من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر برّ الخليج الغربي
قد تقدّم أنّ هذا الخليج حفر قبل الإسلام بدهر، وأن عمرو بن العاص ﵁ جدّد حفره في عام الرمادة، بإشارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، حتى صبّ ماء النيل في بحر القلزم، وجرت فيه السفن بالغلال وغيرها حتى عبرت منه إلى البحر الملح، وأنه ما برح على ذلك إلى سنة خمسين ومائة، فطمّ ولم يبق منه إلا ما هو موجود الآن، إلاّ أنّ فم هذا الخليج الذي يصبّ فيه الماء من بحر النيل، لم يكن عند حفره هذا الفم الموجود الآن، ولست أدري أين كان فمه عند ابتداء حفره في الجاهلية، فإن مصر فتحت وماء النيل عند الموضع الذي فيه الآن جامع عمرو بن العاص بمصر، وجميع ما بين الجامع وساحل النيل الآن انحسر عنه الماء بعد الفتح، وآخر ما كان ساحل مصر من عند سوق المعاريج الذي هو الآن بمصر إلى تجاه الكبش من غربيه، وجميع ما هو الآن موجود من الأرض التي فيما بين خط السبع سقايات إلى سوق المعاريج انحسر عنه الماء شيئا بعد شيء، وغرس بساتين، فعمل عبد العزيز بن مروان أمير مصر قنطرة على فم هذا الخليج في سنة تسع وستين من الهجرة بأوّله، عند ساحل الحمراء، ليتوصل من فوق هذه القنطرة إلى جنان الزهريّ الآتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى. وموضع هذه القنطرة بداخل حكر أقبغا المجاور لخط السبع سقايات، وما برحت هذه القنطرة عندها السدّ الذي يفتح عند الوفاء إلى ما بعد الخمسمائة من الهجرة، فانحسر ماء النيل عن الأرض، وغرست بساتين، فعمل الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي هذه القنطرة التي تعرف اليوم بقنطرة السدّ، خارج مصر، ليتوصل من فوقها إلى بستان
الخشاب، وزيد في طول الخليج ما بين قنطرة السباع الآن وبين قنطرة السدّ المذكورة، وصار ما في شرقيه مما انحصر عنه الماء بستانا عرف ببستان الحارة، وما في غربيه يعرف ببستان المحليّ، وكان بطرف خط السبع سقايات كنيسة الحمراء، وعدّة كنائس أخر، بعضها الآن بحكر أقبغا، تعرف بزاوية الشيخ يوسف العجميّ، لسكناه بها عند ما هدمت بعد سنة عشرين وسبعمائة، وما برحت هذه البساتين موجودة إلى أن استولى عليها الأمير أقبغا عبد الواحد استدار الملك الناصر محمد بن قلاون، وقلع أخشابها وأذن للناس في عمارتها، فحكرها الناس وبنوا فيها الآدر وغيرها، فعرفت بحكر أقبغا.
وبأوّل هذا الخليج الآن من غربيه منشأة المهرانيّ، وقد تقدّم خبرها في هذا الكتاب عند ذكر مدينة مصر، ويجاور منشأة المهرانيّ بستان الخشاب، وبعضه الآن يعرف بالمريس، وبعضه عمله الملك الناصر محمد بن قلاون ميدانا يشرف على النيل من غربيه، ويعرف ساحل النيل هناك بموردة الجبس، كما ذكر عند ذكر الميادين من هذا الكتاب، ويجاور بستان الخشاب جنان الزهريّ، وهذه المواضع التي ذكرت كلها مما انحسر عنه النيل، ما خلا جنان الزهريّ، فإنها من قبل ذلك، وستقف على خبرها وخبر ما يجاورها من الأحكار إن شاء اللّه تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع