من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)
ما وراء النهر
[وأمّا ما وراء النهر وما يحيط به من شرقيّه ففامر والراشت وما يتاخم الختّل من أرض الهند على خطّ مستقيم وغربيّه بلاد الغزّيّة والخرلخيّة من حدّ الطراز ممتدّا على تقويس حتّى ينتهى الى باراب وستكند وسغد سمرقند ونواحى بخارا الى خوارزم حتّى ينتهى الى بحيرتها وشماليّها الترك الخرلخيّة من أقصى بلد فرغانة الى الطراز على خطّ مستقيم وجنوبيّه نهر جيحون من لدن بذخشان الى بحيرة خوارزم على خطّ مستقيم أيضا، وخوارزم والختّل فى ما وراء النهر لأنّ الختّل بين نهر وخشاب وخرباب وعمود جيحون خرباب وما دونه من وراء النهر وخوارزم مدينتها وراء النهر وهى الى مدن ما وراء النهر أقرب منها الى مدن خراسان وقد كررت ذلك مرارا فيما تقدّم،] [وهذه صورة ما وراء النهر وهى آخر صور الكتاب،] إيضاح ما يوجد من الأسماء والنصوص فى صورة ما وراء النهر الموجودة فى نسخة كتاب الاصطخرىّ المحفوظة فى الخزانة البلديّة بمدينة هامبورغ،
القسم الأوّل، قد رسمت فى أسفل الصورة فى الزاوية اليمنى بحيرة مدوّرة توازى جانبها كتابة بحيرة خوارزم ويصبّ فيها نهر آت من الفوق كتب عن يمينه نهر جيحون ويتّصل بجانبه الأيمن من المدن ويزه، اسباس، كركانج ويصبّ فى نهر جيحون خمسة أنهار أوّلها نهر (باحشو) وتقع بينه والنهر الثانى مدينة (فارغر) وبين الثانى والثالث منك وهلاورد وتقطع النهر الثالث كتابة رستاق بيك وبين النهر الثالث والرابع انديجاراغ ولاوكند وكتب من أسفل انديجاراغ قاطعا للنهر نهر صرمنجى وينتسب هذا الاسم أيضا الى المدينة الواقعة بحذاء النهر، وبين النهر الرابع والخامس من المدن تمليات، (هلبك)، واشجرد، شومان، (الصغانيان)، صرمنجى، (جرمنقان)، القواذيان، ويأخذ من النهر الخامس عند شومان شعبة ترجع من بعد الى العمود وكتب بين الشعبة والعمود هذه البلاد التى هى (لوخشاب)، وتقطع هذا النهر كتابة رستاق، وتقع تحت مصبّ النهر الخامس عن يسار جيحون مدينة الترمذ ثمّ من أسفلها على شطّ جيحون هاشم جرد، فربر، كاث، كردر، وكتب فى الساحة عن يسار هاتين المدينتين عمل خوارزم، ويأخذ من فربر طريق الى اليسار على بيكند الى بخارا وهى من جانبى نهر يأتى من اليسار ويفضى فوق المدينة الى بحيرة مدوّرة، ويقع على النهر الى اليسار من المدن الطواويس، كرمينيه، خديمتكن، الدبوسيه وتقطع النهر كتابة السغد، ويقع فى الساحة فوف النهر من المدن كش، نوقد قريش، نسف، بزده وعلى طرف البحيرة اسكيفغن وكسبه،
ويصبّ فى بحيرة خوارزم نهر يأتى من اليسار تقع على جانبه الأعلى خواره، القرية الحديثة، جند، ويوازى النهر فى الساحة التى فوقه من المدن قرية قراتكين، خجاده، نمجكث، مذيامجكث، خرغانكث، الكشانيه، اشتيخن، فرنكث، كينجكث، ويوجد تحت النهر فى طرف الصورة آخر اسم مدينة كدر، القسم الثانى، رسمت فى القسم الأيمن من أعلى الصورة ثلاث سلسلات جبليّة كتب عندها البتم الأوّل، البتم الثانى، البتم الثالث، ويخرج من البتم الثالث أربعة أنهار تصبّ فى بحيرة جن ويخرج منها النهر الجارى الى بخارا فى القسم الأوّل من الصورة ويرى فوق النهر فى طرف الصورة آخر اسم مدينة سمرقند وتقع عن يساره مدينة اباركث، ويأخذ من هذه المدينة طريق الى اليسار ثمّ الى الأعلى عليه زامين، ساباط، خجنده، (كند)، سوخ، خواكند، رشتان، زندرامش ثمّ عبر النهر اوش ثمّ عبر النهر الثانى (اورست) ثمّ عبر النهر الثالث خرشاب ويجوز أنّ هذا الاسم على الصحيح (اوزكند)، وكتب عند النهر الأوّل نهر قبا وعند النهر الثانى نهر اورست وعند النهر الثالث نهر خرشاب، ويوازى نهر قبا عن يمينه من المدن بامكاخس، طماخس، مسكان، سوخ وهذا الاسم الأخير غلط ولعلّ الصحيح (اسبره)، ويقع عن يسار أيسر الأنهار الخارجة من البتم الثالث بينه وبين الطريق المذكور من المدن بومجكث، فغكث، غزق، ارسيانيكث، وتقع الثلاثة الأنهار المذكورة فى نهر يجرى الى الأسفل ثمّ الى اليمين ويصبّ هذا النهر فى نهر آخر يأتى من أوسط طرف الصورة الأيسر ويجرى الى اليمين الى أن يصبّ فى بحيرة خوارزم فى القسم الأوّل من الصورة، ويوازى هذا النهر عن أسفله سدّ كتب عنده يعرف هذا الحائط بحائط القلاص عمله عبد الله بن حميد ﵀ ويقع من أسفل هذا الحائط فى الزاوية اليسرى بذخكث والطراز ومن فوق الحائط بينه والنهر من اليمين الى اليسار (جينانجكث)، (ستوركث)، (دنفغانكث)، (بنكث)، (خاتونكث)، بركوش، خركانكث، ويقع على شطّ النهر من فوقه من المدن تكالك، حذينكث، غناج، (استبيغوا)، بالايان، ثمّ تليها موازيا للنهر جبوزن، جبغوكث، كبرنه، غدرانك، ويأخذ من بالايان طريق الى الفوق منتهيا الى شطّ النهر الآتى من الفوق وعلى هذا الطريق من المدن بعد بالايان (نوكث)، بانجخاش، سكاكث، ثمّ مدينة لا يبين اسمها، ثمّ على النهر
(تونكث)، ويقع عن يمين هذا الطريق سامسيرك، (بسكث) ثمّ مدينة لا يبين اسمها، وفى الساحة عن يمينها اردلانكث وخمرك ثمّ خرشكث على الطريق من حذينكث الى بناكث على النهر وعن يمين خرشكث (غركنده) وعن يمينها على النهر تجاكث، ويقع عن يمين النهر بينه وبين النهر المارّ بسمرقند (خرقانه)، (ديزك)، (ويذار)، وتوجد فى الساحة عن يسار النهر المارّ على تونكث كتابة بلد الشاش ويوازيها من تحتها (بغنكث)، فرنكث، (كذاك)، (وردوك)، ويوازى الكتابة من فوقها صف من المدن وهى من اليمين الى اليسار (خاوس)، كهسيم، (خاش)، نموذلغ، اربلخ، (كنكراك) ابرذكث، ويلى هذا الصفّ من فوقه صفّ آخر كأنّه كرّر فيه أسماء مدن الصفّ الأوّل، ثمّ يلى ذلك من الفوق موازيا للنهر اخشيكث، (كند)، كاسان، (غرجند)، (دخكث)، (كركث)، ثمّ فوق ذلك عبر النهر شلاث وفوقه على شطّ النهر التالى (استياكند) و (اوال)، إيضاح ما يوجد من الأسماء والنصوص فى صورة ما وراء النهر الموجودة فى النسخة المرقومة المحفوظة فى خزانة آيا صوفيا باستنبول، القسم الأوّل، قد رسم فى أسفل الصورة فى الزاوية اليمنى قسم من بحيرة خوارزم على شكل ربع دائرة ويصبّ فيه نهر آت من الفوق كتب عن يمينه المغرب وتقع عليه من هذا الجانب مدينة خوارزم وتقطع النهر فوق ذلك كلمة عمل، ويقع على شاطئ النهر الأيسر ابتداء من الأسفل من المدن كردر، كاث، فربر، هاشم جرد، الترمذ، ويصبّ فوق الترمذ فى النهر نهر يأتى من أعلى الصورة وتقع عن يمين ابتدائه مدينة شومان ثمّ الى الأسفل صغانيان ويلى هذا النهر نهر آخر عليه مدينة نودز، ويصبّ فى بحيرة خوارزم نهر آخر يأتى من اليسار ويقع على شاطئه الأسفل من المدن باراب، كدر، شاوغر، صبران، وكتب تحت ذلك موازيا لطرف الصورة بلد الغزّيّة، ومن فوق هذا النهر خواره، القرية الحديثة، جند، وسيج، شلجى، ويبتدئى من فوق مصب هذا النهر سدّ يوازى النهر ثمّ يعطف الى الأسفل قاطعا للنهر وكتب من تحته هذا حائط عبد الله بن حميد ويعرف بحائط القلاص، ويوازى هذا السدّ من فوقه من المدن ابتداء من اليمين بيكند، (مغكان)، قرية قراتكين، خجاده، نمجكث، مذيامجكث،
خرغانكث، الكشانية، اشتيخن، فرنكث، كينجكث، ويذار، ديزك ثمّ مدينة كأنّها ديزك مرّة ثانية، ويوازى ذلك من الفوق نهر يصبّ الى اليمين الى بحيرة بخارا، وتقع على هذا النهر من جانبيه مدينة بخارا ثمّ الى اليسار طواويس، كرمينيه، الدبوسيّه، اربنجن، سمرقند، وكتب فى الساحة من أعلى النهر بحروف كوفيّة صورة ما وراء النهر ويقع فوق هذه الكتابة من المدن كسبه، بزده، اسكيفغن، كش، ويأتى النهر المارّ بسمرقند وبخارا من ستّة أنهار تخرج من جبال مصفوفة على أربعة صفوف يوجد نصفها الأيسر فى القسم الثانى من الصورة وكتب تحت الجبل الأعلى البتم الأوّل ثمّ تحت الثانى البتم الثانى ثمّ تحت الثالث البتم الثالث وتحت الصفّ الأسفل البتم الرابع، القسم الثانى، يوازى طرف الصورة الأسفل باقى حائط القلاص وتقع تحته مدينة اسبيجاب ثمّ الطراز وكتب عن يسار ذلك على شكل صليبىّ نواحى الطراز، ويقع من فوق الحائط من المدن خركانكث، بركوش، خاتونكث، بنكث، ويمرّ من فوق ذلك النهر الجارى الى بحيرة خوارزم، ويقع فى الساحة فوقه من المدن (تونكث) فرنكث، اردلانكث، خمرك، وكتب فى الساحة فوق ذلك ناحية الشاش، ويمرّ من فوق ذلك نهر يأتى من أوسط طرف الصورة الأيسر فينصبّ فى النهر المتقدم ذكره، ويقع من أسفل ذلك النهر ابتداء من اليمين من المدن مرغينان، غناج، (نجاكث)، اشروسنه، (بناكث)، جبغوكث، خذينكث، (سكاكث)، ابرذكث، اخشيكث، (نوكث)، (كركث)، ويتّصل بشطّ هذا النهر مدينتا قبا وزامين وبينهما الى الفوق ساباط، ثمّ عن يمين ذلك اباركث، فغكث، غزق، ويصبّ فى هذا النهر عن يسار قبا نهر يأتى من الفوق عليه خجنده ويقع فوق ذلك بين النهر وجبال البتم ارسيانيكث، (بارياب،) سوخ، خواكند، ويلى النهر المذكور الى اليسار أربع أنهار كتب بين النهر الثانى والثالث فرغانه وعلى شاطئ النهر الثالث خرشاب، [وما وراء النهر إقليم من أخصب أقاليم الأرض منزلة وأنزهها
وأكثرها خيرا وأهله يرجعون الى رغبة فى الخير واستجابة لمن دعاهم اليه مع قبلة غاية عالية وسلامة ناجية وسماحة بما ملكت أيديهم مع شدّة شوكة ومنعة وبأس ونجدة وعدّة وعدّة وآلة وكراع وبسالة وسلاح وعلم وصلاح، فأمّا الحضب بها فليس من إقليم ذكر فى هذا الكتاب إلّا يقحط أهله مرارا قبل أن يقحط ما وراء النهر مرّة واحدة تمّ إن أصيبوا ببرد أو بحرّ أو آفة تأتى على زرعهم وغلّاتهم ففى فضل ما يسلم فى عروض بلادهم ما يقوم بأودهم حتّى يستغنوا به عن شىء ينقل اليهم من غير بلدهم، وليس بما وراء النهر مكان يخلو من مدن أو قرى تسقى أو مباخس أو مراع لسوائمهم، وليس شىء لا بدّ للناس منه إلّا وعندهم منه ما يقوم بأودهم ويفضل عنهم لغيرهم، فأمّا أطعمتهم فى السعة والكثرة فعلى ما ذكرناه، وأمّا مياههم فإنّها أعذب المياه وأبردها وأخفّها قد عمّت جبالها وضواحيها ومدنها هذا الى التمكّن من الجمد فى جميع أقطارها والثلوج من جميع نواحيها، وأمّا الدوابّ ففيها من النتاج ما فيه كفايتهم على كثرة ارتباطهم لها وكذلك البغال والإبل والحمير والأغنام تجلبها ما يفضل عن كفايتهم من الخرلخيّة والغزّيّة ولهم من نتاج الغنم الكثير والسائمة المفرطة، وكذلك الملبوس أيضا فإنّ لهم من الصوف والقزّ وطرائف الكرابيس والبزّ ما يفضل عنهم، وببلادهم من معادن الحديد ما يفضل عن حاجتهم وينيف على تجارتهم وبها معادن الذهب والفضّة والزيبق الذي لا يقاربه فى الغزارة والكثرة معدن ما بسائر بلدان الإسلام وإن
كانت معادن بنجهير الوافرة الحظّ من هذه الخلال فهى لهم ومضافة اليهم، ولم أعلم أنّ فى شىء من بلد الإسلام النوشاذر إلّا فى ما وراء النهر حتّى رأيت منه شيئا بصقليه وليس كنوشاذرهم فى القوّة، ولهم الكاغذ الذي لا نظير له فى الجودة والكثرة، وأمّا فواكههم فإنّك إذا تبطّنت السغد واشروسنه وفرغانه والشاش رأيت من كثرتها ما يزيد على سائر الآفاق حتّى ترعاها لكثرتها دوابّهم، وأمّا الرقيق فيقع اليهم من الأتراك المحيطين بهم وبإقليمهم ما يفضل عن كفايتهم وينقل الى الآفاق من بلادهم وهم خير رقيق وأفرههم وأحسن ما يحيط بالمشرق وأكثره ثمنا، ولهم من المسك الذي يجلب اليهم من التسبّت وخرخيز ما ينقل الى سائر الآفاق والأمصار فيفوق غيره جودا وثمنا، ويرتفع من الصغانيان الى واشجرد من الزعفران والأوبار من السمّور والسنجاب والثعالب وغيرها ما ينقل الى كلّ موضع مع طرائف من الخدنك والختوّ والبزاة الرفيعة القرطاسيّة الشهب والدرهميّة المغرنقة وغير ذلك ممّا يتنافس به الملوك ويحتاج اليه ويستهديه،] [وأمّا سماحتهم فإنّ الناس فى أكثر ما وراء النهر كأنّهم فى دار واحدة ما ينزل أحد بأحد إلّا كأنّه رجل دخل فى داره لا يجد المضيف من طارق يطرقه كراهيّة بل يستفرغ] جهده فى إقامة أوده من غير معرفة تقدّمت ولا توقّع لمكافاة بل اعتقادا للسماحة فى أموالهم وهمّ كلّ امرئ على قدره فيما ملكت يده التنوّق والقيام على نفسه ومن يطرقه، وبحسبك أنّك لا ترى صاحب ضيعة يستقلّ بمئونته إلّا كانت
همّته اقتناء قصر فسيح ومنزل للأضياف رحيب فتراه عامّة نهاره متنوّقا فى إعداد ما يصلح لمن يطرقه وهو متشوّق الى وارد عليه ليكرمه فاذا حلّ بأهل ناحية طارق تنافسوا فيه وتنازعوه، وليس من أحد يتصرّف بما وراء النهر فى مكان به ناس من ضيعة أو غيرها بليل أو نهار عن مثل هذه الحال، وهم فيما بينهم يتبارون فى مثل هذا الشأن حتّى يجحف فى أموالهم وأملاكهم كما يتبارى سائر الناس فى الجمع ويتباهون بالملك والمكاثرة بأموالهم، ولقد شهدت آثار منزل بالسغد معروف بأن قد ضربت الأوتاد على باب داره وصحّ عندى أنّ بابها مكث لم يغلق زيادة على مائة سنة لا يمتنع من نزولها طارق وربّما نزل به ليلا عن بغتة من غير استعداد المائة والمائتان والأكثر من الناس بدوابّهم وحشمهم فيجدون من علف دوابهم وطعامهم ودثارهم ما يغنيهم عن استعمال رحالهم من غير أن يتكلّف صاحب المنزل أمرا بذلك أو يتجشّم عناء لدوام ذلك منهم ومنه قد أقيم على كلّ عمل من يستقلّ به وأعدّ ما يحتاج اليه على دوام الأوقات ممّا لا يحتاج معه الى تجديد أمر عند طروقهم أيّاه وصاحب المنزل من البشاشة والإقبال والمساواة لأضيافه بحيث يعلم كلّ من شهد سروره بذلك وإيثاره للسماحة فيما أتاه وتوخّاه، ومع ذلك فإنّك لا تجد فى بلدان الإسلام أهل الثروة إلّا والغالب عليهم صرف نفقاتهم الى خاصّ أنفسهم فى الملاهى وما لا يرضاه الله والى المنافسات فيما بينهم والأشياء المذمومة إلّا القليل وترى الغالب على أهل الأموال بما وراء النهر صرف نفقاتهم الى الرباطات وعمارة الطرق والوقوف على سبل الجهاد ووجوه الخير وعقد القناطر إلّا القليل من ذوى البطالة، وليس من بلد ولا منهل مطروق ولا قرية آهلة إلّا وفيها من الرباطات ما يفضل عمّن ينزل به ممّن يطرقه، وبلغنى أنّ بما وراء النهر زيادة على عشرة آلف
رباط وفى كثير منها إذا نزل النازل أقيم علف دابّته وطعامه إن احتاج الى ذلك، وقلّما رأيت خانا أو طرف سكّة أو محلّة أو مجمع ناس الى حائط بسمرقند يخلو من ماء مسبّل بجمد، وذكر لى من يرجع الى خبرة أنّ بسمرقند فى المدينة وحيطانها فيما يشتمل عليه السور الخارج زيادة على ألفى مكان يسقى فيها ماء الجمد مسبّل عليه الوقوف من بين سقاية مبنيّة وحباب نحاس منصوبة وقلال خزف مثبتة فى الحيطان مبنيّة، فأمّا بأسهم وشوكتهم فليس فى الإسلام ناحية أكثر حظّا فى الجهاد منهم وذلك أنّ جميع حدود ما وراء النهر الى دور الحرب أقرب ومن ذلك خوارزم الى ناحية اسبيجاب فهم ثغر الترك الغزّيّة وأمّا اسبيجاب الى أقصى فرغانه فثغر الخرلخيّة ثمّ تطوف حدود ما وراء النهر من الشقنيّة وبلد الهند من حدّ ظهر الختّل الى حدّ الترك فى ظهر فرغانه والمسلمون يقهرونهم وجميع من جاورهم بهذه النواحى ومستفيض أنّه ليس للإسلام دار حرب هم أشدّ شوكة من الترك وهم ثغر للمسلمين فى وجه الترك يمنعونهم من دار الإسلام ويصدّونهم عن انتهاكها، وجميع ما وراء النهر ثغور تغزوها الترك ويبلغهم النفير والإنذار بالغدوّ والعشىّ ومستفاض عمّن كان مع نصر بن أحمد ﵀ فى غزاة شاوغر يستوفر أنّهم كانوا يحزرون ثلثمائة ألف وأنّ أربعة آلف رجل انقطعوا عن العسكر فضلّوا أيّاما قبل أن يتهيّأ لهم الرجوع الى العسكر وما كان فيهم من غير ما وراء النهر كثير عدد وكانوا يعرفون بأعيانهم، وفى بعض الأخبار أنّ المعتصم سأل عبد الله بن طاهر أو قيل كتب اليه كتابا يسئله عمّن يمكنه حشده من خراسان وما وراء النهر فأنفذ بالكتاب الى نوح بن أسد بن سامان فكتب اليه إنّ بخراسان وبما وراء النهر ثلثمائة
ألف قرية إذا خرج منها فارس وراجل لم يبن على أهلهم فقدهم وفى هذه الحكاية نظر فى وقتنا هذا، ويقال أنّ بالشاش وفرغانه من الاستعداد والعتاد ما لا يوصف مثله عن ثغر من الثغور فى وقتنا هذا حتّى أنّ الرجل الواحد من الرعيّة عنده من بين مائة دابّة الى خمس مائة الى عشرين دابّة وليس بذى سلطان، وهم على بعد دارهم أوّل سابق الى الحجّ بكثرة الأموال وسعة الاحتفال وجودة الجمال ولا يدخل البادية مثلهم كثرة وهم مع ذلك أحسن الناس طاعة لكبرائهم وألطفهم خدمة لعظمائهم وفيما بينهم حتّى دعا ذلك الخلفاء من بنى العبّاس [الى] أن استدعوا من أهل ما وراء النهر رجالا وكان الأتراك رجالهم لفضلهم على سائر الجيوش ودهاقينهم أمراء فيهم، وجيوشهم من بين سائر الأجناس فى البأس والجرأة والشجاعة والإقدام متقدّمون على من سواهم ودهاقين ما وراء النهر قوّادهم وحاشيتهم وخواصّ خدمهم للطفهم فى الخدمة وحسن الطاعة والهيئة فى الملبس والزىّ السلطانىّ حتّى لصاروا حاشية الخلافة [قديما ورجالها سالفا ورؤساء عساكرهم كالفراغنة والأتراك الذين كانوا شحنة دار الخلافة] وغلبوا عليها مثل الافشين وابن ابى الساج من اشروسنه والاخشاذ من سمرقند والمرزبان بن كيسفى من السغد [وعجيف بن عنبسة من السغد والبخارخذاة وغيرهم من أمراء الحضرة وقوّادها وجيوشها]، [والملوك على هذا الإقليم وعلى سائر خراسان آل سامان وهم من أولاد بهرام جوبين الذي سار ذكره فى العجم بالبأس والنجدة] وليس
بأرض المشرق ملك أمنع جانبا ولا أوفر عدّة ولا أكمل عدّة ولا أنظم أسبابا ولا أكثر أعطية ولا أدرّ أطماعا ولا أدوم عشرينيّات منهم مع قلّة جبايتهم ونزور أخرجتهم وتفه الأموال فى خزائنهم، وذلك أنّ جباية خراسان وما وراء النهر لأبى صالح منصور بن نوح فى الوقت الذي كنت بنواحيهم محلولا ومعقودا تحمل فى السنة دفعتين فى كلّ ستّة أشهر دفعة عشرون ألف ألف درهم وإذا اقتضيا خراجان كانا أربعين ألف ألف درهم لأمور أوجبت قبض ذلك كذلك، فمنها أنّ الجريب عندهم الصغير خراجه من ربع درهم الى ثلثى درهم الى ثلثة أرباع درهم، ورأيته لنفقاته يجرى الأربعة أطماع فى كلّ سنة دارّة غير منقطعة ولا ممنوعة وكلّ طمع منها فى رأس تسعين يوما فيخرج أوّل ذلك الى غلمانه وخاصته وقوّاده ثمّ الى سائر المتصرّفين ومبلغ كلّ طمع خمس آلف ألف درهم فتسنوفى الأربعة الأطماع الخراج الواحد ويعمّ ذلك سائر أهل المملكة عند آخر السنة وتستوعب أعطيتهم أكثر جباياته المذكورة عن طيبة نفس ومسرّة وجذل قلب وغبطة ظاهرة بقوام المعدلة فيهم تامّة، ولم يل له ولا لأبيه عملا ولا خدمهم رجل فى سائر النواحى المتقدّم ذكر بعضها إلّا وأرزاقه موفرة من هذا المال مع المطالبة بما تقتضيه وتوجبه هذه الحال من المعدلة فى الرعيّة والنصفة للعامّة والأخذ على أيدى الخاصّة ولهذه الحال أعمالهم مشحونة بالقضاة والكفاة والبنادرة والولاة منزلين على أرزاق تتساوى وأحوال فى المواجب تتدانى، وذلك أنّ رزق القاضى كرزق صاحب البريد والعامل على جباية الأموال من البنادرة ووالى المعونة
رأيتهم بقدر كلّ ناحية وحسب كلّ كورة وليس ينقص رزق بعضهم عن بعض ولا يزيد ولها عبر قديمة ودستورات ورازنامجات، فإذا كان لعامل المعونة بالناحية رسم كان للبندار بها على رسمه وكذلك فإذا كان للقاضى عطاء كان لصاحب البريد قسط كقسطه ولن يبعد من صاحيه الأوّلين بنقص ولا زيادة، ومن ذلك عشرينيّات أصحاب البريد بكور خراسان وما وراء النهر وفى ذكرهم ما يدلّ على حال كلّمن ذكرناه متصرّفا فى أعمالهم، سمرقند سبعمائة درهم وخمسين اربنجن ثلثمائة درهم اشروسنه ستّمائة درهم خجنده ثلثمائة درهم الختّل أربعمائة درهم آمل وفربر أربعمائة درهم كورة زم ثلثمائة درهم الجرجانيّة ستّمائة درهم مرو تسعمائة درهم سرخس خمسمائة درهم ابيورد خمسمائة درهم باذغيس ثلثمائة درهم طوس ثلثمائة درهم الجوزجان ستّمائة درهم الطالقان ثلثمائة درهم قوهستان ثلثمائة درهم نيسابور ثلثة آلف درهم الصغانيان ثلثمائة درهم اشتيخن »
والكشانيّة ثلثمائة درهم الشاش سبعمائة درهم ايلاق ثلثمائة درهم فرغانه ألف درهم بست ثلثمائة درهم كش ثلثمائة درهم خوارزم ألف درهم كنج رستاق وبغ ثلثمائة درهم مرو الروذ ثلثمائة درهم بلخ وأعمالها ألف درهم هراة ألف درهم بوسنج ثلثمائة درهم القواذيان مائتا درهم الترمذ ثلثمائة درهم شومان وصرمنجى ثلثمائة درهم فإذا قبض أحد المتصرّفين المذكورين فى البريد درهما واحدا كان للقاضى مثله إذا كان على تلك الناحية وحاكما فى تلك الجهة وكذلك لمن تصرّف معهما من البندار وصاحب المعونة، وهذا تمام لما أردت به الإبانة عن حال دولة أصحاب خراسان ومحلّها فى نفسها من الفخم والعظم،
وليس فى الإسلام جيش إلّا وهم شذّاذ القبائل وملفّقة النواحى والبلدان والأطراف إذا تفرّقوا بهزيمة أو تمزّقوا بحادثة لم يلتق منهم جمع بعد ذلك إلّا بالحيلة الصعبة والمبالغة فى الرغبة والرهبة غير جيش هؤلاء الملوك فإنّ جيوشهم الأتراك المملوكون رقّا بمالهم وشروى مناطقهم، ومن الأحرار والدهاقين من يعرف داره ومكانه وآله وجيرانه فإن قتل منهم قوم أو ماتوا ففى وفور عددهم ما يفاد من بين ظهرانيهم مثله وإن تفرّقوا فى حادثة تراجعوا كلّهم الى مكان واحد لا يقدح فيهم ما يقدح فى سائر عساكر الإسلام، ولا سبيل لهم الى التفرّق فى العساكر والتنقّل فى الممالك كما يكون عليه رسم صعاليك العساكر وشحنة البلدان وذلك أنّهم غذوا من حسن السياسة بمحض الرياسة من التفقّد لأحوالهم عند الغيبة عنهم والنظر للبعيد كالقريب منهم إن أحسن لم يسقط إحسانه وإن أبلى لم تؤخّر مكافاته وإن اجترم طولب لذنبه وجرمه وإن أخطأ أخذ بحوبه وإثمه وإن كان نسيبا أو قريبا وجب عليه قصاص أو قود أحيل على حكم الله تعالى أو بعيدا لزمه حكم أو طلب لم يعدل به عن حدود الله تعالى، وإذا اطّردت السياسة العقليّة صفت الأمور الكلّيّة وتوفّرت المحامد وعلت المنزلة وتأثّل الخدم وأيسر الحشم، ولقد خرج بارس غلام إسماعيل بن أحمد فى فتنة عبد الله بن المعتزّ هاربا من أحمد بن إسماعيل مولاه لأمر كان إسماعيل حمله عليه وندبه له وعهد اليه عهدا فيه وليس هذا موضع ذكره فنزل العراق بعدّة هالت السلطان والخليفة إذ ذاك المقتدر والأمور بعد على حالها وأظهر من العدّة والعدد والآلة والكراع والسلاح والمال والسواد ما لم يكن بحضرة السلطان جيش مثله يوازيه ولم يبن على جيش خراسان فقده فأمر بالمضىّ الى الثغر وإنّما كان عبدا لهم مملوكا من جماعة مماليك، وليس فى بلدان الإسلام ملوك قد
عرفوا فى الملك يتوارثونه بينهم من أيّام العجم مثلهم وهم من جلّة الفرس محتدا، وذلك أنّ أبا صالح منصور [بن نوح] بن نصر بن أحمد بن أبى إبراهيم إسماعيل الملك العظيم الخطير المحمود السيرة الكثير المناقب والمحاسن والآثار الشريفة والأعمال والأفعال البديعة الرائعة ابن أحمد بن أسد بن سامان خذاه بن جيثمان بن طغماث بن نوشرذ بن بهرام شوبين بن بهرام جشنس أعدل ملوك عصره سيرة وأمثلهم طريقة مع ضعف فى جسمه وضأل فى نفس بنيته وأحزمهم رأيا وأثقبهم فى الأمور تدبيرا وأصحّهم فيما يهمّ به منها عزيمة وأصدقهم فى ذات الله نيّة وأنظرهم ليومه وغده فأعماله معمورة وسيرته مشكورة، ولم أر ولم أسمع فى الإسلام بظاهر بلد أحسن من ظاهر بخارا لأنّك إذا علوت قهندزها لم يقع بصرك من جميع النواحى إلّا على خضرة تتصل خضرتها بلون السماء وكأنّ السماء مكبّة زرقاء على بساط أخضر تلوح القصور فيما بين ذلك كالتراس التبّتيّة والحجف اللمطيّة أو كالكواكب العلويّة بياضا ونورا بين أراضى ضياع مقوّمة بالاستواء مهندمة كوجه المرآة بغاية الهندسة، وليس بما وراء النهر من البلاد ولا غيرها من البلدان أحسن قياما بالعمارة للضياع منهم مع كثرة متنزّهات فى سعة المسافة وفسحة المساحة من أرضهم وذلك لهم دون غيرهم لأنّ المشار اليه من متنزّهات الأرض سغد سمرقند ونهر الابلّة وغوطة دمشق على أنّ سابور وجور فارس لا تقصران عن غوطة دمشق لأنّك إذا كنت بدمشق ترى بعينيك على فرسخ وأقلّ جبالا فرّاغا قرعا من النبات والشجر وأمكنة خالية من العمارة وأكمل النزهة ما ملأ البصر وسدّ الأفق وتناهى فى
الطيب، وليس بنهر الابلّة ولا بنواحيه مكان يستوقف النظر إلّا نحو فرسخ وليس فيه مكان عال ولا له فيدرك النظر أكثر من فرسخ ولا يستوى المكان المستتر الذي لا يرى منه مقدار ما يرى من مكان ليس بمستتر فى النزهة ومكان يستوقف البصر منه سعة فى العيان وسفر فى المنظر ولذّة واصلة الى النفس، وسغد سمرقند فلا نعرف به مكانا وبلدة إذا علا الناظر قهندزها وقع بصره على جبال خالية من الشجر أو صحراء غبراء وذلك لأنّ مزارعهم محفوفة بالشجر مشحونة بالخضر، وقد قال أبو عثمن أنّ غبرة المزارع فى أضعاف خضرة النبات من الزينة غير أنّ الأرض الغبرة بالتربة المنتشرة متى عدمت تقويمها من العمارة بالعيان سلبت بهجة النضرة وبزّت حلية الزينة وعدمت حلاوة البهجة وقعدت بالمتنزّه عن اللذّة، ويشتمل ما وراء النهر من هذا الأمر على نصيب وافر وقسط زاخر، ويحيط ببخارا وقراها ومزارعها سور قطره اثنا عشر فرسخا فى مثلها كلّها عامرة زاهرة ناضرة، وأمّا سغد سمرقند فهى أنزه الثلاثة الأماكن الذي ذكرت وهى غوطة دمشق ونهر الابلّة وقد قال أهل فارس شعب بوّان لأنّ من حدّ بخارا على وادى السغد يمينا وشمالا ضياعا تتّصل الى حدّ البتم لا تنقطع خضرتها ولا تتصرّم زهرتها ومقدارها فى المسافة ثمنية أيّام مشتبكة البساتين والخضرة والرياض والميادين قد حفّت بالأنهار الدائم جريها والحياض فى صدور رياضها وميادينها فخضرة الأشجار والزروع ممتدّة على جانبى واديها ومن وراء الخضرة عن جانبى النهر مزارعها ويحرسها من وراء المزارع مراعى سوائمها وقصورها والقهندزات من كلّ مدينة وقرية منها تبصّ فى أضعاف خضرتها كأنّها ثوب ديباج أخضر قد سيّر بمجارى مياهها وزيّنت بترصيف قصورها فهى أزكى بلاد
الله وأحسنها أشجارا وأيمنها وأطيبها ثمارا على أنّ عامّة مساكنهم بالبساتين والحياض والمياه الجارية مرصوفة فما تخلو سكّة ولا محلّة ولا سوق ولا ناحية ولا دار ولا قصبة من نهر جار أو بركة واقفة، وبفرغانه والشاش واشروسنه وسائر ما وراء النهر من الأشجار الملتفّة والثمار الكثيرة والرياض المتّصلة ما لا يوجد مثله فى سائر الأمصار، وبفرغانه فى الجبال الممتدّة بينها وبين بلاد الأتراك من الأعناب والجوز والتفّاح وسائر الفواكه مع الورد والبنفسج وأنواع الرياحين مباح ذلك كلّه لا مالك له ولا مانع منه، وفى جبال ما وراء النهر من الفستق المباح ما ليس ببلد غيره وباشروسنه ورد وريحان الى آخر الخريف وكذلك بالجرزوان من أرض الجوزجان وفى نواحى خراسان ورد غريب الألوان يوجد الى آخر الزمان من نواوير مختلفة فيكون باطن الورقة بلون وظاهرها بغيره من صفرة مظاهرة بسواد ومن حمرة تخالفها زرقة وكحل، وبما وراء النهر كور عظام وأعمال جسام وفيما يصاقب جيحون كورة بخارا على معبر خراسان ويتّصل بها سائر السغد المنسوب الى سمرقند واشروسنه والشاش وفرغانه وكش ونسف والصغانيان وأعمالها والختّل وما يمتدّ على نهر جيحون من الترمذ والقواذيان واخسيسك وخوارزم، فأما باراب »
واسبيجاب الى الطراز وايلاق فمجموع الى الشاش وأمّا خجنده فمضمونة الى فرغانه ويجمع ما بين واشجرد والصغانيان الى عمل الصغانيان والختّل بما وراء النهر لأنّها بين وخشاب وخرباب وخوارزم حسب ما تقدّم ذكرها، وقد كان يجوز أن تجمع بخارا وكش
ونسف كلّها الى السغد ولكن أفردت لتكون أيسر فى التفصيل وأخفّ وليس فى جمع هذه الأطراف بعضها الى بعض ولا فى تفريقها كبير درك غير الإبانة عمّا فى أعراضها من المدن والأنهار ومواقع الكور فى صفاتها وسآتى بما وراء النهر وأذكره بعد ذكر جيحون، فأمّا جيحون فعموده نهر خرباب ويخرج من بلاد وخان فى حدود بذخشان فتجتمع اليه أنهار فى حدود الختّل والوخش فيصير منها هذا النهر العظيم ومن هذه الأنهار نهر يلى خرباب يسمّى باخشوا وهو نهر هلبك ويليه نهر بربان ويليه الثالث نهر فارغر والرابع نهر انديجاراغ والخامس نهر وخشاب وهو أغزرها فتجتمع اليه هذه المياه قبل ارهن ثمّ تجتمع مع وخشاب قبل القواذيان ثمّ يقع اليه بعد ذلك أنهار تخرج من البتم وغيرها، ومنها أنهار الصغانيان وأنهار القواذيان فتجتمع بقرب القواذيان، وماء وخشاب يخرج من بلاد الترك حتّى يظهر فى أرض الوخش ويصير فى جبل هناك فيعبر تحت قنطرة كبيرة ولا يعلم ماء فى حدّ كثرته ثمّ يضيق مثل ضيقه فى هذا الموضع وهذه القنطرة الحدّ بين الختّل وواشجرد ثمّ يجرى هذا الوادى فى حدود بلخ الى الترمذ ثمّ على كيلف ثمّ الى زم ثمّ الى امل حتّى ينتهى الى خوارزم والى بحيرتها، ولا ينتفع بماء هذا النهر بالختّل والترمذ الى ناحية زم أحد ويعمر به أهل زم وامل وفربر ثمّ ينتهى الى خوارزم فيعمر عليه أهلها عامّة بقاعهم، وأوّل كورة على جيحون ممّا وراء النهر الختّل والوخش وهما
كورتان غير أنّهما مجموعتان فى عمل واحد وهما بين خرباب ووخشاب، ومن مدن الختّل هلبك ومنك وتمليات وفارغر وكاوبنج وانديجاراغ ولمنك رستاق كبير، ومدن الوخش هلاورد ولاوكند، ومنك [وهلاورد أكبر من هلبك غير أنّ مقام السلطان بهلبك]، والذي يتاخم الوخش والختّل وخان والشقنيّة وهما دارا كفر ويرتفع منهما المسك والرقيق وبوخان معادن للفضّة غزيرة وفى أودية الختّل ذهب وتبر كثير يجمع فى السيول يجرى من بلاد وخان وبين وخان والتبّت مسافة قريبة، وأرض الختّل ذات زروع وثمار وهى ناحية على غاية الخصب والسعة وبها من الدوابّ والمواشى الغزير الكثير، ومن جاز الختّل والوخش الى نواحى واشجرد والقواذيان والترمذ والصغانيان وما فى أضعافها فإنّها كور مفردة بالأعمال الجليلة والأهل الكثرة من الخاصّة والعامّة، وأمّا الترمذ فهى مدينة فى نحر جيحون لها قهندز وربض يحيط بها وبالربض أيضا سور ودار الإمارة فى فهندزها والحبس خارج القهندز فى سوق المدينة ومسجد الجامع أيضا والمصلّى داخل السور فى الربض وأسواقها وأبنيتها طين ومعظم سككها وأسواقها مفروشة بالآجرّ وهى عامرة آهلة فرضة لتلك النواحى على جيحون وأقرب الجبال اليها على نحو مرحلة وشربهم من ماء جيحون ونهر يجرى من الصغانيان يجرى الى جيحون من تحتها، ولها من المدن صرمنجى وهاشم جرد، والقواذيان مدينة لها كورة وهى أصغر من الترمذ بكثير وتسمّى
فز ولها من المدن نودز وهى مدينة دون القواذيان أيضا، وواشجرد نحو الترمذ فى الحال وشومان أصغر منها، ويرتفع من واشجرد وشومان الى قرب الصغانيان زعفران كثير يحمل الى كثير من النواحى والبلدان ويرتفع من القواذيان الفوّة ويحمل منها الى بلد الهند الكثير الغزير وللسلطان فيها سهم ربّما سعّرت على من أثارها من الأرض وقبّض عن سهمه عينا أو ورقا وصارت بأجمعها للسلطان، والصغانيان أكبر من الترمذ والترمذ أكثر أهلا ومالا وللصغانيان قهندز وهى أصل أبى علىّ أحمد بن محمّد بن المظفّر بن محتاج صاحب جيش خراسان ولم ير بخراسان من الأسواريّة كهو فضلا ونبلا وعفّة وأصلا فى عصره مع رياسة وسياسة شهد له الجميع بذلك غير أنّه ختم له بشرّ فظاهر بالعصيان لصاحبه وبالغ فى استئصال نعمه، واخسيسك محاذية لزم وزم فى أرض خراسان غير أنّ مجموعهما بالعمل الى ما وراء النهر وهى مدينة خصبة صغيرة والغالب على أطرافها السوائم من الإبل والغنم وعلى ظهر كلّ نحو منها مفازة وأبآر ومراع ومساكن، وأمّا فربر فمدينة لبخارا موصوفة فى جملتها، وخوارزم اسم الإقليم وهو إقليم منقطع عن خراسان وعن ما وراء النهر وتحيط به المفاوز من كلّ جهة وحدّه متّصل بحدّ الغزّيّة ممّا يلى الشمال والمغرب وجنوبيّه وشرقيّه خراسان وما وراء النهر وهى ناحية عريضة وأعمال واسعة ومدن كثيرة وهى آخر جيحون وليس بعدها على النهر عمارة حتّى يقع ماء النهر فى البحيرة وهى ناحية على جانبى جيحون ومدينتها الكبرى فى الجانب الشمالىّ من جيحون ولها فى الجانب الجنوبىّ مدينة كبيرة تسمّى الجرجانيّة وهى أكبر مدينة بخوارزم من بعد قصتها وهى متجر الغزّيّة ومنها تخرج القوافل الى جرجان وكانت قوافلهم
تخرج الى الخزر على مرّ الأيّام والى خراسان، وبخوارزم من المدن سوى القصبة درغان وهزار اسب وخيوه وارد خشميثن وسافردز»
ونوزوار وكردران خواش وكردر وقرية قراتكين ومذمينيه ومزداخقان [والجرجانيّة]، وقصبتها فكانت تعرف بكاث درخاش فهلكت واتّخذ أهلها بجوارها غيرها كالجرجانيّة وكان لكاث قصبتها قهندز مع المدينة فخرّبها النهر وقد أتى عليهما والجامع الذي كان على ظهر القهندز فلم يبق منهما رسم ولا طلل، وكان فى وسط المدينة نهر يسمّى خركرور يشقّ المدينة والسوق وكانت المدينة على جانبى هذا النهر وطولها نحو ثلث فرسخ فى مثله وكانت أسواقها عامرة وتجاراتها دارّة زاجية، وأوّل حدّ خوارزم يسمّى الطاهريّة ممّا يلى آمل موضع [تمتدّ] فيه العمارة من جنوبىّ جيحون وليس فى شماليّه عمارة حتّى ينتهى الى قرية غارامخشه ثمّ يكون من غارامخشه الى مدينة خوارزم عامرا [من جانبى جيحون جميعا وقبل غارامخشه بستّة فراسخ نهر يأخذ من جيحون فيه عمارة]
الرساتيق الى المدينة ويعرف هذا النهر [بنهر] غاوخواره وتفسيره أكل البقر وهو نهر عرضه نحو خمسة أبواع وعمقه نحو قامتين يحمل السفن، ويتشعّب من غاوخواره بعد أن يجرى خمسة فراسخ نهر يسمّى كزنه فيعمر به بعض الرساتيق، وليس للعمارة على شطّ جيحون من نحو الطاهريّة الى هزار اسب كبير عرض ويعرض الماء بهزار اسب فيصير نحو مرحلة الى مقابل المدينة ثمّ لا يزال يضيق حتّى يصير بالجرحانية نحو فرسخين ثمّ ينتهى الى قرية تسمّى كيث على خمسة فراسخ من كركانج وهى قرية بقرب جبل وليس فى العرض عمارة غيرها ووراء هذا الجبل المفازة، ومن هزاراسب الى سائر ما على غربىّ جيحون أنهار كثيرة منها [نهر] هزاراسب يأخذ من جيحون ممّا يلى امل وهو نحو نصف غاوخواره وتعمل فيه السفن، ثمّ على نحو فرسخين من هزاراسب نهر يعرف بكردران خواش وهو أكبر من نهر هزاراسب، واليه نهر خيوه وهو نهر [أكبر] من كردران خواش وتجرى [فيه السفن الى خيوه، وبعده نهر مذرى وهو أكبر من غاوخواره مرّتين تجرى] فيه السفن الى مذرى ونهر خيوه على نحو ميل من نهر مذرى، [ومن نهر مذرى] الى نهر وذاك وتجرى فيه أيضا السفن الى الجرجانيّة وبين نهر وذاك ونهر مذرى نحو ميل ومن نهر وذاك الى مدينة خوارزم نحو فرسخين، وأسفل من المدينة فى ناحية الجرجانيّة نهر يسمّى بوه فيجتمع ماء بوه وماء وذاك فى حدّ قرية تعرف باندرستان أسفل منها الى ما يلى الجرجانيّة [ووذاك أكبر من بوه وتجرى
فيه السفن الى الجرجانيّة] على غلوة ثمّ يكون هناك سكر يمنع السفن، ومن مجتمع ذين المائين الى الجرجانيّة نحو مرحلة وبين نهر غاوخواره والمدينة اثنا عشر فرسخا وعرض نهر خوارزم عند المدينة فرسخان، ولكردر [نهر يأخذ من أسفل مدينة خوارزم على أربعة فراسخ من أربعة مواضع متقاربة فيصير نهرا] »
واحدا مثل بوه ووذاك إذا جمعا، ويقال أنّ جيحون كان مجراه قديما فى هذا الموضع وإذا قلّ ماء جيحون ثقل الماء فى هذا النهر، وكيث يحاذيها فى الجانب الشمالىّ المدينة المعروفة بمذمينيه وهى من جيحون على أربعة فراسخ غير أنّها من الجرجانيّة وإنّما صار هكذا لأنّ النهر تحوّل من كردر فقطع ما بين كيث ومذمينيه وليس على الشطّ بعد مذمينيه عمارة، وبين كردر وجيحون رستاق مزداخقان وبين مزداخقان وجيحون فرسخان وهى تحاذى الجرجانيّة ولكلّ قرية بكردر والى المدينة نهر يرتفع من جيحون اليها وجميع هذه الأنهار بأسرها منه، ثمّ ينتهى جيحون الى بحيرة خوارزم بموضع فيه صيّادون وليس به قرية ولا أبنية ويعرف هذا الموضع بخلنجان وعلى شطّ هذا البحر من مقابل خلنجان أرض الغزّيّة فإذا كان الصلح والهدنة جاؤوا من هذا الجانب الى قرية قراتكين ومن الجانب الآخر الى الجرجانيّة وجميع الناحية ثغر، وفى نهر جيحون قبل أن يبلغ نهر غاوخواره بنحو مرحلة جبل يقطع جيحون فى وسطه قطعا ويضيّق الماء هناك حتّى يعود عرض جيحون الى نحو الثلث منه ويعرف هذا الموضع بابوقشه وهو موضع يخاف على السفن فيه من شدّة جريه والهور الذي عند مخرجه،
[وبين الموضع الذي يقع فيه نهر جيحون] وبين الموضع الذي يقع فيه نهر الشاش من هذه البحيرة نحو عشرة أيّام، ووادى جيحون ربّما جمد فى الشتاء وتعبر عليه الأثقال والبغال والأحمال والجمال ويبتدئ جموده من ناحية خوارزم حتّى يعلو الى حيث انتهى الجمد وكلّما علا كان البرد أشدّ والماء أجمد وأبرد ما على جيحون من البقاع خوارزم، وعلى شطّ بحيرة خوارزم جبل يعرف بجغراغر يجمد عنده الماء ويبقى سائر الصيف وله أجمة قصباء، ودور بحيرة خوارزم نحو مائة فرسخ على ما يتواطأ عليه أهل الخبرة بها وماؤها مالح وليس لها مغيض ظاهر ويقع فيها نهر جيحون ونهر الشاش وغير ذلك من مياه تلك النواحى فلا يعذب ماؤها ولا يزيد فيه على صغرها، ويشبه والله أعلم أن يكون بينها وبين بحر الخزر خرق فيتّصل ماؤها بماء بحيرة الخزر وقد ذكر قوم ذلك ولم أقف له على حقيقة، وبين البحيرتين نحو عشرين مرحلة على السمت، وخوارزم ناحية خصبة كثيرة الأطعمة والحبوب والفواكه غير أنّه لا جوز بها ويرتفع منها من ثياب القطن والصوف أمتعة كثيرة تصل الى الآفاق، وفى خواصّ أهلها يسار وقيام على أنفسهم بالمروءة الظاهرة وهم أكثر أهل خراسان انتشارا وسفرا، وليس بخراسان مدينة [كبيرة] إلّا وفيها من أهل خوارزم جمع كثير، ولسان أهلها مفرد بلغتهم وليس بخراسان لسان على لغتهم، وزيّهم القراطق والقلانس المعوّجة ولهم فى تعويجها زىّ ورسم، وخلقهم لا يخفى فيما بين أهل خراسان ولهم بأس على الغزّيّة ومنعة وليس ببلدهم معدن ذهب ولا فضّة ولا شىء من جواهر الأرض وعامّة يسارهم من متاجرة الأتراك واقتناء
النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع