا على زروعهم وثمارهم البرد، أخرجوا تلك الخرزة ونصبوها على قناة في موضع معروف عندهم فيسمع من جوفها دويّ كدويّ الريح. فيقال إن البرد ليجيء في صحاريهم وفي الغامر من أراضيهم، ولا يصيب العامر من أرضهم وزروعهم شيء. وزعموا أن الخرزة آسمانجونية تضرب إلى خضرة.
وقال زياد بن رباح: دخل رجل على الحسن البصري فقال له: من أين أنت؟
قال: من أهل إصبهان. قال: الهرب ثم الهرب من بين يهودي ومجوسي وآكل ربى.
وأنشد لمنصور بن باذان:
فما أنا من مدينة أهل جيّولا من قرية القوم اليهود
وما أنا عن رجالهم براضولا لنسائهم بالمستزيد
ويقال: لو فتّش نسب رجل فيها من التجار والتنّاء لم يكن بدّ من أن تجد في أصله ونسبه حائكا أو يهوديا.
وذكر بعض من قد جال في البلدان وشاهد المدن أنه لم ير مدينة أكثر من زان ولا زانية من أهل إصبهان.
[وأنشد أبو محمد العبدي لنفسه:
لمن طلل تعاجم عن جوابيلقد فصحت دموعك بانسكاب
قف العبرات إنّ دما ودمعايصوب بربعهم فمن الصواب
ألم يحزنك من ولعان دهرتعنّته بأطلال الرّباب
ليالي من أحبّ إذ اللياليبقربهم كأيّام الشباب
فأبدلني النّوى من حسن ليليليالي مثل أيّام الكلاب
على بلد أصبهان وساكنيهالعائن والدّمار على الكلاب
/ ولا صبّ الصّبا يوما إليهاليسحب ذيل غادية السّحاب
أحاول دهرها بالسيف طوراوطورا بالبلاغة والحساب
فلا في ذاك يفلح قدح نجحولا في ذين يغنم باكتساب
وكيف ينال مثلي النّجح فيهاوقد شحنت بأولاد القحاب]
وفي بعض الخبر أن الدجّال يخرج من إصبهان. وفي الحديث أن آدم ﵇ لما أهبط من الجنة أهبط بالهند على جبل سرنديب، وأهبطت حواء بجدّة وإبليس [اللعين] بميسان والحية بأصبهان.
وزعم بعض أصحاب الأخبار أنه لم ير في مدن الجبل مدينة أعذب ماء ولا أقل هواما ولا أطيب هواء ولا أصح تربة من إصبهان.
وذكروا أن الحنطة وسائر الحبوب ربما أقامت في البيوت والأهراء سنة وأكثر فلا تتغير ولا تفسد، وكذلك أيضا جميع الفواكه والمأكولات ولا تغير فيها القدور المطبوخة ولو أقامت أياما كثيرة.
فأما الميت فإنه يبقى في قبره المدة الطويلة والسنين الكثيرة لا يبلى، لصحة التربة وطيب الندرة.
ولهم الثياب العتابي والسعيدي والوشي وأنواع الثياب القطنية والملحم وغير ذلك. والملح الأصبهاني موصوف في جميع بلدان الدنيا وكذلك الأشنان. والله أعلم بالصواب.
/
القول في الري والدنباوند
قال ابن الكلبي: سميت الريّ برويّ من بني بيلان بن إصبهان بن فلوج بن سام. قال: وكان في موضع المدينة بستان. فخرجت بنت روي يوما إليه فإذا هي بدراجة تأكل تينا فقالت: بورأنجير. يعني أن الدراجة تأكل تينا. فاسم المدينة في القديم بورأنجير. ويغيرونه أهل الري فيقولون بهزويد.
وقال لوط بن يحيى: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمار بن ياسر- وهو عامله على الكوفة- بعد شهرين من فتح نهاوند يأمره أن يبعث عروة بن زيد الخيل الطائي إلى الري ودستبى في ثمانية آلاف، ففعل. وسار عروة لذلك.
فجمعت له الديلم، وأمدّهم أهل الري، وقاتلوه فأظهره الله عليهم فقتلهم واجتاحهم.
وقال جعفر بن محمد الرازي: لما قدم المهدي الريّ في خلافة المنصور، بنى مدينة الري التي بها الناس اليوم وجعل حولها خندقا وبنى فيها مسجدا جامعا.
