من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
الجامع العتيق (٢)
تسليمة واحدة، ويقرأ في الركعة الأولى بالبقرة، وفي الثانية بقل هو اللّه أحد، ويرفع يديه في القصص إذا دعا. وكان عبد الملك بن مروان شكا إلى العلماء ما انتشر عليه من أمور رعيته وتحوّفه من كلّ وجه. فأشار عليه أبو حبيب الحمصيّ القاضي بأن يستنصر عليهم برفع يديه إلى اللّه تعالى، فكان عبد الملك يدعو ويرفع يديه، وكتب بذلك إلى القصاص فكانوا يرفعون أيديهم بالغداة والعشي.
وفي هذا الجامع مصحف أسماء، وهو الذي تجاه المحراب الكبير. قال القضاعيّ:
كان السبب في كتب هذا المصحف، أنّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ كتب مصاحف وبعث بها إلى الأمصار، ووجه إلى مصر بمصحف منها، فغضب عبد العزيز بن مروان من ذلك، وكان الوالي يومئذ من قبل أخيه عبد الملك وقال: يبعث إلى جند أنا فيه بمصحف؟ فأمر فكتب له هذا المصحف الذي في المسجد الجامع اليوم، فلما فرغ منه قال: من وجد فيه حرفا خطأ فله رأس أحمر وثلاثون دينارا، فتداوله القرّاء، فأتى رجل من قراء الكوفة اسمه زرعة بن سهل الثقفيّ فقرآه تهجيا، ثم جاء إلى عبد العزيز بن مروان فقال له: إني قد وجدت في المصحف حرفا خطأ. فقال: مصحفي؟ قال نعم. فنظر فإذا فيه إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة. فإذا هي مكتوبة نجعة، قد قدّمت الجيم قبل العين، فأمر بالمصحف فأصلح ما كان فيه، وأبدلت الورقة، ثم أمر له بثلاثين دينارا وبرأس أحمر، ولما فرغ من هذا المصحف كان يحمل إلى المسجد الجامع غداة كلّ جمعة، من دار عبد العزيز، فيقرأ فيه ثم يقص ثم يردّ إلى موضعه. فكان أوّل من قرأ فيه عبد الرحمن بن حجيرة الخولانيّ، لأنه كان يتولى القصص والقضاء يومئذ، وذلك في سنة ست وسبعين، ثم تولى بعده القصص أبو الخير مرثد بن عبد اللّه اليزنيّ، وكان قاضيا بالاسكندرية قبل ذلك، ثم توفي عبد العزيز في سنة ست وثمانين، فبيع هذا المصحف في ميراثه، فاشتراه ابنه أبو بكر بألف دينار، ثم توفي أبو بكر فاشترته أسماء ابنة أبي بكر بن عبد العزيز بسبعمائة دينار، فأمكنت الناس منه وشهرته، فنسب إليها. فلما توفيت أسماء اشتراه أخوها الحكم بن عبد العزيز بن مروان من ميراثها بخمسمائة دينار، فأشار عليه توبة بن نمر الحضرميّ القاضي، وهو متولي القصص يومئذ بالمسجد الجامع، بعد عقبة بن مسلم الهمدانيّ، وإليه القضاء. وذلك في سنة ثمان عشرة ومائة، فجعله في المسجد الجامع، وأجرى على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير في كل شهر من غلة الإصطبل، فكان توبة أوّل من قرأ فيه بعد أن أقرّ في الجامع، وتولى القصص بعد توبة أبو اسماعيل خير بن نعيم الحضرميّ القاضي، في سنة عشرين ومائة، وجمع له القضاء والقصص، فكان يقرأ في المصحف قائما، ثم يقص وهو جالس، فهو أوّل من قرأ في المصحف قائما، ولم تزل الأئمة يقرءون في المسجد الجامع في هذا المصحف في كلّ يوم جمعة، إلى أن ولي القصص أبو رجب العلاء بن عاصم الخولانيّ، في سنة اثنتين وثمانين ومائة فقرأ فيه يوم الاثنين، وكان قد جعل المطلب الخزاعيّ أمير مصر، من قبل
المأمون، رزق أبي رجب العلاء عشرة دنانير على القصص، وهو أوّل من سلّم في الجامع تسليمتين بكتاب ورد من المأمون يأمر فيه بذلك، وصلّى خلفه محمد بن إدريس الشافعيّ حين قدم إلى مصر، فقال: هكذا تكون الصلاة، ما صليت خلف أحد أتم صلاة من أبي رجب ولا أحسن.
ولما ولي القصص حسن بن الربيع بن سليمان، من قبل عنبسة بن إسحاق أمير مصر، من قبل المتوكل في سنة أربعين ومائتين، أمر أن تترك قراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم في الصلاة، فتركها الناس. وأمر أن تصلّى التراويح خمس تراويح، وكانت تصلّى قبل ذلك ست تراويح، وزاد في قراءة المصحف يوما، فكان يقرأ يوم الاثنين ويوم الخميس ويوم الجمعة.
ولما ولي حمزة بن أيوب بن إبراهيم الهاشميّ القصص بكتاب من المكتفي، في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، صلّى في مؤخر المسجد حين نكس، وأمر أن يحمل إليه المصحف ليقرأ فيه، فقيل له انه لم يحمل المصحف إلى أحد قبلك، فلو قمت وقرأت فيه في مكانه.
فقال: لا أفعل، ولكن ائتوني به فإن القرآن علينا أنزل، وإلينا أتى. فأتي به، فقرأ فيه في المؤخر وهو أوّل من قرأ في المصحف في المؤخر، ولم يقرأ في المصحف بعد ذلك في المؤخر إلى أن تولى أبو بكر محمد بن الحسن السوسيّ الصلاة والقصص، في اليوم العشرين من شعبان، سنة ثلاث وأربعمائة، فنصب المصحف في مؤخر الجامع حيال الفوّارة وقرأ فيه أيام نكس الجامع، فاستمرّ الأمر على ذلك إلى الآن.
ولما تولى القصص أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن مسلم الملطيّ، في سنة إحدى وثلاثمائة عزم على القراءة في المصحف في كلّ يوم، فتكلم عليّ بن قديد في ذلك ومنع منه وقال: أعزم على أن يخلق المصحف ويقطعه، أيرى عبد العزيز بن مروان حيا فيكتب له مثله، فرجع إلى القراءة ثلاثة أيام.
وكان قد حضر إلى مصر رجل من أهل العراق وأحضر مصحفا ذكر أنه مصحف عثمان بن عفان ﵁، وأنه الذي كان بين يديه يوم الدار، وكان فيه أثر الدم، وذكر أنه استخرج من خزائن المقتدر، ودفع المصحف إلى عبد اللّه بن شعيب المعروف بابن بنت وليد القاضي، فأخذه أبو بكر الخازن وجعله في الجامع، وشهره وجعل عليه خشبا منقوشا، وكان الإمام يقرأ فيه يوما، وفي مصحف أسماء يوما، ولم يزال على ذلك إلى أن رفع هذا المصحف واقتصر على القراءة في مصحف أسماء، وذلك في أيام العزيز بالله، لخمس خلون من المحرّم سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. وقد أنكر قوم أن يكون هذا المصحف مصحف عثمان ﵁، لأن نقله لم يصح، ولم يثبت بحكاية رجل واحد. ورأيت أنا هذا المصحف وعلى ظهر مما نسخته: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه رب العالمين، هذا المصحف الجامع لكتاب اللّه جل ثناؤه وتقدّست أسسماؤه، حمله المبارك مسعود بن سعد
الهيتيّ لجماعة المسلمين القرّاء للقرآن التالين له، المتقرّبين إلى اللّه جلّ ذكره بقراءته، والمتعلمين له، ليكون محفوظا أبدا ما بقي ورقه، ولم يذهب اسمه ابتغاء ثواب اللّه ﷿، ورجاء غفرانه، وجعله عدّة ليوم فقره وفاقته وحاجته إليه، أنا له اللّه ذلك برأفته، وجعل ثوابه بينه وبين جماعة من نظر فيه، وقد درس ما بعد هذا الكلام من ظهر المصحف، والمندرس يشبه أن يكون: وتبصر في ورقه، وقصد بابداعه فسطاط مصر في المسجد الجامع، جامع المسلمين العتيق، ليحفظ حفظ مثله مع سائر مصاحف المسلمين، فرحم اللّه من حفظه ومن قرأ فيه ومن عنى به، وكان ذلك في يوم الثلاثاء مستهل ذي القعدة سنة سبع وأربعين وثلاثمائة وصلّى اللّه على محمد سيد المرسلين وعلى آله وسلّم تسليما كثيرا، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل.
قال ابن المتوّج: ودليل بطلان ما قاله هذا المعترض، ظهور التعصب على عثمان ﵁ من تجيب وخلفائهم، أن الناس قد جرّبوا هذا المصحف، وهو الذي على الكرسيّ الغربيّ من مصحف أسماء، أنه ما فتح قط إلاّ وحدث حادث في الوجود لتحقيق ما حدث أوّلا. واللّه أعلم.
قال القضاعيّ: ذكر المواضع المعروفة بالبركة من الجامع يستحبّ الصلاة والدعاء عندها. منها البلاطة التي خلف الباب الأوّل في مجلس ابن عبد الحكم، ومنها باب البرادع، روي عن رجل من صلحاء المصريين يقال له أبو هارون الخرقيّ قال: رأيت اللّه ﷿ في منامي، فقلت له يا رب أنت تراني وتسمع كلامي؟ قال: نعم. ثم قال أتريد أن أريك بابا من أبواب الجنة؟ قلت نعم. يا رب، فأشار إلى باب أصحاب البرادع أو الباب الأقصى مما يلي رحبة حارث، وكان أبو هارون هذا يصلي الظهر والعصر فيما بينهما.
وقال ابن المتوّج: وعند المحراب الصغير الذي في جدار الجامع الغربيّ، ظاهر المقصورة، فيما بين بابي الزيادة الغربية الدعاء عنده مستجاب. قال: من ذلك باب مقصورة عرفة، ومنها عند خرزة البئر التي بالجامع، ومنها قبال اللوح الأخضر، ومنها زاوية فاطمة، ويقال أنها فاطمة ابنة عفان، لمّا وصى والدها أن تترك للّه في الجامع فتركت في هذا المكان فعرف بها، ومنها سطح الجامع والطواف به سبع مرّات، يبدأ بالأولى من باب الخزانة الأولى التي يستقبلها الداخل من باب السطح، وهو يتلو إلى أن يصل إلى زاوية السطح التي عند المئذنة المعروفة بعرفة، يقف عندها ثم يدعو بما أراد، ثم يمرّ وهو يتلو إلى أن يصل إلى الركن الشرقيّ عند المئذنة المشهورة بالكبيرة، ثم يدعو بما أراد ويمرّ إلى الركن البحريّ الشرقيّ، فيقف محاذيا لغرفة المؤذنين ويدعو، ثم يمرّ وهو يتلو إلى المكان الذي ابتدأ منه. يفعل ذلك سبع مرّات، فإنّ حاجته تقضى.
قال القضاعيّ: ولم يكن الناس يصلّون بالجامع بمصر صلاة العيد، حتى كانت سنة
ست، ويقال سنة ثمان وثلاثمائة. فصلّى فيه رجل يعرف بعليّ بن أحمد بن عبد الملك الفهميّ، يعرف بابن أبي شيخة صلاة الفطر، ويقال أنه خطب من دفتر نظرا، وحفظ عنه اتقوا اللّه حق تقاته ولا تموتن إلاّ وأنتم مشركون. فقال بعض الشعراء:
وقام في العيد لنا خاطبفحرّض الناس على الكفر
وتوفي سنة تسع وثلاثمائة.
وبالجامع زوايا يدرّس فيها الفقه: منها زاوية الإمام الشافعيّ ﵁، يقال أنه درّس بها الشافعيّ فعرفت به، وعليها أرض بناحية سندبيس وقفها السلطان الملك العزيز عثمان بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولم يزل يتولى تدريسها أعيان الفقهاء وجلة العلماء. ومنها الزاوية المجدية بصدر الجامع، فيما بين المحراب الكبير ومحراب الخمس، داخل المقصورة الوسطى بجوار المحراب الكبير، رتبها مجد الدين أبو الأشبال الحارث بن مهذب الدين أبي المحاسن مهلب بن حسن بن بركات بن عليّ بن غياث المهلبيّ الأزديّ البهنسيّ الشافعيّ، وزير الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب بحرّان، وقرّر في تدريسها قريبه قاضي القضاة وجيه الدين عبد الوهاب البهنسيّ، وعمل على هذه الزاوية عدّة أوقاف بمصر والقاهرة، ويعدّ تدريسها من المناصب الجليلة، وتوفي المجد في صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة بدمشق، عن ثلاث وستين سنة. ومنها الزاوية الصاحبية، حول عرفة رتبها الصاحب تاج الدين محمد بن فخر الدين محمد بن بهاء الدين بن حنا، وجعل لها مدرّسين أحدهما مالكيّ والآخر شافعيّ، وجعل عليها وقفا بظاهر القاهرة بخط البراذعيين. ومنها الزاوية الكمالية بالمقصورة المجاورة لباب الجامع الذي يدخل إليه من سوق الغزل، رتبها كمال الدين السمنوديّ، وعليها فندق بمصر موقوف عليها. ومنا الزاوية التاجية، أمام المحراب الخشب، رتبها تاج الدين السطحيّ، وجعل عليها دورا بمصر موقوفة عليها. ومنها الزاوية المعينية في الجانب الشرقيّ من الجامع، رتبها معين الدين الدهر وطيّ، وعليها وقف بمصر. ومنها الزاوية العلائية، تنسب لعلاء الدين الضرير، وهي في صحن الجامع، وهي لقراءة ميعاد. ومنها الزاوية الزينية، رتبها الصاحب زين الدين بقراءة ميعاد أيضا، ذكر ذلك ابن المتوّج. وأخبرني المقرئ الأديب المؤرخ الضابط شهاب الدين أحمد بن عبد اللّه بن الحسن الأوحديّ ﵀ قال:
أخبرني المؤرّخ ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم بن الفرات، قال: أخبرني العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفيّ، أنه أدرك بجامع عمرو بن العاص بمصر قبل الوباء، الكائن في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بضعا وأربعين حلقة لإقراء العلم، لا تكاد تبرح منه. قال ابن المأمون: حدّثني القاضي المكين بن حيدرة وهو من أعيان الشهود بمصر، أن من جملة الخدم التي كانت بيد والده مشارقة الجامع العتيق، وأنّ القومة
بأجمعهم كانوا يجتمعون قبل ليلة الوقود عنده، إلى أن يعملوا ثمانية عشر ألف فتيلة، وأن المطلق برسمه خاصة في كلّ ليلة ترسم وقوده أحد عشر قنطار أو نصف زيتا طيبا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع