تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

خانقاه أمّ أنوك

هذه الخانقاه خارج باب البرقية بالصحراء، التي أنشأتها الخاتون طغاي تجاه تربة الأمير طاشتمر الساقي، فجاءت من أجلّ المباني، وجعلت بها صوفية وقرّاء، ووقفت عليها الأوقاف الكثيرة، وقرّرت لكل جارية من جواريها مرتبا يقوم بها.

طغاي الخوندة الكبرى: زوجة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، وأمّ ابنه الأمير أنوك، كانت من جملة إمائه، فأعتقها وتزوّجها، ويقال أنها أخت الأمير أقبغا عبد الواحد، وكانت بديعة الحسن باهرة الجمال، رأت من السعادة ما لم يره غيرها من نساء

الملوك الترك بمصر، وتنعمت في ملاذّ ما وصل سواها لمثلها، ولم يدم السلطان على محبة امرأة سواها، وصارت خونده بعد ابنه توكاي وأكبر نسائه، حتى من ابنة الأمير تنكز. وحج بها القاضي كريم الدين واحتفل بأمرها وحمل لها البقول في محاير طين على ظهور الجمال، وأخذ لها الأبقار الحلابة، فسارت معها طول الطريق لأجل اللبن الطريّ، وعمل الجبن، وكان يقلي لها الجبن في الغداء والعشاء، وناهيك بمن وصل إلى مداومة البقل والجبن في كل يوم، وهما أخس ما يؤكل، فما عساه يكون بعد ذلك. وكان القاضي كريم الدين، والأمير مجلس، وعدّة من الأمراء يترجلون عند النزول ويمشون بين يدي محفتها ويقبلون الأرض لها كما يفعلون بالسلطان، ثم حج بها الأمير بشتاك في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وكان الأمير تنكز إذا جهز من دمشق تقدمة إلى السلطان لا بدّ أن يكون لخوند طغاي منها جزء وافر، فلما مات السلطان الملك النصار استمرّت عظمتها من بعده إلى أن ماتت في شهر شوّال سنة تسع وأربعين وسبعمائة، أيام الوباء، عن ألف جارية، وثمانين خادما خصيا، وأموال كثيرة جدّا، وكانت عفيفة طاهرة كثيرة الخير والصدقات والمعروف، جهزت سائر جواريها وجعلت على قبر ابنها بقبة المدرسة الناصرية بين القصرين قرّاء، ووقفت على ذلك وقفا، وجعلت من جملته خبزا يفرّق على الفقراء، ودفنت بهذه الخانقاه، وهي من أعمر الأماكن إلى يومنا هذا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر الخوانك

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.