من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)
ديار العرب
فابتدأت بديار العرب لأنّ القبلة بها ومكّة فيها وهى أمّ القرى وبلد العرب وأوطانهم التى لم يشركهم فى سكناها غيرهم، والذي يحيط بها بحر فارس من عبّادان وهو مصبّ ماء دجلة فى البحر فيمتدّ على البحرين حتّى ينتهى الى عمان ثمّ يعطف على سواحل مهرة وحضر موت وعدن حتّى ينتهى على سواحل اليمن الى جدّة ثمّ يمتدّ على الجار ومدين حتّى ينتهى الى ايلة ثمّ قد انتهى حينئذ حدّ ديار العرب من هذا البحر وهذا المكان من البحر لسان ويعرف ببحر القلزم والقلزم مدينة على طرفه وسيفه فإذا استمرّ على تاران وجبيلان وصل الى القلزم وينقطع حينئذ وهو شرقىّ ديار العرب وجنوبيّها وشىء [من غربيّها، ثمّ يمتدّ عليها] من ايلة على مدائن قوم لوط والبحيرة الميّتة التى تعرف ببحيرة زغر الى الشراة والبلقاء وهى من عمل فلسطين واذرعات وحوران والبثنيّة وغوطة دمشق ونواحى بعلبكّ وهى من عمل دمشق وتدمر وسلمية وهما من عمل حمص ثمّ الى الخناصرة وبالس وهما من عمل قنّسرين، وقد انتهى الحدّ الى الفرات ثمّ يمتدّ الفرات على ديار العرب حتّى ينتهى الى الرقّة وقرقيسيا والرحبة والدالية وعانة والحديثة وهيت والأنبار الى الكوفة ومستفرغ مياه الفرات الى البطائح، ثمّ تمتدّ ديار العرب على نواحى الكوفة والحيرة على الخورنق وعلى سواد الكوفة الى حدّ واسط فتصاقب ما جاور دجلة وقاربها عند واسط مقدار مرحلة ثمّ تستمدّ وتستمرّ على سواد البصرة وبطائحها حتّى ينتهى الى عبّادان،
وهذا الذي يحيط بديار العرب فما كان من عبّادان الى ايلة فإنّه بحر فارس ويشتمل على نحو ثلثة أرباع ديار العرب وهو الحدّ الشرقىّ والجنوبىّ وبعض الغربىّ وما بقى من حدّ الغربىّ من ايلة الى بالس فمن الشأم وما كان من بالس الى عبّادان فهو الحدّ الشمالىّ ومن بالس الى أن تجاوز الانبار فمن حدّ الجزيرة ومن الانبار الى عبّادان فمن حدّ العراق، ويتّصل بأرض العرب بناحية ايلة برّيّة تعرف بتيه بنى إسرائيل وهى برّيّة وإن كانت متّصلة بديار العرب فليست من ديارهم وإنّما كانت برّيّة بين أرض العمالقة واليونانيّة وأرض القبط، وليس للعرب بها ماء ولا مرعى فلذلك لا تدخل فى ديارهم، وقد سكن طوائف من العرب من ربيعة ومضر الجريرة حتّى صارت لهم بها ديار ومراع ولم أر أحدا عزا الجزيرة الى ديار العرب لأنّ نزولهم بها وهى ديار لفارس والروم فى أضعاف قرى معمورة ومدن لها أعمال عريضة فنزلوا على خفارة فارس والروم حتّى أنّ بعضهم تنصّر ودان بدين النصرانيّة مع الروم مثل تغلب من ربيعة بأرض الجزيرة وغسّان وبهراء وتنوخ من اليمن بأرض الشأم، وديار العرب هى الحجاز التى تشتمل على مكّة والمدينة واليمامة ومخاليفها ونجد الحجاز متّصل بأرض البحرين وبادية العراق وبادية الجزيرة وبادية الشأم واليمن المشتملة على تهامة ونجد اليمن وعمان ومهرة وبلاد صنعاء وعدن وسائر مخاليف اليمن، فما كان من حدّ السّرين حتّى ينتهى على ناحية يلملم ثمّ على ظهر الطائف ممتدّا على نجد اليمن الى بحر فارس مشرقا فمن اليمن ويكون ذلك نحو الثلثين من ديار العرب، وما كان من حدّ السّرين على بحر فارس الى قرب مدين راجعا فى المشرق على الحجر الى جبلى طىء ممتدّا على ظهر اليمامة الى بحر فارس فمن الحجاز، وما كان من اليمامة
الى قرب المدينة راجعا على بادية البصرة حتّى يمتدّ على البحرين [الى البحر] فمن نجد، وما كان من حدّ عبّادان الى الانبار مواجها لنجد والحجاز على ديار أسد وطىّء وتميم وسائر قبائل مضر فمن بادية العراق، وما كان من حدّ الانبار الى بالس مواجها لبادية الشأم على أرض تيماء وبرّيّة خساف الى قرب وادى القرى والحجر فمن بادية الجزيرة، وما كان من بالس الى أيلة مواجها للحجاز على بحر فارس الى ناحية مدين معارضا لأرض تبوك حتّى يتّصل بديار طىّء فمن بادية الشأم، على أنّ من العلماء بتقسيم هذه الديار من زعم أنّ المدينة من نجد لقربها منها وأنّ مكّة من تهامة اليمن لقربها منها،
إيضاح ما يوجد من الأسماء والنصوص فى صورة ديار العرب، قد كتب فى زاويتى الصفحة العليايين المغرب والشمال، ورسم فى هذا القسم نهر النيل وتحت ذلك الرسم النصّ الآتى نواحى مصر واعمالها والصعيد الاعلى ومساكن البجه واعمال دنقله وعلوه وهما مدينتان وعلى النهر من المدن الفسطاط والجيزة وبينهما الجزيره ثمّ اسوان، وبين النيل وبين ساحل البحر العلاقى، ويقرأ على ساحل البحر فى أسفل أيسره بلد الزنج ونواحيه، مفازة بين الزنج والحبشة، بلد الحبشة ثمّ بربره ثمّ قرب منتهى الساحل الفوقانىّ عيذاب ثمّ جزائر بنى حدان، ثمّ عند منتهى البحر القلزم، وفى البحر من الجزائر سنجله، سواكن، باضع، زيلع، وعلى ساحل البحر من الجانب المقابل يلى القلزم من المدن رايه، ايله، عينونه، طبا، الجار، جده، السرين، حلى، الحمضه، عثر، الشرجه، الحرده، غلافقه، المخا،
عدن، ثمّ حضرموت ثمّ فى الزاوية بلاد عمان وفيها رأس الجمجمه ومدينة صحار، ثمّ تلى ذلك على الساحل مدينة القطيف، وفى هذا القسم من البحر جزيرتا خارك واوال، وفى وسط الصورة رسمت مدينة مكه تحيط بها كتلة جبال متلاصقة وفيها أيضا من أسفل مكة الطائف، ويقرأ عند هذه الجبال من الجانب الأيسر جبال تهامه، قعيقعان، ديار راحه، وبين هذا الطرف من الجبال والبحر من المدن المعقد، زبيد، المذيخره، الكدرا، المهجم، ويأخذ من عدن على البحر طريق الى الجبال وعليه من المدن صنعا، صعده، نجران، بيشه، جرش، تباله، ثمّ يقرأ عند جانب الجبل مكتوبا على شكل صليبىّ نجد الحجاز، ثمّ رسم بين الجبل وحضرموت جبل شبام وفيه مدينة شبام، ويقرأ بين جبل شبام وعدن ديار همدان وخولان، وتتشعّب الجبال الوسطيّة عن أسفلها الى طرفين كتب بينهما نجد الحجاز وعند الطرف الأيسر جبال تهامه وعند الطرف الأيمن جبل الفرع ومدينة الفرع، وبين هذه البقاع والبحر بلد اليمامه وبلد البحرين وفيهما من المدن العقبر، الاحسا، هجر، ثمّ يأخذ عن يمين القطيف على البحر الى أعلى رمل الهبير، ويقرأ عند طرف الجبل الذي بين مكّة ورمل الهبير ابو قبيس، وعن يمين مكّة بينها ورمل الهبير أيضا من المدن المدينه وفيد، والطريق المارّ على هاتين المدينتين بعد اجتيازه رمل الهبير يمرّ على القادسيه والكوفه الى بغداذ على نهر دجله، ويأخذ من المدينة طريق الى وادى القرى ثمّ تبوك ثمّ معان ثمّ سلميه ثمّ الخناصره ثمّ بالس على نهر الفرات، وبين تبوك والفرات يقرأ السماوه، ديار فزاره، ديار كلب، بريه خساف، صفين وأثناء ذلك من المدن تيما وتدمر، وبين وادى القرى والفرات ديار ثمود وجبلى طى، وبينه والبحر ديار لخم وجذام وجهينه وبلى، وبين الفرات ودجلة يقرأ بلد الجزيره وديار ربيعه ثمّ على الفرات من المدن الرقه، الانبار وعند الخليج الآخذ من الانبار الى دجله الصراه ويجرى من بغداذ الى هذا الخليج نهر عيسى، وعلى دجلة بين بغداذ والبحر من المدن كلواذى، المدائن، واسط، الابله، ومن الابلّة يأخذ نهر الابله الى البصره وينصبّ تجاهها فى نهر معقل، ويقرأ بين البصرة ورمل الهبير ديار بنى اسد ثمّ فى قرب الساحل لقبائل مضر،
وفى أسفل الصورة على البحر من المدن مهروبان، سينيز، توج، جنابه، نجيرم، سيراف ويقرأ وراء ذلك فى البرّ كلمة ناحية التى أضيف اليها اسما خوزستان وفارس المكتوبان عليها فى شكل الصليب، وفى زاويتى الصورة السفلايين المشرق والجنوب، وكانت هذه الديار عظيمة خطيرة الملوك ملكها الفراعنة والتبابعة ومنهم من ملك أكثر أهل الأرض فى سالف الزمان كتبع الذي مدّن مدينتى صنعاء وسمرقند وكان يقيم بهذه حولا وبهذه آخر ومن أهلها فرعون إبراهيم وهو سنان بن علوان وفرعون موسى مصعب بن الوليد، وبعث فيها كثير من الأنبياء وكان من أكرمهم نبيّنا ﷺ، ولم يك فيما سلف من الزمان ولا على مرّ الدهور والأيّام ممّن علت كلمته واتّسعت مملكته واستفحلت جبايته كتبّع وذى القرنين من ثبت الملك فيه وفى عقبه وجبيت اليه الأموال وتخرّق فى المروءة والإفضال كمن ملكها من أهلها فى الإسلام مع أكثر الأرض من حيث لم يرم أكثرهم عن مواطنهم ولا برحوا عن أماكنهم يدعى لهم فى أطرافها ويدرّ عليهم الأموال من أخلافها، فأمّا أموالها فى وقتنا هذا الواصلة الى سلاطينها وملوكها وأربابها وأصحاب أطرافها فمن جلّتهم خلف أبى الجيش إسحاق بن إبراهيم بن زياد بعد أهل البحرين والذي تحت يده من الشرجة الى عدن طولا على ساحل البحر وأرض تهامة اليمن ويكون مقدار ذلك اثنتى عشرة مرحلة وعرضه من الجبال الى ساحل اليمن من عمل غلافقة ويكون مقداره مسيرة أربع مراحل، وأكثر أمواله المقبوضة من العشور وهى ما ينيف على خمس مائة ألف دينار عثرىّ ومن قبالات زبيد عن جميع ما يدخلها ويخرج عنها وتشتمل عليه من وجوه الأموال مائتا ألف دينار عثرىّ، وأكثر ملوك الجبال فى وقتنا هذا يخطبون له على منابرهم، ويصل اليه من جباية عدن
عن المراكب العشريّة ممّا لا يقع بمواقفة وضمان ويعمل بالأمانات فربّما زادت المراكب ونقصت والمرتفع له فى السنة عن هذا المكان على التقريب مائتا ألف دينار عثرىّ وربّما زادت الزيادة العظيمة وربّما نقصت اليسير، ويوجد العنبر بسواحل عدن وما يليها وله على ذلك ضريبة تصل اليه، وله على صاحب جزائر دهلك مواقفة من هدايا ترد عليه فيها العبيد والعنبر وجلود النمور المرتفعة الى غير ذلك، وله على ملكة الحبشة هدايا ومبارّ فلا تنقطع هداياها ومبارّها، [قال كاتب هذه الأحرف دخلت عدن سنة أربعين وخمس مائة وكان العميد بها بلال بن جرير والمشرف عليه خالى أحمد بن غياث من قبل سلطانها محمّد بن سبا وكان ضمان عشر المراكب بحسب مائة ألف وأربعة عشر ألف دينار مرابطيّة وهذا أكثر ممّا ذكره مصنّف الكتاب بأضعاف،] ويتلوه فى المكنة والمقدرة ابن طرف صاحب عثر ويشتمل ملكه على وجوه من الأموال وضروب من الجبايات ويكون الواصل اليه كنصف ما يصل الى ولد أبى الجيش بن زياد من المال، ويتلوه الجرامىّ صاحب حلى وهو دون ابن طرف فى المكنة والسلطان والجباية وهؤلاء الثلاثة ملوك تهامة اليمن وابن طرف والجرامىّ جميعا فى طاعة ابن زياد وقتنا هذا ويخطبون على اسمه وقد خطب الجميع لصاحب المغرب فى هذا الوقت، وكان من أجلّ ملوك تهامة اليمن المعروفين بملوك الجبال أسعد بن أبى يعفر فأنّه ملكها سنين كثيرة وملك صنعاء وخطب لآل زياد وضرب دراهمه باسمهم بغير هديّة أو مبرّة تصل منه اليهم وكانت أمواله دون أربع مائة ألف دينار تنصرف فى مروءته والى أضيافه وقاصديه وكان من سلالة التبابعة وكذلك فجميع ما يجتبيه ولاة اليمن منصرف الى أضيافهم وقاصديهم، وجميع من بالجبال من ملوكها فجبايته دون هذه العدّة من المال
ومرافقهم بقدر كفايتهم لموّنهم، وأمّا الحسنىّ صاحب صعدة فله جباية كثيرة ومستغلّات من المدابغ وضرائب على القوافل كثيرة تضاهى ارتفاع ابن طرف ونفقاته فى طرق المعروف من حيث أمر الله تعالى أن تصرف الصدقات والأعشار والخراجات وربّما زادت جبايته ونقصت، وصاحب السّرين فالواصل اليه كفاء ما يقوم به وبأهله وليست بحال تذكر وله على المراكب الصاعدة والنازلة من اليمن رسم يأخذه من الرقيق والمتاع الوارد مع التجّار، وأمّا البحرين ومدنها وهى هجر والاحساء والقطيف والعقير وبيشة والخرج واوال وهى جزيرة كان لأبى سعيد الحسن بن بهرام ولولده سليمن بها الضريبة العظيمة على المراكب المجتازة بهم والى وقتنا هذا هى لمخلّفيهما ونسلهما ويكون نسل أبى سعيد لظهره بين مرة ورجل نحو الأربع مائة نسمة، وبها أموال وعشور ووجوه مرافق وقوانين ومراصد وضروب مرسومة من الكلف الى ما يصل اليهم من بادية البصرة والكوفة وطريق مكّة بعد إقطاع ما بالبحرين من الضياع بضروب ثمارها ومزارعها من الحنطة والشعير والنخل لأتباعهم المعروفين كانوا بالمؤمنين ومبلغها نحو ثلثين ألف دينار وما عدا ذلك من المال والأمر والنهى والحلّ والعقد وما كان يصل اليهم من طريق مكّة ومال عمان وما وصل اليهم من الرملة والشأم فمتساو فيه آراء ولد أبى سعيد الباقين ومفاوضة أبى محمّد سنبر بن الحسن بن سنبر وكان أكمل القوم وأشدّهم ثمّ تمكّنّا من نفسه، فإذا همّوا بقسمة ما يصل اليهم من مال السنة كان ذلك ليوم معلوم مذ لم يزالوا فيعزل منه الخمس بسهم صاحب الزمان والثلاثة الأخماس لولد أبى سعيد على قوانين وضعوها بينهم وكان الخمس الباقى للسنابرة مسلّما الى أبى محمّد ليفرّقه فى ولد أبيه وولده ويكونون نحو عشرين رجلا، وكان ولد أبى طاهر فيهم يعظمون ويكرمون وكان أجلّهم سابور فلمّا قتله
أعمامه تشتّتت كلمتهم وتغيّرت أحوالهم، وكان لهم من الثلاثة الأخماس مال معلوم دون الجرايات عليهم من الغنائم بحسب منازلهم دون ما لهم من الضياع والنعمة المختصّة بهم الى سنة ثمان وخمسين فإنّهم لمّا فتكوا بسابور استوحش بعضهم من بعض وانقبضوا عن الالتقاء بالجرعاء وغيرها، وكان من رسومهم ركوب مشايخهم وأولادهم فرادى فيجتمعون الى قبلة الاحساء بالمكان المعروف بالجرعاء ويلعب أحداثهم بالرماح على خيولهم وينصرفون أفذاذا بغاية التواضع وقد لبسوا البياض لا غير، وكان من رسومهم أن تقع شوراهم بالجرعاء فيمن يخرجونه لما فدحهم وأهمّهم فإن اتّفق رأيهم على خروجهم بأجمعهم لم يتخلّفوا ونفذوا وتركوا فى البلد أوثقهم وأشفّهم منزلة عندهم ولمّا أنفذوا قديما أبا علىّ بن أبى المنصور الى عمان وتعذّر عليه فتحها ساروا بأجمعهم اليها فافتتحوها، ولمّا أنفذوا أبا علىّ بن أبى المنصور الى الشأم وعاد عنها ظنّت به خيانة فيما صار اليه من الغنائم فردّ اليها كسرى بن أبى القسم وصخر بن أبى إسحاق فكان منهم مع أبى محمّد الحسن بن عبيد الله بن طغج ما سيرد فى مواضعه من أخبارهم وبالله القوّة، [ثمّ إنّ المطيع سلّ سخائمهم وسعى فى تألّف قلوبهم وجمع كلمتهم فى سنة ستّين على ما بلغنى سنة إحدى وستّين من مشافهة أبى الحسين علىّ بن أحمد الجزرىّ صاحب أبى الحسين علىّ بن محمّد بن الغمر ورأيته بصقلّية وكأنّه ورد المغرب ليقرأ الأخبار بها وأخبرنى بأشياء كالسرّ عنده ثمّ خمش وجه الحديث وقال ومن بقى من العقدانيّة بالأحساء وغيرها هلكوا كلّهم،] وكان »
فى جملتهم رجال جلّة ذوو حلوم وعقول دون من
صحبهم من الجفاة الاغتام الأغفال الطغام كبنى الغمر وأجلّهم كان المقيم بالجعفريّة من ظاهر البصرة وهو أبو الحسين علىّ بن محمّد بن الغمر ويتلوه أخوه المقيم بالكوفة أبو طريف عدىّ بن محمّد بن الغمر وأبو الحسن علىّ بن أحمد بن بشر الحارثىّ المتولّى رجالهم وأموالهم من سائمتهم وكراعهم وكان المقيم فيهم الحدود على من وجبت منهم وكان قد ناهز المائة سنة، وثور بن ثور الكلابىّ صاحب جيشهم مسنّ أيضا كاف مع كبر سنّه وكان صاحب سراياهم الى كلّ مكان وكان أكبر منه حالة وأتمّ دراية أبو الحسن علىّ بن عثمن الكلابىّ كان يزعم أنّ سنيه مائة وعشرون سنة وكان ممّن لقى أبا زكريا الطمامىّ وشاهد دعوتهم الأولى وناموسهم القديم فصيح اللسان حسن البيان جرئ الجنان وترسّل لهم الى غير مكان وناب منابة قاضيهم ابن عرفة فى أسباب المراسلة الى بنى حمدان وغيرهم [فعقد عليه بيعتهم وأخذ عليهم العهود بموالاتهم] وقد انتشر حبلهم وقلّ حولهم وفلّ حدّهم [بما جروا اليه من قتل سابور بن سليمان وأمورهم كالواقفة فيما بينهم]، وسمعت غير حاك فى سنى نيّف وخمسين يحكى عن أبى طريف عدىّ بن محمّد بن الغمر والقاضى ابن عرفة عن تقارب ألفاظهم فى القول أنّ سادتهم يتوزّعون من مال البصرة والكوفة وما يقبضونه من الحجّاج ويرد عليهم من مال عمان والغنائم دون الخمس الخارج عنهم لصاحب الزمان ألف ألف دينار وربّما زادت المائة والمائتى ألف دينار، فأمّا ما ينتهى اليه على من أحوال مدنها وما يحتاج الى علمه من المشهور والمهمل من أخبارها فلا أعلم بأرض العرب نهرا ولا بحرا يحمل سفينة لأنّ البحيرة الميّتة التى تعرف بزغر وإن كانت مصاقبة
للبادية فليست منها، ومجمع الماء الذي بأرض اليمن فى ديار سبأ إنّما كان موضع مسيل ماء فبنى على وجهه سد فكان يجتمع فيه مياه كثيرة يستعملونها فى القرى والمزارع حتّى كفروا النعمة بعد أن كان الله تعالى جعل لهم عمارات قرى متّصلة الى الشأم فسلّط على ذلك المكان آفة فصار لا يمسك الماء وهو قوله تعالى وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها الى قوله ومزّقناهم كلّ ممزّق فبطل ذلك الماء الى يومنا هذا، فأمّا الجداول والعيون والسواقى فكثيرة، وأنا مبتدئ من ديار العرب بذكر مكّة ومكّة مدينة فيما بين شعاب الجبال وطولها من المعلاة الى المسفلة نحو ميلين وهو من حدّ الجنوبىّ الى الشمالىّ ومن أسفل جياد الى ظهر قعيقعان نحو الثلثين من هذا وأبنيتها من حجارة والمسجد فى نحو وسطها والكعبة فى وسط المسجد وباب الكعبة مرتفع من الأرض نحو قامة تجاه المشرق وهو مصراعان وأرض البيت مرتفعة عن الأرض مع الباب ويحاذيه قبّة زمزم ومقام ابراهيم صلّى الله عليه بقرب من زمزم بخطوات وبين يدى الكعبة ممّا يلى المغرب حصار مبنىّ مدوّر له بابان مع ركنى البيت إلّا أنّه لم يدخل فيه ويعرف بالحجر والطواف يحيط به وبالبيت وأحد الركنين الذي يحادّ الحجر يعرف بالعراقىّ والركن الآخر يعرف بالشأمىّ والركنان الآخران أحدهما عند الباب والحجر الأسود فيه مركّب على نحو قامة إنسان والركن الآخر يعرف باليمانىّ، وسقاية الحاجّ المعروفة بسقاية العبّاس على ظهر زمزم وزمزم فيما بينها وبين البيت، ودار الندوة من المسجد الحرام فى غربيّه وكانت لعبد الله بن جدعان التيمىّ وكان يملأها بالفالوذج وله مناد ينادى عليها فى الموسم هلمّوا الى الفالوذ وهى أوّل دار أسّست بمكّة وفيه وفيها يقول الشاعر
له داع بمكّة مشمعلّوآخر فوق دارته ينادى،
ومن وقف على الصفا رأى الحجر الأسود والسعى بين الصفا والمروة، والمروة حجر من حدّ قعيقعان وهو الجبل الذي عن غربىّ الكعبة وأبو قبيس أرفع وأعلى منه تجاهه من نحو المشرق ويقال أنّ حجارة البيت من قعيقعان، ومنى على طريق عرفات من مكّة وهى أيضا شعب طوله دون الميلين وعرضه دون رمية السهم وبينه وبين مكّة ثلثة أميال وبمنى أبنية كثيرة كالقصور لأهل كلّ بلد من بلدان الإسلام، ومسجد الخيف فى أقلّ من وسطها ممّا يلى مكّة وجمرة العقبة فى آخر منى ممّا يلى مكّة وليست العقبة التى تنسب اليها الجمرة من منى والجمرة الأولى والوسطى هما معا فوق مسجد الخيف الى ما يلى مكّة، والمزدلفة مبيت للحاجّ ومجمع صلاتى المغرب والعشاء الآخرة إذا صدر الحاجّ من عرفات بالمزدلفة وهو مكان بين بطن محسّر والمأزمين فأمّا بطن محسّر فهو واد بين عرفات والمزدلفة، والمأزمان شعب بين جبلين يفضى آخره الى بطن عرنة وهو واد بين المأزمين وبين عرفة، وعرفة ما بين وادى عرنة الى حائط بنى عامر الى ما أقبل على الصخرات التى يكون بها موقف الإمام والى طريق حضن وبحائط بنى عامر نخيل وكذلك فى غربىّ عرفة وعرنة بقرب المسجد الذي يجمع فيه الإمام بين صلاتى الظهر والعصر فى يوم عرفة ونخيل الحائط والعين تنسب الى عبد الله بن عامر بن كريز، وليس عرفات من الحرم وإنّما حدّ الحرم من المأزمين فإذا جزتهما الى العلمين فمن الحلّ وكذلك التنعيم الذي يعرف بمسجد عائشة ليس من الحرم والحرم دونه نحو عشرة أميال فى مسيرة يوم وعلى الحرم كلّه منار مضروب متميّز به عن غيره، وليس بمكّة ماء جار إلّا شىء أجرى اليها من عين قد كان عمل فيها بعض الولاة فاستتمّ فى أيّام المقتدر ويمتح الى مسيل قد جعل
