من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
الباب الخامس عشر في ذكر نهرها وقنيّها الداخلة إلى البلد
نهر قُوَيْق له مخرجان شاهدتُهما وبين حلب وبينهما أربعة وعشرون ميلاً أحدهما في قرية يُقال لها الحُسَيْنيّة بالقرب من عزاز تخرج الماء من عين كبيرة فتجري في نهر ويخرج بين جبلَيْن حتّى يقع في الوطأة الّتي قبليّ الجبل الممتدّ من بلد عزاز شرقاً وغرباً. والمخرج الآخر يجتمع من عيون ماء من سِنياب ومن قرى حولها كلّها من بلد الراوندن فتجتمع مياه تلك الأعين وتجري في نهر يخرج من فم سنياب فيقع في الوطأة المذكورة ويجتمع النهران فيصيران نهراً واحداً في بلد عزاز وهو نهر قُوَيْق ثمّيجري إلى دابق ويمرّ بمدينة حلب وتمدّه عيون قبل وصوله إليها وكذلك بعد أن يتجاوز وتدّه العين المباركة فيقوى وتدور به الأرحاء. وأول هذه الأرحاء قرية مالِد من شماليّ حلب. ويسقي في طريقه مواضع كثيرة حتى ينتهي إلى قنسرين ثم يمرّ إلى المطخ فيغيض في الأجم. وحكى جماعة أنّ نهر قويق يغيض في المطبخ ويخرج إلى بحيرة أفامية وأنّ قويق إذا مدّ في الشتاء احمرّ ماء بحيرة أفامية فاستدلّوا بذلك على ما ذكروه. والمسافة بين مغيضه وأفامية مقدار أربعة عشر ميلاً.
وقال أبو زيد البَلْخيّ في تأريخه: ومخرج نهر من حدود دابق دون حلب بثمانية عشر ميلاً ويغيض في أجمة أسفل حلب.
وقال ابن حَوقَل النَصيبينيّ فيما وقفت عليه فيه: ولها - يعني حلب - وادٍ يُعرف بأبي الحسن قُوَيْق وشرب أهلها منه وفيه قليل طفس.
وذكر الحسن بن أحمد المهلّبي في كتاب المسالك والممالك الّذي صنعه للعزيز الفاطميّ لمّا ذكر حلب قال: وشرب أهلها من نهر على باب المدينة يُعرَف بقُوَيْق ويُكنيه أهل الخلاعة أبا الحسن.
وقال أبو الحسين بن المنادي في كتابه المسمّى بالحافظ: مخرج قُوَيْق نهر حلب من قرية تُدعى سِنياب على سبعة أميال من دابق يمرّ إلى حلب ثمانية عشر ميلاً ثمّ إلى المرج الأحمر اثني عشر ميلاً ثم يغيض في الأجمة فمن مخرجه إلى مغيضه اثنان وأربعون ميلاً والمرج الأحمر هذا هو المعروف الآن بمرج تلّ السلطان وإنّما عُرف بتلّ السلطان لأنّ السلطان ألب أرسلان السلجوقيّ نزل في خيم به مدّةً فنُسب إليه.
جاء عن بعض المفسّرين في قوله تعالى:) إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (كان ذلك على نهر حلب يُقال له قويق.
أحسن ما وُصف به من الشعر قول أبي بكر أحمد بن محمّد الصَنَوْبَريّ في القافيّة وهي:
قُوَيْقُ لَهُ عَهْدٌ لَدَيْنا ومِيثاقُوَهَذِي العُهُودُ وَالمَواثيقُ أَطْواقُ
نَفَي الخَوْفَ أَنّا لا غَريقٌ نَرى لَهفَنَحْنُ عَلى أَمْنٍ وَذَا الأَمْنُ أَرْزاقُ
وَنَزَّهَهُ أَلاَّ سَفينَةُ تَمْتَطِيَمطاهُ لَها وَخْدٌ عَلَيْهِ وَإِعناقُ
وَأَنْ لَيْسَ يَعْتاقُ التَماسيحُ شُرْبَهُإِذا اعْتاقَ شَرْبَ النِيلِ مِنْهُنَّ مُعْتاقُ
وَلا فيهِ سِلَّوْرٌ وَلَو كانَ لَمْ أَكُنْأَرَى أَنَّهُ إِلاَّ حَميمٌ وغَسّاقُ
بَلَى تُعْلِنُ التَسْبِيحَ في جَنَباتِهِعَلاَجِمُ بِالتَسْبِيحِ مُذْ كُنَّ حُذّاقُ
أَقامَتْ بِهِ الحِيتانُ شَوْقاً ولَمْ يَزَلْيُقامُ عَلى شَطَّيْهِ لِلطَّيْرِ أَسْواقُ
وَسُرْبِلَ بالأَرْحاءِ مَثْنىً وَمَوْحَداًَكما سَرْبَلَتْ غُصْناً مِنَ البانِ أَوْراقُ
وَفاضَتْ عُيونٌ مِنْ نَواحِيهِ زُرَّفٌوَلَمّا تُعاوِنْها جُفونٌ وَآماقُ
هُوَ الماءُ إِنْ يُوصَفْ بِكُنْهِ صِفاتِهِفَلِلْماءِ إِغضاءٌ لَدَيْهِ وإِطراقُ
فَفِي اللَوْنِ بَلُّوْرٌ وَفي اللَّمْعِ لُؤْلُؤٌَوفي الطِيبِ قِنْدِيدٌ وَفي النَفْعِ دِرْياقُ
إِذا عَبِثَتْ أَيْدي النَسِيمِ بِوَجْهِهِوَقَدْ لاحَ وَجْهٌ مِنْهُ أَبْيَضُ بَرَّاقُ
فَطَوْراً عَلَيْهِ مِنْهُ دَرْقٌ خَفِيفَةٌوَطَوْراً عَلَيْهِ جَوْشَنٌ مِنْهُ رَقْراقُ
وَلَمْ يَعْدُهُ نِيلْوفَرٌ مُتَشَوِّفٌبأرْؤُسِ تِبْرٍ وَالزبْرَجَدُ أَعْناقُ
لَهُ وَرَقٌ يَعْلُو عَلى الماءِ مُطْبِقٌكَأَطْباقِ مَدْهُونٍ تَلَتْهُنّ أَطباقُ
وَقَدْ عابَهُ قَوْمٌ وَكُلُّهُمُ لَهُعَلَى ما تَعَاطَوْه مِنْ العَيْبِ عُشاقُ
يَهابُ قُوَيْقٌ أَنْ يُمَلَّ فَإِنّمايُقِيمُ زَماناً ثُمّ يَمْضِي فَنَشْتاقُ
وَقالوا: أَلَيْسَ الصَيْفُ يُبْلي لِباسَهُفَقُلْتُ: الفَتَى في الصَيْفِ يُقْنِعُهُ طاقُ
وَما الصُبْحُ إِلاَّ آئِبٌ ثُمّ غائِبٌتُوارِيهِ آفاقٌ وتبديه آفاقُ
وَما البَدْرُ إِلاَّ زائِدٌ ثُمَّ ناقِصٌلَهُ في تَمامِ الشَهْرِ حَبْسٌ وَإِطْلاقُ
وَلَوْ لَمْ تَطَاوَلْ غَيْبَةُ الوَرْدِ لَمْ تَتُقْإِلَيْهِ قلُوبٌ تائِقاتٌ وَأَحْداقُ
وِلِوْ دامَ في الحُبِّ الوِِصالُ وَلَمْ يَكُنِفراقٌ َولا َهجْرٌ لما اشتاقَ ُمشتاقُ
َوَفضْلُ الغَنِى لا َيسْتَبّينُ ِلِذي الغِنَيِإذا َلمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ الفَضْلَ إِمْلاقُ
قُوَيْقٌ رَسيلُ الغَيْثِ يَأْتِي وَيَنْقَضِيوَيَأْتِي انْسِياقاً تارةً ثُمّ يَنْساقُ
وله فيه:
قُوَيْقُ عَلَى الصَفْراءِ رُكِّبَ جِسْمُهُرُباهُ بِهَذا شُهَّدٌ وَحَدائِقُهْ
فَإِنْ جَدَّ جِدُّ الصَيْفِ غادَرَ جِسْمَهُضَئِيلاً وَلَكِنَّ الشِتاءَ يُوافِقُهْ
يريد أنّ أصحاب الأمزجة الصفراويّة تنحل أجسامهم في الصيف ويوافقهم الشتاء ويريد أنّ قويق يقلّ ماؤه في الصيف حتّى يبقى حول المدينة كالساقية وربّما انقطع بعض السنين بالكليّة. والصنَوْبري يذكر مدّه في الشتاء:
قُوَيْق إِذا شَمَّ رِيحَ الشِّتَاءِأَظْهَرَ تِيهاً وَكِبْراً عَجِيبا
وَنَاسَبَ دِجْلَةَ وَالنِيلَ وَالفُراتَ بهاءً وحُسْناً وَطِيبَا
وَإنْ أَقْبَلَ الصَيْفُ أَبْصَرْتُهُذَلِيلاً حَقيراً حَزيناً كَئِيبا
إِذا ما الضَفادِعُ نادَيْنَهُقُوَيْقُ قُوَيْقُ أَبى أَنْ يُجِيبا
فَيَأْوِينَ مِنْهُ بقايا كُسِين مِنْ طُحْلُبِ الصَيْفِ ثَوْباً قَشِيبا
وَتَمْشِي الجَرادَةُ فيهِ فَلاتَكادُ قَوائِمُها أَنْ تَغِيبا
وقال أبو نصر محمّد بن محمَّد بن إبراهيم بن الخضر الحلبيّ:
ما بَرَدَى عِنْدِي وَلا دِجْلَةٌوَلا مَجارِي النِيلِ مِنْ مِصْرِ
أَحْسَنُ مَرْأَى مِنْ قُوَيْقَ إِذاأَقْبَلَ في المَدِّ وَفِي الجَزْرِ
يَا لَهْفَتا مِنْهُ عَلَى نَغْبَةٍتَبِلُّ مِنِّي غُلَّةَ الصَدْرِ
وقال:
لِلهِ يَوْمٌ مَدَّ في صَدْرِهِقُوَيْقُ مَقصُورٌ جناحَيْهِ
مُصْنَدَلاً يَلْثِمُ ماءُ الحيامِنْهُ لِمُخْضَرِّ عِذارَيْهِ
وقد وصفته الشعراء كثيراً لكنّا اقتصرنا على ما ذكرناه لعلمنا أنّ الصَنَوْبَريّ لا يشقّ غباره في وصف حلب ولا ما فيها أحد عداه ولا يبلغ العشر من مداه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع