تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر ما كان يعمل يوم فتح الخليج (٢)

فأمر له على الفور بخمسين دينارا، وخلع عليه، وزيد في جاريه، ثم يقوم الخليفة عن السرير راكبا، والوزير بين يديه حتى يطلع على المنظرة المعروفة بالسكرة، وقد فرشت بالفرش المعدّة لها، فيجلس فيها، ويتهيأ أيضا للوزير مكان يجلس فيه، ويحيط بالسدّ حامي البساتين ومشارفها لأنه من حقوق خدمتهما، فتفتح إحدى طاقات المنظرة، ويطل منها الخليفة على الخليج، وطاقة تقاربها يتطلع منها أستاذ من الخواص، ويشير بالفتح، فيفتح بأيدي عمال البساتين بالمعاول ويخدم بالطبل والبوق من البرّين.

فإذا اعتدل الماء في الخليج، دخلت العشاريات اللطاف، ويقال لها السماويات وكأنها

خدم بين يدي العشاريّ الذهبيّ المقدّم ذكره، ثم العشاريات الخاص الكبار، وهي ستة:

الذهبيّ المذكور والفضيّ، والأحمر، والأصفر، واللازوردي، والصقلي، وكان أنشأه نجار من رأساء الصناعة صقليّ، وزاد فيه على الإنشاء المعتاد، فنسب إليه، وهذه العشاريات لا تخرج عن خاص الخليفة في أيام النيل، وتحوّله إلى اللؤلؤة للفرجة، وسارت في الخليج، وعلى بيت كل منهما الستور الديبقيّ الملوّنة، وبرءوسها وفي أعناقها الأهلة، وقلائد من الخرز، فتسند إلى البرّ الذي فيه المنظرة الجالس فيها الخليفة، فإذا استقرّ جلوس الخليفة، والوزير بالمنظرة، ودخل قاضي القضاة، والشهود الخيمة الديبقي البيضاء، وصلت المائدة من القصر في الجانب الغربيّ من الخليج على رؤوس الفرّاشين صحبة صاحب المائدة، وعدّتها مائة شدّة في الطيافير الواسعة، وعليها القوّارات الحرير، وفوقها الطرّاحات، ولها رواء عظيم ومسك فاتح، فتوضع في خيمة واسعة منصوبة لذلك ويحمل للوزير ما هو مستقرّ له بعادة جارية، ومن صواني التماثيل المذكورة: ثلاث صوان، ويخصص منها أيضا لأولاده، وإخوته خارجا عن ذلك إكراما وافتقادا، ويحمل إلى قاضي القضاة، والشهود شدّة من الطعام الخاص من غير تماثيل توقيرا للشرع، ويحمل إلى كل أمير في خيمته شدّة طعام، وصينية تماثيل، ويصل بمن ذلك إلى الناس شيء كثير، ولا يزالون كذلك إلى أن يؤذن بالظهر، فيصلون ويقيمون إلى العصر، فإذا أذن به صلى، وركب الموكب كله لانتظار ركوب الخليفة.

فيركب لابسا غير البدنة بل بهيئته، والمظلة مناسبة لثيابه التي عليه، واليتيمة والترتيب بأجمعه على حاله، ويسير في البرّ الغربيّ من الخليج شاقا البساتين هناك، حتى يدخل من باب القنطرة إلى القصر، والوزير تابعه على الرسم المعتاد، ويمرّ فيه لقوم أحسن الأيام، ويمضي الوزير إلى داره مخدوما على العادة.

وقال في كتاب الذخائر والتحف: إنّ المستعمل من الفضة قبة العشاري المعروف بالمقدّم، وقاربه وكسوة رحله في سنة ست وثلاثين وأربعمائة في وزارة عليّ بن أحمد الجرجرائي: مائة ألف وسبعة، وستون ألفا، وسبعمائة درهم نقرة، وإنّ المطلق للصناع عن أجرة الصناعة، وفي ثمن ذهب لطلائه خاصة: ألفان وتسعمائة دينار وسبعون، وكانت الفضة في ذلك الوقت، كل مائة درهم: بستة دنانير وربع، سعر ستة عشر درهما بدينار.

ولما تولى أبو سعيد سهل التستريّ الوساطة سنة ست وثلاثين وأربعمائة، استعمل لأمّ المستنصر عشاريا يعرف: بالفضيّ وحلّي رواقه بفضة تقديرها: مائة ألف وثلاثون ألف درهم، ولزم ذلك أجرة الصناعة، ولطلاء بعضه: ألفان وأربعمائة دينار، سوى كسوة له بمال جليل، والمنفق على ستة وثلاثين عشاريا برسم النزه البحرية، لآلاتها وحلاها من مناطق، ورؤوس منجوقات وأهله وصفريات وغير ذلك: أربعمائة ألف دينار، وكانت العادة عندهم

إذا حصل وفاء النيل أن يكتب إلى العمال.

فمما كتب من إنشاء تاج الرياسة أبي القاسم عليّ بن منجب بن سليمان الصيرفي:

أمّا بعد: فإن أحق ما أوجبت به التهنئة والبشرى، وغدت المسارّ منتشرة تتوالى وتترى، وكان من اللطائف التي غمرت بالمنة العظمى، والنعمة الجسيمة الكبرى، ما استدعى الشكر لموجد العالم وخالقه، وظلت النعمة به عامّة لصامت الحيوان وناطقه، وتلك الموهبة بوفاء النيل المبارك الذي يسره اللّه تعالى، وله الحمد يوم كذا، فإن هذه العطية تؤدّي إلى خصب البلاد وعمارتها، وشمول المصالح وغزارتها، وتفضي بتضاعف المنافع والخيرات، وتكاثر الأرزاق، والأقوات ويتساهم الفائدة فيها جميع العباد، وتنتهي البركة بها إلى كل دان وناء وكل حاضر وباد، فأذع هذه النعمة قبلك، وانشرها في كل من يتدبر عملك، وحثهم على مواصلة الشكر لهذه الألطاف الشاملة لهم، ولك، فاعلم هذا واعمل به إن شاء اللّه تعالى.

وكتب أيضا: إن أولى ما تضاعف به الابتهاج والجذل، وانفتح فيه الرجاء، واتسع الأمل، ما عمّ نفقه صامت الحيوان وناطقه، وأحدث لكل أحد اغتباطا لزمه، وآلى أن لا يفارقه، وذلك ما منّ اللّه به من وفاء النيل المبارك الذي تحيى به كل أرض موات، وتكتسى بعد اقشعرارها حلة النبات ويكون سببا لتوافر الأقوات، فإنه وفى المقدار الذي يحتاج إليه، فلتذع هذه المنة في القاضي والداني، لتستعمل الكافة بينهم ضروب البشائر والتهاني إن شاء اللّه تعالى.

وكتب أيضا: من لطف اللّه الواجب حمده، اللازم شكره وفضله، الذي لا يمل بشره، ولا يسأم ذكره، ومنّه، الذي استبشر به الأنام، وتضاعف فيه الإنعام، ومثل اللّه الحياة به في قوله تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ اَلسَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ اَلْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ اَلنّاسُ وَاَلْأَنْعامُ﴾ [يونس/] أمر النيل المبارك الذي يعمّ النجود والتهائم، وتنتفع به الخلائق، وترتع فيما يظهره البهائم، وقد توجه إليك بهذا الكتاب بهذه البشرى فلان، فأجره على رسمه في إظهاره مجملا، وإيصاله إلى رسمه مكملا، وإذاعة هذه النعمة على الكافة ليتساهموا الاغتباط بها، ويبالغوا في الشكر للّه ﷾ بمقتضاها، وعلى حسبها فاعلم ذلك، واعمل به إن شاء اللّه تعالى.

منظرة الدكة: وكان من جملة مناظر الخلفاء الفاطميين، منظرة تعرف: بالدكة لها بستان عظيم بجوار المقس فيما بينه، وبين أراضي اللوق، وما زالت باقية، حتى زالت الدولة، وحكر مكان البستان، وصار خطة تعرف إلى اليوم بخط الدكة، فخربت المنظرة، وزال أثرها.

قال ابن عبد الظاهر: الدكة بالمقس، كانت بستانا، وكان الخليفة إذا ركب من كسر الخليج من السكرة بمظلته يسير في البرّ الغربيّ، ومضارب الناس والأمراء، وخيمهم عن يمينه وشماله إلى أن يصل إلى هذا البستان المعروف بالدكة: وقد غلقت أبوابه ودهاليزه، فيدخل إليه بمفرده، ويسقي منه الفرس الذي تحته، وهي قضية، ذكر المؤرخ للسيرة المأمونية: أنهم كانوا يعتمدونها إلى آخر وقت، ولم يعلم سببها، ثم يخرج ويسير إلى أن يقف على الترعة الآتي ذكرها، ويدخل من باب القنطرة، وينزل إلى القصر، والدكة الآن:

آدر وحارات شهرتها تغني عن وصفها، فسبحان من لا يتغير.

وقال ابن الطوير عن الظاهر لإعزاز دين اللّه أبي هاشم عليّ بن الحاكم بأمر اللّه: كان بمنظرة يقال لها: الدكة بساحل المقس يعني أنه مات بها.

منظرة المقس: وكان من جملة مناظرهم أيضا: منظرة بجوار جامع المقس الذي تسميه العامّة اليوم: جامع المقسي، وكانت هذه المنظرة بحري الجامع المذكور، وهي مطلة على النيل الأعظم، وكان حينئذ ساحل النيل بالمقس وكانت هذه المنظرة: معدّة لنزول الخليفة بها عند تجهيز الأسطول إلى غزو الفرنج، فتحضر رؤساء المراكب بالشواني، وهي مزينة بأنواع العدد، والسلاح، ويلعبون بها في النيل حيث الآن الخليج الناصري تجاه الجامع وما وراء الخليج من غربيه.

قال ابن المأمون: وذكر تجهيز العساكر في البرّ، عند ورود كتب صاحبي دمشق وحلب في سنة سبع عشرة وخمسمائة، ما يحث على غزو الفرنج، ومسيرها مع حسام الملك، وركب الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وتوجه إلى الجامع بالمقس، وجلس بالمنظرة في أعلاه، واستدعى مقدّم الأسطول الثاني، وخلع عليه، وانحدرت الأساطيل مشحونة بالرجال، والعدد، والآلات، والأسلحة، واعتمد ما جرت العادة به من الإنعام عليهم، وعاد الخليفة إلى البستان المعروف بالبعل إلى آخر النهار، وتوجه إلى قصره بعد تفرقة جميع الرسوم، والصدقات والهبات الجاري بها العادة في الركوبات.

وقال ابن الطوير: فإذا تكملت النفقة، وتجهزت المراكب، وتهيأت للسفر ركب الخليفة والوزير إلى ساحل المقس، وكان هناك على شاطئ البحر بالجامع، منظرة يجلس فيها الخليفة برسم وداعه يعني الأسطول، ولقائه إذا عاد، فإذا جلس هو والوزير للوداع، جاءت القوّاد بالمراكب من مصر إلى هناك للحركات في البحر بين يديه وهي مزينة

بأسلحتها، ولبوسها، وفيها المنجنيقات تلعب فتنحدر وتقلع بالمجاذيف كما يفعل في لقاء العدوّ بالبحر الملح، ويحضر بين يدي الخليفة المقدّم والرئيس، فيوصيهما، ويدعو للجماعة بالنصرة والسلامة، ويعطي المقدّم مائة دينار، والرئيس: عشرين دينارا، وتنحدر إلى دمياط، وتخرج إلى البحر الملح، فيكون لها ببلاد العدوّ صيب وهيبة، فإذا وقع لهم مركب لا يسألون عما فيه سوى الصغار والرجال والنساء، والسلاح وما عدا ذلك فللأسطول.

واتفق مرّة أن قدّم على الأسطول سيف الملك الجمل، فكسب بطشة عظيمة فيها ألف وخمسمائة شخص، بعد أن بعث عليهم بالقتال، وقتل منهم نحوا من مائة وعشرين رجلا، وحضر إلى القاهرة، ففرح الخليفة، وركب إلى المقس، وجلس بالمنظرة للقائهم، وأطلقوا الأسرى بين يديه تحت المنظرة من جانب البرّ فاستدعيت الجمال لركوبهم، وشق بهم القاهرة ومصر، وهم كل اثنين على جمل، ظهر الظهر، وعاد الخليفة إلى القصر فجلس في إحدى مناظره لنظرهم في جوازهم، فلما عادوا بهم من مصر صاروا بهم إلى المناخات، فصح منهم ألف رجل، فانضافوا إلى من في المناخ، وأمّا النساء والصبيان فإنهم دخلوا بهم إلى القصر بعد أن حمل منهم للوزير نصيب وافر، وأخذ الجهات، والأقارب بقيتهنّ، فيستخدمونهنّ، ويعلمونهنّ الصنائع، ويتولى الأستاذون تربية الصبيان، وتعليمهم الخط والرماية، ويقال لهم: الترابي، ومن استريب به من الأسرى، ونبه عليه بقوّة أوقع به، والشيخ الذي لا ينتفع به يمضي فيه حكم السيف بمكان يقال له: بئر المنامة في الخراب قريب مصر، ولم يسمع على الدولة قط أنها فادت أسيرا بمال، ولا بأسير مثله، وهذه الحال في كل سنة آخذة في الزيادة لا النقص، وقدّم على الأسطول مرّة أمير يقال له: حرب بن فور، صاحب الحاجب لؤلؤ، فكسب بطشة حصل فيها: خمسمائة رجل، انتهى.

وقد خربت هذه المنظرة، وكان موضعها برج كبير صار يعرف في الدولة الأيوبية بقلعة المقس مشرف على النيل، فلما جدّد الصاحب الوزير شمس الدين عبد اللّه المقسي جامع المقس على ما هو عليه الآن في سنة سبعين وسبعمائة، هدم هذا البرج، وجعل مكانه جنينة شرقيّ الجامع، وتحدّث الناس أنه وجد فيه مالا، واللّه أعلم.

منظرة البعل: وكان من مناظرهم بظاهر القاهرة منظرة في بستان أنيق يعرف: بالبعل أنشأه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ، وموضع هذا البستان إلى اليوم يعرف بالبعل، وصارت أرضه مزرعة في جانب الخليج الغربيّ، بحريّ أرض الطبالة في كوم الريش، مقابل قناطر الأزر، وقد خربت المنظرة وبقي منها آثار أدركتها، يعطن بها الكتان تدل على عظمها، وجلالتها في حال عمارتها، وكانت منظرة البعل من أجلّ منتزهاتهم، وكان لهم بها أوقات عميمة المبرّات جليلة الخيرات.

قال ابن المأمون: فأمّا يوم السبت والثلاثاء فيكون ركوب الوزير من داره بالرهجية، ويتوجه إلى القصر، فيركب الخليفة إلى ضواحي القاهرة للنزهة في مثل الروضة، والمشتهي، ودار الملك، والتاج، والبعل، وقبة الهواء، والخمسة وجوه، والبستان الكبير، وكان لكل منظرة منهنّ فرش معلوم مستقرّ فيها من الأيام الأفضلية للصيف والشتاء، وتفرّق الرسوم ويسلم لمقدّمي الركاب اليمين والشمال لكل واحد عشرون دينارا، وخمسون رباعيا، ولتالي مقدّم الركاب اليمين مائة كاغدة في كل كاغدة ثلاثة دراهم، ومائة كاغدة في كل كاغدة درهمان، ولتالي مقدّم الشمال مثل ذلك، فأمّا الدنانير، فلكل باب يخرج منه من البلد دينار، ولكل باب يدخل منه دينار، ولكل جامع يجتاز عليه دينار، ما خلا جامع مصر، فإن رسمه خمسة دنانير، ولكل مسجد يجتاز عليه رباعيّ، ولكل من يقف ويتلو القرآن:

كاغدة، والفقراء والمساكين من الرجال والنساء، لكل من يقف كاغدة، ولكل من يركب الخليفة ديناران، ويكون مع هذا متولي صناديق الإنفاق يحجب الخليفة وبيده خريطة ديباج فيها خمسمائة دينار لما عساه يؤمر به.

فإذا حصل في إحدى المناظر المذكورة، فرّق من العين ما مبلغه: سبعة وخمسون دينارا، ومن الرباعية: مائة وستة وثمانون دينارا للحواشي، والأستاذين وأصحاب الدواوين والشعراء، والمؤذنين، والمقرئين، والمنجمين وغيرهم، ومن الخزاف الشواء: خمسون رأسا منها طبقان حارّة مكملة مشورة، برسم المائدة الخاص مضافا لما يحضر من القصور من الموائد الخاص، والحلاوات وطبق واحد، برسم مائدة الوزير، وبقية ذلك بأسماء أربابه، ورأسا بقر برسم الهرائس، فإذا جلس الخليفة على المائدة استدعى الوزير، وخواصه، ومن جرت العادة بجلوسه معه، ومن تأخر عن المائدة، ممن جرت عادته بحضورها حمل إليه من بين يدي الخليفة على سبيل التشريف، وعند عود الخليفة إلى القصر يحاسب متولي الدفتر مقدّمي الركاب على ما أنفق عليه في مسافة الطريق من جامع، ومسجد وباب ودابة.

وأمّا تفرقة الصدقات فهم فيها على حكم الأمانة، قال: وإذا وقع الركوب إلى الميادين جرى الحال فيها على الرسم المستقرّ من الإنعام ويؤمر متولي خزائن الخاص، وصناديق الإنفاق أن يكون معه خريطة في السرج ديباج تسمى خريطة الموكب فيها ألف دينار معدّة لمن يؤمر بالإنعام عليه في حال الركوب.

منظرة التاج: هي من جملة المناظر التي كانت الخلفاء تنزلها للنزهة بناها الأفضل بن أمير الجيوش وكان لها فرش معدّ لها للشتاء والصيف، وقد خربت، ولم يبق لها سوى أثر كوم، توجد تحته الحجارة الكبار وما حول هذا الكوم، صار مزارع من جملة أراضي منية الشيرج.

قال ابن عبد الظاهر: وأمّا التاج فكان حوله البساتين عدّة، وأعظم ما كان حوله: قبة الهواء، وبعدها الخمس وجوه التي هي باقية.

منظرة الخمس وجوه: كانت أيضا من مناظرهم التي يتنزهون فيها، وهي من إنشاء الأفضل بن أمير الجيوش وكان لها فرش معدّ لها، وبقي منها آثار بناء جليل على بئر متسعة، كان بها: خمسة أوجه من المحال الخشب التي تنقل الماء لسقي البستان، العظيم الوصف البديع الزيّ، البهيج الهيئة، والعامّة تقول التاج، والسبع وجوه إلى الآن وموضعها إلى وقتنا هذا من أعظم متفرّجات القاهرة، وينبت هناك في أيام النيل عندما يعمّ تلك الأراضي البشنين فتفتن رؤيته، وتبهج النفوس نضارته، وزينته، فإذا نضب ماء النيل، زرعت تلك البسطة قرطا، وكتانا يقصر الوصف عن تعداد حسنه، وأدركت حول الخمس وجوه: غروسا من نخل، وغيره تشبه أن تكون من بقايا البستان القديم، وقد تلاشت الآن، ثم إنّ السلطان الملك المؤيد شيخ المحموديّ الظاهريّ جدّد عمارة منظرة: فوق الخمس وجوه، ابتدأ بناءها في يوم الاثنين أوّل شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة.

منظرة باب الفتوح: وكان للخلفاء الفاطميين منظرة خارج باب الفتوح، وكان يومئذ خرج عن باب الفتوح براحا فيما بين الباب، وبين البساتين الجيوشية، وكانت هذه المنظرة معدّة لجلوس الخليفة فيها عند عرض العساكر، ووداعها إذا سارت في البرّ إلى البلاد الشامية.

قال ابن المأمون: وفي هذا الشهر يعني المحرّم سنة سبع عشرة وخمسمائة، وصلت رسل ظهير الدين طفدكين صاحب دمشق، وآق سنقر صاحب حلب، بكتب إلى الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وإلى الوزير المأمون إلى القصر، فاستدعوا لتقبيل الأرض كما جرت العادة من إظهار التجمل، وكان مضمون الكتب بعد التصدير، والتعظيم، والسؤال، والضراعة أنّ الأخبار تظافرت بقلة الفرنج بالأعمال الفلسطينية، والثغور الساحلية، وأنّ الفرصة قد أمكنت فيهم، واللّه قد أذن بهلاكهم، وأنهم ينتظرون إنعام الدولة العلوية، وعوايد أفضالها، ويستنصرون بقوّتها، ويحثون على نصرة الإسلام، وقطع دابر الكفر وتجهيز العساكر المنصورة، والأساطيل المظفرة، والمساعدة على التوجه نحوهم لئلا يتواصل مددهم، وتعود إلى القوّة شوكتهم، فقوي العزم على النفقة في العساكر فارسها وراجلها، وتجريدها، وتقدّم إلى الأزمّة بإحضار الرجال الأقوياء، وابتدئ بالنفقة في الفرسان بين يدي الخليفة في قاعة الذهب، وأحضر الوزانون، وصناديق المال وأفرغت الأكياس على البساط، واستمرّ الحال بعد ذلك في الدار المأمونية.

وتردّد الرأي فيمن يتقدّم، فوقع الاتفاق على حسام الملك البرني، وأحضر مقدّم الأساطيل الثانية، لأن الأساطيل توجهت في الغزو وخلع عليه، وأمر بأن ينزل إلى الصناعتين

بمصر والجزيرة، وينفق في أربعين شينيا، ويكمل نفقاتها وعددها، ويكون التوجه بها صحبة العسكر، وأنفق في عشرين من الأمراء للتوجه صحبته، فكملت النفقة في الفارس والراجل، وفي الأمراء السائرين، وفي الأطباء، والمؤذنين والقرّاء، وندب من الحجاب عدّة، وجعل لكل منهم خدمة، فمنهم من يتولى خزانة الخيام، وسير معه من حاصل الخزائن برسم ضعفاء العسكر، ومن لا يقدر على خيمة خيم، ومنهم حاجب على خزائن السلاح، وأنفق في عدّة من كتاب ديوان الجيش لعرض العساكر، وفي كتاب العربان:

وأحضر مقدّمو الحراسين بالخفار، وتقدّم إليها بأنه من تأخر عن العرض بعسقلان، وقبض النفقة، فلا واجب له، ولا إقطاع، وكتبت الكتب إلى المستخدمين بالثغور الثلاثة:

الإسكندرية، ودمياط، وعسقلان بإطلاق، وابتياع ما يستدعي برسم الأسمطة على ثغر عسقلان للعساكر والعربان من الأصناف، والغلال.

ووقع الاهتمام بنجاز أمر الرسل الواصلين، وكتبت الأجوبة عن كتبهم، وجهز المال والخلع المذهبات، والأطواق، والسيوف، والمناطق الذهب، والخيل بالمراكب الحلي الثقال، وغير ذلك من التجملات، وخلع على الرسل، وأطلق لهم التغيير، وسلمت إليهم الكتب، والتذاكر وتوجهوا صحبة العسكر.

وركب الخليفة الآمر بأحكام اللّه إلى باب الفتوح، ونظر بالمنظرة، واستدعى حسام الملك، وخلع عليه بدلة جليلة مذهبة، وطوّقه بطوق ذهب، وقلده ومنطقه بمثل ذلك، ثم قال الوزير المأمون للأمراء: بحيث يسمع الخليفة، هذا الأمير مقدّمكم، ومقدّم العساكر كلها، وما وعد به أنجزته، وما قرّره أمضيته، فقبلوا الأرض، وخرجوا من بين يديه، وسلم متولي بيت المال، وخزائن الكسوة لحسام الملك الكتب بما ضمنته الصناديق من المال، وأعدال الكسوات، وحملت قدّامه، وفتحت طاقات المنظرة، فلما شاهد العساكر الخليفة قبلوا الأرض، فأشار إليهم بالتوجه، فساروا بأجمعهم، وركب الخليفة، وتوجه إلى الجامع بالمقس، وجلس بالمنظرة، واستدعى مقدّم الأسطول، وخلع عليه، وانحدرت الأساطيل مشحونة بالرجال والعدّة.

منظرة الصناعة: وكان من جملة مناظر الخلفاء منظرة بالصناعة في الساحل القديم من مصر يجلس بها الخليفة تارة حتى تقدّم له العشاريات، فيركبها ويسير للمقياس، حتى يخلق بين يديه عند الوفاء، وكان بهذه الصناعة ديوان العمائر.

وأنشأ هذه المنظرة، والصناعة التي هي فيها: الوزير المأمون، لم تزل إلى آخر الدولة، ودهليزها مادّ بمصاطب مفروشة بالحصر العبداني بسطا وتأزيرا، وقد خربت هذه

الصناعة والمنظرة، وصار موضعهما الآن بستانا كان يعرف ببستان ابن كيسان، ويعرف في زمننا هذا الذي نحن فيه الآن ببستان الطواشي، وهو بأوّل مراغة مصر، تجاه غيط الجرف على يسرة من يسلك من المراغة يريد الكيارة، وباب مصر.

قال ابن المأمون: وكانت جميع مراكب الأساطيل ما تنشأ إلاّ بالصناعة التي بالجزيرة، فأنكر الوزير المأمون ذلك، وأمر بأن يكون إنشاء الشواني، وغيرها من المراكب النيلة الديوانية بالصناعة بمصر، وأضاف إليها دار الزبيب، وأنشأ المنظرة بها واسمه باق إلى الآن عليها، وقصد بذلك أن يكون حلول الخليفة يوم تقدمة الأساطيل، ورميها بالمنظرة المذكورة وأن يكون ما ينشأ من الجراني، والشلنديات في الصناعة بالجزيرة.

قال: ولما وفى النيل ستة عشر ذراعا ركب الخليفة والوزير إلى الصناعة بمصر، ورميت العشاريات بين أيديهما، ثم عدّيا في إحداها إلى المقياس.

وقال ابن الطوير: الخدمة في ديوان الجهاد، ويقال له: ديوان العمائر، وكان محله بصناعة الإنشاء بمصر للأسطول والمراكب الحاملة للغلات السلطانية، والأحطاب وغيرها، وكانت تزيد على خمسين عشاريا، ويليها عشرون ديماسا، منها عشرة برسم خاص الخليفة أيام الخليج وغيرها، ولكل منها رئيس، ونواتيّ لا يبرحون ينفق فيهم من مال هذا الديوان، وبقية العشاريات الدواميس برسم ولاة الأعمال المميزة، فهي تجرّ لهم، وينفق في رؤسائها ورجالها أينما كانوا من مال هذا الديوان، وتقيم مع أحدهم مدّة مقامه، فإذا صرف عاد فيه، وخرج المتولي الجديد في العشاري المرسي بالصناعة، ولا يخرج إلا بتوقيع بإطلاقه، والإنفاق فيه، وللمشارفين بالأعمال عشاريات دون هذه، وفي هذا الديوان برسم خدمة ما يجري في الأساطيل نائبان من قبل مقدّم الأسطول، وفيه من الحواصل لعمارة المراكب شيء كثير، وإذا لم يف ارتفاعه بما يحتاج إليه استدعى له من بيت المال يسدّ خلله.

قال: وكان من أهم أمورهم احتفالهم بالأساطيل والأجناد، ومواصلة إنشاء المراكب بمصر والإسكندرية ودمياط من الشواني الحربية والشلنديات، والمسطحات إلى بلاد الساحل حين كانت بأيديهم مثل صور وعكا وعسقلان، وكانت جريدة قوّاده أكثر من خمسة آلاف مدوّنة منهم عشرة أعيان تصل جامكية كل منهم إلى عشرين دينارا، ثم إلى خمسة عشر، ثم إلى عشرة دنانير، ثم إلى ثمانية، ثم إلى دينارين، وهي أقلها، ولهم إقطاعات

تعرف: بأبواب الغزاة بما فيه من النطرون فيصل دينارهم بالمناسبة إلى نصف دينار وحواليه، ويعين من هؤلاء القوّاد العشرة من يقع الإجماع عليه لرئاسة الأسطول المتوجه للغزو، فيكون معه الفانوس، وكلهم يهتدون به، ويقلعون بإقلاعه، ويرسون بإرسائه، ويقدّم على الأسطول أمير كبير من أعيان الأمراء، وأقواهم جنانا، ويتولى النفقة فيهم للغزو الخليفة بنفسه بحضور الوزير، فإذا أراد النفقة فيما تعين من عدّة المراكب السائرة.

وكانت آخر وقت تزيد على خمسة وسبعين شينيا، وعشر مسطحات، وعشر حمالة، فيتقدّم إلى النقباء بإحضار الرجال، ويسمع بذلك من هو خارج مصر والقاهرة، فيدخل إليها ولهم المشاهرة والجرايات المتقرّرة مدّة أيام السفر، وهم معروفون عند عشرين نقيبا، ولا يعترض أحد أحدا إلاّ من رغب في ذلك من نفسه، فإذا اجتمعت العدّة المغلقة للمراكب المطلوبة أعلم المقدّم بذلك الوزير، فطالع الخليفة بالحال، وفرز يوم للنفقة، فحضر الوزير بالاستدعاء على العادة، فيجلس الخليفة على هيئته في مجلس، ويجلس الوزير في مكانه، ويحضر صاحبا ديوان الجيش، وهما المستوفي وهو أميرهما، ويجلس داخل عتبة المجلس، وهذه رتبة له مميزة، وكاتب الجيش الأصل، ويجلس بجانبه تحت العتبة على حصر مفروشة بالقاعة، ولا يخلو المستوفي أن يكون عدلا أو من أعيان الكتاب المسلمين، وأما كاتب الجيش: فيهوديّ في الأغلب، ويفرش أمام المجلس أنطاع تصب عليها الدراهم، ويحضر الوزانون ببيت المال لذلك، فإذا تهيأ الإنفاق أدخل القابضون مائة مائة، ويقفون في آخر الوقوف بين يدي الخليفة من جانب واحد نقابة نقابة، وتكون أسماؤهم قد رتبت في أوراق لاستدعائهم بين يدي الخليفة، ويستدعى مستوفي الجيش من تلك الأوراق واحدا واحدا، فإذا خرج اسمه عبر من الجانب الذي هو فيه إلى الجانب الخالي، فإذا تكمل عشرة رجال:

وزن الوزانون لهم النفقة، وكانت لكل واحد خمسة دنانير صرف، كل دينار ستة وثلاثون درهما، فيستلمها النقيب، وتكتبت بيده وباسمه، وتمضي النفقة كذلك إلى آخرها، فإذا تمّ ذلك اليوم، ركب الوزير من بين يدي الخليفة، وانفض ذلك الجمع، فيحمل من عند الخليفة مائدة يقال لها: غداء الوزير، هي سبع مجيفات أوساط إحداها بلحم دجاج وفستق، والبقية من شواء، وهي مكمورة بالأزهار، فتكون هذه عدّة أيام تارة متوالية، وتارة متفرّقة، فإذا تكملت النفقة، وتجهزت المراكب، وتهيؤت للسفر: ركب الخليفة والوزير إلى ساحل المقس، وذكر ابن أبي طي: أنّ المعز لدين اللّه، أنشأ ستمائة مركب، لم ير مثلها في البحر على مدينة وعمل دار صناعة بالمقس.

دار الملك: وكان من جملة مناظرهم: دار الملك بمصر، وهي من إنشاء الأفضل بن أمير الجيوش ابتدأ في بنائها وإنشائها في سنة إحدى وخمسمائة، فلما كملت تحوّل إليها من دار القباب بالقاهرة، وسكنها، وحوّل إليها الدواوين من القصر، فصارت بها، وجعل فيها الأسمطة، واتخذ بها مجلسا سماه: مجلس العطايا، كان يجلس فيه، فلما قتل الأفضل

صارت دار الملك هذه من جملة منتزهات الخلفاء، وكان بها بستان عظيم، وما زالت عظيمة إلى أن انقرضت الدولة، فجعلها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب دار متجر، ثم عملت في أيام الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري: دار وكالة، وموضع دار الملك: ما وراء حبة الخرّوب، بجوار المدرسة المعزي، وبقي منها جدار يجلس تحته بياعو الحناء.

قال ابن المأمون: ومن جملة ما قرّره القائد أبو عبد اللّه من تعظيم المملكة، وتفخيم أمر السلطنة أنّ المجلس الذي يجلس فيه الأفضل بدار الملك يسمى: مجلس العطايا، فقال القائد: مجلس يدعى بهذا الاسم ما يشاهد فيه دينار؟ يدفع لمن يسأل، وأمر بتفصيل ثمان ظروف ديباج أطلس، من كل لون اثنين، وجعل في سبعة منها خمسة وثلاثين ألف دينار وفي كل ظرف: خمسة آلاف دينار سكب، وبطاقة بوزنه، وعدده، وشرّابة حرير كبيرة من ذلك ستة ظروف دنانير بالسوية عن اليمين والشمال في مجلس العطايا الذي برسم الجلوس، وعند مرتبة الأفضل بقاعة اللؤلؤة: ظرفان، أحدهما دنانير، والآخر دراهم جدد، فالذي في اللؤلؤة برسم ما يستدعيه الأفضل إذا كان عند الحرم، وأمّا الذي في مجلس العطايا، فإنّ جميع الشعراء لم يكن لهم في الأيام الأفضلية، ولا فيما قبلها على الشعر جار وإنما كان لهم إذا اتفق طرب السلطان، واستحسانه لشعر من أنشد منهم ما يسهله اللّه على حكم الجائزة، فرأى القائد أن يكون ذلك من بين يديه من الظروف، وكذلك من يتضرّع ويسأل في طلب صدقة، أو ينعم عليه ابتداء بغير سؤال، يخرج ذلك من الظروف.

وإذا انصرف الحاضرون، نزل القائد المبلغ بخطه في البطاقة، ويكتب عليه الأفضل بخطه: صح، ويعاد إلى الظرف، ويختم عليه، فلما استهلّ رجب من سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وجلس الأفضل في مجلس العطايا على عادته، وحضر الأجلّ المظفر أخوه للهناء، وجلس بين يديه، وشاهد الظروف والقائد، وولده، وأخوه قيام على رأسه، وتقدّمت الشعراء على طبقاتهم، أمر لكل منهم بجائزة، وشاع خبر الظروف وكثر القول فيها، واستعظم أمرها، وضوعف مبلغها، واتسع هذا الإنعام بالصدقات الجاري بها العادة في مثل هذا الشهر لفقهاء مصر، والرباطات بالقرافة وفقرائها.

وقال ابن الطوير: وقد ذكر ركوب الخليفة في أوّل العام وحضور العزّة، وينقطع الركوب بعد هذا اليوم الذي هو أوّل العام، فيركبون في آحاد الأيام إلى أن يكمل شهر ولا يتعدّى ذلك يومي السبت والثلاثاء، فإذا عزم الخليفة على الركوب في أحد هذه الأيام أعلم بذلك، وعلامته إنفاق الأسلحة في صبيان الركاب من خزانة السلاح خاصة دون ما سواها، وأكثر ذلك إلى مصر، ويركب الوزير صحبته من ورائه على أخصر من النظام المتقدّم يعني في ركوب أوّل العام، وأقل جمع، فيخرج شاقا القاهرة وشوارعها على الجامع الطولونيّ

على المشاهد إلى درب الصفاء، ويقال له: الشارع الأعظم إلى دار الأنماط إلى الجامع العتيق، فإذا وصل إلى بابه، وجد الشريف الخطيب قد وقف على مصطبة بجانبه فيها محراب مفروشة بحصر معلق عليها سجادة، وفي يده المصحف المنسوب خطه إلى عليّ بن أبي طالب، ﵁، وهو من حاصله فإذا وازاه وقف في موضعه، وناوله المصحف من يده، فيتسمله منه، ويقبله ويتبرّك به مرارا، ويعطيه صاحب الخريطة المرسومة للصلات: ثلاثين دينارا، وهي رسمه متى اجتاز به، فيوصلها الشريف إلى مشارف الجامع، فيكون نصيبهما منها خمسة عشر دينارا، والباقي للقومة والمؤذنين دون غيرهم.

ويسير إلى أن يصل دار الملك، فينزلها والوزير معه ومنذ يخرج من باب القصر إلى أن يصل إلى دار الملك لا يمرّ بمسجد إلا أعطى قيمة من الخريطة دينارا، فلا يزال بدار الملك نهاره فتأتيه المائدة من القصر، وعدّتها: خمسون شدّة على رؤوس الفرّاشين مع صاحب المائدة، وهو أستاذ جليل غير محنك، وكل شدّة فيها: طيفور فيها الأواني الخاص، وفيها من الأطعمة الخاص من كل نوع شهيّ، وكل صنف من المطاعم العالية، ولها رواء، ورائحة المسك فائحة منها، وعلى كل شدّة طرحهة حرير تعلو القوّارة التي هي الشدّة، فيحمل إلى الوزير منها جزء وافر، ولمن صحبه وللأمراء، ولكافة الحاضرين في الخدمة، ويصل منها إلى الناس بمصر ممن بعضهم بعضا شيء كثير، ولا يزال إلى أن يؤذن عليه بالعصر، فيصلي ويتحرّك إلى العود إلى القاهرة، والناس في طريقه لنظره، فيركب وزيه في هذه الأيام أنه يلبس الثياب المذهبة البياض، والملوّنة والمنديل من النسبة، وهو مشدود شدّة مفردة عن شدّات الناس، وذؤابته مرخاة من جانبه الأيسر، ويتقلد بالسيف العربي المجوهر بغير حنك، ولا مظلة، ولا يتيمة، فإنّ ذلك في أوقات مخصومة، ولا يمرّ أيضا بمسجد في سلوكه في هذه الطريق بالساحل إلاّ، ويعطي قيّمه دينارا أيضا، كما جرى في الرواح، وينعطف من باب الخرق، ويدخل من باب زويلة شاقا القاهرة حتى يدخل القصر، فيكون ذلك من المحرّم إلى شهر رمضان، إمّا أربع مرّات أو خمس مرّات، ومن شعر الأسعد أسعد بن مهذب بن زكريا بن أبي مليح مما في دار الملك هذه:

حللت بدار الملك والنيل آخذبأطرافها والموج يوسعها ضربا
فخيلته قد غار لما وطئتهاعليها فأضحى عند ذاك لها خربا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر المناظر التي كانت للخلفاء الفاطميين، ومواضع نزههم ما كان لهم فيها من أمور جميلة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.