تجاوز إلى المحتوى

من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)

ارمينيه واذربيجان والران

فلنرجع الى حدّ بلد الروم غربا فنصف ما صاقبها الى آخر الإسلام فى حدّ المشرق، والذي أبتدئ به ارمينيه والران واذربيجان وقد جعلتها إقليما واحدا لأنّها مملكة إنسان واحد فيما شاهدته سائر عمرى وما نقلت الأخبار به لمن تقدّمنى كابن أبى الساج ومفلح غلامه وديسم ابن شاذلويه والمرزبان بن محمّد المعروف بالسلّار آنفا وسالفا لمثل الفضل ابن يحيى وعبد الله بن مالك الخزاعىّ وغيرهما، والذي يحيط به ممّا يلى المشرق فالجبال والديلم وغربىّ بحر الخزر والذي يحيط به ممّا يلى المغرب حدود الارمن واللان وشىء من حدود الجزيرة والذي يحيط به من جهة الشمال فاللان وجبال القبق والذي يحيط به من الجنوب حدود العراق وشىء من حدود الجزيرة، وهذه صورة ارمينيه واذربيجان والران، إيضاح ما يوجد فى صورة ارمينيه واذربيجان والران من الأسماء والنصوص، قد كتب فى أعلى الصورة صورة ارمينيه واذربيجان والران وعن يسار ذلك فى الزاوية الشمال، ورسم فى أعلى القسم الأيمن البحر وعلى ساحله الباب ثمّ الشابران، وتبتدئ من عند الباب سلسلة جبال آخذة الى اليسار وكتب موازيا لطرفها الأعلى نواحى اللان وجبل القبق والسرير وما جاور ذلك من الأمم، ويتّصل بالجانب الأسفل من المدن

اللايجان، قبيصى، شكى، قبله، ورسم من أسفل ذلك نهر الكر الذي ينصبّ فى البحر وتقع على هذا النهر متّصلة بالجبل مدينة تفليس ثمّ برداج ويأخذ طريق من الشابران على مدينتى شروان والشماخيه الى برداج ثمّ الى برذعه، ويأخذ من برذعه طريق آخر الى تفليس عليه جنزه، شمكور، خنان، القلعة، وكتب فى هذه الساحة الران، وحدّ ناحية الران من أسفلها نهر الرس وعليه مدينة ورثان، وتقع عن يمين ورثان قرب النهر برزند والطريق الآخذ من برذعه الى برزند يمرّ بعدها على اردبيل والميانج والخونج الى زنجان، وكتب فى الساحة تحت نهر الرس اذربيجان وفى قسم من البرّ داخل فى البحر عند منتهى هذه الكتابة موقان، وكتب من تحت ذلك على خطّ عاطف فى الساحة بين البحر والجبل الجيل وتحت ذلك الديلم، وتتّصل بالجبل من أسفل تلك الكتابة مدينة الدينور، ويقع عن يسار اردبيل جبل كتب عنده هذا جبل سبلان، ويأخذ من اردبيل طريق الى اليسار على ميمذ واهر وورزقان الى دبيل وتتّصل دبيل بجبل كتب عنده جبلى الحارث والحويرث وتتّصل بهذا الجبل عن يمينه مدينة نشوى، وكتب فى الساحة عن يمين الجبل ارمينيه، ويأخذ من اردبيل طريق الى مدينة بدليس المتّصلة بالقسم الأسفل من الجبال وعلى هذا الطريق من المدن سراه، المراغه، داخرقان، تبريز، سلماس، خوى، بركرى، ارجيش، خلاط، وتقع بين المراغة وورزقان مدينة مرند، وكتب عند المراغة بغير خطّ الناسخ رصد هولاكو استحدثه سنة سبع وخمسين وستّمائة، ورسمت من أسفل ذلك بحيرة كبوذان وفى جانبها الأسفل مدينة ارميه ثمّ من تحتها اشنه وعن يسارها شكل مدينة لا اسم فيها، وتقع عن يمين البحيرة بينها وبين الميانج مدينة جابروان، وتقع من أسفل الخونج مدينة تبريز، ورسمت عن يمين بدليس بينها وسلسلة الجبال بحيرة خلاط وكتب تحتها ناحية وان ووسطان، وتقع عن يسار ذلك فى الجبل مدينة ارزن وعن يسارها خارج الجبل ميافارقين وكتب تحتها فى الزاوية المغرب، ويشقّ الجبل فى أسفل

الصورة نهران هما الزاب الكبير والزاب الصغير، وتقع عن يمين الزاب الصغير مدينتا سهرورد وشهرزور، وكتب فى الزاوية اليمنى من الصورة الجنوب، وأكمل هذه النواحى اذربيجان وأكبر مدنها اردبيل وأجلّها وإن كانت فى وقتنا قد رزحت أحوالها لأنّ بها المعسكر ودار الإمارة والدواوين وهذه مدينة [تكون] أعمالها ثلثين فرسخا فى مثلها والغالب على أبنيتها الطين والآجرّ، وكان عليها سور منيع فهدمه المرزبان بن محمّد بن مسافر السلّار عندما نقم على أهلها بمنعهم ديسم بن شاذلويه بها فى سنة إحدى وثلثين فإنّه عمل عليهم فى شرطهم الذي شرطوه استثناء استحلّ به هدمه فهدمه بأيدى تجّارها وأربابها وكان الرجل الجليل فى نفسه الواسع الحال فى ملكه يأتى بثيابه الحسنة التى كان يباشر بها بيعه من بزّ أو عطر أو غير ذلك ويأخذ المعول فيهدم ونظيره من التجّار يحمل ما يهدمه من تراب وحجارة فى طيلسانه وإزاره أو فى ردائه من غير أن أطلق لهم حمله أو أوسع أحدا فى نقله بغير ثيابهم التى كانوا يتجمّلون بها ويتباهون بلبوسها من فاخر المروىّ والمنيّر حتّى اكتسح جميعه وانتسف أثره بعد فقرهم بأخذه لأموالهم والمبالغة فى مطالباتهم وتشتيتهم من بعد ذلك فى الأقطار وتمزيقهم فى الجبال والقفار، وذلك أنّهم كانوا من أسباب العيارة وطرق التمرّد وذكرهم للشطارة بحال لا يكترثون بالسلطان معتصمين بالشيطان معتكفين على البلاء والعصيان وكانت أموال السافرة بينهم منهوكة وتعمهم منهوبة ودماؤهم مراقة مطلولة، ولقد أخبرنى غير إنسان أنّه سأل القصّاب منهم أن يعطيه من الشاة مكانا آثر أخذه من جملة ما يعطيه فقطع من رداء المشترى قطعة وتركها مع اللحم فى كفّة الميزان وآخر قطع من كمّه وآخر

من منديله تمرّدا وطغيانا وجرءة على الله تعالى وعصيانا فأدال الله منهم بعد ما أملى لهم وحلم عنهم فهى كالعليلة فى وقتنا هذا قياسا الى ما كانت عليه وبه من العمارة وكثرة التجارات بالسيّارة، وهى مدينة خصة وأسعارها رخيصة ولها رساتيق وكور جليلة ولها جبل صعوده ونزوله نحو ثلثة فراسخ يسمّى سبلان عظيم رفيع شامخ مطلّ عليها من غربيّها لا تفارقه الثلوج صيفا ولا شتاء، وهى مدينة لها أنهار جارية وأبآرها طيّبة عذبة وأكثر الأوقات خبزها بالعدد خمسون رغيفا بدرهم ولحمها بمنّها منا ونصف بدرهم والعسل والسمن والجوز والزبيب وجميع المآكل رخيصة كالمجّان وأكثر البلدان المشار اليها بالرخص دونها فى رطوبة الحال من وجود سائر المطلوبات، ويلى اردبيل فى الكبر المراغة وكانت فى قديم الأيّام المعسكر ودار الإمارة وخزانة دواوين الناحية بها فنقل أبو القسم يوسف بن الداوداذ بن الداودشت ذلك الى اردبيل لتوسّطه لجميع البلد على أنّ المراغة مدينة نزهة كثيرة البساتين والأنهار والمياه والفواكه الحسنة والخيرات والغلّات من جميع الجهات الى كثرة الرساتيق والزروع ووفور الحظّ من جميع ما تشتمل عليه الأمصار مضاف الى ذلك سيادة رجالها وكثرة تنّائها ومشايخها، وبقرية من قراها تعرف باردهر بطّيخ ينسب اليها ويقال له الاردهرىّ مستطيل الخلق قبيح المنظر غاية فى الحلاوة وطيب الطعم يضاهى بطّيخ خراسان الموصوف، وكان على المراغة سور خرّبه يوسف بن أبى الساج فى نحو ما خرّب السلّار سور اردبيل، [وتبريز مدينة حسنة عامرة منغصّة بالخلق كثيرة الخيرات فيها الأسواق الكثيرة والبيع

والشرى وهى قصبة اذربيجان اليوم أعمر مدينة بها، وخوى مدينة وسطة غير أنّها عامرة آهلة كثيرة الخيرات والفواكه والبساتين وعليها سور منيع من الآجرّ وأهلها ألطف طباعا من أهل تبريز، وسلماس مدينة وسطة أيضا عامرة كثيرة الأهل والفواكه وعليها سور منيع من الحجارة]، ويلى المراغة فى الكبر ارميه وهى مدينة نزهة كثيرة الكروم والمياه الجارية فى المدينة والضياع والرساتيق وافرة الحظّ من التجارات والغلّات وبينها وبين المراغة بحيرة كبوذان والمراغة من شرقىّ البحيرة وارميه من غربيّها ولها رساتيق واسعة ونواح خصبة، وفى ضمن ارميه ومضاف الى عملها مدينة اشنه وهى أيضا مدينة كثيرة الشجر والخضر والخيرات والفواكه والخصب والأعناب والمياه الجارية متوفّرة القسم غزيرة القسط من سائر ما خصّت به ارميه والمراغة من رفق باديتها والتفاف الخيرات بها من جهة أكرادها الهذبانيّة وبها يصيفون وإيّاها ينتجعون وبها جميع ما يملكون ويدّخرون وبها أسواق للتجّار فى أوقات من السنة مربحة وبيوع حادّة وأرباح وافرة ويجلب منها ومن سوادها الأغنام والدوابّ والعسل واللوز والجوز والشمع وما جانس ذلك من ضروب المتاجر الى بلد الموصل [ونواحى بلد الجزيرة من الحديثة] وغيرها، والميانج والخونج وداخرقان وخوى وسلماس ومرند وتبريز وبرزند وورثان وموقان والبيلقان والجابروان فهى مدن صغار متقاربة فى الكبر والاقتصاد، وكذلك نواحى أبى الهيجاء ابن الروّاد من اهر وورزقان فجميع ذلك مخصوص بالشجر معموم بالخيرات والثمر لم يعر من خيرها مكان دون مكان الى أنهار وبساتين وثمار ورياحين وعمارة تامّة بالكراب

والفلّاحين مفعمة بالخيرات مملوؤة بالبركات فواكههم كالباطل ومأكلهم كالمجّان، وكانت داخرقان وتبريز الى اشنه الاذريّة وما يحتفّ بها تعرف ببنى الردينىّ خطّة لهم وأملاكا لم تزل بعزّ السلطان من الاعتراضات سليمة حتّى إذا فسد الزمان وهلك السلطان وتحيّف الجيران فهى لمن غلب وكان آل الردينىّ من العرب فأتى عليهم الدهر ومشى فيهم الزمان بالغلبة والقهر فعفّى آثارهم وترك اليسير من أخبارهم، [وأمّا دوين فمدينة كبيرة كثيرة الخيرات والبساتين والفواكه والزروع وعليها سور من طين وفيها عيون ومياه جارية والغالب على زروعهم الأرزّ والقطن وقد اختلّ أحوال أهلها فى زماننا هذا بمجاورتهم للكرج فإنّهم نهبوا المدينة وأحرقوها وفى كلّ وقت يجدون فرصة يشنّون عليهم الغارات والآن فقد عمّروا فى وسط المدينة المسجد الجامع وسوّروه بسور آخر وحوله خندق وفيه عين ماء فى وسط المسجد يلتجئون اليه حين يفجأهم عسكر الكرج وبينها وبين الرس نحو فرسخين،] ومدينة برذعه فهى أمّ الران وعين تلك الديار لم تزل على قديم الزمان كبيرة وتكون نحو فرسخ طولا فى أقلّ منه عرضا وكانت من النزهة والخصب وكثرة الزرع والثمار والأشجار والأنهار بحال سنىّ ومحلّ سرىّ هنىّ، ولم يكن بين العراق وطبرستان بعد الرىّ واصبهان مدينة أكبر منها ولا أخصب ولا أحسن موضعا ومرافق وأسواقا الى فنادق وخانات ودور وحمّامات وأموال وتجارات [فاختلّ حالها بمجاورة الكرج لها] قد حلّها ما حلّ بغيرها من رغبة السلاطين وتوسّط الكتّاب المتمرّدين من استحلال المحظور لأموال أهلها وقصد أربابها بالمصادرات والمطالبات بغرائب العدوان فى الجبايات فواها لها ولأهلها، ولقد بلغنى أنّها وقتنا هذا من سوء الحال واختلال الأسباب بما أصارها الى أنّ جميع من يخبز بها خمسة خبّازين ولقد كان بها منهم أكثر من ألف ومائين، وكان منها على

أقلّ من فرسخ ناحية بموضع يدعى الاندراب ما بين كزنه وتصوب من أنزه مكان رأيته وأقطاره أكثر من مسيرة يوم فى مثله مشتبكة البساتين والعمارات طيّبة المنتزهات والباغات ولها فواكه كثيرة وغلّات خطيرة ومتاجر عظيمة ومرابح جسيمة ومقاصد قريبة وكانت لمّا رأيتها كالمشمّة حسنا تشتمل أجنّتها على البندق والشاه بلّوط ونادر الفواكه فى غريب المطاعم والمآكل الى نوع كان بها من الفاكهة يسمّى الروقال فى تقدير كبار الغبيراء وله نواء حلو الطعم إذا أدرك لذيذ وبه عفوصة قبل أن يدرك ويستدرك، وببرذعه تين يحمل من تصوب يفضل على ما كان من جنسه، ويرتفع بها من الإبريسم شىء عظيم جسيم كثير غزير وذلك أنّ توتهم مباح لا مالك له ولا يباع ولا يشترى فأكثرهم لهذه الحال يربّى الدود ويتّخذ القزّ ويجهّز عنهم الى فارس وخوزستان منه جهاز كثير مربح، وبرذعه من نهر الكرّ على نحو ثلثة فراسخ وفى نهر الكرّ السمك المعروف بالسرماهى ويكون فى نهر الرسّ منه بورثان وغيرها ما يحمل منه الى اردبيل والرىّ والعراق لطيبه ولذّته ويستهدى من أهلها وتجّارها، وفى الكرّ والرسّ أيضا سمك يعرف بالدراقن وقلّمن يثبت لأكله من شدّة سمنه وفيهما القشوبة سمك فى غير صوريهما وهو لذيذ، ومن أبواب برذعه باب يعرف بباب الأكراد على ظاهره سوق يعرف بسوق الكركىّ مقداره فرسخ ويجتمع فيه الناس كلّ يوم أحد وينتابونه من كلّ مكان وأوب ويجتمع فيه أهل القرى حتّى يكاد يدانى سوق كورسره وقد غلب اسم السوق على اسم اليوم لدوامه وقولهم يوم الكركىّ حتّى أنّ كثيرا منهم إذا عدّ أيّام الجمعة قال الجمعة والسبت والكركىّ والاثنين يريد بالكركىّ الأحد، ولهم مسجد جامع حسن فسيح وفيه بيت مال الناحية

كالذى اتّخذه بنو أميّة بمصر وغيرها وهو من عملهم وأسواق بردعه فكانت فى ربضها منغصّة مرصّصة وفيما بين ذلك فنادقهم وخاناتهم وحمّاماتهم عامرة اهلة وبعد أن دخلها الروسيّة فى غاية الانتظام والتمام، [فاختلّ حالها بمجاورة الكرج لها، وجنزه مدينة حسنة كثيرة الخير عامرة بعمارة تامّة منغصّة بالخلق وأهلها ذوو مروءة وأخلاق طيّبة مرضيّة ومجاملة ومحبّة للغرباء وأهل العلم]، ومدينة باب الأبواب مدينة على بحر الخزر فى وسطها مرسى للسفن وفى هذا المرسى الخارج من البحر اليها بناء قد بنى كالسدّ بين جبلين مطلّين على ماء هذا المرسى الخارج ماؤه من بحر الخزر وفى هذا السدّ باب مغلق على الماء قد استحكم من وصيده بعقد قد عقد على نفس الماء والماء من تحته وللسفن مدخل مقلوب من ناحية بابه وعلى فم المدخل الذي تدخل فيه السفن سلسلة ممدودة [كالتى] بصور وبيروت بالشأم وعلى خليج القسطنطينيّة وعليها قفل لمن ينظر فى أمر البحر فلا يخرج المركب ولا يدخل إلّا بأمر صاحب القفل والسدّ من صخر ورصاص وبحر الخزر بحر طبرستان، ومدينة الباب أكثر من اردبيل زروعا وثمارها قليلة إلّا ما يحمل اليهم من النواحى وهذه مدينة عليها سور منيع من حجارة وآجرّ وطين وهى فرضة بحر الخزر والسرير واللان وسائر بلدان طبرستان وجرجان وبلدان الكفر والديلم، ويرتفع منها ثياب كتّان فى عروض الأبدان وليس بالران وارمينيه واذربيجان ثياب كتّان إلّا

هناك وبها زعفران كثير ويقع اليها رقيق كثير من سائر دور الكفر المصاقبة لها، وتفليس مدينة دون باب الأبواب فى الكبر وعليها سوران من طين ولها ثلثة أبواب وهى خصبة حصينة كثيرة الخيرات رخيصة الأسعار يزيد رخاؤها على سائر البلدان الراخية والنواحى الرفهة والخصبة ولقد ذكر بعض من اشترى بها العسل [ذات يوم أنّه اشتراه على] نحو عشرين رطلا بدرهم، وهى ثغر جليل كثير الأعداء من كلّ جهة وبها حمّامات كحمّامات طبريّة ماؤها سخين من غير نار، وهى على نهر الكرّ ولها فيه عروب يطحن فيها الحنطة كما تطحن عروب الموصل والرقّة وغيرهما فى الدجلة والفرات، [والآن فهى بيد الكرج أخذوها فى العشر الأخير من سنى خمسمائة وملك الكرج مع كفره يراعى أهلها ويمنع جانبهم من كلّ أذيّة وشعار الإسلام بها قائمة كما كانت ومسجد الجامع ممنوع من كلّ دنس يوقده الملك بالشمع والقناديل وما يحتاج اليه والأذان فى جميع مساجدها يجهر لا يعرض لهم أحد بسوء البتّة وقد اختلط الآن المسلم والكرجىّ،] وأهلها قوم فيهم سلامة وقبول للغريب وميل الى الطارئ عليهم وأنس بمن له أدنى فهم وانتساب الى شىء من الأدب وهم أهل سنّة محضة على المذاهب القديمة يكبّرون علم الحديث ويعظّمون أهله مع أنّى لقيت جماعة وغير ثقة فاضل ممّن طرأ اليها وأقام بها السنة والأكثر مصطلحين على أنّه لم يبت أحد منهم فى منزله بوجه ولا قدر على ذلك، ولقد تبيّنت من رغبتهم فى ذلك وحرصهم عليه أنّى دخلتها وقد آليت أن لا آكل لإحد بها طعاما إيثارا لأن أملك نفسى وأنقطع الى ما هو أولى بى من حوائجى فعقد لى مجلس للمناظرة على هذه اليمين فى دار أميرها وحضر القاضى ابن سميع فابتدأ دونهم فقال

ايّدك الله إنّ المأكول فى بلدنا أقلّ من أن نكرهك على أن تناله من غير مالك وأنت تنال منه باليسير فى دورنا إذا تكلّفه لك خدمنا من صلب مالك ما لا يقصّر بمشيّة الله عمّا ألفته أو تربحنا الثواب بخدمتك وليس لك أن تنقض لنا سيرة ولا تغيّر لنا سنّة فإنّا مذ أدركنا شيوخنا نسمع تفاوضهم أنّه لا يجوز أن يبيت غريب ببلدنا فى منزله ولا خادم له إن كان واحدا اللهمّ إلّا أن يكونوا من الكثرة بحال من يؤنس بعضهم بعضا وقلّما تركوا برأيهم حتّى ربّما حصل المالك لرقابهم بمكان وهم معه أو بمكان غير المكان الذي هو فيه يؤنسون ويأنسون، ولست تخلو من أن تكون موضعا ممّن تستفيد العلم أذا وجدته مع قيّم به أو تكون بصورة من يستفاد منه ويرغب فيما عندك أو ممّن لا يرغب فيه إذا وجده عند أهله ولا لديه منه ما يرغب فيه وإذا كنت بإحدى الخلّتين لأخيرتين فالرحيل عنّا بك أولى وراحتنا من النظر اليك أحسن والينا أشهى وقد ثقلت على قلوبنا، وبعد فأيمان البيعة يلزمنى حنثها لتكفّرنّ عن يمينك فى يومنا هذا تسليما للحديث المروىّ عن النّبيّ صلّى الله عليه أو لأكفّرنّ عنك، يا بنىّ امض الى بابه فاسمر عليه بإذن الأمير بخشبة وثيقة واطبع عليها بخاتمى ووكّل الجيرة بمراعاتها ولا تطلق له أيّده الله الدخول اليها إلّا بعد رأينا ومطالعتنا [والسلام]، وحيل بينى وبين رحلى وما كان معى فكنت عنده ليلتين وعند غيره ليلة مبرورا وبضاعتى فى خلال ذلك تباع وما يدعوهم اليه حسن النظر ممّا عاد بصلاحى يشترى حتّى قضيت جميع حوائجى وأبو بكر القنّاد مطّلع على جميع ذلك الى أن قال لى ذات يوم تحبّ العود الى جرجان فقلت لو وجدت الى ذلك وسيلة أو كان لى فيه حيلة فقال وما يمنعك وأطلعنى على الصورة فبقيت باهتا ساكتا فقال ما لى أراك وكأنّك لا ترانى فقلت يا ويحك هذا يشبه حديث إسحاق بن إبراهيم

الموصلىّ مع يحيى بن خلد وكنت قد حدّثتهم به فقال يشهد الله لقد استربت غير وقت بذلك الحديث ولقد أرانى فعل هؤلاء بالإمكان والقدرة على ما يتوخّونه وقلّة الحفل بما يتولّونه أنّ ذلك الحديث حقّ لا يشوبه كذب وصدق لا يتخوّنه إفك لأنّهم لا يلزمهم فيما يتولّونه ويفعلونه كلفة سوى الأمر به وكذلك ما كانت البرامكة تفعله وتأتيه من غير كلفة سوى الأمر به لنفوذ أوامرهم واتّساع أحوالهم، وليس بالران مدينة أكبر من برذعه والباب وتفليس فأمّا البيلقان وورثان وبرديج والشماخية وشروان واللايجان والشابران وقبله وشكى وجنزه وشمكور وخنان »

فهى ممالك صغار ومدن لطاف متقاربة فى الكبر خصبة واسعة المرافق، وأمّا دبيل ونشوى فإنّ دبيل مدينة [أكبر من اردبيل وهى أجلّ ناحية وبلدة بارمينية الداخلة وهى قصبة ارمينية] فيها دار الإمارة منها دون جميع نواحى ارمينيه كما أنّ دار الإمارة بالران ببرذعه وباذربيجان باردبيل وعليها سور والنصارى بها كثيرة ومسجد جامعها الى جنب البيعة كمسجد حمص فى مشاركة البيعة ومصاقبتها وملاصقتها، ويرتفع بها ثياب مرعزّى وصوف من بسط ووسائد ومقاعد وأنماط وتكك وغير ذلك من أصناف الأرمنىّ المصبوغ بالقرمز وهو صبغ أحمر يصبع به المرعزّى والصوف وأصله من دود ينسج على نفسه كدودة القزّ إذا نسجت على نفسها القزّ ويرتفع منها بزيون كثير فأمّا بزيونهم فله نظير كثير فى بلد الروم وإن كان فى نفسه مرتفعا، وأمّا ما يعرف من عملهم بالأرمنىّ من

البتوت والمقاعد والبسط والستور والأنخاخ والمساور والوسائد والأنماط فلا نظير لها فى شىء من الأرض بوجه من الوجوه والأسباب كلّها، وكانت فى قديم الأيّام لسنباط بن اشوط ملك الأرمن قاطبة ولأجداده ولم تزل فى أيدى الكبراء منهم فأزالها أبو القسم يوسف بن أبى الساج [عنهم] وأخرجها من أيديهم وبأيديهم عهود للصدر الأوّل بإقرارهم على حالهم وأخذ الجزية منهم على ما جرت به مقاطعتهم وكانوا بنو أميّة وبنو العبّاس قد أقرّوهم على سكناتهم ويقبضون الرسوم عليهم من جباياتهم فتحيّفهم وقصدهم فلم يفلح بعد عذرهم ولا ارتفعت له راية الى اليوم، والغالب على ارمينيه النصرانيّة وللسلطان عليهما كالخراج فى كلّ سنة وكأنّهم اليوم فى عهد على حسب ما كانوا عليه بغير حقيقة تطرّقهم السلاطين المجاورون لهم فيسبونهم ويؤذونهم ويحقرون ذمّتهم وكان رقيقهم لا يباع ببغداذ وأدركته كذلك الى سنة خمس وعشرين وثلثمائة ولا يجيزه أحد لأنّهم فى ذمّة معروفة ومعهم غير عهد، وهما ارمينيتان فإحداهما تعرف بالداخلة والأخرى بالخارجة وفى بعض الخارجة مدن للمسلمين وفى أيديهم لم يزل يليها المسلمون وقد قوطع عليها الأرمن فى غير وقت وهى لملوك الإسلام كارجيش ومنازجرد وخلاط، وحدودها ظاهرة فحدّها من المشرق الى برذعه ومن المغرب الى الجزيرة ومن الجنوب الى اذربيجان ومن الشمال الى نواحى بلد الروم من جهة قاليقلا وكانت قاليقلا فى وسط بلد الروم ثغرا عظيما لأهل اذربيجان والجبال والرىّ وما والاها وهى مدينة الداخلة، [وقد تقدّم أنّهما ارمينيتان فالداخلة دبيل ونشوى وقليقلا وما والى ذلك من الشمال] والخارجة بركرى وخلاط وارجيش ووسطان والزوزان وما بين ذلك من البقاع والقلاع والنواحى والأعمال،

ولهم مدخل الى بلد الروم يعرف باطرابزنده وهى مدينة يجتمع فيها التجّار من بلد الإسلام فيدخلون منها الى بلد الروم للتجارة ويخرجون بها ويخرج اليها لسان من خليج القسطنطينيّة المارّ الى البحر المحيط ولمتملّك الروم على صاحبه المقيم باطرابزنده فى وقتنا هذا مال جسيم وضمان عظيم كان فى الوقت الأوّل دونه بكثير وقد تقدّم ذكر ذلك فى أضعاف ذكر بلد الروم وأكثر ما يخرج الى الإسلام وبلده من الديباج والبزيون وثياب الكتّان الرومىّ وثياب الصوف والأكسية الروميّة من اطرابزنده، وليس بين نشوى وبركرى وخلاط ومنازجرد وبدليس وقاليقلا وارزن وميافارقين [وسروج] كبير تفاوت لأنّ مقاديرها تتقارب [إلّا أنّ خلاط قد عمر خارج المدينة مثل ما هى أضعافا مضاعفة وأهلها ذوو مال ويسار وبها اليوم المتاجر والأسواق الجادّة ومقصد التجّار والغالب على أخلاق أهلها الشراسة وبغضة للغريب،] ولا تشبه دبيل فى العظم والكبر منها شىء وهى بأجمعها خصبة عامرة كثيرة الخير وقد نالها من برسام زماننا ما نال سائر الأقاليم باختلال أحوال السلطان وتغيّر أهل الزمان، وأكثر العلماء بحدود النواحى يرون أنّ ميافارقين من ارمينيه وقوم يعدّونها من أعمال الجزيرة وهى من شرقىّ دجلة وعلى مرحلتين منها فلذلك تحسب من ارمينيه، وبهذه البلاد وفى أضعافها من التجارات والمجالب وأنواع المطالب من الدوابّ والأغنام والثياب المجلوبة الى النواحى والفرش والتكك الأرمنيّة الرفيعة والمقاربة [التى تعمل بسلماس تباع التكّة من دينار الى عشرة دنانير ولا نظير لها فى سائر الأرض] والمقاعد الأرمنىّ المحفور بمرند وتبريز والأنخاخ ما يقلّ

نظيره ولا يوجد ككثرته وجودته وكذلك السبنيّات والمقارم والمناديل المعمولة بميافارقين وبمواضع من ارمينيه، فأمّا الأنهار بهذه البلاد التى تجرى فيها السفن فنهر الكرّ وهو نهر كبير ويكون كالزابى الأصغر الخارج الى دجلة وكجيحان والبردان فى أرض الثغر ونهر الرسّ وهما متقاربان فى غزر الماء وكثرته، ونهر سبيذروذ الذي بين اردبيل وزنجان فنهر يصغر عن جرى السفن فيه، والكرّ نهر عذب مرئ خفيف يخرج من ناحية جبل القبق على حدود جنزه وشمكور مقبلا من ناحية تفليس وقبل [أن] يمرّ عليها يمرّ على قلاع فى بلدان الكفر منصبّا الى بحيرة الخزر على نواحى برذعه، ونهر الرسّ أيضا نهر عذب خفيف طيّب يخرج من نواحى ارمينيه الداخلة حتّى ينتهى الى باب ورثان ثمّ يمرّ فيقع بعضه فى الكرّ وبعضه فى بحيرة طبرستان وهو الرسّ الذي ذكر الله تعالى ما فعل بقومه وهو إذا تأمّله المتمكّن منه ومرّ على جانبيه من مدينة ورثان صاعدا ونازلا رأى عليه آثار مدن قد قلبت وخسفت وهوّر بعضها وقلب أعاليها أسافلها وهى فى أقبح مرأى ومنظر تصديقا لقوله وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكلّا ضربنا له الأمثال وكلّا تبّرنا تتبيرا، والبحيرة التى باذربيجان بين المراغة وارميه وتعرف بكبوذان مالحة الماء وليس فيها دابّة ولا سمك وفيها مراكب كثيرة تختلف بالتجارة بين البلدان وأعمال تبريز وداخرقان وحواليها من جميع جهاتها عامر ما استدارت قرى ورساطيق وبين ارميه وبينها فرسخان من غربيّها وبينها وبين المراغة من شرقيّها خمسة فراسخ وبين أوائل داخرقان وسيف هذه البحيرة أربعة فراسخ وطولها نحو أربع مراحل بين الشمال والجنوب بسير

الدوابّ وعرضها فيما بين المراغة وارميه نحو عشرين فرسخا ويكون فيها أمواج عظام فى الشتاء ومصائب كبار وفى وسطها جبال مسكونة مأهولة على مياه زهيدة وعيش شظف وسكّانها أصحاب المراكب ونواتيّها المختلفون بالأمتعة والركّاب بين شطّيها ولهم معز يقوم برمقهم ولا شىء عندهم إلّا ما جلب اليهم، وفى جنوب بركرى وخلاط وارجيش بحيرة آخذة من المشرق الى المغرب ويكون طولها بضعة عشر فرسخا يخرج منها سمك صغار أشبار يعرف بالطرّيخ فيملّح ويحمل الى كثير من الأقطار كالموصل ونواحى الجزيرة والعراق وأصقاع الشأم، [وفى هذه البحيرة حصن يعرف باختمار،] وفى أطراف هذه البحيرة ملح البورق ويحمل أيضا الى العراق وغيرها للخبّازين وبالقرب منها بل فى جبل فى جنوبها مقالع الزرنيخ المجلوب الى سائر الأرض وهو أصل الزرنيخ ومنه الأحمر والأصفر ويحمل أيضا من بعض سواحل كبوذان بورق الصاغة للحام الفضّة والذهب وذلك أنّ فى بعض مياهها ما يستحجر فيكون منه هذا البورق فيحمل الى فجاج الأرض وأعماقها وسهلها وجبلها ويصيب التجّار فية المرابح النفيسة الغزيرة، ويجلب من الزوزان ونواحى ارمينيه والران من البغال الجياد الموصوفة بالصحّة والجلد والفراهة والصبر الى العراق والشأم وخراسان وغير ذلك ما يستغنى بشهرته عن وصفه وذكره، والزوزان ناحية وقلاع لها ضياع الغالب عليها الجبال ويكون بها الشهارىّ الحسنة الموصوفة بالجمال والفراهة ما يقارب شهارىّ طخارستان وربّما زاد عليها وعلى نتاج الجوزجان، وجبالها تتّصل من جهة الحارث والحويرث بجبال اهر وورزقان فتمرّ الى تفليس فى الشمال ويتّصل هناك بها جبل القبق تجاه سياه كويه

وهو جبل عظيم ويقال أنّ عليه ثلثمائة ونيّفا ألسنة»

مختلفة وكنت أنكر هذا حتّى رأيت لسبلان جبل اردبيل غير قرية ولأهل كلّ قرية لسان يتخاطبون به غير لسان الفارسيّة والأذريّة، وتتّصل جبال القبق بجبل سياه كويه الذي وراء بلاد الخزر فى بلد الغزّيّة راجعا الى المشرق من وراء بحيرة خوارزم الى جبال خوارزم وجبال فرغانه وذلك أنّ جميع الجبال على ما ذكرته متناسبة متفرّعة من الجبل الخارج من بلد الصين ذاهبا على الخطّ المستقيم الى البحر المحيط من بلد السودان بالمغرب، وبنواحى ورثان وبرذعه وجزيرتى باب الأبواب اللتين فى وسط بحيرة الخزر فوّة غزيرة كثيرة فائقة فى الجودة تحمل فى بحيرة الخزر الى جرجان ويقصد بها بلاد الهند على الظهر وهذه الفوّة فى جميع بلد الران من حدّ باب الأبواب الى تفليس وقرب نهر الرسّ الى نواحى خزران وهى مملكة تحت يد صاحب اذربيجان فى جبال تتّصل بجبال الطرم المتّصلة من غربىّ بحر الخزر بجبال الرىّ وطبرستان وجرجان الى نيسابور، ولهذه الجبال ملوك وأصحاب لهم نعم فخمة وضياع وقلاع نفيسة وخيول وكراع الى مدن مضافة اليهم ونواح ذات رساتيق وأقاليم عامرة كالملك لهم موفّرة عليهم غلّاتها ونعمها، وبهذه الجبال والنواحى والمدن والبقاع التى ذكرتها من الرخص والخصب والمراعى والمواشى والسوائم والخيرات والبركات والمشاجر والأنهار والفواكه الرطبة واليابسة والخشب على سائر ضروبه من خلنجة وكرمة وجوزة ما لا يحاط بعلمه ولا يبلغ كنهه، وملوكها بها من سعة الأحوال وتمتّعهم بالنعم والملاذّ والتترّف

بالطيب والثياب والخدم الروقة والخيول والبغال ذوات المراكب من الفضّة والذهب وقنية الجوارى الروقة من المغنّيات والشهوريّات والطبّاخات والنفقات الدارّة السابغة وكثرة الآلة من الذهب والفضّة والآنية الرفيعة الثقيلة المخرّشة بالسواد من الصوانى والأطباق والأرطال والطسوت والأباريق والأسطال فى غرائب الصنعة من اللجين والعسجد الى ما يشاكل ذلك من الزجاج المحكم والبلّور المخروط الثمين والجوهر من الحبّ والياقوت، وكان أكثر هؤلاء الملوك عليهم كالضرائب القائمة واللوازم تحمل فى كلّ سنة الى ملوك اذربيجان فلا تنقطع ولا تمتنع وكلّهم فى طاعة من ملكها فثقّفها، وكان ابن أبى الساج يرضى منهم بالقليل مرّة وبالتافه أخرى على طريق الهديّة فلمّا صارت هذه المملكة الى المرزبان بن محمّد ابن مسافر المعروف بالسلّار جعل لها دواوين وقوانين ولوازم يخاطب على مرافقها وتوابعها وبقاياها، ومن أكبر من أدركت من ملوكها شروان شاه محمّد بن أحمد الأزدىّ وملك اللايجان بعده وله الملك المتّصل ببعض جبال القبق ونواحيه يعرف بلايجانشاه واليه الصنارىّ المعروف بسنحاريب وهو نصرانىّ فى دينه كابن الديرانىّ صاحب الزوزان ووان ووسطان وسأبيّن محلّ كلّ واحد من هؤلاء بذكر ما عليه ويلزمه من المال والضريبة والهدايا عند ذكر ارتفاع الناحية والفراغ من ذكر مسافاتها وحالها، فأمّا لسان أهل اذربيجان وأكثر أهل ارمينيه فالفارسيّة تجمعهم والعربيّة بينهم مستعملة وقلّمن بها ممّن يتكلّم بالفارسيّة لا يفهم بالعربيّة وبفصح بها من التجّار وأرباب الضياع ولطوائف من [فى]

الأطراف من ارمينيه وما شاكلها ألسنة أخر يتكلّمون بها كالأرمنيّة مع اهل دبيل ونشوى ونواحيهما ويتكلّم أهل برذعه بالرانيّة، ولهم الجبل المشهور المعروف بالقبق ويحيط به ألسنة مختلفة كثيرة للكفّار وقد تقدّم ذكره ويجمع الكثير منهم لسان واحد، ونقود أذربيجان والران وارمينيه الذهب والفضّة، وأكثرهم أهل عافية وسلامة ورغبة فى الخير وأهله وطلب المعاش والستر لما دهمهم من المصائب وتكانف عليهم من النوائب وفيهم وقتنا هذا من هو على مذاهب أهل الحديث والقول بالحشو وكثير من الباطنيّة البقليّة فيهم، وليس بجميع اذربيجان وارمينيه والرانين متكلّم ولا متعصّب للكلام والنظر وفيهم أطبّاء فضلاء أدركتهم أجلّاء مياسير بصناعة الطبّ أرباب ضياع ونعم وكراع يرون أنّ المنطق كفر وصنعة النظر شغل قاطع عن الواجبات وصادّ عن أكثر أسباب السياسات، ذكر الطرق بها والمسافات بهذه النواحى، فالطريق من برذعه الى اردبيل فمن برذعه الى مويان قرية سبعة فراسخ ومن مويان الى مدينة البيلقان سبعة فراسخ ومن البيلقان وهى مدينة طيّبة كثيرة المياه والأجنّة والأشجار والطواحين الواسعة على أنهارها الى ورثان وهى مدينة أكبر من البيلقان وأفسح وأكثر أهلا وأسواقا ومتاجر وبها ما يكون بالمدن الكبار من الأعمال والفنادق وعليها سور ولها ربض فيه أسواقها سبعة فراسخ، ومن ورثان الى بلخاب سبعة فراسخ وهى قرية آهلة فيها رباطات وفنادق للسبيل تنزلها السيّارة ومن بلخاب الى برزند [وهى مدينة قريبة الحال من البيلقان سبعة فراسخ ومن برزند] الى اردبيل خمسة عشر فرسخا بين قرى ومنازل عن يمين وشمال لا تنقطع ولا تغيب

عن الناظر، والطريق من برذعه الى باب الأبواب فمن برذعه الى برديج مدينة صالحة على نهر الكرّ فيها متاجر ومجالب ثمنية عشر فرسخا ومن برديج يعبر الكرّ الى الشماخيّة أربعة عشر فرسخا ومن الشماخيّة الى شروان ثلثة أيّام ومن شروان الى اللايجان يومان ومن اللايجان الى جسر سمور اثنا عشر فرسخا ومن جسر سمور الى الباب عشرون فرسخا ويكون الجميع نحو تسعين فرسخا، والطريق من برذعه الى تفليس فمنها الى جنزه مدينة صالحة تسعة فراسخ ومن جنزه الى شمكور عشرة فراسخ ومن شمكور الى خنان مدينة أحد وعشرون فرسخا ومن خنان الى قلعة ابن كندمان عشرة فراسخ ومن القلعة الى تفليس اثنا عشر فرسخا الجميع اثنان وستّون فرسخا، والطريق من برذعه الى دبيل فمنها الى قلقاطوس تسعة فراسخ ومن قلقاطوس الى متزيس ثلثة عشر فرسخا ومنها الى دوميس اثنا عشر فرسخا ومن دوميس الى كيلكوين ستّة عشر فرسخا ومن كيلكوين الى السيسجان ستّة عشر فرسخا وهى مدينة طيّبة مقتصدة ومن السيسجان الى دبيل ستّة عشر فرسخا، والطريق من برذعه الى دبيل فى الأرمن وجميع هذه القرى التى فى ضمنها والمدن مملكة سنباط بن اشوط الأرمنىّ التى قبضها عنه يوسف ابن أبى الساج غدرا منه وظلما وخلافا لله تعالى ولرسوله صلّى الله عليه إذ يقول أنا أحقّ من وفى بذمتّه ليس لإمام ولا لمن تبع إماما أن يؤذن ذمّيّا تعنّتا ولا تعصّبا فى شىء من أسعار أهل الذمّة إلّا تأديبا وتثقيفا وقال عليه السلم المسلمون تتكافأ دماؤهم يقوم بذمّتهم أدناهم وهم

حرب على من سواهم، فلو أنّ رجلا من أفناء المسلمين رضيته فئة منهم وهم فى ثغر وأمّرته عليهم واختبرته فوجدته عالما عدلا وحكم فيه على طريق النظر والمصلحة لهم ولمن وراءهم من المسلمين بشروط رآها فيمن جاوره من دور الحرب لم يكن لأحد نقضها شطرا وبطرا وذهابا بالإعجاب الى ما ليس للإنسان فعله، فكيف بالصدر القديم والإمام العدل الكريم عليه السلم وقد عقد عقدا ورأى رأيا ظاهره صلاح للمسلمين وشرف الى يوم الدين بقبضه جزية ملك عظيم واستخدامه مع التمنّع برجاله فيما ناب المسلمين ودهمهم وهذه الصورة ونظائرها وتمرّد من اليه النظر من فاسق ينظر فيها مخمورا بعين جاهل ويعتمد الى نقضها وهو يعلم أنّه مخالف مصرّ ما أصار المسلمين الى ما هم عليه وبه وليتهم بقوا على ما نحن فيه بلا زيادة، الطريق من اردبيل الى زنجان فمن أردبيل الى قنطرة سبيذروذ»

مرحلة ومن سبيذروذ الى سراه مرحلة ومن سراه الى توى [يوم ومن توى] الى زنجان مرحلتان، والطريق من اردبيل الى المراغة فمن اردبيل الى كورسره قصر بحصن عظيم وله إقليم فسيح ورستاق جليل جسيم وله أسواق فى كلّ شهر ومواعيد من السنة فى رؤوس الأهلّة- أدركتها قديما ودخلتها وأنا حديث السنّ وفيها من الأمم لسوق اجتمعوا فيه ومعهم من المتاع والتجارات من البزّ والسقط والبربهار والعطر والجلّ من الفرش ومتاع السرّاجين بعجيب ما تحتمله أسباب السراجة من السروج والسيوف والحزم والغواشى والسيور المراغيّة الى أسباب السلاح وكان فيه من آلة الصفر المجلوب من العراق والذهب والفضّة المصوغة والخيل والبغال والحمير والبقر [والغنم] ما لو قيل أنّ الأرض والناحية وما فيها وتستقلّ

به فى وهادها وعلى جبالها ورباها أوسع من أرض الموقف ممتلئة بالناس وما معهم وأكثر من الموقف انضماما وانغصاصا بما ذكرته من الأجناس التى وصفتها لم يقابل ذلك بغير التسليم والتصديق وإن كانت أرض الموقف بجبالها الى عرفات نحو ثلثة فراسخ ومن يقوم بها من الأمم [أهل اليمن ومصر والعراق والمغرب والشأم وخراسان الى من ضامّهم من أسقاع الأرض]، وكان فيمن حضره أبو أحمد ابن عبد الرحمن الشيزىّ المراغىّ سيّد تجّار اذربيجان وتنّائها فقال له كاتبه أبو الفتح ابن مهدىّ قد باع أبو إسحاق الماجردانىّ ماله وانصرف ولم يحمل الينا ما لنا عنده فقال كم باع فقال مائة ألف رأس فاستثبتّ ذلك من أبى أحمد دفعات فقال أبرمت انصرف أبى ﵀ من هذا الموقف غير سوق بألف ألف شاة فأعدتها عليه فقال نعم وشعيب بن مهران بمثلها ووقفت بعد ذلك منه على حكايات عن هذا السوق والموضع أيّام يوسف بن أبى الساج ليست من شرط هذا الكتاب وفيما ذكرته كفاية فى الدلالة على حال هذا السوق إن صدقه متصفّحها- اثنا عشر فرسخا ومن كورسره الى المراغة اثنا عشر فرسخا، ومدينة سراه بين كورسره واردبيل مدينة طيّبة كثيرة الخير والمير والبساتين والمياه والفواكه والزروع والطواحين

ولها أسواق حسنة وفنادق نظيفة وكان لها تانئة أجلّة من آل زانبرّ وغيرهم فهلكوا وبادوا أدركت مشايخهم والمروءة فيهم فاشية وأحوالهم مع السلّار متماسكة، ومن اردبيل الى الميانج عشرون فرسخا مدينة صالحة فى نفسها رفهة بأهلها رفيقة بسكّانها ورخصها وخيرها، ومن الميانج الى الخونج مدينة أيضا بها مرصد على ما يخرج من اذربيجان الى نواحى الرىّ ولوازم على الرقيق والدوابّ وأسباب التجارات كلّها من الأغنام والبقر ومقاطعة هذا المرصد دائما مائة ألف دينار وزائد الى ألف ألف درهم وناقص فى السنة وليس له ولما يجتاز به شبه فى جميع أقطار الأرض، الطريق من اردبيل الى آمد وأعمال الثغور الجزريّة فمن اردبيل الى المراغة نحو أربعين فرسخا ومن المراغة الى ارميه على الظهر وفى البحر نحو ثلثين فرسخا ومن ارميه الى سلماس مرحلتان ومن سلماس الى خوى تسعة فراسخ ومن خوى الى بركرى ثلثون فرسخا ومن بركرى الى ارجيش يومان ومن ارجيش الى خلاط ثلثة أيّام ومن خلاط الى بدليس ثلثة أيّام ومن بدليس الى ارزن الى ميافارقين أربعة أيّام ومن ميافارقين الى آمد يومان ومن آمد الى حرّان على الطريق الذي تسلكه الغزاة والمجاهدون الى شمشاط وعلى سميساط الى ملطيه نحو خمسة أيّام، والطريق من المراغة الى دبيل على ارميه وسلماس الى خوى ثلثة وخمسون فرسخا ومن خوى الى نشوى خمسة أيّام ومن نشوى الى دبيل أربع مراحل، ومن المراغة

الى الدينور ستّون فرسخا لا منبر فيها، وهذه جوامع مسافاتها وذكر طرقها وجميع أحوالها، وأمّا حالها التى أدركتها عليها وكانت بها فإنّ جباياتها وضرائبها على ملوك أطرافها تعرب عن حالها وتدلّ على حقيقة وصفها وإن كانت تزيد وتنقص فى بعض الأوقات ومن أوسط ما جبيت وأعدل ما رفعت لسنة أربع وأربعين وثلثمائة وقد تولّى مواقفاتها أبو القسم علىّ بن جعفر صاحب زمام أبى القسم يوسف بن أبى الساج للمرزبان بن محمّد وهو يزر له فواقف محمّد بن أحمد الأزدىّ صاحب شروان شاه وملكها على ألف ألف درهم ودخل فى مواقفته اشجانيق صاحب شكى المعروف بأبى عبد الملك، وواقف سنحاريب المعروف بابن سواده صاحب الربع على ثلثمائة ألف درهم وألطاف من بعد ذلك، وصاحب جرز وشقان بن موسى على مائتى ألف درهم، وواقف أبا القسم الويزورىّ صاحب ويزور على خمسين ألف دينار وألطاف، وأبا الهيجاء ابن روّاد عن نواحيه باهر وورزقان على خمسين ألف دينار وألطاف، وأبا القسم الجيذانىّ عن نواحيه وبقايا كانت عليه على أربع مائة ألف درهم فرام النقصان وثقّل بالمسألة فزيد على مواقفته تبرّما بما فعله ثلثمائة ألف درهم ومائة ثوب ديباج رومىّ، وألزم بنى الديرانىّ حسب ما كانت مواقفتهم عليه فى كلّ سنة مائة ألف درهم وتركها لهم لأربع سنين مكافاة لهم بدفعهم اليه ديسم بن شاذلويه وكان قد استجار بهم فأسلموه وغدروه، وواقف بنى سنباط عن نواحيهم من ارمينيه الداخلة على ألفى ألف درهم

ونظر لهم من بعد بمائتى ألف درهم، وواقف سنحاريب صاحب خاجين على مائة ألف درهم وألطاف وكراع بخمسين ألف درهم، فبلغت المواقفة من عين وورق وتوابع وألطاف من بغال ودوابّ وحلىّ عشرة آلف ألف درهم، وخراج جميع النواحى من اذربيجان وارمينيه والرانين وحواليها وجميع مرافقها من وجوه أموالها خمس مائة ألف دينار، وهذه جملة ما وقفت عليه من حالها وما كان لدىّ من أخبارها وأوصافها على ما أدّت اليه استطاعتى وناله وسعى،

النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صورة الأرض»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.