وجرى ذلك على يد عامر بن الخصيب، وكتب اسمه على حائطها. وتمم عليه سنة ثمان وخمسين ومائة وجعل لها فصيلا يطيف به فارقين آخر وسماها المحمدية.
فأهل الري يدعون المدينة الداخلة: المدينة. ويسمون الفصيل: المدينة الخارجة.
والحصن المعروف بالزنبدي في داخل المدينة المعروفة بالمحمدية. وقد كان
المهدي أمر بمرمّته ونزله أيام مقامه بالري، وهو مطلّ على المسجد الجامع ودار الإمارة.
ويقال إن الذي تولى مرمته وإصلاحه ميسرة التغلبي- وكان من وجوه قواد المهدي- ثم جعل بعد ذلك سجنا ثم خرب. فعمره رافع بن هرثمة في سنة ثمان وسبعين ومائتين ثم خربه أهل الري بعد خروج رافع عنها.
قال: وبالري أهل بيت يعرفون بآل الحريش لهم رفضة وأبنية حسنة. وكان نزولهم الري بعد بناء المدينة المحدثة.
قال: وكانت الري تدعى في الجاهلية أزاري. فيقال إنه خسف بها، وهي على اثني عشر فرسخا من موضع الري اليوم على طريق الخوار بين المحمدية وهاشمية الري. وفيها أبنية قائمة إلى اليوم تدل على أنها كانت مدينة عظيمة.
وهناك أيضا خراب في رستاق من رساتيق الري يقال له البهزان بينه وبين الري ستة فراسخ، يقال إن الري هناك كانت. وحدثني من رأى أثر الحوانيت والأسواق بها.
ولا يزال الحرّاثون ومن عرفها يجدون قطع الذهب وربما وجدوا اللؤلؤ واليواقيت وغير ذلك من هذا النوع.
والري العتيقة المعروفة قد خربت أيضا. وكان المهدي في حياة المنصور حيث وجهه إلى خراسان، نزل في موضع منها يقال له السيروان وبنى فيها أبنية حسنة بعضها قائم إلى هذا الوقت.
وفي قلعة الفرخان بالري يقول الغطمش الضبي وكان ديوانه هناك فكان لا يعدم في كل يوم أن يصاح بالنفير:
على الجوسق الملعون بالريّ لا بني على رأسه داعي المنيّة يلمع وبالري مات محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة [وعنه أخذوا الفقه].
ودخلها سعيد بن جبير فلقيه الضحاك وكتب عنه التفسير.
وكان عمرو بن معديكرب الزبيدي غزا الري فلما انصرف توفي فدفن فوق روزه وقوسنة بموضع يسمى كرمانشاه.
وبها مات الحجاج بن أرطاة النخعي سنة ثمان وأربعين ومائة. وكان شخص إليها مع المهدي.
وبها توفي الكسائي المقري واسمه علي بن حمزة، وكان شخص إليها مع الرشيد وهو يريد خراسان.
وبها مات محمد وأحمد ابنا خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني. وكان موت أحمد بها في ولاية موسى بن بغا سنة سبع وخمسين ومائتين، وموت أخيه محمد في أيام المعتضد والمكتفي مقيم بالري في سنة إحدى وثمانين ومائتين. وكان محمد بن خالد في الوقت الذي اتخذ المعتصم الأتراك، وأخذ الجند والقواد أن يلبس السيوف بمعاليق ويترك الحمائل إلى الايزون من الري، ولا يطأ بساط خليفة ولا يخدم السلطان والأتراك دولة. واحتجب عن الناس. ويقال إنه لبس برقعا فأغمضت الخلفاء له عن ذلك لجلالته وعظيم خطره.
فلم يزل على ذلك مستترا إلى أيام الموفق. فلما قلّد أحمد بن عبد العزيز حرب رافع وصار المكتفي إلى الري، لقيه محمد بن خالد وأقام مديدة ثم مات.
/ ولم تزل وظيفة الري اثني عشر ألف ألف درهم حتى اجتاز بها المأمون منصرفه عن خراسان يريد مدينة السلام فلقيه أهلها وشكوا إليه أمرهم وغلظ
وظيفتهم، فأسقط منها ألفي ألف درهم وسجّل بذلك لأهلها.
وقال بعض العلماء: مكتوب في التوراة: الري باب من أبواب الأرض وإليها متجر الخلق.
قال أبو جعفر الجمال: قلت ليحيى بن حديش: سمعت ملك بن مغول يقول: نعم دار الدنيا والآخرة الري. قال: نعم.
وقال الأصمعي: الري عروس الدنيا وإليها متجر الناس وهو أحد بلدان الأرض.
وقال أحمد بن إسحاق: الري طيبة الهواء عجيبة البناء، بلد التجار ومأوى الفجار، وهي عروس الأرض وسكّة الدنيا وواسطة خراسان وجرجان والعراق وطبرستان. ولذلك قال بعض العلماء: أحسن الأرض المخلوقة الري ولها السرّ والسربان، وأحسنها مصنوعة جرجان وإليها تقع تجارات أرمينية وآذربيجان والخزر وبلاد برجان، لأن تجار البحر يسافرون من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق فيحملون الديباج والخزّ [الفائق] من فرنجة إلى الفرما، ثم يركبون إلى القلزم فيحملون ذلك الديباج إلى الصين، ويحملون [الدار صيني والماميران].
ومتاع الصين كله حتى يصيرون إلى القلزم ثم يتحولون إلى الفرما. وهم [التجار] اليهود الذين يقال لهم الراذانية، يتكلمون بالفارسية والرومية والعربية والإفرنجية.
ويخرجون من الفرما يبيعون المسك والعود وجميع ما معهم من ملك فرنجة. وربما حملوا أمتعتهم إلى قسطنطينية، وربما حملوا الرقيق الأندلسي من إفرنجة إلى أنطاكية، ثم يصيرون إلى بغداد ثم إلى الأبلة.
وأما تجار الصقالبة فإنهم يحملون جلود الخزّ والثعالب من أقصى صقلبة فيجوز [ون] إلى البحر الرومي فيعشرهم صاحب الروم، ثم يجوزون إلى خليج
الخزر فيعشرهم صاحب الخزر، ثم يصيرون إلى بحر خراسان في هذا البحر الذي يقال له بحر الصقالبة، فربما خرجوا بجرجان فباعوا جميع ما عندهم ليحمل جميع ذلك إلى الري.
ثم أعجب من هذا، ان جميع ما بلغ إلى طبرستان من ناحية الديلم والجبل والبربر والطيلسان من الرقيق وسائر الأمتعة فإنما هو إلى الري لجلالتها وكبرها وكثرة تجاراتها.
وكان عبيد الله بن زياد قد جعل لعمر بن سعد بن أبي وقاص ولاية الري أن يخرج على الجيش الذي وجهه لقتال الحسين ﵁. فأقبل يميل بين الخروج وولاية الري أو القعود:
أأترك ملك الريّ والريّ رغبتيأم ارجع مذموما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونهاحجاب، وملك الريّ قرة عين
[وقال ابن كربويه الرازي، وكان أحد أصحاب الحسين بن أحمد العلوي بقزوين:
يا منية هيّجت شوقي وأحزانيلا تبعديني فبعد الدار أضناني
إنّي أعيذك بالأجفان يا سكنيأن تتركيني أخا شجو وأشجان
إذا بعدت يكاد الشوق يقتلنيحتى إذا طاف طيف منك أحياني
يا جفوة من حبيب أقرحت كبديهلّا رثيت لنائي الدار حيران
دامي الجفون نحيل الجسم محترقصبّ أسيف قريح القلب حرّان
/ أمسى بقزوين مسلوبا عزيمتهمقسّما بين أشجان وأحزان
أقول يوم تلاقينا وقد سجعتحمامتان على غصنين من بان
الآن أعلم أن الغصن لي غصصوإنما البان بين عاجل دان
وقمت تخفضني أرض وترفعنيأخرى وهدّ مسير الليل أركاني
ما لي أنادي فيأبى أن يجيب فتىلو كان بالرّيّ لبّاني وفدّاني
يا نفس لا تجزعي من ذاك واشتمليثوب العزاء فإن الغائب الجاني
أنا الّذي غرّه بيتان قالهمامضلّل ما له في جهله ثان
لا يمنَعنّك خفض العيش في بلدنزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكلّ بلاد أنت ساكنهاأهلا بأهل وجيرانا بجيران
حتّى تركت لذيذ العيش في بلديفناء داري عن أهلي وإخواني
وشاقني نحو قزوين منى بطلتنفت رقادي وأذرت دمع أجفاني
فيا لها حسرة إذ عزّ مطلبهالم تبق منّي على روح وجثمان
/ أنا النّذير لكم يا قوم فاستمعوامني مقالة نصح غير خوّان
للموت بالرّيّ خير للمقيم بهامن الحياة بقزوين وزنجان
أنّى لها كجنان في شوارعهايطفحن في كلّ بستان وميدان
أو كالمدينة شطّاها وشارعهامن المصلّى إلى صحراء أزدان
وهات كالسّربان اليوم مرتبعامن باب حرب إلى ساحات عفّان
أنهارها أربع محفوفة زهرتحار فيهنّ عينا كلّ إنسان
وشارع السّرّ يمناه ويسرتهمحفّفان بأنهار وأغصان
وقصر إسحاق من فولاد منحدراعلى الشراك إلى درب الفليسان
وكم بروذة من مستشرف حسنإلى المضيق بها من باب باطان
وكم بناهك من دار كلفت بهاوظبية ترتعي في سفح غدران
وشادن غنج كالبدر صورتهيميس في حلل تلهو بفتّان
/ يا ريّ صلّى عليك الله من بلدولا أغبّك دارّ (؟) القطر هتّان
حيّ الديار بها والساكنين بهامن النساء ومن شيب وشبّان
إلّا بقايا بغاة الأرض قد جحدوادين المهيمن من كفر وعدوان
كم حلّ عرصة نصراباد قاطبةمن ابن زانية محض وكشخان
وكم بسكة ساسان إذا ذكروامن ابن فاجرة نصّ وقرنان
هم الألى منعوني قرب دارهموباعدوني عن أهلي وخلاني
وشرّدوني عن صحبي وعن ولديحتى لجأت إلى أجبال قصران]
وخراج الري عشرة ألف ألف درهم بالكفاية. ومن الري إلى قزوين ذات اليسار سبعة وعشرون فرسخا. ومن قزوين إلى أبهر اثنا عشر فرسخا. ومن أبهر إلى زنجان خمسة عشر فرسخا.
وروي عن الصادق ﵁ أنه قال: الري وقزوين وساوة ملعونات مشؤومات.
وقال إسحاق. بن سليمان: ما رأيت بلدا أرفع للخسيس من الري.
وفي أخبار أهل البيت قالوا: إن الري كانت منابت الشؤم وستعود منابت الشؤم.
وفي خبر آخر: الري ملعونة وتربتها تربة ديلمية وهي على بحر عجاج تأبى أن تقول الحق.
وروى محمد بن الريان عن إسماعيل الرازي قال: قال لي الحسن بن
علي بن فضال: تعرف الدولاب؟ قلت: نعم، أعرفه. قال تعرف شجرة تسمى آزاذ؟ قلت: لا. قال: فروى عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ﵁ أنه قال: إذا اتصلت حيطان المدينة بحيطان الدولاب فعندها توقعوا بلاء القوم، ثم تلا قول الله ﷿ «وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً
». قال: الري.
وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد ﵁: ويل للري من جناحيها.
قيل وأي شيء جناحاها ؟ قال: طبرستان أحد جناحيها.
وعن محمد الرازي عن أبيه عن جده أبي إسماعيل، وكان نساجا، فاتخذ ثوبا وجوّده وقصره وحج فأتى أبا عبد الله ووضعه بين يديه، فأخذه ونظر إليه ونشره وقال: هذا محكم العمل. فقال أبو إسماعيل أنا نسجته يا سيدي بيدي.
فقال له أبو عبد الله: فأنت نساج؟ قال: نعم. [فقال]: مرحبا بنسّاجنا، من أين أنت؟ قال: من أهل الري. قال: أتعرف التل الأحمر؟ قال: لا. قال: هو ناء عن المدينة عند الباب الحديد لا يسلك إلّا عند ارتفاع النهار. أما إن ذلك الموضع سيعمر. ثم قال: أتعرف كناسة الدواب؟ قلت: نعم. قال: فتعرف جبل الطين الأسود؟ قال: لا. قال: الجبل الذي يقال له جبل ليلا. قلت: نعم أعرفه. قال:
فتعرف باب المدينة الحديدي وسورها؟ قلت: نعم. قال: عنده مصارع القوم، يقتل من صحابة [بني] العباس وشيعتهم ثمانون ألفا منهم ثمانون [ممن] يصلح للخلافة. فقلت له: جعلت فداك، ألك حاجة؟ قال: حاجتي أن تدع هذا العمل.
قلت: فأي شيء أعمل؟ [قال]: كن صيقلا فقلت له: على كبر السن كيف أعمل؟
قال: سهّل الله عليك تعلّمه ونوّر قلبك ويسّره عليك.
قال: فقدمت الري فتعلمته في شهر. فكان يروى عنه الحديث: عن أبي إسماعيل الصيقل عن أبي عبد الله.
وكان الرشيد يقول: الدنيا أربعة منازل، قد نزلت منها ثلاثة. أحدها دمشق والآخر الرقة والثالث الري والرابع سمرقند وأرجو أن أنزله. ولم أر في هذه البلاد الثلاثة التي نزلتها موضعا هو أحسن من السربان لأنه شارع يشتق مدينة الري في وسطه نهر، فهو حسن. عن جانبيه جميعا أشجار ملتفة متصلة وفيما بينها أسواق.
وخطب أمير المؤمنين علي ﵁ يوما فقال في خطبته:
احمدوا الله الذي أحصاكم عددا ووظف لكم مددا في قرارة الدنيا، فإنكم مفارقوها ومنقطعون عنها ومحاسبون بما عملتم فيها. لا تخدعنكم بقاي لذاتها فإنها ثقيل مطلبها، رنق شربها. غرور حائل وشبح مائل وسنان قاتل، تعزّ مستدبرها وتصرع مستفيدها بغرور شهوتها ومونق لذتها وحبل مدتها، حتى إذا أنس ناقدها وقرّ شاردها، قنصته بأحبلها، فتفلته إلى ضنك المضجع ووحشة المرجع ومجاورة الأموات ومفارقة الأوقات. فهم لا يرجعون ولا يؤذن لهم فيعتذرون. قد ارتهنت الرقاب بسالف الاكتساب، وأحصيت الآثار، وقد خاب من حمل ظلما. فيا لها أمثالا كافية ومواعظ شافية لو صادفت أذنا واعية وقلوبا زاكية وألبابا حازمة وآراء عازمة.
ثم قال: كيف بهم إذا خرج المشرقي، وتحرك المغربي، وحارب السجزي، وتحرك الهجري، وثار الحسيني، وغضب الحسني، وقام العلوي، وبويع الأموي، وخرج الأرمني، وماج الديلم، وضج الطبري، وقدم الهاشمي، ووافى المصري،
وظفر الخراساني، وكفر الكلبي، وبويع الزنجي، ونقض التركي، وغلب الرومي، وخرج القحطاني.
عندها يخرج الروم في ألف ألف ويزيدون. ويهرب الهاشمي من الزوراء وينزلها الخراساني. فالويل لهم من المظفر العلوي، والويل لأهل البصرة والأبلّة والأهواز وواسط من المظفر العلوي أيضا. يقتل بالبصرة مائة ألف ويزيدون، وبواسط مثل ذلك، وهو السفّاح.
وويل للرافقة وقرقيسيا من كلب وقيس. والويل كل الويل للزوراء من السفياني، يقتل في كل يوم واحد مائة ألف أو يزيدون، واليوم الثاني مثل ذلك، واليوم الثالث مثل ذلك في صعيد واحد، لا ينظر الله إليهم ولا يكلمهم ولهم عذاب أليم.
والويل لأهل الكوفة من السفياني، والويل لأهل يثرب من الأبقع، سيبقر بطون النساء ويقتل النفس الزكية.
والويل لأهل مكة من الأصهب ومن صاحب مصر يقتلهم بغير عدد حتى يجري الدماء في وادي العرفات.
والويل لأهل فسطاط مصر من فرعون الثاني وهو السفياني، كيف يقتل النساء ولا يرحم الصبيان والإماء.
والبلية العظمى بصخر الري، يقتل في ذلك الموضع ستون ألفا إلى الباب.
والويل لأهل قزوين من الديلم، يقتل الرجال وتسبى النساء والذراري.
والويل لهمذان من جانب طبرستان، والويل للري من صاحب الديلم والويل لهم من صاحب إصبهان.
في كلام طويل.
وبعث الحجاج إلى وفد كانوا قدموا عليه من الديلم فعرض عليهم الإسلام أو الجزية فأبوا أن يفعلوا شيئا من ذلك. فأمر أن يصوّر لهم بلدهم سهله وجبله وعقابه وغياضه فصوّرت له. فدعا من قبله من الديلم فقال إن بلادكم قد صورت لي
ورأيت فيها مطمعا فاعترفوا بما دعوتكم إليه قبل أن أغزيكم الجنود فأخرب البلاد وأقتل المقاتلة وأسبي الذرية. قالوا: أرنا هذه الصورة التي أطمعتك في بلادنا فأحضرها حتى نظروا إليها. فقالوا: قد صدقك من صوّرها غير أنه لم يصوّر لك الرجال الذين يمنعون هذه العقاب والثنايا، وستعلم ذلك لو تكلفته.
فأغزاهم الجنود وعليهم ابنه محمد بن الحجاج فلم يصنع شيئا غير أنه بنى مسجدا لأهل قزوين ونصب فيه منبرا [وهو مسجد التوث الذي على باب دار قوم يعرفون بالجنيدية. وحكي أن عمّال خالد بن عبد الله القسري لعنوا علي بن أبي طالب على المنبر فقام حبيش بن عبد الله وهو من موالي الجنيد أو بني عمه فاخترط سيفه وارتفع به إلى العامل فقتله وقال: لا نحتملكم على لعن علي بن أبي طالب.
فانقطع بعد ذلك اللعن عنه رضوان الله عليه].
وقال محمد بن زياد المذحجي: رأيت في مسجد قزوين لوحا مكتوبا مما أمر به محمد بن الحجاج الثقفي. وأنشد جعفر بن عمر بن عبد العزيز:
هل تعرف الأبطال من مريمبين سواس فلوى يرثم
فذات أكناف فقيعانهافجزع فدفر واف الأحرم (؟
ما لي وللريّ وأكنافهايا قوم بين الترك والديلم
أرض بها الأعجم ذو منطقوالمرء ذو المنطق كالأعجم
ولما ميّز قباذ إقليمه، وجد أنزه بقاعه بعد أن بدأ بالعراق التي هي سرّة الدنيا والأقاليم، ثلاثة عشر موضعا: المدائن، والسوس، وجنديسابور، وتستر، وسابور، وبلخ، وسمرقند، وباورد، وبطن بنهاوند تسمى روزراور، وما سبندان، ومهر جانقذق، وتل ما سير، وإصبهان والري. وأسرى فواكه إقليمه سبعة مواضع:
المدائن، وسابور، وأرجان، ونهاوند، وماسبندان وحلوان، والري. وأوبأ بقاع إقليمه ستة مواضع: البندنيجين، وسابور خواست، وبرذعة، وزنجان، وجرجان، والخوار- بطن الري-.
والري سبعة عشر رستاقا منها: [الخوار] ودنباوند، وويمة، وشلمبه [هذه التي فيها المنابر].
وفي كتاب الطلسمات: إن قباذ وجّه بليناس الرومي إلى الري فاتخذ بها طلسما للغرق فأمنوه، وذلك أنها على بحر عجّاج. واستطابها بليناس فعزم على المقام بها فآذاه أهلها فاتخذ بها طلسما للنزول فليس يجتاز بها أحد من خراسان إلّا نزلها.
وعمل طلسما آخر للغلاء فهي أبدا غالية السعر.
ثم كتب بليناس إلى قباذ يخبره بما قد عمل من الطلسمات في بلاده ويستأذنه في المصير إلى خراسان. فكتب إليه قباذ: إن قباذ الأكبر قد طلسم ما وراء الري إلى بلخ وجرجان وسجستان [مائتين وخمسين طلسما] وليس هناك شيء فأقبل إلينا.
[وقال الشاعر:
الريّ أعلى بلدة أسعارالا درهما تبقي ولا دينارا
تدع الغريب محيّرا في سوقهاقد تاه ينظر هائما خوّارا
في كلّ يوم ينبغي لغدائهأن كان يملك للغداء قنطارا
/ وبها أناس شرّ ناس باعةلا يحفظون من الغريب جوارا
سيسوا بكلّ قبيحة فتراهمأدهى وأخبث من تحلّى العارا
لا يصدقون وصدق قول فيهمعار وكلّ يبغض الأبرارا
إن جئت تسألهم لتسقى شربةقالوا إليك تجنّب الأشرارا
فلقد لبسنا العار حتّى ما لناإلّا الفضائح ملبسا وإزارا]
وفي أخبار فريدون على رواية الفرس: لما أقبل بالبيوراسف من المغرب نحو المشرق ليسجنه [بدنباوند] مرّ بكورة إصبهان- وقد طوى أفريدون أياما لم يذق طعاما- فطلب قوما يمسكونه عليه ريثما يتغدى. فجمع الملك عالما من الناس فلم يقدروا على إمساكه، فأدار سلاسله على جبل من جبال إصبهان وأوثقه بأساطين وسكك من حديد قوية. وتوثق منه حتى ظن أنه قد أحكم ما أراد. حتى إذا جلس على غذائه، اجتذب البيوراسف سلاسله مع تلك الأساطين والسكك واحتمل الجبل يجره بسحره ثم طار به في الهواء، فتبعه أفريدون فما لحقه إلّا بالمدينة المعروفة ببزورند وهي الري. فلما لحقه قمعه بمقمعة من حديد كانت في يده فسقط مغشيا عليه ورسا ذلك الجبل المنقول من إصبهان بمدينة الري. فهو الآن جبلها المطلّ عليها. فلعن أفريدون ذلك الجبل ودعا الله أن لا ينبت عليه شيئا في شتاء ولا صيف وأن لا يثبت عليه ثلج ولا تسرح عليه سارحة تؤمّه ولا أهلية ولا يأتي إليه حيوان.
/ فأجاب الله دعاءه. فهو كذلك إلى يوم التناد.
ثم قاده من الري نحو محبسه على طريق الخوار، فوافاه وهو يقوده إصبهبد جرجان- وكان رجلا ذا أيد وبطش- فسار معه أياما. وعرضت لأفريدون حاجة فلم يثق بأحد يمسكه عليه فقال الأصبهبد: أيها الملك، أنا أمسكه عليك. فقال:
أخاف أن لا تقوى فتعطب على يده. فقال: أرجو أن يعينني الله عليه بقدرته.
وناوله أفريدون سلاسله وساربه، فلم يلتوي عليه، ومرّ يحجل في قيوده.
فلما غاب أفريدون فلما أطالا المجاذبة دخلت رجلاه إلى ركبتيه في الأرض، فخدّ في ذلك المكان أخدودا عظيما جرى فيه بعد ذلك الماء فصار نهرا عظيما، وهو اليوم يعرف بوادي خوار، يعرفه أهل تلك الناحية ويسمونه بهندرود.
وطعنه أفريدون وقمعه بمقمعة واحدة من يد الأصبهبد وبارك عليه وزاد في مرتبته وسماه بهند جرجان وخراسان اصبهبد.
ثم حمله إلى كورة دنباوند فسجنه هناك في جبل يسمى جبل الحدّادين في قرية اسمها قرية الحدادين أيضا. ووكل به أرمائيل ومثّل بين يديه في القلة صورة أفريدون وطلسم عليه طلسما وبنى حوله حوانيت رتّب فيها قوما حدادين يضربون مطارقهم نوائب على سنداناتهم ليلا ونهارا شتاء وصيفا لا يفترون عن ذلك وجعله في كهف عظيم في جوف القلة وأثقله بالحديد وجعل على باب الكهف عدة أبواب حديد وأسقط عن سكان هذه القرية الخراج والعشر وجميع النوائب، فليست عليهم مؤونة إلّا ضرب هذه المطارق على سندانات خالية، ويتكلمون على ضربهم بكلام موزون ويهمسون به عند ضربها لئلا يقطع البيوراسف سلاسله وأغلاله فيقال إنه يلحس أغلاله دائما ليلا ونهارا فتدق عن لحسه، فإذا ضرب هؤلاء بالمطارق عادت إلى حالها في الغلظ والوثاقة. ويقال إن الطلسم الذي يمنعه من قطع السلاسل بعد لحسه إياها فهو معمول في ضرب هؤلاء الحدادين بمطارقهم.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع