تجاوز إلى المحتوى

من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)

الجزيرة

إيضاح ما يوجد فى صورة الجزيرة من الأسماء والنصوص، قد رسم فى نصف الصورة الأيمن من أعلاها الى أسفلها نهر الفرات ويوازيه عن اليسار نهر دجلة، وكتب عن يمين نهر الفرات فى الزاوية العليا صورة الجزيرة وتحت ذلك الجنوب وفى الزاوية السفلى المغرب، وعلى ضفّة الفرات من هذا الجانب من المدن الكوفه، بالس، سميساط، ومن أسفل بالس فى البرّ منبج وحلب، وفى أعلى الصورة تخرج بعض الأنهار من الفرات الى اليسار وعلى النهر الأوّل من أعلاه سورا ثمّ يليه نهر الملك وعليه القصر ثمّ نهر صرصر وعليه صرصر ثمّ نهر عيسى ويخرج منه نهر الصراه، ثمّ رسمت فى الجانب الأيسر من الفرات من المدن الانبار، هيت، الداليه، الرحيه، قرقيسيا، الخانوقه، الرافقه، الرقه، الجسر، جربلص، وبين هيت والدالية فى النهر عانه، وبين الخانوقة والرافقه يصبّ نهر الخابور فى الفرات وعليه من المدن العبيديه، تنينير، الجحشيه، طلبان، سكير العباس، عرابان، ومن أعلى هذه المدن بحيرة كتب عندها المنخرق وعن يسارها ماكسين، وينتهى عند عريان وادى الحيال وهو آت من جبل سنجار، وكتب من أعلى ذلك هذه ديار لقبائل من ربيعه وهى برارىّ ينتجع مراعيها وتسلك على السمت بالنجوم على غير طريق، وفوق ذلك حدّ العراق،

وعلى الجانب الأيمن من دجلة من المدن بغداذ وتكريت وبينهما نهر الاسحاقى، ثمّ الموصل، بلد، طنزى، آمد، وعلى الطريق من بلد الى الجسر من المدن برقعيد، اذرمه، نصيبين، دارا، كفرتوثا، رأس عين، تل بنى سيار، حران، ومن حران يأخذ طريق الى الأسفل الى سروج، وبين هذا الطريق ونهر دجلة رسم جبل تتّصل به مدينتا ماردين والرها، وكتب فى هذا القسم من الصورة على خطّ منعطف ديار مضر ثمّ قاطعا لدجلة ديار بكر، وعن يمين آمد مدينة حينى، وعلى دجلة فى الجانب الأيسر من المدن بغداذ مرّة ثانية ثمّ البردان، عكبرا، الجويث، العلث، الكرخ، سرّ من رأى، الدور، السن، الحديثه، فيشابور، ثمنين، التل، وبحذاء آمد ارزن، وعن يسار ذلك ميافارقين، ويقرأ عن يمين القسم الأعلى من الجبل الموازى لدجلة جبل بارما وفى طرفه الآخر فى الزاوية المشرق، ويصبّ فى دجلة عند السن الزاب الصغير ومن أسفله الزاب الكبير وبينهما من المدن الراجه، جنبون، كفرعزى، وقد تطلّس أسماء مدينتين يجوز أن تكون إحداهما اربل، ومن أسفل الزاب الكبير بين دجلة والجبل سوق الاحد ومعلثايا وكتب هنا عند الطرف الآخر من الجبل هذا الجبل متّصل بجبال ارمينيه وجبل الثمنين ويتّصل بجبل اللكام وجميع جبال بلد الروم، ثمّ يلى تحت ذلك نهر الزرم ثمّ نهر سربط ثمّ نهر ساتيدما وبين هذين النهرين نواحى ارمينيه وفى زاوية الصورة الشمال، فأمّا الجزيرة التى بين دجلة والفرات فتشتمل على ديار ربيعة ومضر ومخرج الفرات من داخل بلد الروم على ما شكّلته مجتازا من ملطيه على يومين ويجرى ببنها وبين المدينة المعروفة كانت بشمشاط للمسلمين ويمرّ على سميساط ونواحى جسر منبج وعلى بالس الى الرقّة وقرقيسيا والرحبة وهيت والانبار وينقطع الحدّ عن الفرات ممّا يلى الجزيرة بالانبار

[ثمّ يعود حدّ الجزيرة] فى سمت الشمال فيكون الى تكريت الحدّ العراق وتكريت على دجلة وينتهى الحدّ منها مصاعدا على دجلة الى السنّ ممّا يلى الجزيرة والى الحديثة والموصل ويصعد بصعود دجلة الى الجزيرة المعروفة بابن عمر ثمّ يتجاوزها الى آمد فيكون ما فى غربها من حدّ ارمينيه ثمّ يعود الحدّ مغرّبا على البرّ الى سميساط ثمّ ينثنى الى مخرج ماء الفرات فى حدّ الإسلام من حيث ابتدائه، ومخرج دجلة وإن كان من حدود بلد الروم فطويلا ما كان فى يد المسلمين وحيّز الإسلام من بعده بمراحل، وعلى شرقىّ دجلة وغربىّ الفرات مدن وقرى تنسب الى الجزيرة وهى خارجة عنها ونائية منها وسأذكرها بما يدلّ على حالها، قد اتّفق العلماء بمسالك الأرض وبعض الحسّاب المشار اليهم بعلم الهيئة فيما تواضعوه من صفات الأرض أنّها مصوّرة بصورة طائر فالبصرة ومصر الجناحان والشأم الرأس والجزيرة الجؤجؤ واليمن الذنب وهذه حكاية ما رأيتها قطّ مقرّرة وإذا كان الأمر كذلك ففارس وسجستان وكرمان وطبرستان واذربيجان وخراسان ليست من الأرض ولا معدودة فى حسابها أم الأرض هو ما ذكروه دون غيرها وهذا قول يحتاج الى تقرير بفهم جامع وفكر صحيح ليقف على حق ذلك من باطله وموقع الجزيرة قريب ممّا قالوه إن وجب أن يكون الشأم رأسا لهذا الطائر وأظنّ قائل ذلك عنى غير ما أرادوه وقصد سوى ما نقلوه ومتى أراد بذلك ديار العرب خاصّة فهذه صفتها، والجزيرة إقليم جليل بنفسه شريف كان بسكّانه وأهله رفه بخصبه كثير الجبايات لسلطانه إذ كانت الأحوال والأموال والدخل على سلطانه

داخل من وجوهه وخارج من مظانّه وقد اختلّت وتغيّرت وانتقلت أملاكها وباد رجالها وأربابها وتنصّر أبطالها، وسمعت رئيسا من علماء البغداذيّين يذكرها فقال كانت معدن الأبطال وعنصر الرجال وينبوع الخيل والعدّة وينبوت الحيل والشدّة، فأمّا حدودها ومسافاتها فمن مخرج ماء الفرات فى حدّ ملطيه الى سميساط يومان ومن سميساط الى جسر منبج أربعة أيّام ومن الجسر الى بالس أربعة أيّام و [من بالس] الى الرقّة يومان ومن الرقّة الى الانبار عشرون يوما ومن الانبار الى تكريت يومان فى نفس البرّيّة ومن تكريت الى الموصل خمسة أيّام ومن الموصل الى آمد أربعة عشر يوما ومن آمد الى سميساط ثلثة أيّام ومن سميساط الى ملطيه ثلثة أيّام، ومن الموصل الى بلد مرحلة ومن بلد الى نصيبين خمس مراحل، ومن الموصل الى سنجار ثلثة أيّام ومن سنجار الى نصيبين خمسة أيّام ومن نصيبين الى رأس العين ثلاث مراحل ومن رأس العين الى الرقّة أربعة أيّام، ومن رأس العين الى حرّان ثلثة أيّام [ومن حرّان الى جسر منبج يومان، ومن حرّان الى الرها يوم ومن الرها الى سميساط يوم، ومن حرّان الى الرقّة ثلاثة أيّام]، ومن الرقّة الى قرقيسيا أربعة أيّام ومدينة الخانوقة فى وسط الطريق ومن الخانوقة الى عرابان أربع مراحل ومن عرابان الى الحيال مرحلتان ومنها الى سنجار نصف مرحلة ومن سنجار الى ماكسين مرحلتان ومن ماكسين الى المنخرق يوم ومن المنخرق الى الفرات يوم، والمنخرق بحيرة [بين ماكسين والفرات] استدارتها مساحة جريب أو أزيد بقليل وفيها ماء أزرق عذب كالزجاج الملوّح لا يعرف قعرها ولا يعلم كميّة مائها وذلك أنّها اعتبرت ليعرف قرارها ومقدار مائها بمائين أذرع

حبال بمثقّلات فلم يوجد لها قرار ولا فى يد الخلف عن السلف منها أثر ولا خبر، وعلى ظهر الخابور وبنواحى عرابان وبالبعد من الخابور عن مرحلة مدن كثيرة قد غلبت عليها البادية فحكمهم دون أهلها فيها أمضى وأمرهم فى غلّاتهم وأموالهم أنفذ وأعلى كالعبيديّة وتنينير والجحشيّة وطلبان وهذه مدن عليها أسوار لا تحصنها وقد لجأ الى الخفائر والأذمّة أهلها فكلّمن ساقهم تبعوه وكلّمن خافوه أطاعوه فإذا ملك الفرات سلطان قادر أمنوا وإذا ضعف السلطان بنواحيهم هلكوا وغنموا، وكان من أجلّ بقاع الجزيرة وأحسن مدنها وأكثرها فواكه ومياها ومتنزّهات وخضرة ونضرة الى سعة غلّات من الحبوب والقمح والشعير والكروم الرائعة الزائدة على حدّ الرخص نصيبين وهى مدينة كبيرة فى مستواة من الأرض ومخرج مائها عن شعب جبل يعرف ببالوسا وهو أنزه مكان بها حتّى ينبسط فى بساتينها ومزارعها ويدخل الى كثير من دورها ويغدق البرك التى فى قصورها، وكان لهم مع ذلك فيما بعد من المدينة ضياع مباخس كبار جليلة عظيمة غزيرة السائمة والكراع دارّة الغلّات والنتاج معروفة الفرسان مشهورة الشجعان الى ديارات للنصارى وبيع وقلّايات تقصد للنزهة وتنتجع للفرحة والفرج، ولم تزل على ما ذكرته مذ أوّل الإسلام معروفة بكثرة الثمار ورخص الأسعار تتضمّن بمائة ألف دينار الى سنة ثلثين وثلثمائة فأكبّ عليها بنو حمدان بضروب الظلم والعدوان ودقائق الجور والغشم وتجديد كلف لم يعرفوها ورسم نوائب ما عهدوها الى المطالبة ببيع الضياع والمسقّف من العقار حتّى حمل ذلك بنى حبيب الى أن خرجوا بذراريّهم وعبيدهم ومواشيهم وخفّهم الذي يمكن بمثله النقلة ومن ساعدهم من جيرانهم وشاركهم فيما قصدوا به من الغصب لعقارهم فى نحو عشرة آلف فارس على فرس عتيق وسلاح شاكّ من درع وجوشن مذهّب ومغفر مدبّج وسيف يقلّ

شبهه ورمح خطىّ وآلة وعدّة لم تزل على بلد الروم مطلّة يقمع بها شوكتهم ويسبى بها ذراريّهم ويخربون بالاستطالة حصونهم ويجوسون ديارهم يقدمهم نحو هذه العدّة من الجنائب العتاق والبغال الفره عليها الخدم والخول والموالى، فتنصّروا بأجمعهم وأوثقوا ملك الروم من أنفسهم بعد أن أحسن لهم النظر فى إنزالهم على كرائم الضياع ونفائس الحبى والمتاع وخيّرهم القرى والمنازل ورفدهم بالنواحى الحسنة والمواشى العوامل فعادوا الى بلد الإسلام على بصيرة بمضارّه وعلم بأسباب فساده وخبرة بطرقه ومعرفة بجلّه ودقّه وقلوبهم تضطرم حقدا وتفور كيدا وتلتهب ضبّا، وقد كاتبوا من خلّفوه وراسلوا من عرفوه ولا طفوه بذكر ما بلغوه ونالوه وكان الأكثر قد قصد فى ضياعه وحيل بينه وبين أملاكه ووظّف عليه ما لا يعرفه وألزم من الكلف ما لم يجر بمثله عليه رسم فأطمعوهم فيما نالوه وعرّفوهم ما وصلوا اليه وما جاؤوا فيه وله من قصد بلد الإسلام واجتياحه واصطلام نواحيه وبقاعه وأنّ ملكهم أيّدهم وقوّاهم وأنعم عليهم وآواهم فلحق بهم كثير من المتخلّفين عنهم وانتمى اليهم من لم يك منهم فشنّوا الغارات على بلد الإسلام وافتتحوا حصن منصور وحصن زياد وساروا الى كفرتوثا ودارا فأتوا عليهما بالسبى والقتل وألحقوا أسوارهما بالأرض وضروا بذلك فصار لهم عادة وديدنا يخرجون فى كلّ سنة عند أوان الغلّات الى أن أتوا على ربض نصيبين نفسها والغربىّ من ضياعها وتعدّوا ذلك الى أن وصلوا الى جزيرة ابن عمر فأهلكوا نواحيها وسحقوا رأس العين وعملها وساروا الى نواحى الرقّة وبالس وعادوا الى ميافارقين وارزن فأخووا قراها وضياعها وعضدوا أشجارها وزروعها الى أن جعلت كالخاوية على عروشها، وتزايدت ثقة الملك بهم والروم فى السكون اليهم الى أن جعلت لهم الأرزاق ورسمت لهم الأعطية وصاروا خاصّة الملك وآراء العرب أثقف

من آراء الروم لما يقترن بهم من الجسارة والبسالة ففتحوا له المضائق وتقدّموه فى المسالك وأطمعوه على مرّ الأيّام وتعاقب الأعوام [.....]

وهلاك السلطان وفقر الخواصّ والعوامّ فى انطاكيه والمصّيصة وحلب وطرسوس فدار لهم عليها ما كان القضاء قد سبق به والمقدار قد نفذ فيه، وعمد الحسن بن عبد الله بن حمدان الى نصيبين واكتسح أشجارها وبذل ثمارها وعوّر أنهارها واستصفاها عمّن كان دخل الى بلد الروم واشترى من [بعض قوم واغتصب] آخرين فملكها إلّا القليل وجعل مكان الفواكه الغلّات بالحبوب والسمسم والقطن والأرزّ فصار ارتفاعها أضعاف ما كانت عليه وزادت ريوعها وسلّمها الى من بقى من أهلها ولم يمكنهم النهوض عنها وآثروا فطرة الإسلام ومحبّة المنشأ وحيث قضوا ليانات الأيّام والشباب على مقاسمة النصف من غلّاتها الى [أىّ] نوع كانت على أن يقدّر الدخل ويقوّمه عينا إن شاء أو ورقا ويعطى الحرّاث ثمن ما وجب له بحقّ المقاسمة فيكون دون الخمسين ولم يزالوا على ذلك معه ومع ولده الغضنفر الى أن لحقا بأسلافهما الدجّالين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا إذا منظرين، وأهلها وقتنا هذا على أقبح ما كانوا عليه وفيه من تقدير من وليهم عليهم كابن الراعى لا ﵀ ومن يشبهه يستغرق أكثر الغلّة وتقويم ما يبقى من سهم المزارع بثمن يراه المقدّر وحمل ما وقع بسهمه الى مخازنهم وأهرائهم ويرضح له منه بما يسمح به لبذره ويقدّر أنّه ممسك لرمقه وعيشه فى قوته،

وأعمال نصيبين أربعة أرباع ولكلّ ربع منها عامل وحضرت فى سنة ثمان وخمسين وقد رفع تقديرها على توسّط الى أبى تغلب الغضنفر بالموصل فكان حاصل دخلها من حنطة وأرزّ وشعير وحبوب عشرة آلف كّر وأخرج تقويم أسعارها على خمس مائة درهم الكرّ فكان المال عند التقدير المذكور خمسة آلف ألف درهم، ورفع لها من الجماجم عن جواليها ولوازمها مع الزيادات فيها فكانت خمسة آلف دينار، ورفع لها عن عشور أموال اللطف وهى ضرائب الشراب خمسة آلف دينار، ورفع القوانين المأخوذة من عراصها عن الغنم والبقر والبقول والفواكه خمسة آلف دينار، وما يقبض من الطواحين فى القصبة والضياع المقبوضة والمشتراة وغلّات العقار المسقّف من الخانات والحمّامات والحوانيت والدور ستّه عشر ألف دينار، وكانت أعمال دارا فى الربع الشمالىّ وطور عبدين أيضا وهو من أعظم رساتيقها، ورفع تقدير رستاق ابنين وهو مجاور لطور عبدين وكان لسيف الدولة بألفى كرّ حبوبا فقوّمت بألف ألف درهم، ورفع عصيرها وأسقاؤها وجماجمها وعراصها وطواحينها بثلثين ألف دينار، وهذا على أنّ البلد قد خرب وناسه قد هلكوا ليوبق الله متّلى ذلك بما أملى له وأسّسه من ظلمه وجوره، وبنصيبين عقارب قاتلة موصوفة مشهورة، وبالقرب منها جبل ماردين ومن قرار الأرض الى ذروته نحو فرسخين وعليه قلعة [لحمدان ابن الحسن بن عبد الله بن حمدان] تعرف بالباز الأشهب لا يستطاع فتحها عنوة وبنواحيها حيّات موصوفة تفوق الحيّات فى سرعة القتل ومضاء المنيّة وبجبل ماردين جوهر للزجاج الجيّد ويحمل منه الى سائر بلدان الجزيرة والعراق وبلد الروم فيفضل على ما سواه بجوهريّة فيه، وأمّا الموصل فمدينة على غربىّ دجلة صحيحة التربة والهواء وشرب أهلها من مائها وفيها نهر يقطعها اتّخذه بنو أميّة فى وسطها وبين

مائها ووجه الأرض نحو ستّين ذراعا وزائد وناقص ولم يك بها كثير شجر ولا بساتين إلّا التافه القليل اليسير فلمّا تملّك بنو حمدان ورجالهم غرسوا فيها الأشجار وكثرت الكروم وغزرت الفواكه وغرست النخيل والخضر، وبها مسكن سلطان الجزيرة ودواوينها ومجتبى أموالها وارتفاعها ولها أقاليم ورساتيق ومدن كثيرة مضافة اليها وارتفاع وجبايات زادت على ما كانت عليه فى سالف الزمان لأنّ اللعين لا ﵀ أخذ ممّن كان فى جملته وخدمه أملاكهم واشترى الكثير منها بالقليل التافه من أعشار أثمانها واستملك رباعها واحتوى على خارجها وداخلها واستعمل فيهم من الحال ما أثره من سيرته فى بلد نصيبين فزاد قائمة وتناهى كثرة وإسرافا وذلك أنّ للموصل أضعاف أعمال نصيبين فى فسحة الأعمال وكثرة الضياع وعظم المحلّ وغزر السكّان وأهل الأسواق إذ كانت أسواقها واسعة وأحوالها فى الشرف والفخم ظاهرة، وهى مدينة أبنيتها بالجصّ والحجارة كبيرة غنّاء وأهلها عرب ولهم بها خطط وأكثرهم ناقلة الكوفة والبصرة وكانت من عظم الشأن بصورة أكابر البلدان وكان بها لكلّ جنس من الأسواق الاثنان والأربعة والثلاثة ممّا يكون فى السوق المائة حانوت وزائد وبها من الفنادق والمحالّ والحمّامات والرحاب والساحات والعمارات ما دعت اليها سكّان البلاد النائية فقطنوها وجذبتهم اليها برخصها وميرها وصلاح أسعارها فسكنوها، وهى فرضة لاذربيجان وارمينيه والعراق والشأم ولها بواد وأحياء كثيرة تصيّف فى مصائفها وتشتو فى مشاتيها من أحياء العرب وقبائل ربيعة ومضر واليمن وأحياء الأكراد كالهذبانيّة والحميديّة واللاريّة وكانت بها بيوت فاخرة وقوم أهل مروءة ظاهرة لهم من التناية

يسار وبأملاكهم ويسارهم على الأيّام استطالة واقتدار كبنى فهد وبنى عمران من وجوه الأزد وأشراف اليمن وبنى شخاج وبنى اود وبنى زبيد وبنى الجارود وبنى أبى خداش والصداميّين والعمريّين وبنى هاشم وغير ذلك فمزّقهم جور بنى حمدان وبدّدهم فى كلّ صقع ومكان بعد انتزاع أملاكهم وقبض ضياعهم وإحواج أكثرهم الى قصد الأطراف والشتات فى أعماق الأكناف بعد أن كانوا مقصودين والى السؤال بعد أن لم يزالوا مسئولين فمن هالك فى نجف ومضطهد فى طرف ومعرّض نفسه للحين والتلف، [أمّا فى زماننا هذا وهو سنة ستّين وخمس مائة فقد عمّرت عمارة لم تكن قطّ منذ أسّست حتّى أنّ العمارة قد استولت عليها ولم يبق بها موضع فامتدّت العمارة الى خارج السور وصار فى خارجها أسواق وحمّامات وفنادق وغير ذلك من المراقق،] وفى ذكر تقدير البلد ما يدلّ على ما كان عليه من العتاد والعدد ووصف ارتفاعه ما يعرب عن حاله وأصقاعه ومكانه وأوضاعه ويغنى عن الإطالة فى وصف شرفه وشأنه وقوانينه الواصلة الى سلطانه وهى الدليل على أوصاف أهله وشأنهم فى ذات أنفسهم، وقد تقدّم القول بذلك وأنّ قوام الدنيا وأهلها بالأموال إذ محلّهم فى أنفسهم وكيفيّتهم فى عيشهم وسياستهم فى مروءاتهم بمقدار ما يملكونه وبه يمكنهم المروءة والأفضال والتصرّف فى كلّ جهة وحال وهذه عبرة لجميع العقلاء ومرآة لسائر الفهماء وإن خرج بالخصوص عن حدّ العموم فى هذه القضيّة قوم لم يحكم بهم ولا يلتفت الى سيرتهم وسياستهم، وللموصل نواح عريضة ورساتيق عظيمة وكور كثيرة غزيرة الأهل والقرى والقصور والمواشى الى غير ذلك من أسباب النتاج والسائمة من الأغنام والكراع فمن ذلك رستاق نينوى وكانت به مدينة فى سالف الزمان تجاه الموصل من الجانب الشرقىّ من دجلة آثارها بيّنة وأحوالها

ظاهرة وسورها مشاهد وكانت البلدة التى بعث الله تعالى الى أهلها يونس ابن متّى عليه السلم، ويحادّ هذا الرستاق على جلالته وعظمه وقربه الى حوزته رستاق المرج وهو أيضا فسيح واسع كثير الضياع والماشية والكراع وفيه مدينة تعرف بسوق الأحد وفيها أسواق ولها موعد لأوقات يحضر فيها السوق يجتمع فيه المتاع وسائر التجارة والاكرة والأكراد وكانت مدينة كثيرة الخير خصبة تحادّ الجبل على نهر يقرب منها يطرح ماؤها الى الزابى الكبير، ويجاور هذا الرستاق أرض حزة ورساتيقها وهو إقليم بينه وبين أعمال المرج الزابى الكبير وفيه مدينة تعرف بكفر عزى يسكنها قوم من الشهارجة نصارى ذو يسار وهى مدينة قصدة فيها أسواق وضياع وبها خير ورخص ومنها يمتار الأعراب وينزل فى نواحيها الأكراد، وقردى وبازبدى رستاقان عظيمان متجاوران فيهما الضياع الجليلة الخطيرة التى تكيل الضيعة دخلا فى كلّ سنة ألف كرّ حنطة وشعير أو حبوب قطان ولها من مرافق الجوالى بالجماجم وأموال اللطف ما يقارب دخل غيرها من الضياع، ورستاق باهدرا وهو أيضا عظيم جليل الضياع والدخل والمرافق والعائدة، ورستاق الخابور وفيه مدن كثيرة وأعمال واسعة تجاور رستاق سنجار ونواحى الحيال وللجميع من الدخل الكثير عن سائر وجوه الغلّات والفواكه اليابسة والرطبة، ورستاق معلثايا وفيشابور وهما رستاقان خطيران معدودان فى نفائس الأعمال ومحاسن الكور بكثرة الغلّات والخيرات والتجارات، وحضرت مدينة الموصل آخر دخلة دخلتها سنة ثمان وخمسين فألفيت ارتقاعها من الحاصل دون قسمة المزارعين بنينوى والمرج وكورة حزة ستّة آلف كرّ حنطة وشعيرا قيمتها من الورق ثلثة آلف ألف درهم ومن الحبوب والقطانى ثلثمائة كرّ قيمتها من العين عشرة آلف دينار

ومن الورق [.....] عن وجوه أوجب اجتباؤها من جوال وضمانات [ومرافق بيت المال] ردّت عينا عشرة آلف دينار دون ضياع وسمت بضياع الإخوة فى هذه النواحى [الثلاث] المتقدّم ذكرها وهى أملاك بأيديهم ودخلها حاصل لهم استوفاه كتّابهم أربعة آلف كرّ حنطة وشعيرا قيمتها من الورق ألفا ألف درهم، قال الرافع وتوابعها من مواجب بيت مال السلطان ألفا دينار قيمتها من الورق ثلثون ألف درهم، وذكر أموال الناحية المتقبّل عراصها وجزائرها وبساتينها والمستغلّات المختزلة من أصحابها والمشتراة ومال اللطف والجوالى بألفى ألف درهم، وذكر باعربايا وهى من نواحيها ورساتيقها وحدّها فقال من باعيناثا الى نهر سريا من دون اذرمه بفرسخ طولا وعرضها من نواحى سنجار الى أن تصاقب بازبدى والحاصل دون الواصل بحقّ المقاسمة الى الأكرة والمزارعين ثمنية آلف كرّ حنطة وشعيرا قيمتها من الورق دون زيادة الصنجة وحقّ الخزن أربعة آلف ألف درهم وفيها من الأحلاب والجوالى، وعرصة برقعيد ألفا دينار قيمتها من الورق ثلثون ألف درهم، وذكر بازبدى فقال حدّها من الضيعة المعروفة بالمقبلة والأحمدىّ وباعوسا والبيضاء الى حدود الجزيرة ودخلها من الحنطة والشعير الحاصل ألفا كرّ قيمتها من الورق [ألف ألف درهم ولها من وجوه الأموال المذكورة المشهورة ألفا دينار وقيمتها] ثلثون ألف درهم، وباهدرا وهى من حدّ المغيثة الى الخابور ومن معلثايا الى فيشابور والحاصل دون الواصل الى المزارعين بحقّ المقاسمة من الحنطة

والشعير ثلثة آلف كرّ قيمتها مائة ألف دينار، قال وبها من المال عن وجوه أسقائها ومياهها ثلثون ألف دينار، قال وقردى وهى الجزيرة المعروفة بابن عمر وجبل باسورين ونواحيه الى حدود باعيناثا الى طنزى وشاتان والحاصل دون الواصل الى المزارعين من الحنطة والشعير ثلثة آلف كرّ قيمتها مائة ألف دينار وبها من المال من وجوه الطواحين والجوالى وما أشبه ذلك ثلثون ألف دينار، فالحاصل على التقريب من جميع أعمالها وجباياتها عن قيمة عين جبى من الورق [ستّة عشر ألف ألف درهم ومائتا ألف وتسعون ألف درهم]، ومن أسافل الموصل مدينة تعرف بالحديثة وبينهما تسع فراسخ كثيرة الصيود واسعة الخير فى ضمن الموصل عملها وبالموصل تجتبى أموالها ولها عامل بذاته على استيفاء أموالها فربّما عملت بالأمانة وربّما كانت بضمان وقلّما ضمنت لأنّ أحوالها تزيد وتنقص، وكان بالموصل فى وسط دجلة مطاحن تعرف بالعروب يقلّ نظيرها فى كثير من لأرص لأنّها قائمة فى وسط ماء شديد الجرية موثّقة بالسلاسل الحديد فى كلّ عربة منها أربعة أحجار ويطحن كلّ حجرين فى اليوم والليلة خمسين وقرا وهذه العروب من الخشب والحديد وربّما دخل فيها شىء من الساج، وكانت ببلد المدينة التى عن سبعة فراسخ منها عروب كثيرة دارت إعمالا وجهازا الى العراق فلم يبق منها شؤم ابن حمدان ولا من أهلها باقية، [وبمدينة الحديثة منها عداد تعمل فى وسط دجلة وقد ملك بنو حمدان متاعها حسب ما ذكرته من حال الموصل وسائر ديار ربيعة وارتفاعها نحو خمسين ألف دينار،] وكان بالفرات للرقّة [وقلعة جعبر] ما لا يدانى هذه العروب ولا ككثرتها، وبمدينة

تفليس فى نفس الكرّ منها شىء به تقوم أقوات أهل تفليس وهى دونها فى الفخم والعظم، وبتكريت وعكبرا والبردان منها شىء باق، ولم تبق بركة بنى حمدان بالموصل إلّا ستّة أو سبعة منها وليس ببغداذ شىء منها، وبلد المذكورة فكانت مدينة كثيرة الغلّات والأموال والجهاز والمشايخ المذكورين بالعراق فى حسن اليسار وسعة الأحوال الى أن وضع الملقّب بناصر الدولة عليهم يده واستفرغ فيهم جهده فلم يبق لهم باقية وبدّدهم فى كلّ قتر وزاوية ولم يبق لهم ثاغية ولا راغية حتّى أكلتهم الشدائد وصبّت عليهم بشؤمه المصائب فهم كما قال بعض سكّان مكّة من خزاعة عند خروجهم منها

كأن لم يكن بين الحجون الى الصفاأنيس ولم يسمر بمكّة سامر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة

وكان لبلد فى ظاهرها بين غربها وشمالها مكان يعرف بالاوسل نزه كثير الشجر والثمر والخضر والفواكه والكروم فقصدها اللعين المشؤوم بما قصد به الموصل فهو كالبور مع شرف حال هذا الاوسل ومكانه من الريع إذا زرع وفى أعاليه ساقية تسقى شيئا من الأرض إذا زرعت بماء تافه ترب، ومدينة سنجار على تسعة فراسخ من بلد وهى فى وسط البرّيّة وفى سفح جبل خصب ولها أنهار جارية وعيون مطّردة وأسقاء ومباخس وضياعها قريبة الحال وعليها سور من حجر يمنع عن أهلها عند تظافرهم وقد شابها من نسيم الزنيم ونالها من البلاء ما يشبه الزمان، وبها مع رخص أسعارها وكثرة خيرها وفواكهها الصيفيّة فواكه شتويّة ممّا يكون اختصاصه فى بلاد الصرود كالسماق والجوز واللوز والزيتون والأترجّ والسمسم والرمّان الكبير المحفّف حبّه الدائم الى العراق والنواحى جهازه وحمله، وبقرب سنجار بين شمالها وغربها الحيال وهو واد من أودية ديار ربيعة فيه مشاجر وضياع وكروم وخصب وأبّ يسكنه قوم من العرب قاطنين فيه

مخفرين من بنى قشير ونمير وعقيل وكلاب وليس بالجزيرة مدينة ذات نخيل فى وقتنا هذا أكثر من سنجار إلّا أن يكون على الفرات ونواحى هيت والانبار، وبين بلد ونصيبين برقعيد وأذرمة فأمّا برقعيد فمدينة كثيرة الزرع من الحنطة والشعير ويسكنها بنو حبيب قوم من تغلب وفيها مغوثة لبنى السبيل وفى أهلها بعض شرّ لأنّهم من سنخ بنى حمدان وشرب أهلها من الأبآر وليس بها بستان ولا كرم، ومنها الى مدينة اذرمة ستّة فراسخ وكانت مدينة صالحة كثيرة الغلّات وقد فتحها الروم لمّا خرجوا الى نصيبين وأتى المتنصّرة عليها ولم يبق بها إلّا نفر وصبابة لا تجد الى النقلة عنها وجها ولا تعرف سبيلا، ومنها الى نصيبين تسعة فراسخ، ومن نصيبين الى دارا مدينة أزليّة كانت للروم طيّبة فى نفسها كثيرة الغلّات والخيرات والخصب فى جميع وجوه الخصب من المآكل والمشارب وما تحويه فكالمجان، وإن كانت هذه الحال فى جميع هذه الديار عامّة وبها مشهورة فإنّ الذي أخرجها عمّا كانت عليه ونقلها من أحوالها الى ما هى به ومضافة اليه ما قدّمت ذكره، وكفرتوثا بين دارا ورأس العين مدينة سهليّة وكان حظّها من كلّ خير جزيلا ووصفها مذ كانت فحسن جميل الى أن افتتحها الروم وكانت فى مستواة من الأرض ولها شجر وثمر ومزدرع وضياع فى سنة افتتاحهم رأس العين، [وفى زمان المؤلّف افتتحها الروم والآن فهى للمسلمين والعاقبة للمتّقين]، وكانت رأس العين مدينة ذات سور من حجارة نبيل وكان داخل السور لهم من المزارع والطواحين والبساتين ما كان يقوتهم لولا ما منوا به من الجور الغالب والبلاء الفادح ممّن لا رحم الله منهم شعرة ولا ترك من نسلهم أحدا ليجعلهم آية وعبرة، وكان يسكنها العرب وبها لهم خطط وفيهم ناقلة من الموصل أصلهم وفيها من العيون ما ليس ببلد من

بلدان الإسلام وهى أكثر من ثلثمائة عين ماء جارية كلّها صافية يبين ما تحت مياهها فى قعورها على أراضيها وفيها غير عين لا يعرف لها قرار وغير بئر عليها شبابيك الحديد والخشب ويقال أنّها خسيف وقد جعل الشبّاك دون وجه الماء بذراع ونحوه ليحفظ ما يسقط فيها ويقال أنّهم اعتبروا غير بئر بمائين أذرع حبال فلم يبلغوا قعرها وتجتمع هذه المياه حتّى تصير نهرا واحدا ويجرى على وجه الأرض فيعرف بالخابور ويقع الى نواحى قرقيسيا وكان عليه لأهل رأس العين نحو عشرين فرسخا قرى ومزارع وكان لهم غير رستاق وناحية كبيرة كثيرة الضياع والأشجار والكروم على هذه المياه الجارية المذكورة وكان لهم أيضا ضياع مباخس وأعذاء فى ضياعها ومزارعها فلم يبق بالقصبة لهم إلّا نويس فى نفسها على ترقّب من الروم والعرب قد لجؤوا الى بعض قصورها وجعلوه حصنا يأوون اليه عند خوفهم، ونهر الخابور المذكور عليه مدائن كثيرة»

قد شكّلتها ووصفتها كمدينة عرابان وهى مدينة لطيفة كثيرة الأقطان وثياب القطن تحمل منها وتجهّز الى الشأم وغيرها وعليها سور صالح منيع ومن ورائه منعة بمن فيه من الرجال واليها سكير العبّاس وهى أيضا مدينة لطيفة فيها غلّات وبها رجال وكذلك طلبان والجحشيّة وتنينير والعبيديّة مدن تتقارب أوصافها وفيها ما له إقليم كبير ورستاق واسع وعمل صالح ودخل وأشجار وكروم وسفر جل موصوف، ومدينة آمد على جبل من غربىّ دجلة مطلّ عليها من نحو خمسين قامة وعليها سور أسود من حجارة الأرحية ويسمّى ذلك السور ميمونا لشدّة سواده [وذلك أنّه من حجارة أرحية الجزيرة] وليس لحجارته فى جميع الأرض نظير ومنها ما يساوى الحجر للطحن به بالعراق من خمسين دينارا الى أكثر وأقلّ وسور خلاط وجامعها وأكثر أبنيتها من

هذه الحجارة وكذلك جامعها غير أنّها أصغر منها وأقلّ سمكا فى عرض وطول، وبآمد مزدرع داخل سورها ومياه وطواحن على عيون تنبع منها وكان لها ضياع ورساتيق وقصور ومزارع برسمها هلكت بضعفهم واقتدار العدوّ عليهم وقلّة المغيث والناصر ولم يبق للمسلمين ثغر أجلّ ولا أمنع جانبا سوره منه وقلّما ينفع السور بغير رجال والسلاح بغير مقاتل وإن دام عليهم ما هم به خيف عليهم لأنّ سلاطينهم أكثر ما يظهر منهم الرغبة فيها إرادة التسمية على منابرها والدعاء لهم بها دون ما يجب لأهل الثغور على الملوك من تقوية بالمال والكراع والرجال والعدّة والعتاد وقلّما بقى ثغر بالمنى أو ينفعه التسمّى على منابره بالألقاب والكنى أو نكى فى عدوّه شىء ممّا يظاهر به أهل زماننا وملوكنا من ذلك لأنّهم بالجمع والمنع فى شغل عن صلاح الرعايا وتأمّل الرزايا وكأنّى به وقد قيل اسلمه أهله أو دخل تحت الجزية من فيه، والله من ورائه دافعا ومانعا، [قال كاتب هذه الأحرف دخلتها سنة أربع وثلثين وخمس مائة ولم يكن بها إلّا بقايا رمق وفيها من الصدور والأجلّاء والرؤساء والمشايخ والفضلاء وأرباب العلم والحكم وأصحاب الفقه والأدب وذوى اليسار والمروءة والإفضال والكرم والنوال ومؤاساة الغريب والقريب جماعة فلم يزل بها جور بنى نيسان وظلمهم وكثرة الاضطهاد والإجحاف والمصادرات والتضييق عليهم ومطالبتهم برسوم ومؤن وضعوها لم تك فيها قبل وتكلفهم ما لا يطاق فألجأهم ذلك الى التشتّت عن الأوطان والبعد عن الأهل والإخوان فخربت بيوتهم وانمحت آثارهم فلم يبق بأسواقها حانوت معمور فضلا أن يقال مسكون ومع ذلك وسمهم بسمة رديّة بحيث كان أحدهم إذا دخل بلدة وقصد ناحية غيّر اسمه وأنكر بلده خوفا على نفسه وصيانة لعرضه ودمه الى أن فرّج الله عمّن بقى بها وافتتحها الملك العالم العادل المؤيّد المظفّر المنصور نور الدين فخر الإسلام أبو عبد الله محمّد بن قرا ارسلان بن داود بن سكمان الارتقىّ خلّد الله دولته وثبّت وطأته وذلك

فى أوّل سنة تسع وسبعين وخمس مائة فأطلق لهم الأبواب ورفع المكوس ومحى تلك الرسوم المذمومة وفعل فعل الأكارم الأجواد الطلّاعين فى الفضل ذروة الأنجاد مغتنما للذكر الجميل والأجر الجزيل والآن قد دبّت الحيوة فى عروق أهلها اليها وإفاضة العدل من مالكها عليها إن شاء الله تعالى وهو الموفّق والمعين]، [وميّافا قين مدينة جليلة عظيمة الخطر عليها سور من حجارة وفصيل وخندق عميق مصطكّة العمارة ضيّقة الأسواق وبها مسجد جامع لا بأس به والفواكه والأشجار والأنهار محتفّة بها وفى هوائها وخامة ما، وماردين حصن حصين منيع لا يرام ولا يقدر عليه مبنىّ على قلّة جبل شاهق فى الهواء وهو مشرف على تلك الجبال شرقا وغربا شمالا وجنوبا لا يدانيه قلّة جبل البتّة وفيه من الذخائر والعدّة والأسلحة ما لا يمكن حصره ومن تحته فى ناحية الجنوب ربض عامر منغصّ بالسكّان ضيّق الأسواق وليس بين أيديهم حائل يمنعهم من النظر الى برّيّة رأس العين والخابور وسنجار ومياههم من عيون مجرورة فى قنوات وقد استحدثوا الآن الصهاريج والبرك ليجمعوا ماء المطر حيث كثر الخلق وازدادت العمارة ولهم الفواكه الكثيرة اللذيذة والكروم الواسعة والهواء الصحيح والرخص، وتحتها فى الصحراء من جانب القبلة على أربع فراسخ منها أو أقلّ موضع يعرف بسوق دنيسر كان قبل هذا قرية يجتمع الناس فى صحرائها كلّ يوم أحد للبيع والشرى فانعمرت الآن عمارة كثيرة واتّخذ بها الخانات والفنادق والحمّامات والأسواق والبيع والشرى يجلب اليها الجهاز من سائر البلدان قد استوطنها الناس من كلّ فجّ عميق وكثر بها الارتفاع والضمانات، وأمّا حصن كيفا فهى قلعة حصينة منيعة ذات شعب مدفونة بين الجبال سوى جانبها المشرف على الدجلة من الجانب الغربىّ عن الدجلة وفيها شعاب وأودية لا يقدر عليها وبين يديها على الدجلة قنطرة عالية حسنة البناء استحدثها الأمير فخر الدين قرا ارسلان بن داود فى عشر خمس مائة وتحتها ربض عامر فيه الأسواق والحمّامات والفنادق والمساكن الحسنة وبناؤهم بالحجر والجصّ ولها رساتيق كثيرة وضياع عامرة وهى وخمة الهواء وبيّة لا سيّما فى الصيف]، وجزيرة ابن عمر مدينة صغيرة لها أشجار وثمار ومياه ومرافق وخصب وعليها سور ولمّا بلغها الروم لم يقفوا عليها وبينها وبين الموصل

ثلثون فرسخا وهى أيضا على شفا جرف بين الخوف والرجاء وبها تجارة دائمة لو تركتها السلاطين وربح ومضطرب لو لم يجر فيها حكم الشياطين والخوارج وهى فرضة لارمينيه وبلاد الروم ونواحى ميافارقين وارزن وتصل منها الى الموصل المراكب مشحونة بالتجارة كالعسل والسمن والمنّ والجبن والجوز واللوز والبندق والزبيب والتين الى غير ذلك من الأنواع وهى أحسن تلك الناحية عمارة وأرجاها سلامة لوفور أهلها وكثرة خصبها وليست كارزن وميافارقين من خلوّ المنازل وعدم الأكرة وأهل الضياع وقلّة الماشية والكراع، والجزيرة متّصلة بجبل ثمنين وباسورين وفيشابور وجميعها فى الجبل الذي منه جبل الجودىّ متّصل بآمد من جهة الثغور وأعالى البلد بأعمال مرعش واللكام وبأسافلها، فلا يبعد من دجلة الى مدينة السنّ التى على شرقىّ دجلة فى حدود جبل بارمّا ويتّصل بجبال شهرزور، والسنّ مدينة لطيفة بينها وبين تكريت بضعة عشر فرسخا عليها سور قد خرب أكثره وفى أهلها جور وشرّ وبينهم حنات وضغائن وليست ببعيدة الخراب، وبينها وبين مدينة البوازيج أربعة فراسخ وهى مدينة على الزاب الصغير من غربيّه يسكنها قوم خوارج الغالب عليهم إيواء اللصوص وفعل القبائح وشرى السرقات وما يأخذه بنو شيبان من قطع الطريق، والى مدينة السنّ مصبّ الزاب الأصغر فى دجلة عن غلوة منها والسنّ مضمومة الى عمل الجزيرة وليس البوازيج منها ولا فى ضمنها لأنّها مذ كانت لمن غلب، وديار مضر فهى من هذه الجزيرة قائمة حدودها وكذلك ديار بكر وديار ربيعة تعرف كلّ ناحية من المجاورة لها بأوصافها وأقطارها وحدودها ومدنها، وأجلّ مدينة لديار مضر الرقّة وهى والرافقة مدينتان كالمتلاصقتين وكلّ واحدة بائنة من الأخرى بأذرع كثيرة وفى كلّ واحدة منهما مسجد جامع وهما على شرقىّ الفرات وكان لهما عمارة وأعمال ورساتيق وكور فقلّ حظّهما من كلّ حال وضعفت بما حمّلها سيف الدولة

تجاوز الله عنه من الكلف والنوائب والمغارم ومصادرة أهلها مرّة بعد أخرى وكانت خصبة رخصة الأسعار حسنة الأسواق وفى أهلها ولاء لبنى أميّة شديد، وفى غربىّ الفرات بين الرقّة وبالس أرض صفّين وبها قبر عمّار بن ياسر وأكثر أصحاب علىّ عليه السلم وصفّين أرض على الفرات مطلّة من شرف عالى السمك [ويرى من كان بالفرات منه عجبا وذلك أنّه يرى قبورا فى موضعين أحدهما أعلى من الآخر ويعدّ فى أحد الموضعين دون العشرة قبور وفى الآخر نحو عشرين قبرا ويصعد الى المكان فلا يرى لذلك أثرا ولا يحسّ منه خبرا وإنّى لأستقبح أن أحكى هذه الحكاية ولكنّى بلغتنى فكذّبتها ثمّ رأيتها فلزمنى حكايتها تصديقا لمن تقدّم بالحكاية الىّ وإن عرّضت نفسى للتهم] على أنّ أكثر من قتل من أصحاب علىّ هناك معروفة قبورهم، [وخبّرنى من رأى هنالك بيتا ينسب أنّه كان بيت مال علىّ بن أبى طالب ﵇]، وحرّان مدينة تلى الرقّة فى الكبر وهى مدينة الصابئين وبها سدنتهم ولهم بها طربال كالطربال الذي بمدينة بلخ عليه مصلّى الصابئين يعظّمونه وينسبونه الى إبراهيم وهى بين تلك المدن قليلة الماء والشجر وزروعها مباخس وكان لها غير رستاق عظيم وكورة جليلة فافتتح الروم أكثرها وأناخت بنو عقيل وبنو نمير بعقوتها وببقعتها فلم يبق بها باقية ولا فى رساتيقها ثاغية ولا راغية وهى مدينة فى بقعة يحتفّ بها جبل مسيرة يومين فى مثلها وجميعها مستواة، ومدينة الرها فى شمال هذه البقعة وكانت وسطة من المدن والغالب على أهلها النصارى وبها زيادة على ثلثمائة بيعة ودير ذى صوامع فيه رهبانهم وبها البيعة التى ليس للنصرانيّة أعظم ولا أبدع صنعة منها ولها مياه

وبساتين وزروع كثيرة نزهة وهى أصغر من كفرتوثا وكان بها منديل لعيسى بن مريم فخرج نقفور فى بعض خرجاته ونزل بهم وحاصرهم وطالبهم به فسلّموه اليه على هدنة واقفوه على مدّتها، [وهذه البيعة قد خرب أكثرها ولم يبق منها إلّا الطاق الأعظم فى تأريخ ثمانين وخمس مائة]، وجسر منبج وسميساط مدينتان نزهتان ذواتا مياه وبساتين ومباخس وأشجار وهما عن غرب الفرات فى حال اختلال ورزوح حال، وأمّا قرقيسيا فمدينة على الخابور ولها بساتين وأشجار كثيرة وفواكه وهى فى نفسها نزهة ويجلب من فواكهها وفواكه الخابور الى العراق فى الشتاء وإن كان الاختلال قد شابها وبينها وبين مدينة الخانوقة يومان وهى مدينة لطيفة رزحة الحال وقتنا هذا [ابتناها ملك بن طوق صاحب الرحبة]، ورحبة ملك بن طوق أكبر منها وهى كثيرة الشجر والمياه فى شرقىّ الفرات وقد عراها الاختلال وهى ذات سور صالح ولها نخيل وثمر وسقى كثير من جميع الغلّات، وهيت مدينة وسطة عن غربىّ الفرات وعليها حصن وهى أعمر المدن المتقدّم ذكرها وتحاذى تكريت فى الحدّ الغربىّ من العراق وتكريت فى شمال العراق وبهيت قبر عبد الله بن المبارك الزاهد العابد الأديب، والانبار بلد السفّاح وكانت داره التى يسكنها عامرة آهلة كثيرة النخل والزروع الجيّدة والثمار والأسواق الحسنة على شرقىّ الفرات فتغيّرت وخربت ومنها أبو بكر بن مجاهد صاحب القراآت ومن لم يساوه فى القراآت أحد ونجم منها غير رئيس فى صناعة الكتابة والفقه والعلم، وبالجزيرة برارىّ ومفاوز وسباخ بعيدة الأقطار تنتجع

لامتيار الملح والأشنان والقلى وكان يسكنها قبائل من ربيعة ومضر أهل خيل وغنم وإبل قليلة وأكثرهم متّصلون بالقرى وبأهلها فهم بادية حاضرة فدخل عليهم فى هذا الوقت من بطون قيس عيلان الكثير من بنى قشير وعقيل وبنى نمير وبنى كلاب فأزاحوهم عن بعض ديارهم بل جلّها وملكوا غير بلد وإقليم منها كحرّان وجسر منبج والخابور والخانوقة وعرابان وقرقيسيا والرحبة فى أيديهم يتحكّمون فى خفائرها ومرافقها، والزابيان نهران عظيمان كبيران إذا جمعا كانا كنصف دجلة وأكثر وهما من شرقيّها ومخرجهما من الجبال التى بين نواحى اذربيجان متسرّبة من أقتار ارمينيه ونواحى اذربيجان من جنوبيّها وبين ذين النهرين مراع كثيرة وبلاد كانت الضياع بها ظاهرة والسكّان بها الى عن قريب على حال صالحة وافرة فتكاثرت عليهم البوادى واعتورتهم الفتن فصارت قفارا من السكّان يبابا بعد العمران وهى فى الشتاء متشاتى للأكراد الهذبانيّة ومصائف لبنى شيبان، ومدينة تكريت على غربىّ دجلة وأكثر أهلها نصارى مطلّة على جبل عظيم شاهق وعلى ظهر هذا الجبل منها الموضع المعروف بالقلعة وكانت حصنا ذا مساكن ومحالّ يشملها سور حصين وهى قديمة أزليّة وتجمع سائر فرق النصارى وبها من البيع والأديرة القديمة التى تقارب عهد عيسى عليه السلم وأيّام الحواريّين لم تتغيّر أبنيتها وثاقة وجلدا ومن أعظم بيعة بها محلّا وأقدمها بيعة الخضراء، وأبنيتهم بالجصّ والحجر والآجرّ والحصى، ومن أسفل تكريت يشقّ نهر الدجيل الآخذ من دجلة على بعض مساكن تكريت وفى فنائها مارّا الى سواد سرّ من رأى فيعمره الى بغداذ، وعانة مدينة صغيرة فى وسط الفرات يطوف بها خليج من

الفرات وبالفرات غير مدينة كهى فى جزيرة قد أحاط بها الماء وقرية حسنة ذات شجر ومساكن وجامع ومن ذلك القغنبى والعبدلية والنهية وتقارب أصاغر المدن فى الحال وتلتفّ مشاجرها بالنخيل والكروم والحديثة ولها جامع وأسواق وتانئة وأهل لهم عدد وألوس وهى دونها ولها جامع وسوق والخزانة وتقارب ألوس فى الحال وهذه المدن وإن كانت فى الماء وقد أحاط بها فلها مزارع وقرى وأكرة وقصور من جانبى الفرات يكثر خيرها ويبين على أهلها نفعها وريعها، والدالية مدينة صغيرة بشطّ الفرات عن غربيّه وبها أخذ صاحب الخال الخارج بالشأم على بنى العبّاس، وجبل الجودىّ بقرب الجزيرة وفيه القرية المعروفة بثمنين التى يقال أنّ سفينة نوح عليه السلم استقرّت عليه لقوله تعالى واستوفت على الجودىّ، [ويتّصل هذا الجبل كما ذكرت بالثغور باللكام ويقال أنّ جميع من كان مع نوح عليه السلم فى السفينة ثمانون رجلا فبنوا هذه القرية ولم يعقب منهم أحد فسمّيت باسم عددهم]، وحصن مسلمة فإنّ مسلمة بن عبد الملك اتّخذه وكانت طائفة من بنى أميّة تسكنه من تلقاء الفرات وفى حاجره وكان شرب أهله من السماء وأرضه مباخس، وتلّ بنى سيّار مدينة كانت صغيرة وكان أكثرها للعبّاس بن عمرو الغنوىّ وقومه فخربت فى مدّة أدركتها ثمّ عمرت وقد عادت الى الخراب حالها بعد أن تراجع اليها أهلها وهى على مرحلة من رأس العين واتّصل خراب تلّ بنى سيّار بخراب باجروان وكانت منزلا

خصبا نزها واسعا وكانت عن منكب طريق حرّان الى الرقّة، وسروج رستاق له مدينة خصبة تعرف بسروج عن شمال طريق حرّان الى جسر منبج حصينة ذات سور كثيرة الأعناب والفواكه والزبيب ويعمل من زبيبها لكثرته الربّ ويتّخذ منه الناطف وهى من حرّان على يوم، وهذه جمل أخبار الجزيرة وأوصافها وجميعها قد تغيّرت آثارها وانتقلت أحوالها الى النقص والاستحالة،

النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صورة الأرض»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.