تجاوز إلى المحتوى

من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)

الشأم

وأمّا الشأم فإنّ غربيّها بحر الروم وشرقيّها البادية من ايلة الى الفرات ثمّ من الفرات الى حدّ الروم وشماليّها بلاد الروم وجنوبيّها مصر وتيه بنى إسرائيل وآخر حدودها ممّا يلى مصر رفح وممّا يلى الروم الثغور المعروفة كانت قديما بثغور الجزيرة وهى ملطيه والحدث ومرعش والهارونيّة والكنيسة وعين زربة والمصّيصة واذنه وطرسوس [هذا فى زمانه وأمّا فى زماننا هذا فإنّ شماليّها الى طرف بحر طرابزون والخزر بيد المسلمين قد افتتح الكثير منها فى تأريخ ثمانين وخمس مائة والحمد لله ربّ العالمين،] والذي يلى المشرقىّ والمغربىّ فالنواحى التى قدّمت ذكرها فى تصوير الشأم وفى إعادتها تطويل، وهذه الصورة التى فى باطن هذه الصفحة صورة الشأم، إيضاح ما يوجد فى صورة الشأم من الأسماء والنصوص، قد كتب فى النصف الأيمن من الصورة موازيا لساحل بحر الروم الساحل وعليه من المدن ابتداء من الأعلى الفرما، ميماس، تبدا، عسقلان، الماحوز، يافا، قيساريه، عكا، اسكندريه، صور، عذنون، صرفنده، صيدا، الجيه، الناعمه، بيروت، جونيه، الماحوز، جبيل، بثرون، انفه، القلمون، اطرابلس، انطرطوس، مراقيه، بلنياس، جبله، اللاذقيه، فاسره، السويديه، الصخره، الاسكندرونه، بياس، وفى أسفل الصورة ينصبّ

فى البحر ثلثة أنهار عليها من المدن كفربيا، المصيصه، عين زربه، اذنه، طرسوس، ورسمت فى البحر ثلث مدن وهى الكنيسه، ارسوف، نسدين، وكتب فى البرّ عن يسار فيساريه وعكا وبينهما حيفه والقصور المضافة الى حيفه، وتوازى الساحل سلسلة جبليّة وكتب فى أعلى الساحة التى بينها والبحر نواحى مصر ومغرب الشام وبلد فلسطين وفى هذا القسم مدينتا الرمله وكفر سابا، ثمّ يليهما الى الأسفل اتّصالا للجبل بانياس، اقذار، عرقه، حصن برزويه، بغراس، الهارونيه، الكنيسه، وبين حصن برزويه والصخرة نهر وكتب فى أسفل هذا القسم شمال الشام، وكتب فى الجانب الأيسر من الجبل عند أعلاه جبل طور سينا وعن يسار ذلك تيه بنى اسرائيل، وعن يسار ذلك مدينة القلزم وبحر القلزم ومن أسفل ذلك جنوب الشام، وكتب من طرفى هذا القسم الأعلى من الجبل آخر مخطوط فلسطين وفيه مدينتا بيت ابراهيم وبيت المقدس ومن أسفلهما نابلس، ثمّ بحيرة طبريه ونهر الاردن الذي يفضى الى بحيرة زغر وعليها مدينة زغر، وكتب عند الجبل فيما يسامت بانياس جبل لبنان وتقابله فى البرّ مدينة دمشق وبين دمشق وزغر من المدن البلقا، رقم، رواث، وكتب عند القسم الأوسط من الجبل جبل بهرا وهنا مدينة حمص وبين حمص ودمشق طريق عليه من المدن جوسيه، اللبوه، بعلبك، الزبدانى، ومن أسفل حمص مدينة فاميه، ثمّ كتب عند القسم التالى من الجبل جبل السماق وقرب ذلك مدينة انطاكيه ويأخذ منها طريق الى حلب ثمّ الى بالس على نهر الفرات، وعلى الطريق من حلب الى حمص من المدن قنسرين، كفرطاب، شيزر، حماه، وبين شيزر وانطاكيه مدينتا معره النعمن ومعره مصرين، وكتب على خطّ مستطيل من بالس الى القلزم حدّ الشام وعليه من المدن الرصافه، الخناصره، تدمر، سلميه، معان، وتحت الخطّ هذه صورة الشام وذلك عنوان الصورة وعن يسار ذلك نواحى ديار العرب والبادية، وعلى نهر الفرات من جانبه الأيسر الرافقه، الرقه، الجسر، جربلص وكتب وراء ذلك مشرق الشام، وبين حلب وجربلص مدينه منبج ثمّ على ضفّة الفرات من هذا الجانب سميساط، ملطيه وعن يمينهما شمشاط، ويأخذ من شمشاط طريق الى الجبل وعليه

دلوك، رعبان، مرعش، بوقا وأسفل بوقا مدينة الحدث، واسم الجبل فى هذا القسم جبل اللكام ثمّ كتب فى أسفل الصورة نواحى بلد الروم، قد جمعت الثغور الى الشأم وبعض الثعور كانت تعرف بثغور الشأم وبعضها تعرف بثغور الجزيرة وكلّها من الشأم وذلك أنّ كلّما كان وراء الفرات فمن الشأم وإنّما سمّى من ملطيه الى مرعش ثغور الجزيرة لأنّ أهل الجزيرة بها كانوا يرابطون ويغزون لا أنّها من الجزيرة وأعمالها، وكور الشأم فهى جند فلسطين وجند الأردنّ وجند دمشق وجند حمص وجند قنّسرين والعواصم والثغور، وبين ثغور الشأم وثغور الجزيرة جبل اللكام وهو الفاصل بينهما وجبل اللكام جبل داخل فى بلد الروم ومتّصل بجميع جبال بلاد الروم [ويقال أنّه ينتهى الى حدّ مائتى فرسخ] ويظهر فى الإسلام ما ظهر منه بين مرعش والهارونيّة وعين زربة فيسمّى اللكام الى أن يجاوز اللاذقيّة ثمّ يسمّى جبل بهراء وتنوخ الى حمص ثمّ يسمّى جبل لبنان ثمّ يمتدّ على الشأم حتّى ينتهى الى بحر القلزم من جهة ويتّصل بالمقطّم من أخرى، وهو جبل على وجه الأرض أوّله بالمشرق من بلد الصين خارجا من البحر المحيط على وخان من نواحى خمدان فيقطع بلاد التبّت [لا فى وسطها بل] على مغاربها ومشارق بلاد الخرلخيّة الى أن يأتى من حدود الإسلام فرغانه فتمرّ منه قطعة الى الجنوب من فرغانه وقطعة الى الشمال ويمرّ صدر هذا الجبل على فرغانه الى جبال البتم وعلى جنوب اشروسنه فتكون جبال البتم منه وشرب سمرقند ومياهها منه ثمّ يأخذ الى سمرقند من جنوبها أيضا فيمرّ الى نسف على شمال السغد الى كش ونسف ونواحى

زم فيقطعه نهر جيحون ويمضى فى وسطه بين شعبتين منه وكأنّه قطع ليستمرّ الماء فى وسطه ويجتاز على البلاد التى هندس مضيّه اليها ويستمر الجبل الى الجوزجان ويأخذ على الطالقان الى أعمال مرو الروذ الى طوس فيكون جميع مدن طوس فيه ومنه الى نيسابور ويكون نيسابور فى سفحه على غربه وهو شرقها ويتّصل به جبال جرجان وطبرستان الى الرىّ من شماله وهو آخذ من نيسابور الى الرىّ عن يمين القاصد من خراسان الرىّ فيكون الرىّ فى سفحه ومن غربيّه ويتّصل من هناك بجبال الجيل والديلم وبجبال اذربيجان والقبق واللّان وبلد الروم ويتّصل من جنوبه بجبال اصبهان وشيراز الى أن يصل الى بحر فارس ولا يزال يساير الطالب من الرىّ العراق عن يمينه الى حلوان على همذان وقرميسين وحلوان أوّل حدود العراق وينعطف هذا الجبل عن فرسخ من حلوان عن طريق العراق عادلا عن سمت المغرب الى الشمال فيمضى على سهرورد وشهرزور الى أن يأتى الى دجلة بنواحى تكريت فيكون منه جبل بارمّا الذي عن شرقىّ دجلة وجبل الشقوق الذي عن غربيّها ويصعد من ناحية بارمّا فيكون منه جبلا زينا وزامر اللذان فى شرقىّ حديثة الموصل ويمرّ على حياله يساير دجلة فمرّة يقرب وتارة يبعد الى الجبل المعروف من فيشابور بجبل ثمنين الى جبل الجودىّ مارّا الى آمد وينشعب منه جبال الداسن وجبال ارمينيه الخارجة [المتّصلة] بجبال ارمينيه الداخلة التى اتّصلت بجبال اذربيجان وطبرستان وهى جبال تتّصل بجبل القبق من باب الأبواب فى شمال بحيرة الخزر الى بلاد ياجوج وماجوج، ولا يزال هذا الجبل يستمرّ من أعمال آمد [وميّافارقين] ونواحى دجلة الى الفرات فيكون سميساط فيه ويتّصل بحدود مرعش التى

ما ابتدأت ذكره منها الى أن وصّلته الى بيت المقدس من جبل لبنان، ثمّ يمرّ على يسار الذاهب من الرملة الى الفسطاط الى المقطّم ولا يزال الى آخر الصعيد الأعلى ويتّصل بجبال النوبة من جنبتى النيل الى قلعيب من جانب النيل الشرقىّ والى جبل القمر من جانب النيل الغربىّ ويقطع النيل شعبتين منه بنواحى الفيّوم وليست بمضيق كالمضيقين اللذين ذكرتهما للنيل بأعلى الصعيد تجاه بحيرة اقنى وتنهمت فيمضى الشعبة الغربيّة بين الباطن وظاهر الشنوف الى جبل برقة وتكون عقبة برقة التى فى مغرب رمادة منه ولا يزال ماضيا فى وسط البرّ يراه من أخذ الطريق العالية الى قبلة برقة ويمتدّ على حاجز أعمال أجدابيه وسرت على صدر جبل نفوسه فيصير عند بلوغه الى نفزاوه جبال رمال سامقة شاهقة لا تتوقّل ولا تصعد إلّا بشدّة ويضرب عرق منه من جبل برقة فى باطن البرّ الى فزان وعلى زويله راجعا الى القبلة، ثمّ لا يزال هذا الجبل يظهر فى مواضع مستحجرا وفى مواضع جبال رمل ودهس الى سجلماسه ويغوص فى تلك البرارىّ على ما ذكر سالكوها الى اودغست والبحر المحيط وأظنّه كقولهم ولم أشاهده بكلّيّته وشاهدت البعض منه كما يوجبه ما تواطأت عليه الأخبار من ثقات أهل الناحية ورؤساء الأدلّاء بها وفيها وسائر ما وصلته من أخباره وقصصته من أنبائه وآثاره فبالمشاهدة منّى لذلك والمعاينة لأشكالها، وأمّا جند فلسطين وهو أوّل أجناد الشأم ممّا يلى المغرب فإنّه تكون مسافته للراكب طول يومين من رفح الى حدّ اللجون وعرضه من يافا الى ريحا مسيرة يومين، ونواحى زغر وديار قوم لوط والشراة والجبال فمضمومة الى هذا الجند وهى منها فى العمل الى ايلة، وديار قوم لوط والبحيرة الميّتة وزغر الى بيسان وطبريّة يسمّى الغور لأنّها بين جبلين وسائر مياه بلاد الشأم يقع اليها وبعضها من الاردنّ وبعضها من فلسطين،

ونفس فلسطين هو ما ذكرته ومياه فلسطين من الأمطار والطلّ وأشجارها وزرعها أعذاء بخوس لا سقى فيها إلّا نابلس فيها مياه جارية، وفلسطين أزكى بلدان الشأم ريوعا ومدينتها العظمى الرملة وبيت المقدس تليها فى الكبر وهى مدينة مرتفعة على جبال يصعد اليها من كلّ مكان يقصدها القاصد من فلسطين وببيت المقدس مسجد ليس فى الإسلام مسجد أكبر منه وله بناء فى قبلته مسقّف فى زاوية من غربىّ المسجد ويمتدّ هذا التسقيف على نصف عرض المسجد والباقى من المسجد خال لا بناء فيه إلّا موضع الصخرة فإنّ هناك حجرا مرتفعا كالدكّة عظيم كبير غير مستو وعلى الصخرة قبّة عالية مستديرة الرأس قد غشّيت بالرصاص الغليظ السمك وارتفاع هذه الصخرة من الأرض التى تعرف بصخرة موسى تحت هذه القبّة الى صدر القائم وطولها وعرضها متقارب وعليها حصار حائط ملوّح ويكون نصف قامة ومساحة الحجر بضع عشرة ذراعا فى مثلها وينزل الى باطن هذه الصخرة بمراق من باب يشبه السرداب الى بيت يكون طوله نحو خمس أذرع فى عشر لا بالمرتفع ولا بالمستدير ولا بالمربّع وسمكه فوق القامة، وليس ببيت المقدس ماء جار سوى عيون لا ينتفع الرزوع بها وعليها شجيرات وهى من أخصب بلاد فلسطين على مرّ الأوقات، وفى سورها موضع يعرف بمحراب داؤود النّبيّ عليه السلم وهو بنية مرتفعة ارتفاعها نحو خمسين ذراعا من حجارة وعرضها نحو ثلثين ذراعا بالحزر وبأعلاه بناء كالحجرة وهو المحراب الذي ذكره الله تعالى بقوله وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب، وإذا وصلت الى بيت المقدس من الرملة فهو أوّل ما يلقاك وتراه من بيت المقدس وبمسجدها لعامّة الأنبياء آثار ومحاريب معروفة، ولبيت المقدس بناحيه الجنوب منه على ستّة أميال قرية تعرف ببيت لحم وبها مولد عيسى عليه السلم ويقال أنّ

فى بيعة منها بعض النخلة التى أكلت منها مريم وهى مرفوعة عندهم يصونونها، ومن بيت لحم على سمته أيضا فى الجنوب مدينة صغيرة كالقرية تعرف بمسجد إبراهيم عليه السلم وبمسجدها المجتمع فيه للجمعة قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلم صفّا وكلّ قبر من قبورهم تجاهه قبر امرأة صاحبه وهذه المدينة والناحية فى وهدة بين جبال كثيفة الأشجار، وأشجار هذه الجبال وأكثر جبال فلسطين زيتون وتين وجمّيز الى سائر الفواكه والفواكه أقلّها ويرى أهل مصر أنّها مضافة اليهم، ونابلس مدينة السامريّة ويزعم أهل بيت المقدس أن ليس بمكان من الأرض سامرىّ إلّا منها أصله وبالرملة منهم نحو خمس مائة مجزىّ، وآخر مدن فلسطين ممّا يلى جفار مصر مدينة يقال لها غزّة وبها قبر أبى نضلة هاشم بن عبد مناف سيّد قريش أجمع وبها مولد محمّد بن إدريس الشافعىّ أبى عبد الله الفقيه النبيل ﵀ [وقبره بالفسطاط] ومنها أيسر عمر بن الخطّاب فى الجاهليّة لأنّها كانت مستطرقا لأهل الحجاز وكان عمر بها مبرطسا، وبفلسطين نحو عشرين منبرا على صغر موقعها ولا أحيط بأجمعها وهى من أخصب البلاد واليها أشار الله تعالى اسمه بقوله فى البركة سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، والذي أدركت عليه عقود فلسطين والأردنّ أيّام أبى المسك كافور ﵀ والمتّلى لها من قبله فى سنى سبع وثمان وتسع وثلثين الى سنى ثمان وتسع وأربعين حينا محلولة وحينا معقودة أبو منصور أحمد بن

العبّاس بن أحمد وأبو عبد الله بن مقاتل وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق وقد عقدت على خزرون حينا بخمس مائة ألف دينار، وكذلك جند دمشق فعقدت على خزرون وعلى أبى الحسن علىّ بن محمّد بن جانى وعلى ابن مالك فكانت تكون فى يد كلّ واحد منهم سنين بخمس مائة ألف دينار، وكان كافور له فى تغطرسه منزلة لا يزيد عليها وهو أن إذا عقد على بعض عمّاله أو ألجأ عليه شيئا من أعماله طالبه قبل وجوب المال عليه بشىء منه على طريق القرض منه وكانوا بحسن نظره لهم أغنياء أملياء ويحتسب بذلك لهم ممّا تحت أيديهم ويجب عليهم، ولم يعقد بمصر فى وقته على أحد من أوليائه عقد تدبير إلّا وربح فيه مثله من حيث يعلمه ويتقرّره ويقول إذا لم يختصّ الأولياء بالنعم صارت الى الأعداء عند الأخذ بالكظم فهم صنائعى وأولادى، والجبال والشراة فناحيتان متميّزتان أمّا الشراة فمدينتها اذرح والجبال مدينتها رواث وهما بلدان فى غاية الخصب والسعة وعامّة سكّانهما العرب متغلّبون عليها، وأمّا الأردنّ فمدينتها الكبرى طبريّة وهى على بحيرة غذبة الماء طولها اثنا عشر فرسخا فى عرض فرسخين أو ثلثة وبها عيون جارية حارّة ومستنبطها على نحو فرسخين من المدينة فإذا انتهى الماء الى المدينة على ما دخله من الفتور بطول السير إذا طرحت فيه الجلود تمعّطت لشدّة حرّه ولا يمكن استعماله إلّا بمزاج ويعمّ هذا الماء حمّاماتهم وحياضهم، والغور مع أوّل هذه البحيرة ثمّ يمتدّ على بيسان حتّى ينتهى الى زغر ويرد البحيرة الميّتة والغور ما بين جبلين غائر فى الأرض جدّا وبه فاكهة وأب ونخيل وعيون وأنهار ولا يسقط به الثلوج وبعض الغور من حدّ الأردنّ الى أن يجاوز بيسان فإذا جاوزه كان من حدّ فلسطين وهذا البطن إذا امتدّ فيه السائر أدّاه الى ايلة، وكأنّ الغور من بين البلاد لحسنه وتبدّد

نخيله وطيبه ناحية من نواحى العراق الحسنة الجليلة، ومدينة صور من أحصن الحصون التى على شطّ البحر عامرة خصبة ويقال إنّه أقدم بلد بالساحل وإنّ عامّة حكماء اليونانيّة منها، وبالأردنّ كان مسكن يعقوب النّبيّ عليه السلم وجبّ يوسف على اثنى عشر ميلا من طبريّة ممّا يلى دمشق وجميع مياه طبريّة فمن بحيرتها، وأمّا جند دمشق فقصبتها دمشق وهى أجلّ مدينة بالشأم فى أرض مستوية قد دحيت بين جبال تحتفّ بها الى مياه كثيرة وأشجا وزروع قد أحاطت بها متّصلة وتعرف تلك البقعة بالغوطة عرضها مرحلة فى مرحلتين وليس بالشأم مكان أنزه منها ومخرج مائها من تحت بيعة تعرف بالفيجة [مع ما يأتى اليه من عين بردى من جبل سنير] وهو أوّل ما يخرج مقدار ارتفاع ذراع فى عرض باع ثمّ يجرى فى شعب تتفجّر فيه العيون فيأخذ منه نهر عظيم أجراه يزيد بن معوية يغوص الرجل فيه عمقا ثمّ ينبسط منه نهر المزة ونهر القناة ويظهر عند الخروج من الشعب بموضع يقال له النيرب ويقال أنّه المكان الذي عناه الله تعالى [بقوله] وآويناهما الى ربوة ذات قرار ومعين ثمّ ينقل من هذا الماء عمود النهر المسمّى بردا وعليه قنطرة فى وسط مدينة دمشق لا يعبره الراكب غزر ماء وكثرة فيفضى الى قرى الغوطة ويجرى الماء فى عامّة دورهم وسككهم وحمّاماتهم، وبها مسجد ليس فى الإسلام أحسن منه ولا أقين بقعة فأمّا الجدار والقبّة التى فوق المحراب عند المقصورة فمن أبنية الصابئين وكان مصلّاهم ثمّ صار فى أيدى اليونانيّين وكانوا يعظّمون فيه دينهم ثمّ صار لليهود وملوك من عبدة الأصنام والأوثان وقتل فى ذلك

الزمان يحيى بن زكريّاء عليهما السلم فنصب رأسه على باب هذا المسجد المسمّى باب جيرون ثمّ تغلّبت عليه النصارى فصارت فى أيديهم بيعة لهم يعظّمون فيها دينهم حتّى جاء الإسلام فصار المكان للمسلمين واتّخذوه مسجدا وعلى باب جيرون نصب رأس الحسين بن علىّ بالموضع الذي نصب فيه رأس يحيى بن زكريّاء عليهم أجمعين السلم، فلمّا كان فى أيّام الوليد بن عبد الملك عمره فجعل أرضه رخاما مفروشا وجعل وجه جدرانه رخاما مجزّعا وأساطينه رخاما موشّى ومعاقد رؤوس أساطينه ذهبا ومحرابه مذهّب الجملة مرصّعا بالجواهر، ودور السقف كلّه ذهب مكتّب كما يطوّق ترابيع جدار المسجد ويقال إنّه أنفق فيه وحده خراج الشأم سنين، وسطحه رصاص فإذا أرادوا غسله بثقوا الماء اليه فدار على رقعة المسجد بأجمعه حتّى إذا فجر منه انبسط عنه وعن جميع الأركان بالسويّة وكان خراج الشأم على عهد بنى مروان ألف ألف دينار وفوق ثمان مائة ألف دينار، ومن حدّ دمشق بعلبك وهى مدينة على جبل وعامّة أبنيتها من حجارة وبها قصور من حجارة قد بنيت على أساطين شاهقة وليس بأرض الشأم أبنية حجارة أعجب ولا أكبر منها، وهى مدينة كثيرة الخير والغلّات والفواكه الجيّدة بيّنة الخصب والرخص وهى قريبة من مدينة بيروت التى على ساحل بحر الروم وهى فرضتها وساحلها وبها يرابط أهل دمشق وسائر جندها وينفرون اليهم عند استنفارهم وليسوا كأهل دمشق فى جساء الأخلاق وغلظ الطباع وفيهم من إذا دعى الى الخير أجاب وأصغى وإذا أيقظه الداعى أناب، ولنفس دمشق خاصّيّة بطالعها المحيل بطاعتها الى الخلاف وسمعت عبد الله بن محمّد القلم يقول فى برج الأسد

فساد باعوجاج فى درج منه مع شرفه ومحلّه وقلّما كان به من بلد أو أوجب له من تربيع ومقابلة لتلك الدرج سبب بنحس وحكم فصفت طاعته واستقامت وذكر أشياء فى حكم سمرقند واردبيل ومكّة ودمشق وصقلّيه وقال لا تصلح لسلاطينها ولا تستقيم لملوكها إلّا بالسيف وأكثر أهل هذه المدن فالغدر أثبت فى نفوسهم والشرّ أشمل الأحوال عليهم، وببيروت هذه كان مقام الأوزاعىّ وبها من النخيل وقصب السكّر والغلّات المتوافرة وتجارات البحر عليها دارّة واردة وصادرة وهى مع حصنها حصينة منيعة السور جيّدة الأهل مع منعة فيهم من عدوّهم وصلاح فى عامّة أمورهم، وأمّا جند حمص فإنّ مدينتها حمص وهى فى مستواة خصبة أيضا وكانت أيّام عمارتها صحيحة الهواء [من أصحّ بلدان الإسلام تربة] وكان فى أهلها خبال ويسار فدخلها الروم غير دفعة فأحالوها وليس بها عقارب ولا حيّات وإذا أدخلت الحيّة والعقرب اليها ماتت ولها مياه وأشجار وكانت كثيرة الزرع والضرع وكانت أكثر زروع رساتيقها بخوسا أعذاء، وبها بيعة بعضها مسجد الجامع وشطرها للنصارى فيه هيكلهم ومذبحهم وبيعتهم من أعظم بيع الشأم، ودخلها الروم وقتنا هذا فأتوا على سوادها وأخربوها، وجميع طرق حمص من أسواقها وسككها مفروشة بالحجارة مبلّطة وقد زاد اختلالها بعد دخول الروم اليها وانصراف سلطانها عنها [ثمّ إنّ قوما استوطنوا ممّن سلم من الروم] وقد أتت البادية على ظاهرها ورساتيقها وما أظنّ الروم تركت بها رمقا لما بعد، وانطرطوس حصن

على البحر ثغر لأهل حمص فيه مصحف عثمن بن عفّان وعليه سور من حجارة يمنع أهلها من بادية وقصدها من الروم استباحة وقد نجوا غير مرّة من الروم لقلّة اكتراثهم بما فى البلد ورزوح حال أهله ولم يقف نقفور عليه لهذا من سبب، وشيزر وحماة مدينتان صغيرتان نزهتان كثيرتا المياه والشجر والزرع والفواكه والخضر حصينتان فى ذاتهما لذاتهما، وجند قنّسرين فمدينتها حلب وكانت عامرة غاصّة بأهلها كثيرة الخيرات على مدرج طريق العراق الى الثغور وسائر الشأمات وافتتحها الروم [وكان الروم قد افتتحها فى تأريخ ثلثمائة ونيّف وسبعين] مع سور عليها حصين من حجارة لم يغن عنهم من العدوّ شيئا بسوء تدبير سيف الدولة وما كان به من العلّة فأخرب جامعها وسبى ذرارىّ أهلها وأحرقها، ولها قلعة غير طائلة وقد عمرت وقتنا هذا ولجأ اليها فى وقت فتح حلب قوم فنجوا، وهلك بحلب وقت فتحها من المتاع والجهاز للغرباء وأهل البلد وسبى منها وقتل من أهل سوادها ما فى إعادته على وجهه إرماض لمن سمعه ووهن على الإسلام وأهله، وكان لها أسواق حسنة وحمّامات وفنادق كثيرة ومحالّ وعراص فسيحة ومشايخ وأهل جلّة، [وهى الآن فى زماننا وهو تأريخ نيّف وسبعين وخمس مائة للهجرة أحسن ممّا كانت قديما وأكثر عمارة مأهولة بالمشائخ والرؤساء وأمّا قلعتها فهى حصينة منيعة فى غاية الإحكام لا يقدر عليها،] وهى الآن بخسّة أميرها ودناءة نفسه مملوكة من جهتين إحداهنّ أنّها فى قبضة الروم مجزيّة يؤدّى كلّ إنسان عن داره ودكّانه جزية والثانية أنّ أميرها إذا وردها متاع من خسيس ونفيس اشتراه من جالبها وباعه هو لأهلها على أقبح صورة وأخسّ جهة وما يستثار بها من خلّ وصابون فهو يعمله ويبيعه وليس بها مبيع ولا مشترى

إلّا وله فيه مدخل قبيح، وشرب أهلها من نهر بها يعرف بأبى الحسن فويق وفيه قليل طفس ولم تزل أسعارها فى الأغذية قديما وجميع المآكل والمشارب واسعة رخيصة [وعليهم الآن للروم فى كلّ سنة قانون يؤدّونه وضريبة تستخرج من كلّ دار وضيعة معلومة] وكأنّ الهدنة التى هم فيها مع الروم محلولة معقودة لأنّ الأمر فى حلّها وعقدها الى الروم وإن كانت أحوالها كالمتماسكة والأمور التى تجرى معهم كالراخية فليست فى جزء من عشرين جزء ممّا كانت عليه وفيه فى قديم أوقاتها وسالف أيّامها، وقنّسرين مدينة تنسب الكورة اليها وهى من أضيق تلك النواحى بناء وإن كانت نزهة الظاهر مغوثة فى موضعها بما بها من الرخص والسعة فى الخيرات والمياه [فاكتسحتها الروم فكأنّها لم تكن إلّا بقايا دمن فديتها من دمن]، ومعرّة النعمن مدينة هى وما حولها من القرى أعذاء ليس بجميع نواحيها ماء جار ولا عين وكذلك جميع جند قنّسرين أعذاء وشربهم من ماء السماء وهى مدينة كثيرة الخير والسعة فى التين والفستق وما شاكل ذلك من الكروم والأزبّة، وبينها وبين جبلة المدينة التى كانت على ساحل بحر الروم [....] وكان رؤساؤها بنى وزير فافتتحها نقفور وسبى منها خمسة وثلثين ألف مرأة وصبىّ ورجل بالغ بلقاء العدوّ ويمانع عن نفسه، وحصن برزويه وهو حصن حصين وحجر منيع وقف عليه الروم غير وقت فاستحسنوه ولم يتعرّضوه ثمّ هادنوا أهله خوفا ممّا علق ببلاد

المسلمين من الخذلان وهلاك السلطان وقلّة الإيمان وإن بقيت الحالة على ما نحن به فالأمر سهل والمخوف المتوقّع أعظم وأجلّ وكأنّ الناس وقتنا هذا فى شغل بأحزانهم عن ذكر سلطانهم وهلاك أديانهم وخراب أوطانهم وفساد شأنهم عن برزويه وحصنه وقد ملكه الروم وقتنا هذا وكأنّنا بآمد وقد [قيل أسلمه أهله]، وكانت جزيرة قبرس تحاذى جبلة فى وسط البحر الرومىّ وبينهما مجرى يوم وليلة وكانت للروم والمسلمين فاستخلصها الروم واستصفوها بأمور أكثر ضررها من المسلمين جرى وعن تفريطهم حدث، والخناصرة وهى حصن يحاذى قنّسرين الى ناحية البادية وعلى شفيرها وسيفها كان يسكنه عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وكانت صالحة فى قدرها مغوثة للمجتازين عليها فى وقتنا لأنّ الطريق انقطع فى غير وقت من بطن الشأم على التجّار باعتراض السلطان عليهم وبما سرح الروم بالشأم فى غير وقت فلجؤا الى طريق البادية لبوار السلطان واستيلاء الأعراب على الولاة وخفروا وساروا بالأدلّاء وعن قريب يكفّ التجّار فقرهم وتنقطع سابلتهم وطرقهم، والعواصم اسم الناحية وليس بمدينة تسمّى بذلك وقصبتها انطاكية وكانت بعد دمشق أنزه بلاد الشأم وعليها الى هذه الغاية سور من صخر يحيط بها وبجبل مشرف عليها فيه لهم مزارع ومراع وأشجار وأرحية وما يستقلّ به أهلها من مرافقها ويقال أنّ دور السور للراكب يوم ولهم مياه تجرى فى أسواقهم ودورهم وسككهم ومسجد جامعهم وكان لها ضياع وقرى

ونواح خصبة حسنة فاستولى عليها العدوّ وملكها وقد كانت اختلّت قبيل افتتاحها فى أيدى المسلمين وهى الآن أشدّ اختلالا ورزوحا وفتحها الروم فى أوّل سنة تسع وخمسين فما اضطرب فيها من قطع شعرة للروم ولا توصّل فى نصرتها برأى صحيح ولا مشلوم وبجوارها من السلاطين والبوادى والقروم والملوك من قد أشغله يومه عن غده وحرامه وحطامه عمّا أوجب الله تعالى والسياسة والرياسة عليه فهو يلاحظ ما فى أيدى تجّار بلده ويشتمل عليه ملك رعيّته ليوقع الحيلة على أخذه والشبكة على صيده والفخّ على ما نصب له ثمّ لا يمتّع به فيسلب عمّا قريب ما احتقب من الحطام وجمع من الآثام، [فاستولى على أكثر نواحيها المسلمون منذ ملكها وذلك فى السنة الثامنة والتسعين وأربعمائة للهحرة،] ومدينة بالس مدينة على شطّ الفرات من غربيّه صغيرة وهى أوّل مدن الشأم من العراق وكان الطريق اليها عامرا ومنها الى مصر وغيرها سابل وكانت فرضة لأهل الشأم على الفرات فعفت آثارها ودرست قوافلها وتجّارها [بعد سيف الدولة] وهى مدينة عليها سور أزلىّ ولها بساتين فيما بينها وبين الفرات وأكثر غلّاتها القمح والشعير ويعمل بها من الصابون الكثير الغزير، [ومن مشهور أخبارها أنّ المعروف بسيف الدولة علىّ بن حمدان عند انصرافه عن لقائه صاحب مصر وقد هلك جميع جنده أنفذ اليها المعروف بأبى حصين القاضى فقبض من تجّار كانوا بها معتقلين عن السفر ولم يطلق لهم النفوذ مع خوف نالهم فأخرجهم عن أحمال بزّ وأطواف زيت الى ما عدا ذلك من متاجر الشأم فى دفعتين بينهما شهور قلائل وأيّام يسيرة ألف ألف دينار،] وبالقرب من بالس مدينة منبج وهى مدينة خصبة حصينة وكثيرة الأسواق الأزليّة عظيمة الآثار الروميّة ولها من ناطف الزبيب المعمول بالجوز والفستق والسمسم ما لم أر له شبها

إلّا ما ببخارا منه فإنّه يزيد عليه فى الحلاوة ويجعل البخاريّون فيه الطيب على العموم فهو لذيذ وبمنبج من الكروم الأعذاء على وجه الأرض فى سائر ضياعها ما يزيد على الكثرة ويحمل أزبّتهم الى حلب وغيرها وهى مدينة برّيّة وأرض ثريّة حمراء خلوقيّة الغالب على مزارعها البخوس وعليها سور أزلىّ، وبقربها مدينة سنجة وهى مدينة صغيرة بقربها قنطرة حجارة تعرف بقنطرة سنجة ليس فى الإسلام قنطرة أعجب ولا أعظم منها ويضرب بها المثل فيقال من عجائب الدنيا كنيسة الرها وقنطرة سنجة، ومدينة سميساط على نفس الفرات وتقارب المدينة المسمّاة جسر منبج وهما مدينتان صغيرتان حصينتان لهما سقى كبير من مياه بهما وزروعهم بخوس وماؤهما من الفرات، وكانت مدينة ملطيه مدينة كبيرة من أجلّ الثغور وأشهرها وأكثرها سلاحا وأجلدها رجالا دون جبل اللكام الى ما يلى الجزيرة وتحتفّ بها أيضا جبال كثيرة بها مباح الجوز واللوز والكروم والرمّان وسائر الثمار الشتويّة والصيفيّة وهى مباحة لا مالك لها وهى من أقوى بلد للروم فى هذا الوقت يسكنها الأرمن وفتحت فى سنة تسع عشرة وثلثمائة فكانت أوّل مصيبة دخلت على الإسلام من جهة الثغور ثمّ انثالت المصائب على الناس فى ثغورهم وأنفسهم وأموالهم وأسعارهم وأبشارهم وسلاطينهم فنسيت، وكانت المدينة المعروفة بحصن منصور صغيرة حصينة فيها منبر ولها رستاق وقرى برسمها أعذاء فاستأثر القضاء بهلاكها على أيدى بنى حمدان والروم، وكانت الحدث ومرعش مدينتين صغيرتين افتتحهما الروم قبل هذا الحين وأعادهما سيف الدولة علىّ بن عبد الله

وعاد الروم فانتزعوهما ثانيا من المسلمين [وعاد المسلمون فتحوها وكان فتحها مسعود بن قلج ارسلان السلجوقىّ صاحب بلاد الروم سنة خمس وأربعين وخمسمائة وهى بيد المسلمين الآن] وكان لهما زروع وأشجار وفواكه وكانتا ثغرين يرابط فيهما المسلمون ويجاهدون فيغنمون فساءت النيّات وفتحت الأعمال وارتفعت البركات ولجّ الملوك فى الاستئثار بالأموال والعامّة فى المعاصى على الإضرار فهلك العباد وتلاشت البلاد وانقطع الجهاد وبذلك نطق وحيه تعالى إذ يقول وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها الآية، وكانت الهارونيّة من غربىّ جبل اللكام وفى بعض شعابه حصنا صغيرا بناه هرون الرشيد وأدركته فى غاية العمارة وأهله فى جهادهم فى نهاية الجلد والشطارة يغزون فيغنمون ويتلصّصون على بلد الروم فيسلمون وقد ملكه الروم، وكانت الإسكندرونة أيضا حصنا على ساحل بحر الروم ذا نخيل وزروع كثيرة وغلّة وخصب فدخله العدوّ وملكه فهوّله، وكذلك التينات حصن كان على شطّ البحر فيه مقطع لخشب الصنوبر الذي كان ينقل الى الشأم ومصر والثغور منه ما لا يحصى وكان فيه رجال قتّال أجلاد لهم علم بمضارّ بلد الروم ومعرفة بمخائضهم ومهالكهم، وكانت الكنيسة أيضا حصنا فيه منبر ثغر فى معزل من ساحل البحر يقارب حصن المثقّب الذي كان استحدثه عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وعمره وكان فيه منبره ومصحفه بخطّه وسكّانه قوم سراة من ولد عبد شمس اعتزلوا الدنيا ورفضوا المكاسب وكان لهم ما يقوتهم من المباح فهلكا جميعا، وكانت عين زربة بلدا يشبه مدن الغور به النخيل والخصب والسعة فى الثمار والزرع وهى المدينة التى كان وصيف الخادم همّ بالدخول منها الى بلد الروم فأدركه المعتضد بها وكانت حسنة الداخل والخارج نزهة من داخل سورها جليلة فى جميع أمورها،

وكانت المصيّصة مدينتين إحداهما تسمّى المصّيصة والأخرى كفربيا على جانبى جيحان وبينهما قنطرة حجارة وكانتا حصينتين على نشز من الأرض وشرف ينظر منها الجالس فى مسجد جامعها الى نحو البحر أربعة فراسخ كالبقعة كانت بين يديه خضرة نضرة جليلة الأهل نفيسة القدر كثيرة الأسواق حسنة الأحوال، وجيحان نهر يخرج من بلد الروم حتّى ينتهى الى المصّيصة ثمّ الى رستاق يعرف بالملوان فيقع فى بحر الروم وكانت عليه من القرى والضياع الكثيرة الماشية والكراع ما لم يبق منهم نافخ نار، وكانت اذنه أيضا مدينة كأحد جانبى المصّيصة على نهر سيحان فى غربىّ النهر وسيحان دون جيهان فى الكبر عليه قنطرة عجيبة البناء طويلة جدّا ويخرج هذا النهر من بلد الروم أيضا وكانت جليلة الأهل حسنة المحلّ فى كلّ أصل وفصل وعلى سمت طريق طرسوس، فأمّا مدينة طرسوس فكانت المدينة المشهورة المستغنى بشهرتها عن تحديدها كبيرة استحدثها المأمون بن الرشيد ومدّنها وجعل عليها سورين من حجارة وكانت تشتمل من الخيل والرجال والعدّة والعتاد والكراع والسلاح والعمارة والخصب والغلّات والأموال والسعة فى جميع الأحوال على حال لم يتّصل بمثله ثغر من ثغور المسلمين لكافر ولا مسلم الى عزّ تامّ ونصر عامّ على جميع من وليها من رجال الإسلام فما غزا فى برّ أو بحر إلّا وصحبه من الظفر والنصر والغنائم بالقسر والقهر ما ينطق الأخبار بتصديقه والآثار بتحقيقه وكان بينها وبين حدّ الروم [جبال] منيعة متشعّبة من اللكام كالحاجز بين العملين، ورأيت غير عاقل مميّز وسيّد حصيف مبرّز يشار اليه بالدراية والفهم واليقظة والعلم والفطنة والسياسة والرياسة يذكر أنّه كان بها مائة ألف فارس وبعملها وذلك عن قريب عهد من الأيّام [التى]

أدركتها وشاهدتها وكان السبب فى ذلك أن ليس مدينة عظيمة من حدّ سجستان وكرمان وفارس وخوزستان والرىّ واصبهان وجميع الجبال وطبرستان والجزيرة واذربيجان والعراق والحجاز واليمن والشأمات ومصر والمغرب إلّا وبها لأهلها دار ورباط ينزله غزاة تلك البلدة ويرابطون بها إذا وردوها وترد عليها الجرايات والصلات وتدرّ عليهم الأنزال والحملان العظيمة الجسيمة الى ما كان السلاطين يتكلّفونه وأرباب النعم يعانونه وينفذونه متطوّعين ويتحاضّون عليه متبرّعين ولم يكن فى ناحية ذكرتها رئيس ولا نفيس إلّا وله عليها أوقاف من ضياع ذوات أكرة وزرّاع وغلّات أو مسقّف من فنادق ودور وحمّامات وخانات هذا الى مشاطرة من الوصايا بالعين الكثير والورق والكراع الغزير فهلكت وهلكوا وذهبت وذهبوا وكأنّهم لم يقطنوها وعفوا وكأنّهم لم يسكنوها حتّى لصاروا كما قال جلّ ذكره هل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا، وكانت اولاس حصنا على ساحل البحر فيه قوم متعبّدون حصينا وكانت فيهم خشونة فى ذات الله وكان فى آخر ما على بحر الروم من العمارة فكانت ممّا بدأ به العدوّ، وبغراس حصن كان فيه منبر على طريق الثغور وكانت فيه دار ضيافة لزبيدة ولم يكن للمسلمين بالشأم دار ضيافة غيرها، وأمّا البحيرة الميّتة فهى من الغور فى صدر الشأم بقرب زغر وإنّما تسمّى الميّتة لأنّه لا شىء فيها من الحيوان إلّا شىء تقذف به يعرف بالحمريّة وأهل زغر بناحية يلقحون كرومهم وكروم فلسطين كما تلقح النخل بالطلع الذكر وكما يلقح أهل المغرب تينهم بذكارهم، وزغر مدينة حارّة جروميّة متّصلة بالبادية صالحة الخيرات وبها من عمل النيل والتجارة به وفيه ما لا يقصر عمّا بكابل من صنّاعه وعمّاله غير أنّه يقصر عن

صباغ نيل كابل، وبزغر بسر يقال له الانقلاء وليس بالعراق ولا بمكان من الأرض أعذب منه ولا أحسن من منظره لونه كالزعفران فلم يغادر منه شيئا ويكون فى أربعة منه رطل، وديار قوم لوط وهى الأرض المعروفة بالملعونة وليس بها زرع ولا ضرع ولا حشيش [ولا نبات] وهى بقعة سوداء قد افترشتها حجارة متقاربة فى الكبر ويروى أنّها الحجارة المسوّمة التى رمى به قوم لوط وعلى جميع تلك الحجارة كالطابع من وجهيها وهى شىء كقواليب الجبن المستديرة هيآتها وخلقها فلا يرى فيها ما يخالف شيئا من أشكالها، ومعان مدينة صغيرة على شفير البادية أيضا سكّانها بنو أميّة وفيهم لبنى السبيل مرفق ومغوثة، وحوران والبثنية رستاقان عظيمان من جند دمشق مزارعها مباخس ويتّصل أعمالهما بحدود نهر بين الذي عند البلقاء وعمان الذي جاء فى الخبر أنّه نهر من ركىّ الحوض وأنّه ما بين بصرى وعمان، فأمّا المسافات بالشأم فإنّ طولها من حدّ ملطيه الى رفح والطريق من ملطيه على منبج وبينهما أربعة أيّام ومن منبج الى حلب يومان ومن حلب الى حمص خمسة أيّام ومن حمص الى دمشق خمسة أيّام ومن دمشق الى طبريّة أربعة أيّام ومن طبريّة الى الرملة ثلثة أيّام ومن الرملة الى رفح يومان فالجميع خمسة وعشرون يوما، وعرضها فى بعض المواضع أكثر من بعض وذلك أنّ أعرضها طرفاها وأحد طرفيها من الفرات من جسر منبج على منبج ثمّ على قورس فى حدّ قنّسرين ثمّ على العواصم فى حدّ انطاكيه ثمّ يقطع جبل اللكام الى بياس ثمّ الى التينات

ثمّ على المثقب ثمّ على المصّيصة وعلى اذنه ثمّ على طرسوس وذلك نحو عشر مراحل، وإن سلكت من بالس الى حلب ثمّ الى انطاكيه ثمّ الى الاسكندرونة ثمّ الى بياس حتّى تنتهى الى طرسوس فالمسافة أيضا نحو عشر مراحل غير أنّ السمت المستقيم هو الطريق الأوّل، وأمّا الطرف الآخر فهو من حدّ فلسطين فيأخذ من البحر من حدّ يافا حتّى ينتهى الى الرملة ثمّ الى بيت المقدس ثمّ الى ريحا ثمّ الى زغر ثمّ الى جبال الشراة الى أن ينتهى الى معان ومقداره المذكور ستّ مراحل، فأمّا ما بين هذين الطريقين من الشأم فمختصر ولا يكاد يزيد عرض موضع الاردنّ ودمشق وحمص على أكثر من ثلاث مراحل لأنّ من دمشق الى بيروت على بحر الروم مسيرة يومين غربا والى أقصى الغوطة من دمشق حتّى يتّصل بالبادية مشرقا يوم ومن حمص الى انطرطوس التى على بحر الروم مسيرة يومين غربا ومن حمص الى سلميّة على البادية مشرقا يوم، ومن طبريّة الى صور التى على البحر غربا مرحلة ومنها الى أن يجاوز فيق على ديار بنى فزارة مشرقا دون المرحلة، وهذه مسافات طول الشأم وعرضه، والمسافة فى أضعافه فالمبتدأ بفلسطين إذ هى أول أجناد الشأم ممّا يلى المغرب وقصبتها الرملة ومنها الى يافا نصف مرحلة ومن الرملة الى عسقلان مرحلة ومنها الى غزّة [دون] مرحلة، ومن الرملة الى بيت المقدس يوم ومن بيت المقدس الى مسجد إبراهيم عليه السلم يوم ومن بيت المقدس الى ريحا مرحلة ومن بيت المقدس الى البلقاء مرحلتان، ومن الرملة الى قيساريّة مرحلة ومن الرملة الى نابلس مرحلة ومن ريحا الى زغر مرحلتان ومن زغر الى جبال الشراة مرحلة ومن جبال الشراة الى آخر الشراة مرحلة، وقصبة الأردنّ طبريّة ومنها الى صور يوم

ومنها الى عقبة فيق مرحلة ومنها الى بيسان مرحلتان خفيفتان ومنها الى عكّا يوم، والاردنّ أصغر أجناد الشأم وأقصرها مسافة ولم تزل فى يد أبى منصور أحمد بن العبّاس محلولة ومعقودة سنين كثيرة بمائتى ألف دينار، وأمّا جند دمشق فدمشق قصبتها ومنها الى بعلبك يومان ومنها الى بيروت [يومان ومن بيروت] الى اطرابلس يومان ومن بيروت الى صيداء يومان ومن دمشق الى اذرعات أربعة أيّام والى أقصى الغوطة يوم والى حوران»

والبثنية يومان، وجند قنّسرين فقنّسرين مدينتها غير أنّ الإمارة والأسواق ومجمع ناسها والعمارات انتقلت الى حلب ومن حلب الى [بالس يومان ومن حلب الى قنّسرين يوم ومن حلب الى الاثارب يوم ومن حلب الى] قورس يوم ومن حلب الى منبج يومان ومن حلب الى الخناصرة يومان، وقد مرّ فى ذكر العواصم ما صارت اليه من ملك الروم لها ما يغنى عن إعادة فيها، [والعواصم قصبتها انطاكية وكان منها الى اذنة ثلاث مراحل ومنها الى بغراس يوم والى الاثارب يومان والى حمص أربع مراحل ومنها الى مرعش يومان والى الحدث ثلاث مراحل،] والثغور فلا قصبة لها وكلّ مدينة قائمة بنفسها ومنبج مدينة قريبة من الثغور ومنها الى الفرات مرحلة خفيفة، ومن منبج الى قورس مرحلتان ومنها الى ملطيه أربعة أيّام، [ومن منبج الى سميساط يومان ومن منبج الى الحدث يومان، ومن سميساط الى شمشاط مرحلتان ومن شمشاط الى حصن منصور يوم ومن حصن منصور الى ملطية يومان، ومن حصن منصور الى زبطرة

يوم ومن حصن منصور الى الحدث يوم، ومن ملطية الى مرعش ثلاث مراحل كبار ومن مرعش الى الحدث يوم، فهذه مسافات الثغور الجزريّة،] وكذا الثغور الشأميّة، [وأمّا الثغور الشأميّة فمن الاسكندرونة الى بياس مرحلة خفيفة ومن بياس الى المصّيصة مرحلتان ومن المصّيصة الى عين زربة مرحلة ومن المصّيصة الى اذنة مرحلة ومن اذنة الى طرسوس مرحلة ومن طرسوس الى اولاس على بحر الروم يومان ومن طرسوس الى الحوزات مرحلتان ومن طرسوس الى بياس على بحر الروم فرسخان ومن بياس الى الكنيسة والهارونيّة أقلّ من يوم ومن الهارونيّة الى مرعش من ثغور الجزيرة مرحلة فهذه جملة مسافات الثغور،] وقد انتهى القول فيما قصدت ذكره من الشأم بعد ذكر المغرب ومصر والشأم فى أقاليم ممتدّة على بحر الروم، وقد استوفيت أيضا ذكره ولا وجه لذكر ارتفاع ما خرج عن أيدى أهل الشأم والباقى من الشأم فى أيدى المسلمين وحكمهم فيه نافذ وأمرهم فيه ماض فهو ما كان على ساحل بحر الروم [من] حدّ اطرابلس وانفه الى نواحى يافا وعسقلان [لأنّ اللاذقيّة وما نزل عنها وحاذاها تحت جزيتهم ومقاطعتهم]، وما عدا ذلك فللروم وقبضتهم وحوزتهم قد استولت عليهم أسيافهم والحكم فيه اليهم، وقد أقام كثير من أهلها فيما رضوا منهم فيه بالجزية وأظنّهم بآخرة صائرين الى النصرانيّة أنفة من ذلّة الجزية ورغبة مع حذق المؤونة فى العزّ والراحة، فأمّا تقدير ما بقى منها لم أذكره فمذ سنون كثيرة لم يقع لها قانون صحيح ولا استخراج على طريقته وصحّته وذلك أنّها مذ سنة أربعين بين قوم

يتطاول أحدهم على الآخر وأكثرهم غرضه ما احتلبه فى يومه وحصّله لوقته لا يرغب فى عمارة ولا يلتفت اليها برؤية ولا إشارة، وكان ارتفاعه قديما بعد ما يخرج منه فى لوازم السلطان وأرزاق الجند والمتصرّفين من الكتّاب والعمّال تسعة وثلثين ألف ألف درهم وخمس مائة ألف درهم، [ورأيت ارتفاع الشأم وما فى ضمنها من الأعمال والأجناد والتى أقف عليه من جماعة علىّ بن عيسى ومحمّد بن سليمان لسنة ستّ وتسعين ومائتين وسنة ستّ وثلثمائة من جميع وجوهها الى حقوق بيت المال وما يلزم له من التوابع دون أرزاق العمّال تسعة وثلاثون ألف ألف درهم]،

النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صورة الأرض»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.