تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر الحجبة

وكانت رتبة الحجبة في الدولة التركية جليلة، وكانت تلي رتبة نيابة السلطنة، ويقال لأكبر الحجبة حاجب الحجاب. وموضوع الحجبة أن متوليها بنصف من الأمراء والجند، تارة بنفسه وتارة بمشاورة السلطان وتارة بمشاورة النائب، وكان إليه تقديم من يعرض ومن يردّ، وعرض الجند، فإن لم يكن نائب السلطنة فإنه هو المشار إليه في الباب، والقائم مقام النوّاب في كثير من الأمور، وكان حكم الحاجب لا يتعدّى النظر في مخاصمات الأجناد

واختلافهم في أمور الإقطاعات ونحو ذلك، ولم يكن أحد من الحجاب فيما سلف يتعرّض للحكم في شيء من الأمور الشرعية، كتداعي الزوجين وأرباب الديون، وإنما يرجع ذلك إلى قضاة الشرع، ولقد عهدنا دائما أن الواحد من الكتاب أو الضمان ونحوهم، يفرّ من باب الحاجب ويصير إلى باب أحد القضاة ويستجير بحكم الشرع فلا يطمع أحد بعد ذلك في أخذه من باب القاضي، وكان فيهم من يقيم الأشهر والأعوام في ترسيم القاضي حماية له من أيدي الحجاب، ثم تغير ما هنالك وصار الحاجب اليوم اسما لعدّة جماعة من الأمراء، ينتصبون للحكم بين الناس لا لغرض إلاّ لتضمين أبوابهم بمال مقرّر في كلّ يوم على رأس نوبة النقباء، وفيهم غيروا حد ليس لهم على الأمرة إقطاع، وإنما يرتزقون من مظالم العباد، وصار الحاجب اليوم يحكم في كلّ جليل وحقير من الناس، سواء كان الحكم شرعيا أو سياسيا بزعمهم، وإن تعرّض قاض من قضاة الشرع لأخذ غريم من باب الحاجب، لم يمكّن من ذلك، ونقيب الحاجب اليوم مع رذالة الحاجب وسفالته، وتظاهره من المنكر بما لم يكن يعهد مثله، يتظاهر به أطراف السوقة، فإنه يأخذ الغريم من باب القاضي ويتحكم فيه من الضرب وأخذ المال بما يختار، فلا ينكر ذلك أحد البتة، وكانت أحكام الحجاب أوّلا يقال لها حكم السياسة، وهي لفظة شيطانية لا يعرف أكثر أهل زمننا اليوم أصلها، ويتماهلون في التلفظ بها ويقولون: هذا الأمر مما لا يمشي في الأحكام الشرعية، وإنما هو من حكم السياسة، ويحسبونه هينا، وهو عند اللّه عظيم، وسأبين معنى ذلك، وهو فصل عزيز.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.