من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر اخطاط القاهرة وظواهرها
قد تقدّم ذكر ما يطلق عليه حارة من الأخطاط، ونريد أن نذكر من الخطط ما لا يطلق عليه اسم حارة ولا درب، وهي كثيرة، وكل قليل تتغير أسماؤها، ولا بدّ من إيراد ما تيسر منها.
خط خان الوراقة: هذا الخط فيما بين حارة بهاء الدين وسويقة أمير الجيوش، وفي شرقيّة سوق المرجلين، وهو يشتمل على عدّة مساكن، وبه طاحون، وكان موضعه قديما اصطبل الصبيان الحجرية لموقف خيولهم كما تقدّم، فلما زالت الدولة الفاطمية اختط مواضع للسكنى وقد شمله الخراب.
خط باب القنطرة: هذا الخط كان يعرف قديما بحارة المرتاحية وحارة الفرحية والرماحين، وكان ما بين الرماحين الذي يعرف اليوم بباب القوس، داخل باب القنطرة، وبين الخليج، فضاء لا عمارة فيه، بطول ما بين باب الرماحين إلى باب الخوخة، وإلى باب سعادة، وإلى باب الفرج، ولم يكن إذ ذاك على حافة الخليج عمائر البتة، وإنما العمائر من جانب الكافوري وهي مناظر اللؤلؤة وما جاورها من قبليها إلى باب الفرج، وتخرج
العامّة عصريات كل يوم إلى شاطيء الخليج الشرقي تحت المناظر للتفرّج، فإن بر الخليج الغربيّ كان فضاء ما بين بساتين وبرك، كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.
قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وثمانين وخمسمائة: في شوّال قطع النيل الجسور واقتلع الشجر، وغرّق النواحي وهدم المساكن، وأتلف كثيرا من النساء والأطفال، وكثر الرخاء بمصر، فالقمح كل مائة أردب بثلاثين دينارا، والخبز البايت ستة أرطال بربع درهم، والرطب الأمهات ستة أرطال بدرهم، والموز ستة أرطال بدرهم، والرمان الجيد مائة حبة بدرهم، والحمل الخيار بدرهمين، والتين ثمانية أرطال بدرهم، والعنب ستة أرطال بدرهم في شهر بابه بعد انقضاء موسمه المعهود بشهرين، والياسمين خمسة أرطال بدرهم، وآل أمر أصحاب البساتين إلى أن لا يجمعوا الزهر لنقص ثمنه عن أجرة جمعه، وثمر الحناء عشرة أرطال بدرهم، والبسرة عشرة أرطال بدرهم من جيده، والمتوسط خمسة عشر رطلا بدرهم، وما في مصر إلاّ متسخط بهذه النعمة.
قال: ولقد كنت في خليج القاهرة من جهة المقس لانقطاع الطرق بالمياه، فرأيت الماء مملوء سمكا، والزيادة قد طبقت الدنيا، والنخل مملوء تمرا، والمكشوف من الأرض مملوء ريحانا وبقولا، ثم نزلت فوصلت إلى المقس، فوجدت من القلعة التي بالمقس إلى منية السيرج غلالا قد ملأت صبرها الأرض، فلا يدري الماشي أين يضع رجله، متصلا عرض ذلك إلى باب القنطرة، وعلى الخليج عند باب القنطرة من مراكب الغلة ما قد ستر سواحله وأرضه. قال: ودخلت البلد فرأيت في السوق من الأخباز واللحوم والألبان والفواكه ما قد ملأها، وهجمت منه العين على منظر ما رأيت قبله مثله. قال: وفي البلد من البغي ومن المعاصي ومن الجهر بها ومن الفسق بالزنا واللواط ومن شهادة الزور ومن مظالم الأمراء والفقهاء، ومن استحلال الفطر في نهار رمضان وشرب الخمر في ليله ممن يقع عليه اسم الإسلام، ومن عدم النكير على ذلك جميعه ما لم يسمع ولم يعهد مثله، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، وظفر بجماعة مجتمعين في حارة الروم يتغدّون في قاعة في نهار رمضان، فما كلموا، وبقوم مسلمين ونصارى اجتمعوا على شرب خمر في ليل رمضان، فما أقيم فيهم حدّ، وخط باب القنطرة فيما بين حارة بهاء الدين وسويقة أمير الجيوش وينتهى من قبليه إلى خط بين السورين.
خط بين السورين: هذا الخط من حدّ باب الكافوري في الغرب إلى باب سعادة، وبه الآن صفان من الأملاك، أحدهما مشرف على الخليج، والآخر مشرف على الشارع المسلوك
فيه، من باب القنطرة إلى باب سعادة، ويقال لهذا الشارع بين السورين، تسمية للعّامة بها فاشتهر بذلك، وكان في القديم بهذا الخط البستان الكافوري، يشرف عليه بحده الغربي ثمة مناظر اللؤلؤة، وقد بقيت منها عقود مبنية بالآجر، يمرّ السالك في هذا الشارع من تحتها، ثم مناظر دار الذهب، وموضعها الآن دار تعرف بدار بهادر الأعسر، وعلى بابها بئر يستقي منها الماء في حوض يشرب منه الدواب، ويجاورها قبو معقود يعرف بقبو الذهب، وهو من بقية مناظر دار الذهب، وبحدّ دار الذهب منظرة الغزالة، وهي بجوار قنطرة الموسكي، وقد بني في مكانها ربع يعرف إلى اليوم بربع غزالة، ودار ابن قرفة، وقد صار موضعها جامع ابن المغربي، وحمام ابن قرفة، وبقي منها البئر التي يستقي منها إلى اليوم بحمام السلطان، وعدّة دور كلها فيما يلي شقة القاهرة من صف باب الخوخة، وكان ما بين المناظر والخليج براحا، ولم يكن شيء من هذه العمائر التي بحافة الخليج اليوم البتة، وكان الحاكم بأمر اللّه في سنة إحدى وأربعمائة منع من الركوب في المراكب بالخليج، وسدّ أبواب القاهرة التي تلي الخليج، وأبواب الدور التي هناك، والطاقات المطلة عليه على ما حكاه المسبحيّ.
وقال ابن المأمون في حوادث سنة ست عشرة وخمسمائة، ولما وقع الاهتمام بسكن اللؤلؤة والمقام بها مدّة النيل على الحكم الأوّل، يعني قبل أيام أمير الجيوش بدر وابنه الأفضل، وإزالة ما لم تكن العادة جارية عليه من مضايقة اللؤلؤة بالبناء، وأنها صارت حارات تعرف بالفرحية والسودان وغيرهما، أمر حسام الملك متولي بابه بإحضار عرفاء الفرحية والإنكار عليهم في تجاسرهم على ما استجدّوه وأقدموا عليه، فاعتذروا بكثرة الرجال وضيق الأمكنة عليهم، فبنوا لهم قبابا يسيرة، فتقدّم يعني أمر الوزير المأمون إلى متولي الباب بالإنعام عليهم وعلى جميع من بنى في هذه الحارة بثلاثة آلاف درهم، وأن يقسم بينهم بالسوية، ويأمرهم بنقل قسمهم، وأن يبنو لهم حارة قبالة بستان الوزير، يعني ابن المغربيّ، خارج الباب الجديد من الشارع، خارج باب زويلة.
قال: وتحوّل الخليفة إلى اللؤلؤة بحاشيته، وأطلقت التوسعة في كل يوم لما يخص الخاص والجهات والأستاذين من جميع الأصناف، وانضاف إليها ما يطلق كل ليلة عينا وورقا وأطعمة للبائتين بالنوبة برسم الحرس بالنهار والسهر في طول الليل، من باب قنطرة بهادر إلى مسجد الليمونة من البرين، من صبيان الخاص والركاب والرهجية والسودان والحجاب، كل طائفة بنقيبها، والعرض من متولي الباب واقع بالعدة في طرفي كل ليلة، ولا يمكن بعضهم بعضا من المنام والرهجية تخدم على الدوام.
خط الكافوري: هذا الخط كان بستانا من قبل بناء القاهرة وتملك الدولة الفاطمية لديار مصر، أنشأه الأمير أبو بكر محمد بن طفج بن جف، الملقب بالإخشيد، وكان بجانبه ميدان فيه الخيول، وله أبواب من حديد، فلما قدم جوهر القائد إلى مصر، جعل هذا
البستان من داخل القاهرة، وعرف ببستان كافور، وقيل له في الدولة الفاطمية البستان الكافوري، ثم اختط مساكن بعد ذلك.
قال ابن زولاق في كتاب سيرة الإخشيد: ولست خلون من شوّال سنة ثلاثين وثلثمائة، سار الإخشيد إلى الشام في عساكره، واستخلف أخاه أبا المظفر بن طفج. قال:
وكان يكره سفك الدماء، ولقد شرع في الخروج إلى الشام في آخر سفراته، وسار العسكر، وكان نازلا في بستانه في موضع القاهرة اليوم، فركب للمسير، فساعة خرج من باب البستان اعترضه شيخ يعرف بمسعود الصابوني، يتظلّم إليه، فنظر له، فتطير به وقال: خذوه ابطحوه، فبطح وضرب خمس عشرة مقرعة وهو ساكت. فقال الإخشيد: هو ذا يتشاطر.
فقال له كافور: قد مات. فانزعج واستقال سفرته وعاد لبستانه، وأحضر أهل الرجل واستحلهم وأطلق لهم ثلاثمائة دينار، وحمل الرجل إلى منزله ميتا، وكانت جنازته عظيمة، وسافر الإخشيد فلم يرجع إلى مصر، ومات بدمشق. وقال في كتاب تتمة كتاب أمراء مصر للكندي: وكان كافور الإخشيدي أمير مصر يواصل الركوب إلى الميدان وإلى بستانه في يوم الجمعة ويوم الأحد ويوم الثلاثاء، قال: وفي غد هذا اليوم، يعني يوم الثلاثاء، مات الأستاذ كافور الإخشيدي، لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلثمائة، ويوم مات الأستاذ كافور الإخشيدي، خرج الغلمان والجند إلى المنظرة وخرّبوا بستان كافور، ونهبوا دوابه وطلبوا مال البيعة.
وقال ابن عبد الظاهر: البستان الكافوري هو الذي كان بستانا لكافور الإخشيدي، وكان كثيرا ما يتنزه به، وبنيت القاهرة عنده، ولم يزل إلى سنة إحدى وخمسين وستمائة، فاختطت البحرية والعزيزية به اصطبلات، وأزيلت أشجاره. قال: ولعمري إنّ خرابه كان بحق، فإنه كان عرف بالحشيشة التي يتناولها الفقراء، والتي تطلع به يضرب بها المثل في الحسن. قال شاعرهم نور الدين أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن علي الينبعي لنفسه:
ربّ ليل قطعته ونديميشاهدي هو مسمعي وسميري
مجلسي مسجد وشربي من خضراء تزهو بحسن لون نضير
قال لي صاحبي وقد فاح منهانشرها مزريا بنشر العبير
أمن المسك؟ قلت ليست من المسك ولكنّها من الكافوري
وقال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد بن محمد الأسديّ الدمشقيّ، المعروف باليغموري: أنشدني الإمام العالم المعروف بجموع الفضائل، زين الدين أبو عبد اللّه محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي لنفسه، وهو أوّل من عمل فيها:
وخضراء كافورية بات فعلهابألبابنا فعل الرحيق المعتّق
إذ نفحتنا من شذاها بنفحةتدبّ لنا في كل عضو ومنطق
غنيت بها عن شرب خمر معتّقوبالدلق عن لبس الجديد المزوّق
وأنشدني الحافظ جلال الدين أبو المعز ابن أبي الحسن بن أحمد بن الصائغ المغربيّ لنفسه:
عاطني خضراء كافوريةيكتب الخمر لها من جندها
أسكرتنا فوق ما تسكرناوربحنا أنفسا من حدّها
وأنشدني لنفسه:
قم عاطني خضراء كافوريةقامت مقام سلافة الصهباء
يغدو الفقير إذا تناول درهمامنها له تيه على الأمراء
وتراه من أقوى الورى فإذا خلامنها عددناه من الضعفاء
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضا:
عاطيت من أهوى وقد زارنيكالبدر وافى ليلة البدر
والبحر قد مدّ على متنهشعاعه جسرا من التبر
خضراء كافورية رنحتأعطافه من شدّة السكر
يفعل منها درهم فوق ماتفعل أرطال من الخمر
فراح نشوانا بها غافلالا يعرف الحلو من المرّ
قال وقد نال بها أمرهفبات مردودا إلى أمري
قتلتني قلت نعم سيديقتلين بالسكر وبالبحر
قال: وأمر السلطان الملك الصالح، يعني نجم الدين أيوب، الأمير جمال الدين أبا الفتح موسى بن يغمور، أن يمنع من يزرع في الكافوري من الحشيشة شيئا، فدخل ذات يوم فرأى فيه منها شيئا كثيرا، فأمر بأن يجمع فجمع وأحرق. فأنشدني في الواقعة الشيخ الأديب الفاضل شرف الدين أبو العباس أحمد بن يوسف لنفسه، وذلك في ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعين وستمائة:
صرف الزمان وحادث المقدورتركا نكير الخطب غير نكير
ما سالما حيا ولا ميتا ولاطودا سما بل دكدكا بالطور
لهفي وهل يجدي التهلف في ذرىطرب الغنيّ وأنس كلّ فقير
أخت المذلة لارتكاب محرّمقطب السرور بأيسر الميسور
جمعت محاسن ما اجتمعن لغيرهامن كلّ شيء كان في المعمور
منها طعام والشراب كلاهماوالبقل والريحان وقت حضور
هي روضة إن شئتها ورياضةيغنى بها عن روضة وخمور
ما في المدامة كلّها منها سوىإثم المدام وصحبة المخمور
كلا ونكهة خمرة هي شاهدعدل على حدّ وجلد ظهور
أسفا لدهر غالها ولربماظلّ الكريم بذلة الماسور
جمعت له الأشهاد كرما أخضراكعروسة تجلى بخضر حرير
زفوا لها نارا فخلنا جنةبرزت لنا قد زوّجت بالنور
ثم اكتست منها غلالة صفرةفي خضرة مقرونة بزفير
فكأنها لهب اللظى في خضرةمنها وطرف رمادها المنثور
جارى النضار على مذاب زمرّدتركا فتيت المسك في الكافوري
للّه درك حية أو ميتةمن منظر بهج بغير نظير
أوذيت غير ذميمة فسقى الحياتربا تضمّن منك ذوب عبير
عندي لذكرك ما بقيت مخلداسح الدموع ونفثة المصدور
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع