من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
رباط الآثار
هذا الرباط خارج مصر بالقرب من بركة الحبش مطلّ على النيل ومجاور للبستان المعروف بالمعشوق. قال ابن المتوّج: هذا الرباط عمره الصاحب تاج الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد ولد الصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا بجوار بستان المعشوق، ومات ﵀ قبل تكملته، ووصّى أن يكمل من ريع بستان المعشوق، فإذا كملت عمارته يوقف عليه ووصّى الفقيه عز الدين بن مسكين فعمر فيه شيئا يسيرا وأدركه الموت إلى رحمة اللّه تعالى، وشرع الصاحب ناصر الدين محمد ولد الصاحب تاج الدين في تكملته، فعمر فيه شيئا جيدا انتهى.
وإنما قيل له رباط الآثار لأنّ فيه قطعة خشب وحديد يقال أن ذلك من أثار رسول اللّه ﷺ، اشتراها الصاحب تاج الدين المذكور بمبلغ ستين ألف درهم فضة من بني إبراهيم أهل ينبع، وذكروا أنها لم تزل عندهم موروثة من واحد إلى آخر إلى رسول اللّه ﷺ، وحملها إلى هذا الرباط وهي به إلى اليوم يتبرّك الناس بها ويعتقدون النفع بها، وأدركنا لهذا الرباط بهجة، وللناس فيه اجتماعات، ولساكنه عدّة منافع ممن يتردّد إليه أيام كان ماء النيل تحته دائما. فلما انحسر الماء من تجاهه وحدثت المحن من سنة ست وثمانمائة قلّ تردّد الناس إليه، وفيه إلى اليوم بقية، ولما كانت أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون قرّر فيه درسا للفقهاء الشافعية، وجعل له مدرّسا، وعنده عدّة من الطلبة، ولهم جار في كل شهر من وقف وقفه عليهم وهو باق أيضا، وفي أيام الملك الظاهر برقوق وقف قطعة أرض لعمل الجسر المتصل بالرباط، ولهذا الرباط حزانة كتب وهو عامر بأهله.
الوزير الصاحب: تاج الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الوزير الصاحب بهاء الدين عليّ بن سليم بن حنا، ولد في سابع شعبان سنة أربعين وستمائة، وسمع من سبط السلفيّ وحدّث وانتهت إليه رياسة عصره، وكان صاحب صيانة وسؤدد ومكارم، وشاكلة حسنة وبزة فاخرة إلى الغاية، وكان يتناهى في المطاعم والملابس والمناكح والمساكن، ويجود بالصدقات الكثيرة مع التواضع ومحبة الفقراء وأهل المصلاح والمبالغة في اعتقادهم، ونال في الدنيا من العز والجاه ما لم يره جدّه الصاحب الكبير بهاء الدين، بحيث أنّه لما تقلد الوزير الصاحب فخر الدين بن الخليليّ الوزارة، وسار من قلعة الجبل وعليه
تشريف الوزارة إلى بيت الصاحب تاج الدين وقبل يده وجلس بين يديه، ثم انصرف إلى داره، وما زال على هذا القدر من وفور العز إلى أن تقلد الوزارة في يوم الخميس رابع عشري صفر سنة ثلاث وتسعين وستمائة، بعد قتل الوزير الأمير سنجر الشجاعيّ، فلم ينجب، وتوقفت الأحوال في أيامه حتى احتاج إلى إحضار تقاوي النواحي المرصدة بها للتخضير واستهلكها، ثم صرف في يوم الثلاثاء خامس عشري جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وستمائة بفخر الدين عثمان بن الخليليّ، وأعيد الوزارة مرّة ثانية، فلم ينجح، وعزل وسلّم مرّة للشجاعيّ فجرّده من ثيابه وضربه شيبا واحدا بالمقارع فوق قميصه، ثم أفرج عنه على مال، ومات في رابع جمادى الآخرة سنة سبع وسبعمائة، ودفن في تربتهم بالقرافة، وكان له شعر جيد، وللّه درّ شيخنا الأديب جلال الدين محمد بن خطيب داريا الدمشقيّ البيسانيّ حيث يقول في الآثار:
يا عين إن بعد الحبيب ودارهونأت مرابعه وشطّ مزاره
فلقد ظفرت من الزمان بطائلإن لم تريه فهذه آثاره
وقد سبقه لذلك الصلاح خليل بن أيبك الصفديّ فقال:
أكرم بآثار النبيّ محمدمن زاره استوفى السرور مزاره
يا عين دونك فانظري وتمتعيإن لم تريه فهذه آثاره
واقتدى بهما في ذلك أبو الحزم المدنيّ فقال:
يا عين كم ذا تسفحين مدامعاشوقا لقرب المصطفى ودياره
إن كان صرف الدهر عاقك عنهمافتمتعي يا عين في آثاره
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع