تجاوز إلى المحتوى

من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)

ما وراء النهر (٢)

المواشى، وأكثر رقيق الصقالبة والخزر وما والاهما مع رقيق الأتراك والأوبار من الفنك والسمّور والثعالب والدلق وغير ذلك من أصناف الأوبار فعندهم يحطّ وبهم ينزل، ولهم تجّار يدخلون الى نواحى ياجوج وماجوج لاستخراج الخزوز والأوبار وقلّما يدخل لهم ذو لحية اليهم وأكثرهم خفيفو العوارض والأسبلة وأهل الغاف من ياجوج وماجوج مرد جرد فإذا دخل اليهم ذو لحية كثّاء نتفها الملك الذي يدخل بلده من نسل ياجوج وماجوج ثمّ أحسن الى التاجر الذي نتف لحيته وأغناه، [وهذا ما على جيحون من الكور]، وبخارا فيها دار الإمارة على جميع خراسان وهى مستقيمة على رصيف كور ما وراء النهر [ثمّ يتبعها ما يتّصل بها]، واسمها بومجكث وهى مدينة فى مستواة وبناؤها خشب مشبّك ويحيط بهذا البناء المشتبك من القصور والبساتين والمحالّ والسكك المفترشة والقرى المتّصلة ما يكون اثنى عشر فرسخا فى مثلها ويحيط بأجمعها سور يجمع هذه القصور والأبنية والقرى والقصبة ولا يرى فى أضعاف ذلك كلّه قفار ولا خراب ولا بور، ومن دون هذا السور على خاصّ القصبة ما يتّصل بها من القصور والمساكن والمحالّ التى تعدّ من القصبة ويسكنها من يكون من أهل القصبة

شتاء وصيفا، ومن دون هذا السور سور آخر نحو فرسخ فى مثله ولها مدينة داخل هذا السور يحيط بها سور حصين ولها قهندز خارج المدينة متّصل بها وهو فى مقدار مدينة صغيرة وفيه قلعة ومساكن ولاة خراسان من آل سامان فى هذا القهندز، ولها ربض عريض طويل ومسجد الجامع بها على باب القهندز فى المدينة والحبس بها فى القهندز وأسواقها فى ربضها، وليس بخراسان وما وراء النهر مدينة أشدّ اشتباكا من بخارا ولا أكثر أهلا على قدرها منها وفى الربض منها نهر السغد يشقّ الربض وأسواقها وهو آخر نهر السغد ويصير بها الى طواحين وضياع ومزارع ويسقط الفاضل منه فى مجمع ماء يجاور بيكند ويقارب فربر يعرف بسام خاش، ولبخارا سبعة أبواب حديد منها باب يعرف بباب المدينة وباب يعرف بباب نور وباب يعرف بباب حفره [وباب يعرف بباب الحديد] وباب يعرف بباب القهندز وباب يعرف بباب بنى أسد وهو باب مهر وباب يعرف ببنى سعد، ولقهندزها بابان أحدهما يعرف بالريكستان والآخر بباب الجامع يشرع الى مسجد الجامع، وعلى الربض دروب فمنها درب يخرج الى خراسان يعرف بدرب الميدان وباب يلى المشرق ويعرف بدرب إبراهيم ويلى هذا الدرب درب يعرف بالريو ويليه درب يعرف بالمردكشان ويليه درب كلاباذ وهذا الباب وباب مردكشان يخرج منهما الى نسف وبلخ ويلى درب كلاباذ درب النوبهار ويليه درب سمرقند فيفضى الى سمرقند وسائر ما وراء النهر ويلى درب سمرقند درب بغاشكور ثمّ يليه درب الراميثنه ثمّ يليه درب جدسرون وهو المفضى الى طريق خوارزم ويليه باب غشج، وفى وسط الربض على أسواقها دروب منها باب الحديد ويليه باب قنطرة حسّان ويليه بابان عند مسجد ماخ

ويليهما باب يعرف بباب رخنه ويليه باب عند قصر أبى هشام الكنانىّ ويليه باب عند قنطرة السويقة ويليه باب فارجك ويليه باب دروازجه ويليه باب سكّة مغان ويليه درب سمرقند الداخل، وليس فى مدينتها ولا فى قهندزها ماء جار لارتفاعهما ومياههم من النهر الأعظم الجارى من سمرقند ويتشعّب من هذا النهر فى المدينة أنهار منها نهر يعرف بنهر فشيرديزه فيأخذ من نهر بخارا فى مكان يعرف بالورغ فيجرى فى درب المردكشان على جوبار إبراهيم حتّى ينتهى الى باب البلعمىّ ويقع فى نهر نوكنده وعلى هذا النهر نحو ألفى بستان وقصور وأراض كثيرة شربها منه ومن فم هذا النهر الى مغيضه نحو فرسخ، ونهر يعرف بجوبار بكار يأخذ من النهر المذكور آنفا فى وسط المدينة بموضع يعرف بمسجد أحيد ويغيض بنوكنده وعلى هذا النهر شرب بعض الربض ونحو ألف بستان وتغرس عليه الأشجار الآن لفسحة مائه وسعة أراضيه، ونهر يعرف بجوبار القواريريّين يأخذ من النهر فى المدينة بموضع يعرف بمسجد العارض فيسقى بعض الربض وهو أغزر وأعمر للأراضى من نهر بكار، ونهر يعرف بجوغشج يأخذ من النهر عند مسجد العارض فيسقى بعض الربض حتّى يخرج الى نوكنده وهو نحو جوبار العارض، ونهر يعرف بنهر بيكند يأخذ من النهر فى المدينة عند رأس سكّة ختع فيسقى بعض الربض ويغيض بنوكنده، ونهر نوكنده يأخذ من النهر عند دار حمدونه وهو مغيض للمياه وعليه شرب بعض الربض ويغيض فى المفازة وليس عليه شرب لأحد، ويليه نهر الطاحونة فيأخذ من النهر فى المدينة بموضع يعرف بالنوبهار وعليه بيوت بعض أهل الربض ويدير أرحية كثيرة حتّى ينتهى الى بيكند ومنه شرب أهل بيكند، ونهر يعرف

بنهر كشنه يأخذ من النهر فى المدينة عند النوبهار وعليه شرب أهل النوبهار من الربض فيفضى الى حصون وضياع كثيرة وبساتين حتّى يجاوز كشنه الى ما يمرغ، ونهر يعرف بنهر رباح يأخذ من النهر المعروف بالريكستان فيسقى بعض الربض وينتهى الى قصر رباح فيسقى نحو ألف بستان وقصور هناك وأراض كثيرة دون البساتين، ونهر الريكستان يأخذ من النهر بقرب الريكستان ومنه يشرب أهل الريكستان وأهل القهندز ودار الإمارة حتّى ينتهى الى قصور جلال ديزه، ونهر يأخذ من النهر فى المدينة بقرب قنطرة حمدونه تحت الأرض الى حياض بباب بنى أسد وتقع فضلته فى فارقين القهندز، ونهر يعرف بنهر زغاركنده يأخذ من النهر بمكان يعرف بورغ فيجرى على باب دروازجه وعليه بيوت دروازجه الى باب سمرقند حتّى ينتهى الى سبيذماشه ويجاوز ذلك بنحو فرسخ وعليه قصور وبساتين وأراض كثيرة، وهذه الأنهار طائفة ببخارا وأجنّتها، ولها رساتيق كثيرة ونواح فاخرة نفيسة وأعمال جليلة وضياع فاخرة ليس مثلها لأهل بلد بوجه ولا بسبب وإن كان لأهل ناحية وإقليم من الأقاليم ما يضاهى بعضها فليس كهى على وفورها وغزورها ومنها الذر وبرغيذر وستجن ورستاق الطواويس وبردق وخرغانه السفلى ونقرينه وتجار ختفر ورستاق كاخشتوان وانديان كنديان وسامجن ما وراء وسامجن ما دون وفراوز السفلى وفراوز العليا واروان،

وجميع هذه الرساتيق داخل حائطها المحيط بعملها كالسور عليه ومن خارج هذا الحائط خذه وشابخش ونشر وهو رستاق كرمينيه وخرغانه العليا ورستاق غرقند وبيكند وفربر، والنهر الواصل الى بخارا من نواحى سمرقند فاضلة من جبال البتم ويعرف بنهر السغد وبالسغد وسمرقند يعرف بنهر بخارا وينشعب منه فى حدّ بخارا خارجا عن القصبة قبل الحائط الخارج بناحية الطواويس الى أن ينتهى الى باب المدينة أنهار كثيرة تتفرّق فى القرى والمزارع التى يشتمل عليها الحائط وعليها عمارة قرى بخارا، فمنها نهر يعرف بشافرى كام فيأخذ من النهر فيسقى القرى حتّى ينتهى الى وردانه ومنه شربهم، ونهر يعرف بخرغان روذ يأخذ من النهر فيسقى القرى حتّى ينتهى الى زاوش وعليه شربهم، ونهر يعرف بنجارختفر فيأخذ من النهر فيسقى القرى حتّى ينتهى الى خرميثن ومنه شربهم، ونهر يعرف بنهر جرغ يأخذ من النهر الى جرغ قرية حسنة ومنه شربهم ويعود الفاضل فى النهر، ونهر يعرف بنوكنده يأخذ من النهر فيسقى القرى حتّى ينتهى الى فرايه وعليه شربهم، ونهر يعرف بنهر برخشه فيأخذ من النهر ويسقى القرى حتّى ينتهى الى برخشه ومنه شربهم، [ونهر يعرف بنهر كشنه يأخذ من النهر فيسقى القرى حتّى ينتهى الى كشنه وعليه شربهم،] ونهر يعرف

بنهر الراميثنه يأخذ من النهر فيسقى القرى [حتّى ينتهى] الى الراميثنه ومنه شربهم، ونهر يعرف بفراوز السفلى فيأخذ من النهر فيسقى القرى حتّى ينتهى الى باريابه ومنه شربهم، ونهر يعرف باروان فيأخذ من النهر فيسقى القرى حتّى ينتهى الى بانب وعليه معوّلهم فى شربهم، ونهر يعرف بفراوز العليا فيأخذ من النهر فيسقى القرى حتّى ينتهى الى ريوقان ومنه شربهم، ونهر يعرف بنهر خامه فيأخذ من النهر فيسقى القرى حتّى ينتهى الى خامه ومنه شربهم، ونهر يعرف بنهر نوكنده فيأخذ من النهر فيسقى القرى حتّى ينتهى الى نوباغ الأمير ومنه شربهم، وما فضل من ماء نهر السغد الذي يأخذ منه هذه الأنهار فإنّه يجرى فى نهر يعرف بالذر وهو النهر الذي يسقى ربض بخارا والربض عليه ومنه أنهار المدينة المتقدّم ذكرها، وأكثر هذه الأنهار تحمل السفن كثرا وغرز ماء وجميعها يأخذ من داخل حائط بخارا من حدّ الطواويس الى أن ينتهى الى المدينة، وجميع أبنية بخارا كلّها على اشتباك البناء والتقدير فى المساكن وارتفاع أراضى الأبنية فهى محصّنة بالقهندزات والاجتماع، وليس فى داخل هذا الحائط جبل ولا مفازة ولا أرض غامرة، وأقرب الجبال اليها جبل وركه ومنه حجارة بلدهم للفرش والأبنية ومنه طين الأوانى والنورة والجصّ ولهم خارج الحائط ملّاحات ومحتطبهم من بساتينهم وما يحمل اليهم من المفاوز من الغضا والطرفاء، وأراضى بخارا كلّها قريبة الى الماء لأنّها مغيض ماء السغد ولذلك لا يثبت الأشجار العالية فيها مثل الدلب والجوز وما أشبههما، وإذا كان من هذا الشجر شىء فهو قصير غير نام،

وفواكه بخارا أصحّ فواكه ما وراء النهر وألذّ طعما ومن عمارة بخارا أنّ الرجل ربّما قام على الجريب الواحد من الأرض فيكون فيه معاشه وكفافه مع جماعة من شمله وعدّة من أهله، ومن كثرة عددهم واتّساع نفقاتهم أنّ ما يرتفع من بلادهم يقصر عن كفايتهم لوفورهم وتضاعفهم على ما يخرج من أرضهم فتحمل اليهم المير من الطعام وسائر ما يحتاجون اليه من سائر ما وراء النهر، والجبل المتّصل قتره بقرية وركه فهو جبل يمتدّ الى سمرقند فيما بين كش وسمرقند حتّى يتّصل بجبال البتم عاطفا على اشروسنه فى عرض فرغانه وحتّى يخرج من ناحية شلجى والطراز ثمّ يمتدّ فيما اختبرته أنا ومن سلك ذلك الطريق معارضا لقصد من أراد المشرق الى بحر الصين، والمعادن التى باشروسنه وفرغانه وايلاق وشلجى ولبان الى أرض خرخيز كلّها فى عمود هذا الجبل وما يتّصل به من الجبال، والنوشاذر الذي فى عمل البتم والزجاج والحديد والزيبق والنحاس والآنك والذهب والفضّة والنفط والقير والزفت والفيروزج والنوشاذر الذي بفرغانه والحجارة التى ذكرتها تحرق عوضا من الفحم بها والثمار التى تقدّم ذكرها بفرغانه فكّل ذلك من هذا الجبل فى سفحه أو سنامه أو ما يتّصل به من رباه ووهاده، وبه بناحية البتم وجبال الزابج من نواحى سمرقند مياه حرّ وبرد غير أنّ فيه عيون ماء يجمد فى الصيف إذا اشتدّ الحرّ وقاظت السموم حتّى يصير الجمد كالأعمدة وينقطع جرى مياهها ويكون مياهها فى الشتاء حارّة وتأوى اليها السوائم لدفائها ودفآء أسقاعها وبقاعها فى أوديتها،

ولبخارا مدن فى داخل حائطها وخارجة عنه فأمّا داخله فالطواويس وهى أكبر منبر لها ونمجكث وزندنه ومغكان وخجاده وهى كلّها من داخل الحائط ومن خارجه بيكند وفربر وكرمينيه وخديمنكن وخرغانكث ومذيامجكث، فأمّا الطواويس فكان لهم سوق ومجمع عظيم ينتابه الناس من أقطار أرض خراسان فى وقت معلوم من السنة ويرتفع منها من ثياب القطن ما يحمل منه لكثرته الى العراق وهى مدينة كثيرة البساتين والماء الجارى خصبة وفيها قهندز والمدينة عليها حصار ومسجد جامعها فى المدينة، وجميع المدن التى داخل الحائط فمتقاربة فى القدر والعمارة ولجميعها قهندزات عامرة [وأسواق جادّة وبساتين كثيرة ومجامع عظيمة وعلى كلّ واحدة منها حصار حصين]، وكرمينيه أكبر من الطواويس وأعمر وأكثر عددا وأخصب، وخديمنكن من كرمينيه وهى فى ضمنها وتحادّها خرغانكث ومذيامجكث والعمارة فيها متقاربة أو لاحقة بالسويّة، ولكرمينيه قرى كثيرة وكذلك لكلّ منبر من هذه المدن كور وقرى ومزارع إلّا بيكند فإنّها وحدها لا شريك لها فى الانفراد من الأعمال وبها من الرباطات ما ليس ببلدان ما وراء النهر كهو أو ما يقاربه، ويقال أنّ بها نحو ألف رباط ولها سور حصين ولها مسجد جامع قد تنوّق فيه وفى بنيانه وزخرف محرابه وليس بما وراء النهر [أحسن] زخرفة منه، وفربر مدينة من جيحون قريبة ولها قرى عامرة وهى فى نفسها خصبة مقصودة بفاخر المطاعم والمآكل اللذيذة الطيّبة،

ولسان بخارا لسان السغد غير أنّه يحرّف بعضه ولهم لسان بالدريّة، وأهلها يرجعون من الأدب والعلم والفقه والديانة والأمانة وحسن السيرة وجميل المعاملة وقلّة الشرّ وإفاضة الخير وبذل المعروف وسلامة النيّة ونقاء الطويّة [الى] ما يفضلون به على سائر من بخراسان، ونقودهم الدراهم والدنانير كالعرض ولهم دراهم يسمّونها الغطريفيّة وهى دراهم من حديد وصفر وآنك وغير ذلك من الأخلاط بجواهر مختلفة قد ركبت ولا تجوز هذه الدراهم إلّا ببخارا ومواضع مختصّة خلف النهر، ومنها دراهم تعرف بالمحمدّيّة والسكّة عليها فيها صور مصوّرة بحروف غير مقروؤة وعلاماتها معروفة وهى من ضرب الإسلام وعمل السلف من آل أسد بن سامان، ومنها شىء يعرف بالمسيّبيّة وهى من ذخائرهم ويفضّلون الجميع على الدراهم الورق الإسماعيليّة وكان أبو إبراهيم رأى اتّخاذ الفضّة أولى من هذه الدراهم فهو المبتدئ بضربها بما وراء النهر، ويتبايعون بالفلوس، ويغلب على زيّهم الأقبية والقلانس كزىّ من وراء النهر فى الملبوس، وداخل الحائط وخارجه أسواق متّصلة معلومة فى أوقات من الشهر دارّة لمواعيد تجرى فيها للشرى والبيع فى المواشى والثياب والرقيق وسائر الأمتعة من الصفر والنحاس والأوانى وأسباب القنية ممّا يتّسع به أهلها ويرتفع من بخارا ونواحيها ما يحمل الى العراق وسائر البقاع ثياب تعرف بالبخاريّة كرابيس ثقال الأوزان غليظة السلك مبرمة الغزل فيرغب العرب فيها وكذلك البسط وثياب من الصوف للفرش فى غاية الحسن ومقاعد ومصلّيات محاريب، ويتحدّث أهل بخارا على قديم الأيّام بطريف من أحاديثهم وهو أنّهم يتفاوضون عن غير خلاف أنّ من بركة قلعتهم وقهندزهم أنّه ما أخرج منها جنازة وال قطّ ولا عقد فيه لواء ولا راية خرجت منه فهزمت

[أبدا] وهذا من الاتّفاق العجيب، ويقال أنّ أصل بخارا فى قديم الأيّام ناقلة اصطخر، ومسكن ولاة خراسان من آل سامان بخارا لأنّها أقرب مدن ما وراء النهر الى خراسان ومن كان بها فخراسان أمامه وما وراء النهر عن ظهره، ولهم من حسن الطاعة وقلّة الخلاف للولاة ولزوم ما هم بسبيله من متصرّفاتهم ما يؤدّى الى اختيار المقام بينهم على محاسن من بسائر ما وراء النهر، وكان أوّل من اتّخذها دارا وجعلها قرارا من آل سامان أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد تجاوز الله عنه فإنّه جاءته ولاية خراسان وهو مقيم بها فتبرّك بعرصتها واستدام المقام بها واستلذّه واستمرأه وبقيت الولاية بها فى أولاده وكان ولاة ما وراء النهر مقيمين قبل ذلك إمّا بسمرقند أو بالشاش وفرغانه وكان ولاة بخارا يردون مفردين من خراسان الى أن زالت أيّام الطاهريّة، وأمّا خجاده فهى [عن] يمين الذاهب من بخارا الى بيكند على ثلثة فراسخ وبينها وبين الطريق نحو فرسخ، ومغكان على خمسة فراسخ عن يمين طريق بيكند وبينها وبين الطريق ثلثة فراسخ، وزندنه من المدينة على أربعة فراسخ فى شمال المدينة، ونمجكث على يسار الذاهب الى الطواويس على أربعة فراسخ وبينها وبين الطريق نحو نصف فرسخ، ومن كرمينيه الى خديمنكن فرسخ فيما يلى السغد وبين خديمنكن وطريق سمرقند غلوة على يسار الذاهب الى سمرقند، ومذيامجكث وراء وادى السغد أعلى من خديمنكن بمقدار فرسخ، وخرغانكث حذاء كرمينيه على فرسخ من وراء الوادى، ويتّصل ببخارا من شرقيّها السغد وأوّلها إذا جزت كرمينيه

الدبوسية ثمّ اربنجن والكشانية وسمرقند وكلّ هذا بلد السغد على أنّ من الناس من يزعم أنّ بخارا وكش ونسف من السغد وهى فى أعمال الديوان مفردة، وقصبة السغد سمرقند وهى مدينة على جنوبىّ وادى سغد مرتفعة عليه ولها قهندز ومدينة وربض وقد جعل فى وقتنا هذا الحبس فى القهندز وكانت دار الإمارة فيه فخربت وعلوته فرأيت أحسن منظر عاينه مبصر وتمتّع به ناظر شجر أخضر وقصور تزهر وأنهار تطّرد وعمارة تتّقد لا يقع الطرف منه على مكان إلّا ملأه وعلى باغ إلّا استملحه واستصباه قد فصّلت ميادينها وتناهت تحاسينها وقصّصت به أشجار السرو فجعل منها طرائف الحيوان من الأفيلة والإبل والبقر والوحوش المقبل بعضها على بعض كالمتناجيه والمطالب بعضها لبعض كالمتقابلة المتعاتبة، فيا له منظرا ما أتلفه للأموال وآخذه بمجامع قلوب الرجال، هذا الى أنهار تطّرد وبرك مسجورة لا تزال ترتعد ظريفة المغانى وقصور ومستشرفات سامقة المبانى قد رصّفت فهى مساكن جليلة ومجالس نفيسة وأحوال تدلّ على ملوك جلّة، وأمّا سمرقند فيشتمل عليها حصن ولها أربعة أبواب باب ممّا يلى المشرق يقال له باب الصين مرتفع عن وجه الأرض ينزل عنه بدرج كثيرة العدد مطلّ على نفس وادى السغد وممّا يلى المغرب باب النوبهار وهو على نشز من الأرض وممّا يلى الشمال باب بخارا وممّا يلى الجنوب باب كش، وهى مدينة فيها أسواق [كبار] وفيها ما فى المدن العظام من المحالّ والحمّامات والخانات والمساكن، ولها مياه جارية تدخل اليها فى نهر بعضه رصاص معلّق وهو نهر قد بنى عليه مسنّاة عالية من الأرض وفى

بعض المواضع تلّ فى وسط السوق بناحية الصيارفة من حجارة يجرى عليها الماء من الصفّارين الى أن يدخل المدينة من باب كش ووجه هذا النهر رصاص كلّه وذلك أنّ حوالى المدينة مستفل لأنّه استعمل طينه فى سور البلد فبقى خندقا عظيما بحسب ما خرج منه من التراب والطين واحتيج الى مسنّاة فى هذا الخندق حتّى يجرى الماء الى المدينة وهو نهر قديم جاهلىّ فى وسط أسواقها وبموضع يعرف برأس الطاق من أعمر مواضع بسمرقند ولهذا النهر على حاشيته غلّات موقوفة على مرمّاته ومصالحه وعليه حفظة من المجوس شتاء وصيفا فى شرط عليهم بذلك ولا يؤخذ منهم الجزية لبيت المال لهذا السبب، ومسجد الجامع فى المدينة أسفل القهندز وبينهما عرض الطريق وفى المدينة مياه من هذا النهر وبساتين وفى المدينة دور الإمارة بمكان يعرف باسفزار لآل سامان غير دار الإمارة التى بالقهندز، والمدينة من الربض على جانبه وعلى نحر نهر السغد الذي هو بين الربض والمدينة وذلك أنّ السوق والربض ممتدّان من وراء وادى السغد من مكان يعرف بافشينه على باب كوهك حتّى يطوف بورسنين ثمّ يطوف على باب فنك وعلى باب الريودد ثمّ الى باب قصر أسد ثمّ الى باب غذاوذ ثمّ يمتدّ الى الوادى والوادى للربض كالخندق ممّا يلى الشمال وقطر هذا السور المحيط بالربض نحو فرسخين فى فرسخين غير أنّ الربض سرّته ومجمع أسواقه رأس الطاق ثمّ يتّصل به الأسواق والسكك والمحالّ وفى أضعافه محالّ مفترشة وقصور وبساتين فليس من سكّة ولا دار إلّا وفيها ماء جار إلّا القليل، وقلّ دار تخلو من بساتين حتّى أنّك إذا صعدت

بنظرك نحو قهندزها فى المدينة لم يره البصر لاستتاره بالبساتين والأشجار فى دورها وحافات أنهارها وأسواقها، والخانات وصنوف التجّار فى الربض إلّا شيئا يسيرا فى المدينة، وهى فرضة ما وراء النهر وكانت دار الإمارة بما وراء النهر الى أيّام إسماعيل بن أحمد ﵀، وليس لسور الربض أبواب تغلق من خشب ولا حديد لفتن كانت فأمر السلطان بقلعها والأبواب شارعة بغير أبواب ومنها باب غذاوذ وباب اسبشك وباب شوخشين [وباب افشينه] وباب ورسنين [وباب كوهك] وباب ريودد وباب فرخشيذ، ويزعم بعض الناس أنّ تبّعا ابتنى مدينتها وأنّ ذا القرنين أتمّ بعض بنائها وأخبرنى أبو بكر الدمشقىّ قال رأيت على بابها الكبير صفيحة حديد وعليها كتابة زعم أهلها [أنّها] بالحميريّة وأنّهم يتوارثون علم ذلك من أنّها من صنعة تبّع وبعض الكتابة إنّ من صنعاء الى سمرقند ألف فرسخ وهذا دليل على أنّ بانى صنعاء أحدثها وكان حكمه عليها ويقال أنّه كان يقيم بصنعاء حولا وبسمرقند مثله فوقعت الفتنة بسمرقند واحترق الباب الذي كانت عليه الصفيحة وأعاده أبو المظفّر محمّد بن لقمن بن [نصر بن] أحمد بن أسد كما كان من حديد وتغيّرت تلك الكتابة، وتربة سمرقند من أصحّ تربة وأيبسها ولولا كثرة البخارات من المياه الجارية بها فى سككهم ودورهم وكثرة أشجار الخلّاف بينهم لأضرّ بهم فرط يبسها على ما يحكيه بعض الأطبّاء وبناؤهم من طين وخشب، وأهلها يرجعون الى جمال وكانوا من الإفراط فى إظهار المروءات وتكلّف النفقات والقيام على أنفسهم بما يزيدون به على أكثر بلاد خراسان حتّى يجحف ذلك بأموالهم، وسمرقند مجمع رقيق ما وراء النهر وخير الرقيق بما وراء النهر تربية سمرقند، وبينها وبين

أقرب الجبال اليها مرحلة خفيفة غير أنّه يتّصل بها جبل صغير يعرف بكوهك يمتدّ أصله الى سور سمرقند وهو مقدار نصف ميل فى الطول ومنه أحجار بلدهم والطين المستعمل فى الأوانى والنورة والزجاج، وبلغنى أنّ فيه فضّة وذهبا غير أنّه لا يسوغ العمل فيه، والبلد كلّه طرقه وسككه وأسواقه إلّا القليل مفروش بالحجارة، ومياههم من وادى السغد وهذا الوادى مبدأه من جبال البتم على ظهر الصغانيان وله مجمع ماء يعرف بجن مثل بحيرة حواليها القرى وتعرف الناحية ببرغر فينصبّ منها بين جبالها الماء حتّى ينتهى الى [بنجيكث ثمّ ينتهى الى] مكان يعرف بورغسر وتفسيره رأس السكر ومنه تتشعّب أنهار سمرقند ورساتيق تتّصل بها من غربىّ الوادى من جانب سمرقند، وأمّا أنهار الجانب الشرقىّ على الوادى فإنّها تأخذ بحذاء ورغسر بمكان يعرف بغوبار وذلك أنّ بهذا المكان تنفسخ الجبال وتظهر الأراضى التى يمكن فيها الزرع وجرى الأنهار، فيأخذ من ورغسر أنهار منها نهر برش ونهر بارمش ونهر بشمين فأمّا نهر برش فإنّه نهر يمتدّ على ظهر سمرقند ومنه أنهار المدينة والحائط والقرى التى تتّصل بها من مبتدئه الى منتهاه، وأمّا نهر بارمش فإنّه يلى هذا النهر من ناحية الجنوب وعليه القرى من أوّله الى آخره نحو مرحلة، وأمّا بشمين فإنّه من بارمش ممّا يلى الجنوب ويسقى من أوّله الى آخره قرى كثيرة غير أنّ انقطاعه دون انقطاع ذين النهرين، وأكبر هذه الأنهار برش ثمّ بارمش ويحملان جميعا السفن، وينشعب من هذه الأنهار أنهار يكثر إحصاؤها حتّى يعمر بها القرى والمزارع ومن ورغسر الى آخره رستاق يعرف بالدرغم

على عشرة فراسخ فى الطول وعرضه نحو أربعة فراسخ الى نحو فرسخ، وهذه الرساتيق تعرف بورغسر ومايمرغ وسنجرفغن والدرغم، وأمّا الأنهار التى تأخذ من غوبار فإنّها نهر اشتيخن والسناواب ونهر بوزماجن، [ونهر السناواب يمرّ على ظهر بوزماجن] فيسقى قرى منها حتّى يتّصل برستاق ويذار ويجاوزه الى حدود عمل اشتيخن حتّى يكون من أوّله الى آخره كالقراح الواحد نحو مرحلتين، ونهر بوزماجن دونه الى ما يلى المدينة يسقى رستاق بوزماجن، ونهر اشتيخن فإنّه لا ينتفع به الى أن يجرى من مبتدئه نحو أربعة فراسخ وتتشعّب منه الأنهار فيسقى مقدار تسعة فراسخ حتّى ينتهى الى اشتيخن ثمّ يسقى اشتيخن ورساتيقها وهو أعظم هذه الأنهار، وهذه أوّل أنهار الوادى فأمّا غربيّه فلا يتشعّب منه شىء الى أن يجاوز سمرقند، ومن مبتدأ هذا الوادى الى أن ينتهى الى سمرقند زيادة على عشرين فرسخا فإذا جاوز سمرقند بنحو مرحلتين انشعب منه نهر يعرف بفى وليس بالسغد نهر أوفر عمارة منه ولا أكثر أهلا ولا أغزر أكرة ولا أعظم قصورا وقرى وماشية وعزّة ومنعة من فى وهو ثلث السغد وينشعب من فى أنهار كثيرة لم أصل الى علمها بالحقيقة ويسقى زيادة على مرحلتين، ثمّ ينشعب من وادى السغد أنهار كثيرة على امتداده تجاه كلّ مدينة وبلدة ورستاق نهر حتّى ينتهى من حدّ اربنجن الى

كرمينيه والى حدّ بخارا ومنها أنهار اربنجن وأنهار الدبوسية وأنهار كرمينيه [الى أن ينتهى الى بخارا]، وأمّا شرقىّ هذا الوادى فتنشعب الأنهار منه بحذاء سمرقند ومنها نهر كينجكث وأنهار أخر لتلك القرى فيسقى رستاق كينجكث ورستاق المرزبان وغير ذلك وربّما كان للقرية الواحدة [منها نهران وثلاثة] وللقرى الكثيرة نهر مفرد يشتقّ من الوادى ثمّ تتفرّع منه أنهار لكلّ قرية تجاوره ما قام بأودها وتأخذ منه أنهار الكشانية وتجاوزها الى حدود حائط بخارا ويكثر عدد هذه الأنهار لكثرة القرى عليها، ومقدار هذا النهر من ورغسر الى حدّ بخارا حيث تأخذ منه أنهار بخارا المذكورة داخل حائطها ستّة أيّام مشتبكة القرى والبساتين والأنهار، فلو اطّلع مطّلع على وادى السغد من الجبل لرأى خضرة متّصلة لا يرى فى أضعافها غير قهندز أبيض أو قصر سامق مشيد فأمّا فرجة منقطعة عن الخضرة أو أرض بائرة أو غامرة فقلّما ترى هذه الحال، وعلى هذا الماء وال جليل بسمرقند وقوم مثبتون منزلون لسدّ بثوقه ومجارى أنهاره وسكوره وبورغسر كروم وضياع وناحية قد أزيل عنها الخراج وجعل مكانه عليهم إصلاح تلك السكور، وإذا انشعبت من هذا الوادى هذه الأنهار التى ذكرتها جرى منه تحت قنطرة جيرد على باب سمرقند من الماء ما يكون عند امتداده يقارب القنطرة وارتفاعها نحو ثلثة أبواع وزائد وعرضها كطولها وفيه يحمل خشب السغد الى سمرقند وامتدد هذا الوادى فى الصيف من ثلوج جبال البتم واشروسنه وسمرقند، وربّما زاد الماء حتّى يقلب السكر لقنطرة جيرد فيحيّر أهل سمرقند فى سدّ ذلك لكثرته وغزارته،

وأمّا رساتيق سمرقند فأوّلها [بنجيكث ومدينة بنجيكث بها منبر ثمّ يليه ورغسر ومدينته ورغسر] وتلى بنجيكث جبال الشاوذار وليس بها منبر وبين الشاوذار وورغسر فيما يلى سمرقند رستاق مايمرغ وسنجرفغن وليس بهما منبر غير أنّ بما يمرغ مكانا يعرف بالريودد وكان به مقام الاخشيذ ملك سمرقند وهى قرية فيها قصور الاخشيذيّة وسنجرفغن وورغسر كانا من مايمرغ فأفردا عنها ويتّصل برستاق مايمرغ رستاق الدرغم وليس به منبر ويتّصل بالدرغم رستاق ابغر وليس به منبر، وبنجيكث رستاق كثير الثمار خصب الأشجار مطّرد الأنهار مفضّل بغلّاته وجودته من جميع الوجوه يابسها ورطبها وليس بالكبير، وليس بجميع رساتيق سمرقند لمايمرغ نظير فى اشتباك أشجاره وكثرة قراه واتّصال قصوره وأنهاره، وسنجرفغن رستاق صغير يشتمل على قرى يسيرة، والشاوذار هو الجبل الذي عن جنوبىّ سمرقند وليس بنواحى سمرقند [رستاق] أصحّ هواء ولا أجود زرعا ولا أحسن فاكهة [منه] وأهله أصحّ أهل نواحيهم أبدانا وأجمل ألوانا وطول هذا الرستاق زيادة على عشرة فراسخ وهو من أنزه الجبال وأحسنها فى عمارة لا تنقطع وغلّات متّصله لا تغبّ ولا تمتنع، وبالشاوذار عمر للنصارى فيه مجمع لهم ولهم به قلّايات ومساكن حسنة نزهة أدركت فيها قوما من نصارى العراق انتجعوه لطيبته وقصدوه لعزلته ونزهته وله وقوف ويعتكف به قوم منهم ويشرف على معظم السغد ويعرف هذا الموضع بوزكرده، وللشاوذار فجاج وكلّ فجّ

منها فيه أنهار جارية الى ضياع فى خلال ذلك حسنة زاكية وصيود من غير جنس كثيرة وخصب وغدق من جميع وجوه العيش والتمتّع به، ورستاق الدرغم من أزكى هذه الرساتيق فى زروعه المسقيّة ويفضّل ما يحمل منه من الأعناب على سائر الرساتيق وطول الدرغم مرحلة متوسّطة، وأمّا أبغر فإنّها ناحية مباخس وقراها أعمر وأكثر عددا من سائر رساتيق سمرقند وأموالهم المواشى وليس لهم سيح وبلغنى أنّ القفيز الواحد ربّما راع مائة فقيز وزائدا وطول ابغر نحو مرحلتين ويكون للقرية الواحدة من الحوزة نحو فرسخين وأكثر ويقال أنّ زرع ابغر إذا سلم كفى السغد بأجمعها، وهذه رساتيق سمرقند من حدّ الجنوب، وأمّا شماليّها فإنّ أعلاها ياركث وهى متاخمة لاشروسنه وليس بها منبر وماؤها من عيون فلا يصلون الى وادى السغد وبها مباخس وسيح ومباخسها أكثر ولهم مراع زكيّة جدّا، ورستاق فورنمذ ممّا يلى اشروسنه وليس له مدينة ويشتمل على قرى يسيرة، ثمّ يتّصل بياركث رستاق بوزماجن »

ممّا يلى سمرقند ومدينته اباركث وهو أعرض رستاق فى شمال وادى السغد وأكثره قرى ويمتدّ من غوبار الى قرب سمرقند مرحلة فى مثلها، ويتّصل بهذاء الرستاق رستاق كبوذنجكث وهو رستاق مشتبك أيضا بالقرى والشجر ومدينته كبوذنجكث، وعلى ظهر هذا الرستاق رستاق ويذار ومدينته ويذار وهو رستاق خصب كثير الزرع له سهل وجبل ومباخس وسقى سيح ونواضح، وويذار وكثير من قرى هذا الرستاق لقوم من بكر بن وائل يعرفون بالسباعيّة وكانت لهم بسمرقند ولايات ودور ضيافات وأخلاق حسنة يتواصفونها ويذكرونها وأدركت منها طرفا دلّ قليله على كثير سلف منه، ويتّصل بهذا الرستاق رستاق المرزبان بن كيسفى المستدعى الى

العراق فى جملة دهاقين السغد، والذي بهذا العمل من الرساتيق من شماليّه ستّة رساتيق ومن جنوبيّة ستّة رساتيق، فامّا نقود سمرقند فالدراهم الإسماعليّة والمكسّرة العراض والدنانير ولهم من نقود بخارا فى مقام الإسماعليّة دراهم تعرف بالمحمّديّة تركّب من جواهر شتّى وهى من النقد المتقدّم ذكره عند وصف بخارا، واشتيخن مدينة مفردة على غاية النزهة وكثرة البساتين والقرى والرياض والمتنزّهات والغياض على أنّ السغد كلّها متقاربة فى الخصب والنزهة والأشجار والثمار والزروع والخضرة والنضرة إلّا الكشانية فإنّها قلب السغد وأعمرها، ولاشتيخن قهندز فى المدينة وربض وأنهار مطّردة وصياع ومن بعض قراها عجيف بن عنبسة وله بها قرى ومزارع وأسواق اشتيخن التى استصفاها المعتصم وأقطعها المعتمد محمّد بن طاهر، والكشانية أعمر مدن السغد وهى واشتيخن متقاربتان فى الكبر غير أنّ قصبة الكشانية أكبر وأعمر وقراها أغزر وأهلها أجلّ وأظهر وحدود رساتيق اشتيخن أبعد لأنّ حدّ اشتيخن من ظهر يغان من جبال تعرف بساغرج الى حدّ الكشانية نحو مرحلتين وجميعهما من شمال وادى السغد،

والدبوسية واربنجن فمن جنوبىّ الوادى على جادّة طريق خراسان واربنجن أكبر وأعمر وأكثر رساتيق وقرى منها لأنّه ليس بالدبوسية كثير رساتيق ولا قرى، وقلب مدن السغد الكشانية وأهلها أيسر أهل مدن السغد، وكش مدينة لها قهندز وحصن وربض ومدينة أخرى متّصلة بالربض والمدينة الداخلة مع القهندز خراب والخارجة عامرة ودار الإمارة خارج المدينة والربض بمكان يعرف بالمصلّى والحبس والمسجد الجامع فى المدينة الداخلة الخراب وأسواقها فى ربضها وهى مدينة مقدارها نحو ثلث فرسخ فى مثله وبناؤها من طين وخشب وهى مدينة خصبة جدّا جروميّة تدرك فيها الفواكه أسرع ممّا تدرك بسائر ما وراء النهر وتأتى بواكيرها الى بخارا وهى وبئة، وللمدينة الداخلة أربعة أبواب فمنها باب الحديد وثانيه باب عبيد الله والثالث باب القصّابين والرابع باب المدينة الداخلة وللمدينة الخارجة بابان أحدهما باب المدينة الداخلة والثانى باب بركنان [وبركنان] قرية ينسب اليها الباب، وللمدينة نهران كبيران أحدهما يعرف بنهر القصّارين ويخرج من جبل سيام ويجرى فى جنوبىّ المدينة والآخر نهر اسروذ يخرج من رستاق كشك روذ فيجرى على شمال المدينة وهذان النهران يجريان على باب المدينة، وللرساتيق أنهار منها نهر خروذه فيما يلى طريق سمرقند على فرسخ والآخر نهر على طريق بلخ يعرف بخشك روذ على فرسخ من المدينة ومجمع فضلات هذه المياه الى واد يجرى الى نسف، وفى المدينة والربض بعامّة دورها مياه جارية وبساتين حسنة وطول عملها نحو أربعة أيّام فى مثلها ولها من المدن

نوقد قريش وسونج من رستاق خزار واسكيفغن أيضا من رستاق خزار، ويرتفع بكش من الملح المستخرج من الأرض ما يحمل الى كثير من آفاق خراسان وفى جبالها العقاقير الكثيرة وبها يسقط الترنجبين ومنها بغال ما وراء النهر ويجلب الى أقطار خراسان منها الفره الجياد، ولها رساتيق ذات سوائم ونتاج ومن رساتيقها رستاق كشك ورستاق بوزماجن ورستاق سيام ورستاق ارغان ورستاق خروذه ورستاق خزارروذ ورستاق خزار ورستاق سورروذه ومنكوره الدخلة ومنكوره الخارجة ورستاق مايمرغ وهذه جميع رساتيق كش، ونسف مدينة لها قهندز خراب وربض له أربعة أبواب فباب منها يدعى باب النجاريّة وباب يسمّى باب سمرقند وباب يسمّى باب كش وباب غوبذين وهى مدينة على مدرج طريق بخارا الى بلخ فى مستواة والجبال منها على مرحلتين فيما يلى كش والذي بينها وبين جيحون مفازة لا جبل فيها، ولها نهر واحد يجرى فى وسط المدينة وهو مجمع مياه كش فيصير منها هذا النهر [فيسرع الى العراء] ودار الإمارة على شطّ

هذا النهر بمكان يعرف برأس القنطرة وحبسها عند دار الإمارة ومسجد الجامع بناحية باب غوبذين والمصلّى بناحية باب النجاريّة داخل الباب وأسواقها فى الربض مجتمعة ما بين دار الإمارة ومسجد الجامع، وليست لها قرى كثيرة ولا نواح على قدرها ومحلّها، ولها منبران سوى المدينة أحدهما بزده والآخر كسبه ولها قرى ولا منابر فيها ويزده أكبر من نسف والغالب على قراهم المباخس وإن كانت لهم أسقاء فقليلة، وليس بنسف ورساتيقها ماء جار إلّا هذا النهر وينقطع فى بعض السنة وسقيهم بالنواضح لا بالسيح لمباقلهم وأجنّتهم والغالب على نسف ونواحيها المضافة اليها الخصب والسعة، وأمّا اشروسنه فإنّه اسم الإقليم [كما أنّ السغد اسم الإقليم] وليس بها مدينة بهذا الاسم والذي يطوف بها من أقاليم ما وراء النهر من شرقيّها بعض فرغانه وفامر وغربيّها حدود سمرقند وشماليّها الشاش وبعض فرغانه وجنوبيّها بعض حدود كش والصغانيان وشومان وواشجرد والراشت، ومدينتها الكبرى تسمّى بلسان الاشروسنيّة بومجكث ولها من المدن ارسيانيكث وكركث وغزق وفغكث وساباط وزامين وديزك ونوجكث وخرقانه وهذه مدنها، ومدينتها التى يسكنها الولاة بومجكث وهى مدينة يحزر رجالها نحو عشرة آلف رجل وبناؤها طين وخشب، ولها مدينة داخلة منها عليها سور بذاتها وسور على ربضها ولها سور آخر من وراء ذلك وللمدينة الداخلة بابان أحدهما يدعى باب الأعلى والآخر باب المدينة

وداخل المدينة مسجد الجامع والقهندز ودار الإمارة فى الربض فى مربّعة الأمير، ويجرى بالمدينة الداخلة نهر كبير عليه رحى والسجن فى قهندز المدينة والجامع خارج القهندز وأسواقها فى المدينة الداخلة والربض جميعا وحائط الربض يشتمل على نحو فرسخ ويشتمل الخندق على دور وبساتين ونضور وكروم وزروع ويحسب ذلك كلّه الى السور من المدينة وخارج السور من الرستاق، ولها أربعة أبواب أحدها باب زامين وباب مرسمنده وباب نوجكث وباب كهاباذ، ولهذه المدينة ستّة أنهار فأحدها يعرف بسارين وهو الذي يجرى فى المدينة والآخر ابرجن والآخر يماجن والآخر سنكجن والآخر رويجن والآخر ستينكجن وجميعها من منبع واحد وعين واحدة ويكون مقدار ما يدير عشر أرحية ومن المدينة الى منبع الماء أقلّ من نصف فرسخ، ويلى هذه المدينة فى الكبر زامين وهى على طريق فرغانه الى السغد ولها اسم آخر وهو سوسنده ولها مدينة قديمة على أنّها خربت وصارت الأسواق والجامع ومجمع الناس بسوسنده وليس على هذا البلد الحادث سور وهو اليوم منزل للسابلة من السغد الى فرغانه ولها ماء جار وبساتين وكروم ومزارع وماؤهم من نهر سارين وشربهم منه، وهى مدينة ظهرها جبال اشروسنه ووجهها الى بلاد الغزّيّة وهى صحراء ملساء لا جبال بها، وديزك مدينة فى السهل ولها رستاق يعرف بفنكان وبها يرابط أهل سمرقند وفيها رباطات تشتمل على عدد كثير وأجلّ رباط فى حدودها رباط خديسر وهو منها على فرسخين وهو من أشهر

رباطات بما وراء النهر بناه الافشين وفى وسطه عين ماء ينبع وعليه أوقاف وضياع سبّلها قبل خروجه الى العراق، وهو من أقرب تلك الرباطات الى بلاد العدوّ ولديزك ماء جار وبساتين وهى خصبة، وسائر المدن التى ذكرتها متقاربة فى الكبر والنزهة والبساتين والمياه سوى مرسمنده فإنّها مدينة جيّدة وليس بها بساتين ولا كروم ولها ماء جار سيح ويمتعهم الكروم والبساتين شدّة البرد أن تكون بها والماء بها واسع والتربة جيّدة وبها رياض مؤنقة وكلأ ونضرة وأنورة ومتنزّهات، وأمّا خرقانه وزامين وساباط فعلى طريق فرغانه الى الشاش ومن أراد من زامين الى خجنده على طريق خاوس فطريقه على كركث، ومن سمرقند الى خرقانه تسعة فراسخ، وليس بجميع اشروسنه نهر تجرى فيه سفينة ولا بها بحيرة غير أنّ مزارعها ومراعيها وقراها عامرة خصبة كثيرة الخير وكلّ مدينة من هذه المدن لها رستاق كبير ومن رساتيقها التى لا مدينة فيها بشاغر ومسخا وبرغر وفرتانغام ومينك وبسكن واسبيكث، والبتم جبال شاهقة سامقة منيعة والغالب عليها النزهة والخضرة والبقلة المعروفة بالطبرخون وهى قرى آهلة بالناس وبالبتم حصون منيعة جدّا وفيها معادن الذهب والفضّة والزاج والنوشاذر الذي يحمل الى كثير من الأماكن وبقاع الأرض، وفى كلّ جبل منه كالغار قد بنى عليه كالبيت واستوثق من أبوابه وكواه وفيه عين يرتفع منها بخار يشبه بالنهار

بالدخان وفى الليل كالنار فإذا تلبّد هذا البخار فى حيطان هذا البيت وسقفه قلع منه النوشاذر وداخل هذا البيت من شدّة الحرّ ما لا يتهيّأ لأحد أن يدخله إلّا احترق إلّا أن يلبس اللبود المبلولة ويدخل كالمختلس ويأخذ ما يقدر عليه من ذلك وهذا البخار ينتقل من مكان الى مكان فيحفر عليه حتّى يظهر فإذا خفى فى مكان حفر عليه آخر الى أن يوجد، وإذا لم يكن عليه مبتنى يمنع البخار من التفرّق لم يضرّ من قاربه حتّى إذا اختنق فى بيت أحرق من يدخله لشدّة الحرّ، وللبتم جبال تعرف بالبتم الأوّل والأوسط والبتم الخارج وماء سمرقند والسغد وبخارا من البتم الأوسط بمكان يعرف بجن ويكون نحو ثلثين فرسخا ويجرى من هذا الماء الى برغر [ثمّ] على بنجيكث الى سمرقند ويخرج من مسخا مياه فتقع الى برغر وتختلط بماء سمرقند، ونهر الصغانيان ونهر فرغانه فى ظهر مسخا من قرب رأس ماء جن ومينك ومينك الموضع الذي قاتل فيه قتيبة بن مسلم المسوّدة وهناك حصن يعرف بالافشين الأكبر وهو صاحب المعتصم وكان قد اتّخذه لنزهته وكان يسكن المدينة أيضا، واشروسنه بلدة افتتحها أحمد بن [أبى] خلد، وآل أبى الساج الداوداذ بن داودشت من القرية المعروفة بجنكاكث وسويدك وهما قريتان متدانيتان، وبناحية مينك ومرسمنده تتّخذ آلات الحديد التى تعمّ خراسان ويجهّز الى العراق وذلك لأنّ الحديد بفرغانه ليّن ممكن لما يراد قنيته فى أىّ صنعة قصد منه وتتفتّق لهم الخواطر بالغرائب التى يتّخذونها منه، وبمرسمنده

النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صورة الأرض»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.