تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر الماردانيّ

هو أبو بكر محمد بن عليّ بن محمد بن رستم بن أحمد. وقيل محمد بن عليّ بن أحمد بن عيسى بن رستم. وقيل محمد بن عليّ بن أحمد بن إبراهيم بن الحسين بن عيسى بن رستم الماردانيّ، أحد عظماء الدنيا. ولد بنصيبين لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقدم إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وخلف أباه عليّ بن أحمد الماردانيّ أيام نظره في أمور أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وسنّه يومئذ خمس عشرة سنة، وكان معتدل الكتابة ضعيف الحظ من النحو واللغة، ومع ذلك فكان يكتب الكتب إلى الخليفة، فمن دونه على البديهة من غير نسخة، فيخرج الكتاب سليما من الخلل. ولما قتل أبوه في سنة ثمانين ومائتين، استوزره هارون بن خماريه، فدبّر أمر مصر إلى أن قدم محمد بن سليمان الكاتب من بغداد إلى مصر، وأزال دولة بني طولون، وحمل رجالهم إلى العراق، فكان أبو بكر ممن حمله، فأقام ببغداد إلى أن قدم صحبة العساكر لقتال خباسة، فدبر أمر البلد وأمر ونهى، وحدّث بمصر عن أحمد بن عبد الجبار العطارديّ وغيره، بسماعه منهم في بغداد، وكان قليل الطلب للعلم، تغلب عليه محبة الملك وطلب السيادة، ومع ذلك كان يلازم تلاوة القرآن الكريم ويكثر من الصلاة ويواظب على الحج، وملك بمصر من الضياع الكبار ما لم يملكه أحد قبله، وبلغ ارتفاعه في كل سنة أربعمائة ألف دينار سوى الخراج، ووهب وأعطى وولى وصرف وأفضل ومنع

ورفع ووضع، وحج سبعا وعشرين حجة، أنفق في كل حجة منها مائة وخمسين ألف دينار، وكان تكين أمير مصر يشيعه إذا خرج للحج ويتلقاه إذا قدم، وكان يحمل إلى الحجاز جميع ما يحتاج إليه، ويفرّق بالحرمين الذهب والفضة والثياب والحلوى والطيب والحبوب، ولا يفارق أهل الحجاز إلاّ وقد أغناهم. وقيل مرّة وهو بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ما بات في هذه الليلة أحد بمكة والمدينة وأعمالهما إلاّ وهو شبعان من طعام أبي بكر الماردانيّ.

ولما قدم الأمير محمد بن طفج الإخشيد إلى مصر استتر منه، فإنه كان منعه من دخول مصر، وجمع العساكر لقتاله، فاجتمع له زيادة على ثلاثين ألف مقاتل، وحارب بهم بعد موت تكين أمير مصر، ومرّت به خطوب لكثرة فتن مصر إذ ذاك، وأحرقت دوره ودور أهله ومجاوريه، وأخذت أمواله واستتر فقبض على خليفته وعماله، فكتب إلى بغداد يسأل إمارة مصر، وكتب محمد بن تكين بالقدس يسأل ذلك، فعاد الجواب بإمارة ابن تكين، وأن يكون الماردانيّ يدبر أمر مصر ويولي من شاء، فظهر عند ذلك من الاستتار وأمر ونهى ودبر أمر البلد، وصار الجيش بأسره يغدو إلى بابه، فأنفق في جماعة، واصطنع قوما، وقتل عدّة من أصحاب ابن تكين، وكان محمد بن تكين بالقدس، وأمر مصر كله للماردانيّ بمفرده ومعه أحمد بن كيغلغ، وقد قدم من بغداد بولاية ابن تكين على مصر، وولاية أبي بكر الماردانيّ تدبير الأمور، فاستمال أبو بكر أحمد بن كيغلغ حتى صار معه على ابن تكين وحاربه، وكان من أمره ما كان إلى أن قدمت عساكر الإخشيد، فقام أبو بكر لمحاربتهم، ومنع الإخشيد من مصر، فكان الإخشيد غالبا له ودخل البلد فاستتر منه أبو بكر إلى أن دلّ عليه فأخذ وسلمه إلى الفضل بن جعفر بن الفرات، فلما صار إلى ابن الفرات قال له: إيش هذا الاستيحاش والتستر، وأنت تعلم أن الحج قد أظلّ ويحتاج لإقامة الحج، فقال به أبو بكر: إن كان إليّ فخمسة عشر ألف دينار، فقال ابن الفرات: أيش، خمسة عشر ألف دينار؟ قال ما عندي غير هذا، فقال ابن الفرات: بهذا ضربت وجه السلطان بالسيف، ومنعت أمير البلد من الدخول.

ثم صاح يا شاذن خذه إليك فأقيم وأدخل إلى بيت، وكان يومئذ صائما، فامتنع من تناول الطعام والشراب ولزم تلاوة القرآن والصلاة طول يومه وليلته، وأصبح فامتنع ابن الفرات من الأكل إجلالا له، فلما كان وقت الفطر من الليلة الثانية، امتنع أبو بكر من الفطر كما امتنع في الليلة الأولى، فامتنع ابن الفرات أيضا من الأكل وقال: لا آكل أبدا أو يأكل أبو بكر، فلما بلغ ذلك أبا بكر أكل، فأخذ ابن الفرات في مصادرته وقبض على ضياعه التي بالشام ومصر، وتتبع أسبابه. ثم خرج به معه إلى الشام وعاد به إلى مصر، ثم خرج به ثانيا إلى الشام، فمات الفضل بن الفرات بالرملة، ورجع أبو بكر إلى مصر فردّ إليه الإخشيد أمور مصر كلها، وخلع على ابنه، وتقلد السيف، ولبس المنطقة، ولبس أبو بكر الدراعة تنزها، ثم تنكر عليه الإخشيد وقبضه في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وجعله في دار وأعدّ له فيها

من الفرض والآلات والأواني والملبوس والطيب والطرائف وأنواع المآكل والمشارب ما بلغ فيه الغاية، وتفقدها بنفسه وطافها كلها، فقيل له عملت هذا كله لمحمد بن عليّ الماردانيّ؟ فقال: نعم، هذا ملك وأردت أن لا يحتقر بشيء لنا، ولا يحتاج أن يطلب حاجة إلاّ وجدها، فإنه إن فقد عندنا شيئا مما يريده استدعى به من داره، فنسقط نحن من عينيه عند ذلك، فلم يزل معتقلا حتى خرج الإخشيد إلى لقاء أمير المؤمنين المتقي للّه، فحمله معه، ولما مات الإخشيد بدمشق كان أبو بكر بمصر، فقام بأمر أونوجور بن الإخشيد وقبض على محمد بن مقاتل وزير الإخشيد، وأمر ونهى وصرّف الأور إلى أن كانت واقعة غلبون واتصال أبي بكر به، فلما عادت الإخشيدية قبض على أبي بكر ونهبت دوره وأحرق بعضها وأخذ ابنه، وقام أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات بأمر الوزارة، فعند ما قدم كافور الإخشيدي من الشام بالعساكر التي كانت مع الإخشيد أطلق أبا بكر وأكرمه وردّ ضياعه وضياع ابنه، فلما ماتت أمّ ولده لحقه كافور ومعه الأمير أونوجور عند المقابر وترجلا له وعزياه، ثم ركبا معه حتى صليا عليها، فلما مرض مرض موته، عاده كافور مرارا إلى أن مات في شهر شوال سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، فدفن بداره. ثم نقل إلى المقابر، وكانت فضائله جمة منها:

أنه أقام أربعين سنة يصوم الدهر كله، ويركب كل يوم إلى المقابر بكرة وعشية، فيقف له الموكب حتى يمضي إلى تربة أولاده وأهله فيقرأ عندهم ويدعو لهم، وينصرف إلى المساجد في الصحراء فيصلى بها والناس وقوف له، إلاّ أنه كان في غاية العجلة لا يراجع فيما يريده ولو كان ما كان، ولما أراد المقتدر أن يقيم وزيرا كتبت رقعة فيها أسماء جماعة، وأنفذت إلى عليّ بن عيسى ليشير بواحد منهم، وكان أبو بكر ممن كتب معهم اسمه، فكتب تحت كل اسم واحد منهم ما يستحقه من الوصف، وكتب تحت اسم أبي بكر محمد بن عليّ الماردانيّ: مترف عجول، وبنى أبو بكر السقايات والمساجد في المغافر وفي يحصب وبني وائل، وليس لشيء منها اليوم أثر يعرف، ومرّت به في هذا الكتاب أخبار، وقد أفرد له ابن زولاق سيرة كبيرة، وهذا منها واللّه أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر حارات القاهرة وظواهرها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.