له الى باب بنى شيبة فى قناة قد عملت هناك وكانت أكثر مياههم من السماء الى مواجن وبرك كانت بها عامرة فخربت باستيلاء المتولّين على أموال أوقافها واستئثارهم بها وليست لهم أبار يشرب منها وأطيبها زمزم ولا يمكن الإدمان على شرب مائها، وليس بجميع مكّة شجر مثمر غير شجر البادية وإذا جزت الحرم فهناك عيون وأبار وحوائط كثيرة وأودية ذات خضر ومزارع ونخيل ويقال أنّ بفخّ نخيلات يسيرة متفرّقة وهى من الحرم ولم أرها، وثبير جبل مشرف يرى من منى والمزدلفة وكانت الجاهليّة لا تدفع من المزدلفة إلّا بعد طلوع الشمس إذا أشرقت على ثبير، وبالمزدلفة المشعر الحرام وهو مصلّى الإمام يصلّى فيه المغرب والعشاء الآخرة والصبح، والحديبيّة بعضها من الحلّ وبعضها من الحرم وهو مكان صدّ المشركون فيه رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام من أبعد الحلّ الى البيت وليس هو فى طول الحرم ولا عرضه إلّا أنّها فى زاوية للحرم فلذلك صار بينها وبين المسجد أكثر من يوم، فأمّا المدينة فهى أقلّ من نصف مكّة وهى فى حرّة سبخة الأرض ولها نخيل كثيرة ومياه نخيلهم ورزوعهم من الأبار يسقون بها العبيد وعليها سور والمسجد فى نحو وسطها وقبر النّبيّ ﷺ من المسجد فى شرقيّه قريبا من القبلة قريبا من الجدار الشرقىّ فى بيت مرتفع بين سقفه وسقف المسجد فرجة ولا باب له وله زاويتان والمنبر الذي كان يخطب عليه النّبيّ ﷺ قد غشى بمنبر آخر والروضة أمام المنبر بينه وبين القبر والمصلّى الذي كان النّبيّ صلّى الله عليه وعلى برزة عترته يصلّى فيه الأعياد فى غربىّ المدينة داخل سورها وبقيع الغرقد خارج السور بباب البقيع فى شرقىّ المدينة، وقباء خارج المدينة على نحو ميلين الى ما يلى القبلة وهو مجمع بيوت الأنصار يشبه القرية، وأحد جبل فى شمالىّ المدينة وهو أقرب الجبال اليها على نحو فرسخين منها، وبقربها مزارع فيها ضياع لأهل المدينة ووادى العقيق فيما بينها وبين الفرع والفرع
من المدينة على أربعة أيّام فى جنوبيّها وبها مسجد جامع غير أنّ أكثر هذه الضياع خراب وقتنا هذا وكذلك حوالى المدينة ضياع كثيرة قد خربت، والعقيق واد من المدينة فى قبلتها على أربعة أميال فى طريق مكّة وأعذب ماء فى الناحية أبار العقيق، وروى عن النّبيّ ﷺ أنّ غبار المدينة أمان من الجذام ومن أقام بها وجد فى ترابها وهوائها رائحة ليست فى الأرائيج طيبا خلقة فيها وجوهريّة لا تتغيّر وهى أنقى طينا من الطيب بسابور وألذّ نسيما من نهر الأبلّة ولا تتغيّر المعجونات والطيب بها ما أقاما، وأمّا اليمامة فواد والمدينة به تسمّى الخضرمة دون مدينة الرسول ﷺ وهى أكثر نخيلا وثمرا من المدينة ومن سائر الحجاز، وكانت قرارا لربيعة ومضر فلمّا نزل عليها بنو الأخيضر جلت العرب منها الى جزيرة مصر فسكنوا بين النيل وبحر القلزم وقرّت ربيعة ومضر هناك وصارت لهم ولتميم كالدار التى لم يزالوا بها وابتنوا بها غير منبر كالمحدثة التى بظاهر اسوان وكالعلاقى وهو المنهل يجتاز به الحجيج الى عيذاب وهم أهل معدن الذهب وإقامتهم عليه فى أمور سآتى على ذكرها فى أماكنها، وليس بالحجاز بعد مكّة والمدينة أكبر من اليمامة ويليها فى الكبر وادى القرى وهى ذات نخيل أيضا، والبحرين فى ناحية نجد وأكبر أعمالها ومدنها هجر وهى أكثر تمورا وليست من الحجاز وهى على شطّ بحر فارس ومقام القرامطة بها وهى دارهم، ولهما قرى كثيرة وقبائل من مضر ذوو عدّة وعدد اغتصبت لضعف السلطان من أربابها، والجار فرضة المدينة وهى على ثلث مراحل منها على شطّ البحر وهى أصغر من جدّة، وجدّة فرضة لأهل مكّة على مرحلتين منها على شطّ البحر وكانت عامرة كثيرة التجارات والأموال ولم يكن بالحجاز بعد مكّة
أكثر مالا وتجارة منها وكانت تجاراتهم تقوم بالفرس فلمّا أقام بها ابن جعفر الحسنىّ تشتّت أربابها ورزحت أحوالها، والطائف مدينة صغيرة نحو وادى القرى كثيرة الشجر والثمر وأكثر ثمارها الزيت وهى طيّبة الهواء وفواكه مكّة وبقولها منها وهى على ظهر جبل غزوان وبغزوان ديار بنى سعد وسائر قبائل هذيل وليس بالحجاز فيما علمته مكان هو أبرد من رأس هذا الجبل ولذاك اعتدل هواء الطائف وبلغنى أنّه ربّما جمد الماء فى ذروة هذا الجبل وليس بالحجاز مكان يجمد فيه الماء سوى هذا الموضع، والحجر قرية صغيرة قليلة السكّان وهى من وادى القرى على يوم بين جبال وبها كانت ديار ثمود الذي قال الله تعالى وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين، وذكر أبو إسحاق الفارسىّ أنّ بيوتها منقورة كبيوتنا فى أضعاف جبالها وتدعى تلك الجبال الأثالب وهى جبال فى العيان متّصلة حتّى إذا توسّطت كانت كلّ قطعة منها قائمة بذاتها يطوف بكلّ قطعة منها الطائف ودونها جبال رمال لا يكاد يرتقى الى ذراها إلّا بمشقّة شديدة وبها بئر ثمود التى قال الله تعالى فى الناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، وتبوك بين الحجر وبين أوّل الشأم على أربع مراحل فى نحو نصف طريق الشأم وهى حصن وله عين ماء ونخيل وحائط ينسب الى النّبيّ ﷺ، ويقال أنّ أصحاب الأيكة الذين بعث الله اليهم شعيبا كانوا بها ولم يكن شعيب منهم وإنّما كان من مدين، ومدين على بحر القلزم محاذية لتبوك على نحو ستّ مراحل ومدين أكبر من تبوك وبها البئر التى استسقى منها موسى ﵇ لسائمة شعيب وهى بئر مغطاة قد
عمل عليها بيت وماء أهلها من عين تجرى لهم ومدين اسم القبيلة التى كان منها شعيب وإنّما سمّيت القرية بهم ألا ترى أنّ الله تعالى يقول والى مدين أخاهم شعيبا، والجحفة منزل عامر وبينها وبين البحر نحو ميلين وهى من الكبر ودوام العمارة نحو مدينة فيد وليس بين مكّة والمدينة منزل يستقلّ بالعمارة والأهل سائر السنة كهى [ولا بين المدينة والعراق مكان يستقلّ بالعمارة والأهل جميع السنة مثل فيد،] »
وهى فى ديار طىّء وجبلا طىّء منها على مسيرة يومين وبها نخيل وزروع قليلة لطىّء وبها ماء تافه ويسكنها بادية من طىّء ينتقلون عنها فى بعض السنة ينتجعون المراعى، وخيبر حصن ذو نخيل كثيرة وزرع، وينبع حصن به نخيل وماء وزرع وبها وقوف لعلىّ بن أبى طالب ﵇ يتولّاه أولاده، وبقرب ينبع جبل رضوى وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية ورأيته من ينبع كخضرة البقل، وزعم بعض أصحابنا أنّه طاف فى شعابه وفيها ماء كثير وأشجار وهو الجبل الذي تزعم طائفة الكيسانيّة أنّ محمّد بن علىّ بن أبى طالب فيه حيّا مقيما، ومنه يحمل حجارة المسنّ الى سائر الآفاق، وفيما بينه وبين ديار جهينة وسائر البحر ديار للحسنيّين يسكنونها ببيوت الشعر نحو سبع مائة بيت بادية كالأعراب ينتجعون المراعى والمياه بزىّ كزىّ الأعراب لا تميّز بينهم فى خلق ولا خلق، وتتّصل ديارهم فيما يلى المشرق بوادى ودّان وهو من الجحفة على مرحلة وبينهم وبين الأبواء التى على طريق الحاجّ فى غربيّها ستّة أميال، وبها رئيس الجعفريّين من ولد جعفر بن أبى طالب
وله بالفرع والسابرة ضياع كثيرة وعشيرة وأتباع وبينهم وبين ولد الحسن ابن علىّ بن أبى طالب ﵉ حروب ودماء حتّى لقد استولت طائفة من اليمن يعرفون ببنى حرب على ضياعهم وصاروا حربا لهم وألبا عليهم وقد ضعفوا بخلافهم، وتيماء حصن أعمر من تبوك وهى فى شمال تبوك ولها نخيل وهى ممتار البادية وبينها وبين أوّل الشأم ثلثة أيّام، ولا أعلم فيما بين العراق والشأم واليمن مكانا إلّا وهو فى ديار طائفة من العرب ينتجعونه فى مراعيهم ومياههم إلّا أن يكون بين اليمامة والبحرين وبين عمان ومن وراء عبد القيس برّيّة خالية عن الأبآر والسكّان والمراعى قفرة لا تسلك ولا تسكن، فأمّا ما بين القادسيّة الى الشقوق فى الطول والعرض من قرب السماوة الى حدّ بادية البصرة فسكّانها قبائل من بنى أسد، فإذا جزت الشقوق فأنت فى ديار طىّء الى أن تجاوز معدن النقرة فى الطول وفى العرض من وراء جبلى طىّء محاذيا لوادى القرى الى أن تتّصل بحدود نجد من اليمامة والبحرين، ثمّ إذا جزت المعدن عن يسار المدينة فأنت فى بنى سليم وإذا جزته عن يمين المدينة فأنت فى جهينة، وفيما بين المدينة ومكّة بكر بن وائل فى قبائل من مضر من الحسنيّين والجعفريّين، والغالب على نواحى مكّة ممّا يلى المشرق بنو هلال وبنو سعد فى قبائل من هذيل وعن غربيّها مدلج وغيرها من قبائل مضر، وأمّا بادية البصرة فهى أكثر هذه النواحى أحياء وقبائل وأكثرها تميم حتّى يتّصلوا بالبحرين واليمامة ثمّ وراءهم عبد القيس، وأمّا بادية الجزيرة فإنّ بها أحياء من ربيعة واليمن وأكثرهم كلب اليمن وفى قبيلة منهم يعرفون ببنى العليص خرج صاحب الشام الذي فلّ جيوش مصر وأوقع بأهل الشأم حتّى قصده المكتفى الى الرقّة فأخذ له بالدالية، وبادية السماوة من دومة الجندل الى عين التمر وبرّيّة خساف من بادية الجزيرة، وبرّيّة
خساف فيما بين الرقّة وبالس عن يسار الذاهب الى الشأم، وصفّين أرض من هذه البادية بقرب الفرات ما بين الرقّة وبالس وهو الموضع الذي كان به حرب علىّ ﵇ ومعوية ورأيت هذا الموضع فرأيت عجبا وذلك أنّا كنّا سائرين من تحته فى الفرات وهو ربوة عظيمة فعددنا عليها ثمنية قبور أو تسعة ومن فوقها ربوة أعلى منها فعددنا عليها بضعة عشر قبرا ظاهرة بيّنة لمن يتأمّلها ولم تختلف جماعة كنت فيهم فى عدد قبور الموضعين ثمّ صعدنا المكان الذي عددنا فيه هذه القبور فلم نر فيه ولا لقبر واحد أثرا، وأخبرنى من يعرف بمعرفة تلك الناحية أنّه رأى فيها بيت مال علىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه للفىء قائما بنفسه، وأمّا بادية الشأم فإنّها ديار لفزارة ولخم وجذام وبلى وقبائل مختلطة من اليمن وربيعة ومضر وأكثرها يمن، والرمل المعروف بالهبير هو الرمل الذي أصله بالشقوق الى الأجفر عرضا وطوله من وراء جبلى طىّء الى أن يتّصل مشرقا بالبحر ويمضى من وراء جبلى طىّء الى أن يرد الجفار من أرض مصر ثمّ يساير النيل وجبل المقطّم عن جانبى النيل الى بلد النوبة فيعبر من فوق الفيّوم النيل فيتّصل بالمغرب الى أرض نفزاوه ويمضى مغربا الى سجلماسه وأرض أودغست الى البحر المحيط مسيرة خمسة أشهر ومنه عرق يضرب من القادسية الى البحرين ويعبر البحر فيمّر على مشارق خوزستان وفارس الى أن يرد الى سجستان ويعطف منه شىء على مفازة فارس وخراسان الى الطبسين وقوهستان ويمرّ مشرقا الى مرو آخذا على جيحون فى برّيّة خوارزم الى خوارزم ثمّ يعبر جيحون وقد شقّه جيحون وقطع فيه الى قرية قراتكين ويأخذ فى بلاد الخرلخيّة وبعض التبّت الى بلد الصين والبحر المحيط فى
جهة المشرق وهو على ما وصفته وسقته من المحيط بالمشرق الى المحيط بالمغرب وذاهب من نواحى اودغست وصحاريّها على البحر المحيط على بلاد غانه وكوغه وجميع بلاد السودان الى البرّيّة التى لا تسلك وقد فرش الجنوب من الأرض أيضا وفيه جبال منه عظام لا تتوقّل ولا ترتقى وبعضه فى أرض سهلة ينتقل من مكان الى مكان [وبعضه لا تعرف له حركة فهو لا يزول عن مكانه] ومنه أصفر ليّن اللمس وأحمر قانئ وأزرق سماوىّ وأسود حالك وأكحل مشبع كالنيل وأبيض كالثلج وبعضه يحكى الغبار نعمة وبعضه خشن جريش اللمس أحرش، [وقد عادت صفة الرمل من بعد أحوال مصر عند ذكر الجفار]، وأمّا تهامة فإنّها قطعة من اليمن جبال مشتبكة أوّلها مشرف على بحر القلزم ممّا يلى غربيّها وشرقيّها بناحية صعدة وجرش ونجران وشماليّها حدود مكّة وجنوبيّها من صنعاء نحو عشر مراحل وقد صوّرت بعض جبال تهامة فى صورة ديار العرب، وبلاد خولان تشتمل على قرى ومزارع ومياه معمورة بأهلها وهى مفترشة وبها أصناف من قبائل اليمن، ونجران وجرش مدينتان متقاربتان فى الكبر وبها نخيل وتشتملان على أحياء من اليمن كثيرة، وصعدة أكبر وأعمر منهما وبها يتّخذ ما كان يتّخذ بصنعاء من الأدم ويتّخذ بنجران وجرش والطائف أدم كثير غزير وأكثره من صعدة وبها مجمع التجّار والأموال والحسنىّ المعروف بالرسّىّ بها مقيم، وليس بجميع اليمن مدينة أكبر ولا أكثر مرافق وأهلا من صنعاء وهو بلد فى خطّ الاستواء وهو من اعتدال الهواء بحيث لا يتحوّل الإنسان عن مكان واحد شتاء ولا صيفا عمره ويتقارب بها ساعات الليل
والنهار لأنّ محور الشمس عليها معتدل والجذام بها ظاهر لقلّة سطوة الشمس فيها وتافه تحليلها عن جسومهم، وفيه كانت ديار ملوك اليمن فيما تقدّم وبها آثار بناء عظيم قد خرب فهو تلّ كبير يعرف بغمدان وكان قصرا لملوك اليمن وليس باليمن بناء أرفع منه على خرابه، والمذيخرة جبل كان فيه الجعفرىّ وبلغنى أنّ أعلاه كان عشرين فرسخا فيها مزارع ومياه وفيه ينبت الورس وهو نبات أحمر فى معنى الزعفران يباع منوان بدينار فيصبغ به وهو منيع منيف لا يسلك وكأنّه من أسفله جبل بالمغرب يعرف بجبل نفوسة فى الحصانة وكثرة المياه والأشجار وطيب التربة وكثرة الثمار يسكنه الخوارج وهو دار هجرة لهم ومات به عبد الله بن وهب الراسبىّ وعبد الله بن إباض ولا يسلك إلّا من طريق واحد وكانت المذيخرة قديما لأسعد بن أبى يعفر ثمّ غلب عليها محمّد بن الفضل الداعى لأهل المغرب، وشبام جبل عظيم منيع أيضا فيه قرى ومزارع وسكّان كثير وفيه جامع وهو متميّز من جبال اليمن ويرتفع منه العقيق والجزع والحجر المعروف بالجمست ويصيبها المطالبيّون بالناحية غشيما كسائر الحجارة فإذا عملت ظهر جوهرها بالنار والعمل [وبلغنى أنّها تكون فى صحارى فيها حصى ملوّن تلقط من بينها]، وعدن مدينة صغيرة وشهرتها لأنّها فرضة على البحر ينزلها السائرون فى البحر وباليمن مدن أكبر منها ليست كشهرتها، وباليمن أيضا من الخوارج طائفة بقرب همدان وخولان وجمع بلدة وهى من أعمر بلاد بتلك النواحى مخاليف ومزارع وأغزرها مياها،
وحضر موت فى شرقىّ عدن بقرب البحر ورمالها كثيرة غزيرة تعرف بالأحقاف وهى مدينة صغيرة ولها ناحية وأعمال عريضة وبها قبر هود النّبيّ صلّى الله عليه وبقربها برهوت وهو البئر التى لا يعلم أنّ إنسانا نزلها، وبلاد مهرة فقصبتها تسمّى الشحر وهى»
بلاد قفرة ألسنتهم مستعجمة جدّا لا بكاد يوقف على كلامهم وليس بها نخل ولا زرع وإنّما أموالهم الإبل والمعز والإبل والدوابّ تعلف السمك الصغار المعروف بالورق وهم وسائر حيوانهم لا يعرفون الخبز ولا يأكلونه وأكلهم السموك والألبان والتمور ولهم نجب من الإبل تفضّل فى السير وحسن الرياضة على جميع النجب واللبان الذي يستعمل بالآفاق من هناك وديارهم مفترشة به وبلادهم بواد نائية ويقال أنّها من أعمال عمان وطول مهرة أربع مائة فرسخ، [قال كاتب هذه الأحرف إنّ المستولى على هذه البلاد لمّا دخلتها فى سنة أربعين وخمس مائة والمتحكّم فيها أحمد بن منجويه وكان دار ملكه بمرباط وهى مدينة صغيرة على شاطىء البحر وعلى مسيرة يوم ونصف منها مدينة ظفار وهى أيضا له،] وعمان ناحية ذات أقاليم مستقلّة بأهلها فسحة كثيرة النخل والفواكه الجروميّة من الموز والرمّان والنبق ونحو ذلك وقصبتها صحار وهى على البحر وبها من التجّار والتجارة ما لا يحصى كثرة وهى أعمر مدينة بعمان وأكثرها مالا ولا يكاد يعرف على شطّ بحر فارس بجميع الإسلام مدينة أكثر عمارة ومالا من صحار ولها مدن كثيرة ويقال أنّ حدود أعمالها ثلثمائة فرسخ، وكان الغالب عليها الشراة الى أن وقع بينهم وبين طائفة من بنى سامة بن لؤىّ وهم فى أكثر تلك النواحى فخرج منهم رجل
يعرف بمحمّد بن القسم السامىّ الى المعتضد فاستنجده عليهم فبعث معه بابن ثور ففتح عمان للمعتضد وأقام بها الخطبة له وانحازت الشراة الى ناحية لهم تعرف بنزوى الى يومنا هذا بها إمامهم وبيت مالهم وجماعتهم على غدر فيهم شديد وغيلة ظاهرة بالجميع، وعمان بلاد حارّة جروميّة وبلغنى أنّ بمكان منها بعيد من البحر ربّما وقع ثلج رقيق ولم أر من شاهد ذلك إلّا بالبلاغ، وبأرض سبأ من اليمن طوائف من حمير وكذلك بحضر موت، وديار همدان وأشعر وكندة وخولان فبلاد مفترشة فى أعراض اليمن وفى أضعافها مخاليف وزرع وبها بواد وقرى تشتمل على بعض تهامة وبعض نجد، ونجد اليمن من شرقىّ تهامة وهى قليلة الجبال مستوية البقاع ونجد اليمن غير نجد الحجاز غير أنّ جنوبىّ نجد الحجاز يتّصل بشمال نجد اليمن وبين البحرين وبين عمان برّيّة منيعة السلوك، وباليمن قرود كثيرة وبلغنى أنّها تكثر حتّى لا تطاق إلّا بجمع عظيم فإذا اجتمعوا كان لهم كبير يعظّمونه ويتبعونه كاليعسوب للنحل، وبها دابّة تدعى العدار بلغنى أنّها تطلب الإنسان فتقع عليه وإن أصابت منه تلك الدابّة جرحا تدوّ جوف الإنسان فانشقّ، ويحكى عن الغيلان بها من الأعجوبة ما لا أستحسن حكايته لأنّ المنكر لما لا يعلم أعذر من المقرّ بما يجهل، وأمّا المسافات بديار العرب فإنّ الذي يحيط بها من عبّادان الى البحرين نحو إحدى عشرة مرحلة ومن البحرين الى عمان نحو شهر ومن عمان الى أوائل مهرة نحو مائة فرسخ، وسمعت أبا القسم البصرىّ يقول من عمان الى عدن ستّمائة فرسخ منها خمسون فرسخا الى المسقط عامرة وخمسون لا ساكن فيها الى أوّل بلد مهرة وهى الشحر وطولها أربع مائة فرسخ والعرض فى جميع ذلك من خمسة فراسخ الى ثلثة فراسخ وكلّها رمل
ومن آخر الشحر الى عدن مائة فرسخ ومن عدن الى جدّة شهر ومن جدّة الى ساحل الجحفة نحو خمس مراحل ومن ساحل الجحفة الى الجار ثلث مراحل ومن الجار الى ايلة عشرون مرحلة [ومن ايلة الى بالس نحو عشرين مرحلة ومن بالس الى الكوفة نحو عشرين مرحلة] ومن الكوفة الى البصرة اثنتا عشرة مرحلة ومن البصرة الى عبّادان مرحلتان وهذا هو دائرها وما يحيط بها، فأمّا المسافات فى أضعافها فإنّ من الكوفة الى المدينة نحو عشرين مرحلة ومن المدينة الى مكّة مسافة عشر مراحل فى طريق الجادّة ومن الكوفة الى مكّة طريق أخصر من هذا الطريق بنحو ثلاث مراحل إذا انتهى الى معدن النقرة عدل عن المدينة حتّى يخرج على معدن بنى سليم ثمّ الى ذات عرق حتّى ينتهى الى مكّة، وأمّا طريق البصرة فإلى المدينة ثمانى عشرة مرحلة ويلتقى مع طريق الكوفة بقرب معدن النقرة، وأمّا طريق البحرين الى المدينة فنحو خمس عشرة مرحلة، وأمّا طريق الرقّة الى المدينة فنحو عشرين مرحلة على جبلى طىّء وكذلك من دمشق الى المدينة ومثلها من فلسطين الى المدينة، ومن مصر الى المدينة على الساحل عشرون مرحلة ومجتمعهم مع أهل الشأم بايلة وفى ضمن المصريّين يحجّ المغاربة وربّما تفرّدوا بأنفسهم إلّا أنّهم يتّفقون فى مناخ واحد وربّما تقدّموا فيكون بينهم أن ينزل أحدهم ويرحل الآخرون أو يتأخّرون على هذا السبيل، وايلة من ناحية الشأم أوّل حدود البادية، ولأهل مصر وفلسطين إذا جازوا مدين طريقان أحدهما الى المدينة على بدا وشغب قرية بالبادية كانوا بنو مروان أقطعوها الزهرى وبها قبره حتّى ينتهى الى المدينة على المروة وطريق يمضى على ساحل البحر حتّى يخرج بالجحفة فيجتمع بها
أهل العراق ودمشق وفلسطين وأهل مصر، وطريق الرقّة وقتنا هذا منقطع إلّا لقوم من العرب يحجّون فيه أفذاذا ويسلكونه عباديد وسائر الطرق مسلوكة فى وقتنا هذا غيره، ومن عدن الى مكّة نحو شهر ولهم طريقان أحدهما على ساحل البحر وهو أبعد وهى جادّة تهامة والسائر عليها يأخذ على صنعاء وصعدة وجرش وبيشة وتبالة حتّى ينتهى الى مكّة وطريق آخر على البوادى غير طريق تهامة يقال له الصدور فى سفح جبل نحو عشرين مرحلة وهو أقرب غير أنّه على أحياء اليمن ومخاليفها يسلكه الخواصّ منهم، وأمّا أهل حضرموت ومهرة فأنّهم يقطعون عرض بلادهم حتّى يتّصلوا بالجادّة بين عدن ومكّة والمسافة منهم الى الاتّصال بهذه الجادّة اثنتان وعشرون مرحلة فيصير جميع طريقهم نيّفا وخمسين مرحلة، وطريق عمان يصعب سلوكه فى البرّيّة لكثرة القفار وقلّة السكّان وإنّما طريقهم فى البحر الى جدّة فإن سلكوا على السواحل من مهرة وحضر موت الى عدن أو الى طريق عدن بعد عليهم وقلّ ما يسلكونه، وكذلك ما بين عمان والبحرين فطريق شاقّ يصعب سلوكه لتمانع العرب وتنازعهم فيما بينهم، وأمّا ما بين البحرين وعبّادان فغير مسلوك كان الى هذه الغاية وقد سلك وهو قفر والطريق منها على البحر، ومن البصرة الى البحرين على الجادّة إحدى عشرة مرحلة وعلى هذا الطريق أتى سليمن بن الحسن متزوّدا الماء من البحرين الى البصرة ولا ماء فيه وهو على الساحل نحو ثمانى عشرة مرحلة وفى قبائل العرب ومياههم وهو طريق عامر غير أنّه مخوف، فهذه جوامع المسافات التى يحتاج الى علمها فأمّا ما بين ديار العرب لقبائلها من المسافات فقلّما تقع الحاجة اليه لغير أهل البادية والى معرفته،
النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع