من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر هلاك أموال أهل مصر
قال اللّه ﷿: ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا اَلْعَذابَ اَلْأَلِيمَ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ [يونس/] هذا دعاء من موسى ﵇، على فرعون وقومه من أهل مصر، لكفرهم أن يهلك اللّه أموالهم. قال الزجاج: طمس الشيء: إذهابه عن صورته.
وعن عبد اللّه بن عباس ﵄، وعن محمد بن كعب القرظي أنهما قالا:
صارت أموال أهل مصر ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا، وأثلاثا وأنصافا، فلم يبق معدن إلا طمس اللّه عليه فلم ينتفع به أحد بعدهم. وقال قتادة: بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة. وقال مجاهد: وعطية أهلكها اللّه تعالى حتى لا ترى يقال: عين مطموسة أي ذاهبة، وطمس الموضع: إذا عفا ودرس. وقال ابن زيد: صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكل شيء لهم حجارة. وقال محمد بن كعب: وكان الرجل منهم يكون مع أهله وفراشه وقد صارا حجرين. قال: وقد سألني عمر بن عبد العزيز، فذكرت ذلك فدعا بخريطة أصيبت بمصر، فأخرج منها الفواكه والدراهم والدنانير وإنها لحجارة.
وقال محمد بن شهاب الزهري: دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال: يا غلام ائتني بالخريطة. فجاء بخريطة نثر ما فيها، فإذا فيها دراهم ودنانير وتمر وجوز وعدس وفول.
فقال: كل يا ابن شهاب فأهويت فإذا هو حجارة فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا مما أصاب عبد العزيز بن مروان في مصر إذ كان عليها واليا وهو مما طمس اللّه عليه من أموالهم.
وقال المضارب بن عبد اللّه الشامي: أخبرني من رأى النخلة بمصر مصروعة وإنها لحجر. ولقد رأيت ناسا كثيرا قياما وقعودا في أعمالهم لو رأيتهم ما شككت فيهم قبل أن تدنو منهم إنهم أناس وإنهم لحجارة. ولقد رأيت الرجل من رقيقهم وإنه لحارث على ثورين وإنه وثوريه لحجارة. ونقل وسمة بن موسى في قصص الأنبياء: أن فرعون لما هلك وقومه وآمنت بنو إسرائيل غائلته ندب موسى ﵇؛ من نقبائه الاثني عشر نقيبين: أحدهما:
كالب بن موقيا، والآخر: يوشع بن نون، مع كل واحد من سبطه اثنا عشر ألفا وأرسلهما إلى
مصر. وقد خلت من حاميها لغرق أهلها مع فرعون فأخذوا ذخائر فرعون وكنوزه، وعادوا إلى موسى. فذلك توريثهم أرض مصر يعني قول اللّه ﷿ عن قوم فرعون:
﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء/]، ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ [الدخان/]، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا اَلْقَوْمَ اَلَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ اَلْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا اَلَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف/] يعني أرض مصر أورثناها بني إسرائيل لأنهم هم المستضعفون الذين كانوا فيها بدليل قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اَلْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ﴾ [القصص/]. قال جامعه ومؤلفه رحمه اللّه تعالى: أخبرني داود بن رزق بن عبد اللّه وكانت له سياحات كثيرة بأرض مصر أنه عبر إلى واد بالقرب من القلمون بالوجه القبلي فرأى فيه مقاتات كثيرة ما بين بطيخ وقثاء وتفاح وكلها حجارة وكان قد أخبرني قديما بعض الأعيان أنه شاهد في سفره إلى البلاد من أرض مصر بطيخا كثيرا كله حجارة وكذلك البطيخ من الصنف الذي يقال له العبدلي.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع